English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "7 / 9"  من تفسير سورة  الرعد (013) : الآيات  : 25 – 29  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

  

    الحمد لله العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

      

     الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يصف تارةً المؤمنين ، ويصف تارةً الكفار ، سؤالٌ يطرح عليكم : ما الحكمة من وصف المؤمنين؟ وما الحكمة من وصف الكافرين ؟ هذه الصفات التي ذكرها الله للمؤمنين إنما ذكرها لتكون مقياساً نقيس بها إيماننا ، فإن لم نكن كذلك، إنما ذَكَرَهَا لتكون هدفاً نسعى إليه ، فصفات المؤمنين التي أُدْرِجَت في كتاب الله إنما جعلت مقياساً لنا أو هدفاً نسعى إليه ..

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)

( سورة الأنفال )

       نحن كذلك ؟ مقياسٌ أو هدف ..

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُون َ(3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)

( سورة المؤمنون )

       المؤمن كذلك ؟ يُعْرِضُ عن اللغو ؟ في صلاته خاشعٌ ؟ إلى الزكاة مُسْرِعٌ ؟ في الزلازل وقورٌ ؟ في الرخاء شكورٌ ؟ هكذا المؤمن ؟ فحيثما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى أو في السنة المطهرة وصفٌ دقيق للمؤمن فهذا مقياسٌ لك ، كن جريئاً مع نفسك ، قِس نفسك بهذا المقياس ..

 وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)

( سورة الأنفال )

       أأنت متوكلٌ عليه ؟ أم قلبك فارغٌ كقلب أم موسى ، راضٍ بقضائه ؟ مستسلمٌ لمشيئته ؟ تقول كما قال الإمام الغزالي : " ليس في الإمكان أبدع مما كان . " تقول : الحمد لله في السرَّاء والضرَّاء ، في الصحة والمرض، في القوة والضعف ، في إقبال الدنيا أو إدبارها ؟ ربنا عزَّ وجل قال :

      

أية صلةٍ أمرها الله سبحانه وتعالى يصلونها ..

      

هل يأتي على المؤمن خواطر يوم القيامة ؟ خواطر الوقوف بين يدي الله عزَّ وجل ؟ هل يتصور في كل عملٍ يعمله أنه سَيُسْأَل عنه ؟

      

صبروا على الطاعات ، وصبروا عن المعاصي ، وصبروا على البلاء ..

      

تم شرح هذه الآيات في الدرس الماضي ، بالمقابل :

      

عهد الله جئت إلى الدنيا وعاهدته أن تطيعه ، فإذا عصيته فقد نقضت عهد الله ، ما معنى :

      

      أي يعصونه ، لأنهم حينما جاءوا إلى الدنيا عاهدوه على الطاعة ، فإذا عصوه فقد نقضوا عهدهم معه ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنكَسِرَ أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله ، قد تكون فقيراً وأنت كبيرٌ في عين الله ، قد تكون مريضاً وأنت كبير في عين الله ، يحبك الله ، يتجلَّى عليك ، يوفِّقُكَ ، يفتح لك أبواب رحمته ، وقد تكون قوياً ، وقد تكون غنياً ، وقد تكون ذا سيطٍ عريض ونَجْمٍ متألِّق وقد يكون هذا الإنسان ساقطاً من عين الله ، لذلك أكبر نجاحٍ يحققه الإنسان على وجه الأرض أن ينال رضاء الله عزَّ وجل .

       هناك أناسٌ داسوا بأقدامهم أرض القمر ، وهناك مخترعون اخترعوا أجهزةً عجيبة ، هناك مخترعون اخترعوا أسلحةً فتَّاكة ، هناك من يصنع القنابل الجرثومية ، هناك من يصنع السلاح الكيميائي ، هناك من صنع القنبلة النووية ، ومع ذلك ساقطون من عين الله ، والمؤمن إذا عرف الله سبحانه وتعالى ، واستقام على أمره ، وتقرَّب إليه بالعمل الصالح ، فهو مُقَرَّبٌ عند الله ، له مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ..

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(55)

( سورة القمر )

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)

(سورة مريم )

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا

 ( سورة الحج : من آية " 38 " )

       يحبهم ويحبونه ، يا أبا بكر ، جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له : " يا أبا بكر قل لصاحبك إن الله راضٍ عنه فهل هو راضٍ عن الله ؟ هذا مقام ..

       فيا أيها الإخوة الأكارم ... ما من نجاحٍ على وجه الأرض أثمن من أن تفوز برضاء الله سبحانه وتعالى ..

فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)

( سورة آل عمران )

فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا

 ( سورة يونس : من آية " 58 " )

       برحمة الله ، بطاعة الله ، بمعرفة الله .

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)

( سورة المطففين )

لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)

( سورة الصافات )

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)

( سورة يونس )

وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158)

( سورة آل عمران )

       هؤلاء ينقضون عهد الله ، يعصونه ، يعصون الله ولا يأبهون لهذه المعصية ، يعصون الله جِهاراً ، يفتخرون بالمعصية ، يتبجَّحون بها ..

      

      أمرهم الله أن يصلوا أرحامهم فقطعوها ، أمرهم الله أن يعطفوا على الفقراء والمساكين فقاطعوهم ، أمرهم الله أن يستقيموا فانحرفوا ، أي شيءٍ أمرهم الله فيه يخالفونه ..

      

         النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجلٌ وقد مات والداه فقال : " يا رسول الله هل بقي علي شيءٌ من برِّ والدي بعد موتهما ؟ " ، فقال عليه الصلاة والسلام : " نعم أربعة أشياء أن تدعو لهما .. ربي اغفر لي ولوالدي ، ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً .. وأن تصلي عليهما .. صلاة الجنازة .. وأن تنفذ عهدهما ، وأن تصل صديقهما ، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما ، فهذا الذي بقي عليك من بِرِّهِما بعد موتهما .

" أهل ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك " .

       في حديثين :

" أهل ود أبيك لا تقطعه " .

       وفي :

" ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك "

      

       والفساد في الأرض واسعٌ جداً ، إفساد العَلاقة بين اثنين من صفات الكفار ، قد تفسد هذه العلاقة بكلمة ، قد تفسد العلاقة بين أخوين بكلمة تقولها لأحدهما ، قد تُفْسِد العلاقة بين زوجين بكلمةٍ تقولها للزوج ، أو بكلمةٍ تقولها للزوجة ، وقد تفسد العلاقة بين شريكين بكلمةٍ واحدة تقولها لأحد الشريكين ، وقد تفسد العلاقة بين أسرة مُتآخية بشيءٍ تفعله ، بدنيا تعرضها، بحديثٍ تتبجح به ، بوصفٍ كاملٍ تصفه ، وقد تفسد العلاقة بينك وبين عقلك ، فتعطله أو تسئ استخدامه ، أو ترفض نموه ، فيكون الجهل والتجهيل ، والكذب والتزوير ، وهذا أعدى أعداء الإنسان ، قد تفسد العلاقة بينك وبين نفسك فيبحث الإنسان عن أشد الوسائل انحطاطا لأشد الأهداف قذارةً عندها تكون أزمة الأخلاق المدمرة ويكون الشقاء الإنساني ، وقد تفسد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ، فيكون النصر للأقوى ولو كان صاحب البُطْلِ ، ويكون صاحب الحق بعيداً عن حقه ، وهذه أزمةٌ حضارية تعيق تقدم الأمة وتقوِّض دعائمها ، فساد العلاقة واسعٌ جداً ، لابدَّ من أن تَصِحَّ العلاقة مع عقلك ، ولابدَّ من أن تصح العلاقة مع نفسك ، ولابدَّ من أن تصح العلاقة مع أخيك ، ولابدَّ من أن تصلح بين اثنين .

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ

 ( سورة الحجرات : من آية " 11 " )

       السخرية تفسد العلاقة .

وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا

 ( سورة الحجرات : من آية " 12 " )

       الغيبة تفسد العلاقة .

وَلا تَجَسَّسُوا

 ( سورة الحجرات : من آية " 12 " )

       التجسس أي تتبع الأخبار السيِّئة يفسد العلاقة .

       ولا تحسسوا ..

يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ

( سورة يوسف : من آية " 87 " )

       والتحسس تتبع الأخبار الطيبة ، ربما كان هذا فضولاً وقد يفسد العلاقة ..

" مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ "*

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

       هؤلاء يفسدون في الأرض ، ومن الفساد في الأرض أن تخرج على الناس في زينتك ، أن تريهم ما عندك من أثاثٍ فخم ، يزورك إنسان فتعرض كل ما عنده أمامه ، يخرج من عندك وهو كسير القلب .

" من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط " .

        عن عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ " *

( من سنن الترمذي : عن "عائشة " )

       الفساد أيضاً أن تتبجَّح بنزهاتك ، ورحلاتك ، وأفراحك ، والمصاريف الباهظة التي أنفقتها ، هذا من الفساد في الأرض ، من الفساد في الأرض أن تُطْلِع أخيك الفقير على شيءٍ نفيس فتجعل في قلبه الحُرْقَة ، الفساد في الأرض أن تسأل ابنتك : ماذا قدَّم لك زوجك في العيد ، فإن لم يقد لك شيئاً تذمه ، توقع في قلبها الحسرة ، توقع في قلبها بغضه ، هذا كله من الفساد في الأرض ، لذلك هؤلاء :

      

        حدثنيه عن نفسه ، ولو عرف الله حق المعرفة لفني في ذات الله ، ولرأى نفسه أحقر من أن يتحدث عنها ، من أنا ؟ هذا الكون العظيم الذي ينبئ عن خالقٍ عظيم ، من أنا حتى أتحدث عن نفسي ؟ عبدٌ ضعيف ، فنقطة دمٍ إذا تجمدت في أحد شرايين المخ شللٌ ، عماً ، صمم ، جنون، أية عظمةٍ لهذا الإنسان ، أوله نطفة وآخره جيفة ، أية عظمة ؟ كنت قبل أيام أُشَيِّع جنازةً ، وقد وضع الميت في قبر قريبه الذي مضى على وفاته ثمانية أعوام ، لم نجد في القبر إلا بعض العظام ، أي عظمةٍ كانت لهذا الميِّت ، كان ملء السمع والبصر ، كان غنياً ، كان مُتْرِفَاً ، كان الناس يتقرَّبون إليه ، بضع عظماٍ ملقاةٌ في قبر ، علامَ الافتخار ؟

       أيها الإخوة الأكارم ... طوبى لمن ذكر المبتدى والمنتهى ، هذا الذي ذكر مبتداه نطفةٌ تخرج من عورةٍ إلى عورة وتخرج من عورة ، من ماءٍ مهين ، وهذا الذي نظر إلى أخراه فرأى نفسه عِظاماً نخرة في قبرٍ من قبور الشام ، من أنت ؟ لذلك حالة الفناء التي وصفها الصوفيون تعني أنك تستحيي أن تقول أنا وأنا ، قالها الشيطان فأهلكه الله ، قال :

قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ

 ( سورة ص : من آية " 76 " )

       

اللعنة البعد عن الله سبحانه وتعالى ، ما من شيٍ أثمن من القرب من الله سبحانه وتعالى ، وما من شيءٍ أشقى للإنسان من أن يكون ملعوناً، فهذه الكلمة : لعن الله فلاناً ، فلان ملعون ، هذه الكلمة تدور على الألسنة ، ولو عرف الإنسان معناها ، معناها أنه مطرودٌ من رحمة الله ، أنه بعيدٌ عن تجلي الله ..

      

هذا الإنسان إذا عرف ما عند الله من نعيمٍ مقيم وكان مطروداً عن هذه الرحمة فهذا هو الشقاء بعينه ، قال فرعون للسحرة :

قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ

 ( سورة طه : من آية " 71 " )

إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)

 ( سورة طه )

       ذاقوا من رحمة الله آثروها على كل شيء .

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي

 ( سورة يوسف : من آية " 33 " )

       ذاق رحمة الله ، " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ..

       فلو شاهدت عيناك من حسننا ..

                                الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا

       ولو سمعت أذناك حسن خطابنا

                                خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا

       ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً ..

                                عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا

       ولو نسمت من قربنا لك نسمة ..

                                .... لمت غريباً واشتياقاً لقربنا

       ولو لاح من أنوارنا لك لائحٌ ...

                                .. تركت جميع الكائنات لأجلنا

*   *  *

       هذا الذي يذوق من رحمة الله يضحي بالدنيا كلها من أجلها ..

        فليتك تحلو والحياة مريرة ..   

                                  وليتك ترضى والأنام غضاب

        وليت الذي بيني وبينك عامرٌ  

                                   وبيني وبين العالمين خراب

*  *  *

" إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي " .

      

       في الدنيا ، الكافر بعيد ، شقي ، قَلِق ، في قسوة في حياته ، قلبه مقفر كالصحراء ، مشاعره بليدة ، نفسه تؤْثر ذاتها على كل شيء ، يحب الأخذ ويكره العطاء ، يتمنى أن يعيش وحده ويهلك الناس جميعاً ، يمقت الناس ويمقته الناس ؛ المؤمن يألف ويؤلف ، يحب الناس كلهم، يؤثرهم على نفسه ، يتمنَّى لهم النجاح والتوفيق ، هينٌ لينٌ ، حييٌ ، كريمٌ ، المؤمن غرٌ كريم والكافر خَبٌ لئيم .

 

      

الناس رجلان ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

" الناس رجلان تقيٌ كريم كريم على الله وفاجر لئيم هين على الله  " .     

       لا شأن له عند الله ، والناس إذا ضاقت بهم الدنيا وغلت فيهم الأسعار ، وشحَّت علهم أمطار السماء لا لشيء إلا لأن الله هان عليهم ، هانت عليهم معصيته ، هان عليهم خَرْقُ حدوده ، هان عليهم الاستهزاء بدينه ، هان عليهم نقض مواثيقه ، هان عليهم أن يعصونه جهاراً ، هان عليهم أن يضربوا بكتاب الله عُرْضَ الطريق ، هان عليه أن يسخروا من شرعه ، فهانوا على الله ، هانوا عليه ؛ ضاقت بهم السبل ، وانقطعت بهم الأسباب .

      

أيها الإخوة الأكارم ... ربنا سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى يوضِّح هذه الآية :

فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)

( سورة الفجر )

       الإنسان أحياناً يتوهَّم أنه إذا كان غنياً ، وكان في بحبوحة ، وكان صحيحاً ، قوياً ، ذا شأنٍ ووجاهة ، قد يتوهَّم الإنسان أن الله يحبُّه إذا أعطاه ، فإذا ضاق رزقه وضعُفَ جسمه ، وضعف شأنه قد يتوهَّمُ أنه مهانٌ عند الله ، والحقيقة عكس ذلك ..

        فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ .. هو .. رَبِّي أَكْرَمَنِي(15) ( سورة الفجر ) هو هذه مقولته ، ولكنها ليست صحيحة ، هذه دعواه ، هذا زعمه ، هذا توهُّمُهُ .

وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)

( سورة الفجر )

       لا ، ليس يا عبادي ، ليس عطائي إكراماً ولا ابتلائي إهانةً إنما عطائي ابتلاءٌ ، وحرماني معالجة .

      

     معنى يَقْدِر أي يُضَيِّق ، والمعنى الثاني يقدر أي يجعل رزق العبد على قدر حاجته ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

" اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً " .

       أي يكفيه ، لا يحوجه إلى أحدٍ ، لكن هذا الرزق ليس فيه فضلٌ يزيد عن حاجته ، فمن أوتي رزقاً كفافاً فليَحْمَدِ الله .

      

     إذا أعطى أدهش ، لكن هذا الذي يعطيه الرزق الوفير لا ينبغي أن يتوهَّم أن الله يحبه ، قد يحبه وقد لا يحبه ، هذا الغني الذي أوتي مالاً كثيراً لا ينبغي أن يستنبط من غناه أن الله يحبُّه قد يحبه وقد لا يحبه ، قد يحبه إذا كان مستقيماً محسناً ، متواضعاً سخياً ، جاء في الحديث القدسي :

" أحب ثلاث وحبي لثلاثٍ أشد أحب ، الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الكُرماء وحبي للفقير الكريم أشد ، وأحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد ؛ وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد ، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد ، وأبغض المتكبِّرين وبغضي للفقير المتكبر أشد ، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ".

       إذا كنت غنياً لا يستنبط من هذا أن الله يحبُّك ، عوامُّ الناس يقولون: " إذا الله عزَّ وجل أحب عبده أطلعه على ملكه " ، القضية سهلة ، اركب طائرةً وجُلْ بها في أقطار الأرض معنى هذا أن الله يحبك ، هذا استنباط مضحك ، استنباط سخيف ، النبي عليه الصلاة والسلام ما رأى من الأرض إلا مكة والمدينة وأطراف الشام ، ما رأى أوروبا ولا أمريكا ، ماذا يستنبط من هذا ؟ استنباطٌ مضحك ، لذلك :

      

      أي أن الله سبحانه وتعالى يعطي وقد لا يعطي ، قد يضيِّق وقد يعطيك الكفاف ، " إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته أفسدت عليه دينه " ، أي أن الله عزَّ وجل عليمٌ خبير ، معنى خبير : خبير بهذه النفوس ، هناك إنسان على الدخل المحدود من مسجدٍ إلى مسجد، فإذا زاد دخله من ملهى إلى ملهى ، حينما يُكْشَفُ الغطاء يوم القيامة ويرى العبد الفقير أن الفقر كان أنسب شيءٍ له يذوب خجلاً ومحبةً لله عزَّ وجل ، والغني إذا أفقره الله سبحانه وتعالى ربما كفر ، فطبيعة نفسه تقتضي الغنى، والدنيا مؤقتة ، والدنيا ساعة اجعلها طاعة .

      

بمعنى يُضَيِّق أو يرزق الكفرة .

      

فالآية الكريمة :

وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(216)

( سورة البقرة )

       في رجل تزوج امرأةً في المدينة ، فلما دخل عليها لم تعجبه ، أمضى معها الليلة ثم هام على وجهه في أطراف الدنيا ، من شدة ضيقه من هذه المرأة غاب عنها عشرين عاماً .. هكذا تروي القصة .. حينما دخل عليها ولم تعجبه كانت عالمةً فقيهه قالت له : " يا فلان قد يكون الخير كامناً في الشر " .. لا تدري .. فلما عاد بعد عشرين عاماً إلى المدينة ودخل أحد مساجدها رأى عالماً تحلَّق الناس حوله ، فلما سأل عنه إذا هو ابنه ، فلما دخل البيت ذكَّرته امرأته بقولها له حينما رآها .

وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(216)

( سورة البقرة )

       فهذا الذي قسمه الله لك ؛ شكلك رزقٌ قسمه الله لك ، طولك ، لون جلدك ، صحَّة أعضائك ، زوجتك ، أولادك ، حرفتك ، دخلُك ، أمك ، أبوك ، حيُّك ، مدينتك ..

نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

( سورة الزخرف : من آية " 32 " )

هذا أنسب شيء لك ، هذا بتقدير الله ..

ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)

( سورة الأنعام )

      

      قل لي بربك ما الذي يفرحك أقل لك من أنت ؟ هناك من يفرح بالدرهم والدينار ، هناك من هو عبدٌ لبطنه ، هناك من هو عبدٌ لفرجه ، هناك من هو عبدٌ لخميصته ، هناك من هو عبدٌ للدرهم والدينار ، قال عليه الصلاة والسلام :

" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ "* ( سنن ابن ماجة : عن " أبي هريرة " )

       هذا الذي يفرح بالحياة الدنيا ، قال عليه الصلاة والسلام :

" إن هذه الدنيا دار إلتواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَ ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي".

       إذا فرحت بالحياة الدنيا فهذه وصمة عار ، قال :

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي

 ( سورة القصص : من آية " 78 " )

إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ

( سورة القصص )

      هذا قارون ..

قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)

( سورة القصص )

       فرحوا بالحياة الدنيا ، من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَ ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .

      

        علامة النفاق الفرح بالدنيا ، والمؤمن يفرح بفضل الله سبحانه وتعالى ، يفرح إذا عرف الله ، إذا فهم كتابه ، إذا استقام على أمره ، إذا عمل الصالحات ، إذا رزقه الله عملاً صالحاً ، سيدنا موسى لمَّا سقى لهما تولى إلى الظل وقال :

فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)

( سورة القصص )

       الفقر فقر العمل الصالح ، والغنى غنى العمل الصالح ، والغنى والفقر بعد العرض على الله .

      

النبي عليه الصلاة والسلام قال :

" ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر"