English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "3 / 9"  من تفسير سورة  الرعد (013) :  الآيات  : 4 – 13  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

  

    الحمد لله العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في سورة الرعد إلى قوله تعالى :

      

قبلها :

      

أي أن هذا الكتاب مِنْ ربك ، مَنْ ربُّك ؟ ..

      

        أي وخلق لكم في الأرض ، ومن آياته الدالَّة على عظمته ، أَعَرَفْتَ مِنْ عند مَنْ هذا الكتاب ؟ من الذي رفع السماوات بغير  عمدٍ ترونها ، من الذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي ، من جعل في الأرض قطعاً متجاورات ..

      

        أي أراضٍ بعضها غبار ، بعضها كلس ، بعضها خَصيب ، بعضها مالح ، بعضها مزروع ، بعضها مُهْمَل ، فحيثما سرت في الأرض ترى أنواعاً منوَّعةً من التُرَب ، تربة لَحْقِيَّة ، تربة غضاريَّة ، تربة كلسيَّة ، تربة بازلتيَّة ، تربة بركانية ، تربة غنيَّة بالحديد ، تربة غنيَّة بالكالسيوم ، تربة تسقى بعلاً ، تربة تسقى بماء النهر ، تربة مزروعة ، تربة تنجح فيها هذه الفاكهة ، تربة تنجح فيها هذا المحصول ..

      

 

        النخيل باسقة ، والأعناب متسلِّقة ، والزرع أرضي ، أي الخضراوات ، المحاصيل هذه زروع ، والأعناب متسلِّقة ، والنخيل باسقة ، أي أنها أنواع منوَّعة ، أشجار دائمة الخضرة ، أشجار مثمرة ، أشجار قصيرة العمر ، أشجار مديدة العمر ..

      

      لو ذهبت إلى حقل زيتون لَلَفت نظرك ظاهرة في الزيتون ، أن كل شجرة من الزيتون ينبت في أطرافها فسائل ، قد لا يقف الإنسان عند هذه الظاهرة ولكن لو فكَّر فيها لعرف حكمة الله سبحانه وتعالى ، لأنك إذا زرعت بذر الزيتون لاحتجت إلى سنواتٍ طويلةٍ طويلة  كي تُصبح هذه البذرة فسيلة ، ولكن الله سبحانه وتعالى توفيراً للوقت أخرج مع كل زيتونةٍ ضخمةٍِ عدَّة فسائل حولها ، ما عليك إلا أن تقطع هذه الفسيلة من جذر الزيتونة وتزرعها فإذا هي شجرةٌ بعد سنواتٌ عدَّة ، فقد تجد نخلتين من أصلٍ واحد ، وقد تجد للأصل الواحد نخلةً واحدة ..

      

أي أخوان ..

      

ومعنى كلمة الصنو أي الأخُ ..

                   

       فهذه الآية من أعظم الآيات الدالَّة على عظمة الله عزَّ وجل ، لو اتفق أن في بستانٍ واحد شجرة كَرَز ، وأخرى مُشمش ، والثانية تفَّاح ، والثالثة درَّاق ، والرابعة خَوْخ ، وما شاكل ذلك ، التربة واحدة ، الجو واحد، الهواء واحد ، السماد واحد ، السقي واحد ، الأمطار واحدة، الثلج واحد ، البرد واحد ، الحر واحد ، طَعْم الدراق غير طعم الكرز ، غير طعم العنب ، غير طعم المشمش ، غير طعم التفَّاح ، غير طعم الأجاص..

      

    لو قيل لك صف طعم التفَّاح لا تستطيع ، تقول : التفَّاح تفَّاح ، صف طعم الأجَّاص لن تستطيع ..

      

فاكهة تُباع بليرتين ، فاكهة تُباع بخمس عشرة ليرة .

     

هذه فستق ، هذه لوز ، هذه فستق عبيد .. مثلاً .. أنواع منوَّعة .

      

        الأُكُل هنا أي الطعم ، نفضِّل بعضها على بعض في الطعوم ، طعم هذا غير طعمِ هذا، وسعر الفاكهة دليل اختلاف طعومها ، في فواكه رخيصة ، في فواكه غالية ..

      

قبل قليل :

      

في هذه الآية :

      

قال تعالى :

لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَعْقِلُونَ بِهَا

( سورة الحج : من آية " 46 " )

       فالعقل مكانه القلب ، والتَفَكُّر مكانه الرأس ، فالإنسان يتفكَّر في الآية فيقنع بها ، فإذا تعمَّق في فهمها عقلها ، فإذا عقلها انتقلت من فكره إلى قلبه..

" وإنما الدين هو العقل ومن لا عقل له لا دين له " .

                

      فمعظم الناس يتوهَّمون أن الموت نهاية الحياة ، مع أن الحقيقة أن الموت بداية الحياة ، الله سبحانه وتعالى يقول :

    وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُالإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)

( سورة الفجر )

       الموت بداية الحياة ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال :

" من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً " .

فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26)

( سورة الفجر )

يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)

       فحينما يظنُّ الإنسان أن الحياة هي كل شيء ، وأن السعيد فيها من كان غنيَّاً ، وأن الشقي فيها من كان فقيراً ، وأن الموت نهايتها ، هذه النظرة التي ينظر الناس من خلالها إلى الدنيا هي نظرةٌ مُهْلِكَة ، لأنَّك نقلت كل اهتماماتك إلى الأرض ، إلى الدنيا ، والدنيا قد تأتي وقد لا تأتي ، قد تقبل عليك فيختلُّ توازنك ، وقد تُدبر عنك فتيأس ، لكنَّك إذا نقلت اهتمامك إلى الدار الآخرة عندئذٍ يرضيك فيها كل شيء ، قال النبي عليه الصلاة والسلام في بعض خُطَبِه :

" إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببَ ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَ ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي " .

       فما من واحدٍ منَّا إلا وله فلسفة شاء أن أبى ، كانت هذه الفلسفة عن وعيٍّ أو عن غير وعيٍّ ، فالذي يظنُّ أن الدنيا كل شيء يُقْبِلُ عليها بنهمٍ شديد ، ينام ويحلم بمباهجها ، ببيوتها ، بنسائها ، بمالها ، والذي يظنُّ الآخرة كل شيء هو العاقل .

       مثلاً : لو أن إنساناً كان على وشك الموت عطشاً ، وبقي له كي يموت عطشاً ساعة ، وقيل له : هناك سبعة أمكنة يُظَنُّ أن فيها ماء ، وتحتاج إلى ساعة لتصل إلى كلٍ منها ، والماء في واحدٍ منها ، فأي خطأٍ في التوجُّه معناه الموت المحقَّق ، يوشك هذا الإنسان أن يموت عطشاً، والأطبِّاء قدَّروا له ساعة ، بعد هذه الساعة يلفِظُ أنفاسه الأخيرة ، هو في صحراء قيل له : في هذا المكان نبع ، أو في هذا المكان ، أو في هذا المكان ، أعطوه سبعة أمكنة ثم قالوا له : حقيقةً الماء في مكانٍ واحد من هذه السبعة ، فهل ينطلق الإنسان إلى أحد هذه الأمكنة قبل التروِّي وقبل البحث ؟ لأن انطلاقه إلى أحد هذه الأمكنة قبل التأكُّد من أن الماء فيها معناه موتٌ محقَّق ، فلذلك الإنسان في الدنيا ..

" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " .

        فشيء خطير جداً يقال عنه : مصيري ، أي مصيرك إلى الأبد ، سعادتك إلى الأبد ، شقاؤك إلى الأبد منوطٌ بهذا الكتاب ، هذا منهجك في الحياة ، فربنا عزَّ وجل جعل الدنيا دار تكليف وجعل الآخرة دار تشريف ، أي أن العطاء في الآخرة ، والنعيم المقيم في الآخرة ، والجنَّة التي عرضها السماوات والأرض في الآخرة ، لكن الدنيا دار عمل ، دار جِدٍ ، دار كسبٍ..

 " شمِّروا فإن الأمر جِد ، وتأهَّبوا فإن السفر قريب ، وتزوَّدوا فإن السفر بعيد ، وخفِّفوا أثقالكم فإن في الطريق عقبةً كؤود ، وأخلصوا النيَّة فإن الناقد بصير " .

      

        لو فكَّروا في خلق السماوات والأرض لما قالوا هذا الكلام ، لو رأوا صنعة الله عزَّ وجل فعرفوا من خلالها عظمة الخالق لما شكُّوا في أن الله سبحانه وتعالى سيحقِّق وعده ويبعث من في القبور ، لو فكَّروا في ملكوت السماوات والأرض ، لو فكَّروا في خلقهم ، لو فكروا في طعامهم ، في شرابهم، لو فكروا في مظاهر الطبيعة التي أمامهم لما قالوا :

      

        هذا القول يقوله الجاهل ، أنت أمام صاحب معمل ضخم لصناعة أعظم الآلات تقول له : هل تستطيع أن تصنع آلةً صغيرة ؟‍ لو وقفت أمام صناعته الدقيقة والكبيرة والجبَّارة لما سألت هذا السؤال ، دليل أنَّك لا تعرفه إطلاقاً ، لأنك طرحت هذا السؤال فإنك لا تعرفه .

     

       الله سبحانه وتعالى لم يقل : فيعجب ربُّكم ، لأن الله لا يعجب ، الله فوق أن يعجب ، لأنه ليس كمثله شيء ، أما هناك عجبٌ من قولهم ، هذا العجب من عدم فهمهم لعَظَمَة الله عزَّ وجل .

      

فقولهم يدعوكم إلى العجب يا بني البشر ..

      

         الحقيقة الخلق الأول دليل عظمته ، والخلق الثاني دليل عدالته ، لأن في الخلق الأول عظمةً ما بعدها عَظمة ، هناك الفقير والغني ، هناك القوي والضعيف ، هناك الظالم والمظلوم، هناك الصحيح والمريض ، فهذا المريض لو أن هذه الدنيا هي كل شيء أليس له على الله عَتَبٌ شديد ؟ يا رب أنت الذي خلقتني ، هذا الفقير الذي لا يجد قوت يومه وكانت الدنيا هي كل شيء وانتهى الأمر أليس له عند الله عتبٌ شديد ؟ في الدنيا فقير ، في الدنيا غني، في الدنيا ضعيف ، في الدنيا قوي ، في الدنيا ظالم ، في الدنيا مظلوم ، في الدنيا صحيح، في الدنيا مريض .

        الخلق الأول لحكمةٍ بالغة ، والخلق الثاني لتحقيق العدالة المطلقة ، فالغني سيُحاسب على غناه ، والفقير سيُسأل عن صبره ، والقوي سيُحاسب عن قوَّته كيف استخدمها ، أتعسَّف بها ، والضعيف سيُسأل عن توحيده ، والمريض سيسأل عن صبره ، والصحيح سيسأل عن قوَّته كيف استعملها..

" لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ"* ( سنن الترمذي : عن " أبي برزة الأسلمي " )

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)

 ( سورة الحجر )

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا

  ( سورة المؤمنون : من آية " 115 " )

       جامعة ، قاعات محاضرات ، مكتبة ضخمة ، حدائق ، جهاز تدريسي من أرقى مستوى، مخابر كلَّفت ألوف الملايين ، ليس هناك امتحان ؟ هكذا أدخل إلى الجامعة وأخرج منها من دون امتحان ؟ من دون مسؤوليَّة ؟ مستحيل ، لا يفعلها إنسان ..

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ

       تعالى أن يخلق الناس عبثاً ..

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ( 16)

(سورة الأنبياء)

 

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا

 

( سورة ص : من آية " 27 " )

أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)

( سورة القيامة )

       نحن في الدنيا في ظل الأنظمة الوضعيَّة ، أيضرب إنسان إنساناً ، أيقتله ويذهب إلى بيته هكذا ؟ ليس هناك شرطة ، ليس هناك دوائر مباحث جنائيَّة ؟ هكذا ..

أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)

       عند مخلوق لا تنجو ، عند مخلوق محدود العلم لا تنجو ، عند الخالق ‍؟! تأكل مال فلان، تنتهك عِرض فلان ، تخادع فلان ، تغشُّ فلان، تحتكر هذه السلعة ، تؤذي المسلمين ، تأخذ أموالهم بغير حق وتُتْرَك سدى؟ هكذا ببساطة ، بلا حساب ، بلا مسؤوليَّة ، بلا عذاب ؟ .

       ليست العبرة أن ينجح جميع الطلاَّب في الجامعة ، ولكن الشيء الرائع أن تتطابق النتائج مع المقدِّمات ، هذا هو الشيء الرائع أن يكون هناك حسابٌ دقيق ..

فوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)

 ( سورة الحجر )

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا

( سورة الأحقاف : من آية " 19  " )

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)

 (سورة النحل )

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)

( سورة الزلزلة )

       إيمانك الصحيح أنك لو أنقذت نملة ، أنك لو ابتسمت ابتسامةً بمقدار ثانية واحدة سخريةً من إنسان لحُوسِبْتَ عليها ، قالت : " يا رسول الله صفيَّة قصيرة " ، قال :

" يا عائشة لقد قلتي كلمةً لو مُزِجَت بمياه البحر لأفسدته " .

        كلمة قصيرة ، فلان .. ( وأشار إلى ياقة قميصه ) ، ما حكيـــت شيء .. فلانة .. ( وأشار إلى ياقة قميصه ) ما حكيت شيء .. إنك تُحاسب على ذلك ، أمتأكِّدٌ أنت أنها منحرفة؟ أعندك دليل ؟ أجاءك أربعة شهود ، أم أنها قصَّةً سمعتها فنقلتها ؟ بحسب الرجل من الشر أن يتحدَّث بكل ما سمع ، لابدَّ من تمحيص .

      

     واللهِ إن الحساب في الدنيا قبل الآخرة ، لو تتبعت أهل الدنيا وانحرافاتهم ورأيت كيف أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم عن أعمالهم في الدنيا قبل الآخرة لعجبت العجب العُجاب ، أبداً ..

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً

( سورة النحل : من آية " 97 " )

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ

( سورة طه )

       يعني كنت أعمى في الدنيا ..

أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)

( سورة طه )

               

      لأنهم كفروا بربِّهم أنكروا البعث ، وكأن الإيمان بالله وباليوم الآخر متلازمان ، إذا آمنت بالله تقتضي عدالته أن هناك يوماً آخر ، إن لم تؤمن بالله تُنْكِرُ يوم البعث ، لذلك من أركان الإيمان الإيمان بالله واليوم الآخر ، أبداً ، الإيمان باليوم الآخر من مستلزمات الإيمان بالله عزَّ وجل ، كما أن الإيمان بالفحص من مستلزمات الجامعة ، لا جامعة بلا امتحان لأن هناك إلقاء محاضرات ، وهناك تفاوت بين الطلاَّب في فهم هذه المحاضرات ، تفاوت في الدوام ، تفاوت في الفَهم ، تفاوت في البذل ، تفاوت في الجُهد ، تفاوت في الدراسة ، ما الذي يميِّز هذا التفاوت ؟ الامتحان ، فالامتحان شيءٌ لازمٌ للجامعة ، كذلك اليوم الآخر لابدَّ منه في نهاية الحياة .

      

أي أن هؤلاء الذين يقولون :

     

      لو أنَّهم عرفوا ربَّهم كيف أمدَّهم بالهواء ، هذا الهواء نستنشقه نأخذ منه الأكسجين ونطرح غاز الفحم ، يأتي النبات فيأخذ غاز الفحم يُثَبِّت الفحم في الأوراق ويطرح الأكسجين ، نأكل نحن النبات فتنشأ في أجسادنا طاقة هي الحركة ، بسبب احتراق المواد ـ التي أكلناها ـ في خلايانا مع الأكسجين الذي أخذناه من عملية التنفُّس ، يطرح من هذا الاحتراق غاز الفحم، يأتي النبات يأخذ غاز الفحم ، يثبِّت الفحم في الأوراق ويطرح الأكسجين ، ومن أخذ الأكسجين وطرح غاز الفحم ، وأخذ غاز الفحم وطرح الأكسجين ينشأ هذا التوازن في الأرض ، وإلا لانتهى الأكسجين ، لو فكَّروا في ربِّهم كيف خلق لهم الهواء بهذه النسب الدقيقة ، وكيف جعلهم يتكاملون مع النبات .

       لو فكَّروا في الماء كيف صفَّاه الله عزَّ وجل وحلاَّه ، هو في البحر ملحٌ أجاج ، وفي الينابيع ماءٌ عذبٌ فرات ، لو فكروا في تخزين المياه ..

وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)

( سورة الحجر )

      لو فكَّروا في ظاهرة النبات ، النبات أكبر ظاهرةٍ في الأرض ، أن تزرع حبَّةً فتصبح شجرة ، لكن أين البرمجة ؟ قال لي واحد : بذرة مبرمجة ، قلت له : جميل ، تعالى أناقشك بهذا الموضوع ، لو أردت إنشاء بناءٍ ضخم ، وذهبت إلى أعظم المهندسين ، ووضع لك مخطَّطاتٍ تفصيليَّة ، مخطط للأساسات ، مخطَّط للطابق الأول ، للطابق الثاني ، الثالث ، الرابع ، الخامس ، هندسة نسب ومقاييس ، وهندسة شكل ومظهر، وهندسة كهرباء ، وهندسة مياه ، ألخ ، وجمعت هذه الخرائط وهكذا سمكها ضعها على أرض البناء وانتظر كم سنة حتى يظهر البناء ، نحن في عالَم الواقع ، هل تكفي الخرائط المبرمجة التي فيها حسابٌ دقيق لهذا البناء ، هل تكفي هذه الخرائط ليظهر البناء ؟ تقول : لا إنه لا يظهر ، نحتاج إلى ماذا؟ إلى مواد أوليَّة ، آت بهذه المواد الأوليَّة ؛ آت بالإسمنت ، وبالحديد، وبالبلاط ، وبالطلاء ، وبكل شيء ، دعه في أرض البناء ، هل يظهر البناء ؟ تقول : يد عاملة ، إذا كان بناء فيحتاج إلى خارطة ومواد أوليَّة ويد عاملة ، فهل يمكنك من بذرة مبرمجة تنبت شجرة ؟

       بذرة التين كرأس الدبوس ، هذه البذرة فيه رشيم وفيها مواد مغذِّية للرشيم ، والرشيم حي، كيف تصبح هذه البذرة شجرة ؟ حبَّة قمحٍ زُرِعَت فأنبتت ثلاث آلاف حبَّة رأيتها بأمِّ عيني ، خمس وثلاثون سنبلة من حبِّة قمح واحدة ، وكل سنبلة فيها ستون أو سبعون حبَّة ، في مزرعة في الغوطة، نادرة ، بذرةٌ واحدة ، حبَّة قمحٍ واحدة أصبحت ثلاث آلاف حبَّة ، فيَدُ مَنْ ؟ المزارع يلقي الحبَّة إلى الأرض ويذهب إلى البيت ، من أودع في هذه الحبَّة الحياة ؟ من جعل الرشيم حينما جاءته الرطوبة ينبت له سويقٌ دقيق وجذيرٌ دقيق ، من جعل الجذر يتجه نحو الأسفل والسويق يتجه نحو الأعلى ؟ ما هذا التوافق الدقيق بين انتهاء المواد الغذائيَّة في البذرة وإمكانيَّة الجذير أن يأخذ من التراب ما يحتاج ؟ ما هذا التوافق العجيب ؟ فالنبات ظاهرة .

      فالهواء آية ، والماء آية ، والنبات آية ، والحيوان آية ، وهذه المخلوقات ؛ الطيور ، الأسماك ، الأنعام ، الإبل ، الغنم ، الماعز، البقر.

       هذه البقرة لو أنَّ حليبها خلقه الله لوليدها فقط فإن وليدها يكفيه اثنان كيلو في النهار كله ، البقرة تعطي ثلاثين كيلو حليب ، معنى هذا أن الحليب لنا خصيصاً ، خُلِقَ لنا ..

مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)

( سورة االنحل )

       أنت تأكل جبنة صباحاً ولبناً مصفَّى ، قشطة ، هذا كلُّه من الحليب ، سمنة بلدي ، من صمَّمه ؟ من صنعه ؟ يدُ من صنعته ؟ ..

       أي أن هؤلاء الذين يقولون :

      

      هذا الذي يقول هذا ما فكَّر في ربِّه ، لو فكر في رب العالمين وكيف خلقه وأمدَّه لما أنكر البعث والنشور ..

      

بعضهم وجَّه هذه الآية إلى يوم القيامة :

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)

 (سورة الحاقَّة )

       المجرم يقيَّد ..

ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ

       هذا المعنى الأوَّل :

       المعنى الثاني :

      

هذا الكافر مقيَّدٌ بالشهوات ، شهوته تذلِّه وتسحقه ، هو عبدٌ لها ..

" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ "*

( سنن ابن ماجة : عن " أبي هريرة " ) 

       هؤلاء عبيد الشهوات ، كان رجل بعد أن هداه الله سبحانه وتعالى يقول: " كنت عبداً فأصبحت حرَّاً ، وكنت حرَّاً فأصبحت عبداً " قيل له: فسِّر هذا الكلام ، قال : " كنت عبداً لشهوتي فأصبحت متحرِّراً منها ، ثم كنت حراً بمعنى أنني غير منضبط ، فأصبحت عبداً لي ربٌّ ، ولي منهجٌ أسير عليه " ، " كنت عبداً فأصبحت حرَّاً ، وكنت حرَّاً فأصبحت عبداً " .

      

     هؤلاء الكفَّار يستهزئون بوعيد الله سبحانه وتعالى ، ليعذِّبنا ربُّك ، أين العذاب ؟ ليأتي ..

      

      فإذا جاء العذاب رأيتهم يصرخون كالكلاب ، لكنَّهم لجهلهم .. الحيوان من صفاته أنه يخاف بعينه فقط ، أي لا يخاف حتى يرى الخطر بعينه يخاف .. أما الإنسان كرَّمه الله عزَّ وجل ، يجب أن يخاف بفكره ، يجب أن يرى الخطر المتوقَّع قبل أن يقع الخطر ، فالذي يخاف بعينه هذا متخلِّف، هذا ينتمي إلى صنف الحيوان ، لا يخاف إلا إذا رأى الخطر ، ما دام في صحَّة جيِّدة ، ما دام في مال وفير هو مع شهواته يستعلي على الناس في الأرض ، يأكل حقَّهم ، يغتصب أموالهم ، ينتهك حرماتهم ، يعتدي على أعراضهم مادام فيه قوَّة ، فإذا وقع في مرضٍ قلبيٍّ عُضال صار يعوي كالكلاب ، يقول : أنقذوني ، أين كنت ؟

       يقولوا أن مَلَك الموت حينما يوضع الميت ويُغَسَّل يقول : " يا ابن آدم أين سمعك ؟ ما أصمَّك ، أين ريحك ؟ ما أفسدك ، أين قوَّتك ؟ ما أضعفك! " . الموت فيه موعظة بالغة ، لو أنك رأيت إنساناً ممدداً على خشبةٍ المُغْتَسَل ، جثَّةٌ هامدة ، قبل قليل كان ملء السمع والبصر، أصبح حديثاً ، أصبح نعوةً على جدران الطرقات بعد أن كان ملء السمع والبصر..

      

       الإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل ، من يدري ماذا في بطنه ، هؤلاء الذين اكتُشِفَ في بطونهم مرض خبيث هل كانوا يعلمون ذلك من قبل؟ دمٌ لو أنه انفجر في الدماغ لقضى على الإنسان في أربع ثوانٍ ، شريان واحد لو انفجر في الدماغ ، هذا القلب لو تعطَّل بعض دسَّاماته تحتاج إلى ثمانمائة ألف ليرة عمليَّة بأمريكا ، وقد تنجح وقد لا تنجح ، هذه الشرايين لو تصلَّبت ، هذا الضغط لو ارتفع ، هتان الكليتان لو تعطَّلتا ، هاتان الرئتان لو أصيبتا بذات الجَنب ، هذا الكبد لو تشمَّع ، هذه الحركة لو شُلَّت ، هذا البصر لو ذهب ، هذا السمع لو ذهب، هذا العقل لو اختل ، لأخذوه على القُصِير ، أقرب الناس إليك يخافون منك ، نعمة العقل، نعمة الصحَّة ..

      

     أي العبر ، كيف أن الله أهلك القرون من قبلهم ؟ هذه القصص تحت سمعهم وأبصارهم .. كولومبيا دولة في أمريكا ، فيها مدينة في سفح جبلٍ ، الجبل مغطَّى بالثلوج ، الجبل أخضر، المسارح ، الفنادق ، الشوارع ، الحدائق ، الحياة بأوجها ، انفجر البركان ، وذاب الثلج ، وقُذِفت هذه المدينة بالحُمم البركانيَّة ، خمسةٌ وثلاثون ألفاً قُتِلوا فوراً .. أين الإنسان ؟ أحياناً طائرة تحترق في السماء ، وبسبب خلل بسيط وقد مات جميع ركَّابها، ثلاثمائة وخمسين راكب ، خلل بسيط في أجهزتها ، نحن تحت رحمة الله ..

      

قال بعض المفسِّرين : " هذه أرجى آيةٍ في كتاب الله " ..

      

ليس القصد أن يحاسبهم بل القصد أن يرحمهم ، لذلك يمهلهم ، لو أن القصد أن يحاسبهم لحاسبهم وقضى عليهم وأهلكهم وانتهى الأمر ، ولكنَّ إمهالهم وحلمه عليهم من أجل أن يرحمهم  ، فلذلك الإنسان إذا كان في بحبوحة وهو بعصي الله فليرتقب العقاب ، إذا كان الله يكرمك وأنت تعصيه فاحذره ، لأن الكيل قد طف ، جاوزت الحد ..

                   إلى متى أنت باللذَّات مشغولُ             وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ

                   تعصي الإله وأنت تُظْهر حبَّه            ذاك لعمري في المقال بديــعُ

                   لو كان حبُّك صادقاً لأطعتـــه        إن المحبَّ لمن يحبُّ يطيـــع

*  *  *

          أيا عبدنا ما قرأت كتابنا .... ؟

                            أما تستحي منَّا ويكفيك ما جرى

          أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا

                           أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً

          وتنظر ما به جاء وعدنا

         إلى متى أنت ؟

عندي لك الصلح وهو بري   ... وعندك السيف والسِنانُ

ترضى بأن تنقضي الليالي     وما انقضت حربك العوان

تستحي من شيبةٍ تراها ..     .. في النار مسجونةً تهانُ

*  *  *