English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "9 / 9"  والأخير من تفسير سورة  الرعد (013) : الآيات  : 33 – للأخير  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في سورة الرعد إلى قوله تعالى:


       هذا المعنى كان من الممكن أن يكون بشكلٍ تجريدي ، لكن الله سبحانه وتعالى عرضه علينا بشكلٍ حسي ، كيف إذا وقف إنسان فوق إنسان يتفحَّص عمله حركةً حركة ، فأدنى حركة و أدنى إشارة و أدنى عبارة و أدنى كلمة و أدنى نَفَس مسجلٌ عليه وسوف يحاسبه عليه ، الله سبحانه وتعالى قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبت .

يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ

( سورة الأنعام : من آية " 3 " )

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ

( سورة الحديد : من آية 4)

يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7)

( سورة طه )

كالأعمال والنيات والمطامح وما يخفيه الإنسان و ما يعلنه ..

الجواب محذوف ، لأن ما قبله يدلُّ عليه .

        ويحاسبُها على عملها ، قائم بمعنى يعلم ويجزيها على عملها ، كمن ليس كذلك، هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله أهم هكذا ، فما من إنسان على وجه الأرض وما من حيوان وحتى النباتات ، حتى كل المخلوقات إنما تُحاسب حساباً دقيقاً ، لا تُقتل البهائم إلا بغفلة .

فهذا المعنى لو أن الإنسان تمثَّله لاستقام على أمر الله ، آيةٌ واحدة تبين حكمة الحج :

ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ

( سورة المائدة : من آية " 97 " )

أي أنك إذا علمت أن الله يعلم حُلَّت كل المشكلات ، لأنك إذا علمت أنك مراقب تستقيم فلو جاءك خبر أنك مراقب تنضبط انضباطاً عجيباً ، هذا إذا كان الذي يراقبك إنساناً ، فكيف لو تأكَّدت أن خالق السماوات والأرض يراقبك و قائمٌ على نفسك ، يراقبها و يراقب مسعاها و تحركها و نياتها و مطامحها و أمانيها و رغباتها و ما تعلنه و ما تظهره و ما تسرُّه و ما تخفيه ..

        والله الذي لا إله إلا هو شيءٌ واحد يدعو إلى العجب أن ترى إنساناً يعصي الله، كيف لا يرى أن الله معه ، أن ترى إنساناً يخدع إنساناً ، يأكل ماله و يعتدي عليه و يتجاوز حدوده معه ويظلمه ، فكيف لا يرى أن الله يراقبه ، وسوف ينتقم منه ، وسوف يحاسبه حساباً عسيراً؟

       أي إن ربنا عزَّ وجل كل شيء مكشوف أمامه ، فليس الموضوع موضوع علم فقط بل، الموضوع أخطر من ذلك ، موضوع علمٍ وموضوع جزاء ، يعلم ويجازي إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .

 ويجزيها بما كسبت ، كمن ليس كذلك ، لذلك قوله تعالى :

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)

( سورة النساء )

وقوله تعالى :

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)

( سورة الفجر )

 وقوله تعالى :

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ

( سورة الحديد : من آية 4)

  وقوله تعالى :

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(7)

( سورة المجادلة)

       هذه الآيات الكريمة التي توضح أن الله معنا و هذه الآيات لو عقلنا معناها لاختلفت خطتنا في الحياة كلها ، فانتهى الكذب و انتهى الخداع والتدليس ، والانحرافات ، والمعاصي ، فالعبرة أن تعلم أن الله يعلم .

فأحياناً الإنسان يكسِبُ عملاً ، فيخطط له و يختاره و يدفع ثمنه ..

     فالإنسان يكسب الخير أو الشر ، أما الذي لا دخل لك به ولم تكتسب به إرادةً فهذا له موضوعٌ آخر .

      أي هم بتفاهتهم ، طبعاً الشركاء لها أسماء ، اللات والعزى ، لكن المقصود من هذه الآية أن هؤلاء الشركاء لتفاهتهم و لضعفهم ولجمودهم ، إنهم لا يسمعون و لا ينطقون و لا يجيرون ولا يعلمون ، لا يتحركون لتفاهتهم لا يستحقون الأسماء ، فإذا قال الله عزَّ وجل :

        أي ما صفاتهم ؟ هل لهم صفات تؤهِّلُهم أن يعبدوا من دون الله ؟ إن كانت كذلك فما هي ؟ وهل لهم تصرف في الكون ؟ وهل يسمعون ؟ وهل يجيبون ؟ وهل يَرَوْن ؟ وهل يعلمون ؟ وهل يتحركون ؟ وهل ينطقون ؟ وهل ينجدون أتباعهم ؟ وهل يحفظونهم ؟ وهل يدافعون عنهم ؟ وهل ينقذوهم ؟ وهل يميتوهم ؟ وهل يحيوهم ؟ .

       ما أسماؤهم ؟ إنهم لتفاهتهم أتفه من أن يوضع لهم اسم ، لأن كلمة اسم تعنى أن تصفه بصفةٍ أساسيةٍ فيه ، فحينما تسمَّى الطيارة طيارة لأنها تطير، فإذا قلت لهذا الجسم الكبير الجاثم على أرض المطار سمها ، قل له: طيارة لأنها تطير ، وقد تسمى بعض الأشياء المهمة  بأسماء ، لكن هذه الآلهة الأحجار التي نحتت وعبدت من دون الله أتفه من أن تسمى.

 

أي هم أتفه من أن يسمَّوا ، وإن كنتم تعتقدون أنكم تعبدونهم لأهليةٍ فما هي هذه الأهلية ؟

       الذي يعلم السر وأخفى ، وما تسقط من ورقةٍ إلا هو يعلمها ، إذا كانت ورقة الزيتون قد سقطت يعلمها الله سبحانه وتعالى ..

 

        لمجرد أن الله لا يعلمهم إذاً هم غير موجودين ، أكبر دليلٍ على عدم وجودهم أن الله الذي يعلم كل شيء لا يعلمهم ، إذاً غير موجودين و معنى موجود أي له تصرُّف وأحياناً يكون في دائرة شخص موجود لكنه غير موجود ، لأنه لا يفعل شيئاً لا يقدِّم ولا يؤخِّر ولا يمنع ولا يعطي و لا يوافق ولا يرفض، فالوجود وجود تحرُّك وهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، إذاً غير موجودة ..

   فإذا وحَّدت استراح قلبك ..

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)

( سورة الشعراء )

في أي زمانٍ وفي أي مكان لمجرد أن ترى أن في الأرض إنساناً يستطيع أن يفعل شيئاً ما ، فهذا شرك والشرك من لوازمه العذاب ..

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)

هذه آيةٌ رائعة ، فمعنى :

        أي اسمٌ على غير مُسَمَّى ، ما قولك لو كتبت على قطعة خشب : سفينةٌ عابرةٌ للقارات مثلاً ، هذه الكلمة الضخمة الفخمة هل تغير من حقيقة هذه القطعة من الخشب ؟ لا ، ظاهرٍ من القول ، أي قول ليس له أساسٌ من الواقع ولو أن واحداً من عامة الناس ممن لا يحمل أية شهادة ذهب إلى المطبعة وطلب من صاحب المطبعة أن يطبع له بطاقةً عليها : دكتور في جراحة القلب من جامعة كذا في أمريكا مثلاً ، فهذه العبارة هل تجعله طبيباً ؟ هل تغيِّر من حقيقته شيئاً ، فهذا هو ظاهر القول ، كلامٌ ليس له رصيد ، ولا ينطبق على الواقع ، ولا تدعمه الحقيقة ، فإذا قلت هذا الإله إله المطر ، وهذا الإله إله الرياح ، هذا كلام ظاهر القول ، هو قطعة حجرٍ منحوتة ليس إلا ، لا تستطيع أن تفعل شيئاً وعلى هذا فقس .

      قل : فلان يستطيع أن ينفعني ، ظاهرٌ من القول ، هو عبدٌ ضعيف ، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضر ، ولا أن يجلب لها الخير ، لو أن الخلايا نمت نمواً عشوائياً هذا الذي تعبده من دون الله ، ماذا يفعل ؟ يصاب بالذعر ولو أن مجموعة كريات حمراء تجمَّدت في بعض الشرايين فاختل توازنه ، أو اختل سمعه ، أو بصره ، أو محاكمته ، أو تفكيره ، أو أصيب بالشلل ، ماذا يفعل ؟ هذا الذي تعبده من دون الله، أو تخافه ، أو ترجوه ، أو ترى أن بيده شيئاً ما ، هذا لا يستطيع أن يحرِّكَ ساكناً ، ولا أن يدفع عن نفسه الضر ، ولا أن يجلب لها النفع ، كيف تعبده من دون الله ؟

       هذا الذي كفر ، معنى كفر أي أعرض عن الله سبحانه وتعالى ، التفت إلى الدنيا وأدار ظهره للدين و أعرض عن الله ، وعن وعده ، وعن وعيده ، وعن جنَّته ، ورضاه ، رغب في الدنيا ، فقط ، فحالة الإعراض عن الله سبحانه وتعالى هي حالة الكفر ، وإذا أعرض الإنسان عن الله سبحانه وتعالى تصبح الشهوات محركاً له ليس غير ، فالشهوات يتمنى أن يرويها بالحق أو بالباطل ، وبالخير أو بالشر و بالأسلوب الصحيح أو بالعدوان ، إذاً هذا الكافر حينما أعرض عن الله عزَّ وجل زُيِّنَ له سوء عمله ، فنفسه تنطوي على شهوات ، والمؤمن ضبط شهواته وفق الشرع ، أما الكافر فحركته شهواته فقط ، فأصبحت محركاً لأفعاله ، إذاً بدافعٍ من شهوته وبسبب عمى قلبه ، وإعراضه عن الله عزَّ وجل ، رأى أن يروي هذه الشهوات من أي طريقٍ كان ، وقع في الزنا ، وفي الكسب الحرام ، والنِفاق ، والكذب ، والخيانة ، إذاً:

        فإعراضهم عن الله ، وجهلهم به ، وبعدهم عنه ، وإقبالهم على الدنيا، وجعل الشهوات هدفاً لحياتهم ، جُعِلَ مكرهم يبدو لهم مزيناً ، الحقيقة وراء أي سلوك في رؤية ، فسيدنا يوسف حينما دعته امرأة العزيز قال : معاذ الله ، تحليل علمي ، لماذا قال : معاذ الله ، رأى أن الشقاء كله في الزنا و رأى في الزنا بعداً عن الله عزَّ وجل و رأى خيانة الزنا و رأى انحراف الزاني و رأى دناءة الزاني فقال : معاذ الله ولو ملك الناس رؤيةً كرؤية هذا النبي الكريم لأعرضوا عن الزنا و هذا الذي يسرق لماذا يسرق؟ رأى أن هذه السرقة خير له ، رأى فيها خيراً ، فقد رأى أن المال الوفير يأخذه بلا مسؤولية ، وغاب عنه أنه سوف يُكْشَف، وسوف يحاسب، وسوف يغضب الله عزَّ وجل ، وسوف يَعتدي ، وسوف يُعتدى عليه ، هذا لم يره ، إذاً ما من تحركٍ للإنسان إلا وراءه رؤية ، فطوبى لمن كانت رؤيته مطابقةٌ للحق : "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".

هذا الذي يعتدي على أعراض الناس يرى في ذلك متعةً ، ومكسباً وغنيمةً ، لكنه لو رأى الحق لرآها مغرماً ، فالبطولة أن تمتلك الرؤية الصحيحة ، فهذه بطولة في زمانٍ عَمِيَت فيه البصائر وغلبت الشهوات ، وصار هم الرجل بطنه ، وفرجه ، وخميصته ، والدرهم والدينار في زمن العمى ، في زمن البعد عن الله عزَّ وجل ..

" إذا رأيت شُحاً مطاعاً وهوىً متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه "

       في هذا الزمن إذا امتلكت الرؤية الصحيحة فأنت بطل ، ليس من يقطع طرقاً بطلاً ، إنما من يتقي الله البطل ، يجب أن ترى أن المال الحرام لا خير فيه ولا نفع فيه ولا يسعد بل يشقي ، يذهب ويذهب معه صاحبه ، نهاية المال الحرام هو الدمار فيجب أن ترى هذه الرؤية ويجب أن ترضى بألف ليرة وأن تعرض عن مئة ألف ليرة بالحرام ، يجب أن ترى أن ألف ليرة تكسبها بالحلال يبارك الله لك فيها ، ويسعدك ، ويوفِّر عليك نفقاتٍ أنت في غنى عنها ، يحفظ صحتك ، وصحة زوجتك ، وصحة أولادك ، ويبارك لك فيها ، خيرٌ لك من مئة ألف ليرةٍ تذهب ويذهب صاحبها معها ولذلك الرؤية ، الرؤية أيها الإخوة المؤمنون ، والرؤية تحتاج إلى اتصالٍ بالله عزَّ وجل ، فإذا اتصلت بالله ، قال عليه الصلاة والسلام :

" الصلاة نور " .

        فأنت موجودٌ على وجه الأرض ، مزودٌ بشهواتٍ كثيرة ، والشهوات قِوى تدفعك نحو جهةٍ ما ، تجوع فتنطلق لتأكل ، تجوع جوعاً من نوع آخر فتنطلق لإرواء هذا المَيْل ، فالشهوات تحرِّك ، فإذا كان مع هذه الحركة نورٌ كشَّاف وهي التقوى ، كان هذا التحرُّك سليماً، تنطلق السيارة بسرعةٍ فائقة وقوةٍ شديدة ، فإذا كان وراء المقود سائقٌ ذو عينين نفَّاذتين وأذنين مرهفتين وحكمةٍ في القيادة ينطلق بهذه السيارة من مكانه إلى هدفٍ آخر ، وتحقق له نفعاً ، فإذا أغمض عينيه وسد أذنيه وثَمِلَ في قيادته كانت نهايته الدمار ، فالشهوات حركة ، والتقوى نور ، إذا اجتمعت الحركة والنور أدتا إلى السلامة ، فإذا انعدم النور مع الحركة لابدَّ من حادث .

        فلذلك فإن هؤلاء الذين كفروا بإعراضهم عن الله عزَّ وجل انقطعوا عنه، وبانقطاعهم عنه أصبحوا في عمى ، بقيت الشهوة وحدها تحركهم ، والشهوة عمياء ، فالهرة إن وضعت لها قطعة لحمٍ تنقضُّ عليها لا تملك بصيرةً ، ولا شرعاً ، ولا فقهاً ، ولا شيء من هذا القبيل، تنقض على اللحم ولو لأي سبب ، لكن الإنسان قد يجوع ولا يأكل إلا حلال ، في شرع وفي رؤية وفي نور وفي بصيرة .

أي صدوا أنفسهم عن السبيل ..

فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ

( سورة الصف : من آية " 5 " )

الآية من قبيل أنك إذا سرت في أول الدرب بلغت آخره ، لمجرد أن تمشي في هذا الطريق سوف تصل إلى نهايته ، هذا المعنى الأول .

        والمعنى الثاني أن الله سبحانه وتعالى يعزى إليه أمر الصد فعلاً ، ويعزى إلى الإنسان كسباً ، كأن تقول : المعلم قرر أن يُرَسِّب الطالب فلاناً ، فالمعلم يعزى إليه الرسوب فعلاً ، تنفيذاً ، ويعزى إلى الطالب كسباً .

         أي من كان على طريق الحق فليفرح ، فيجب أن نهنِّئ بعضنا بعضاً إذا كنا على طريق الحق ، فنعمة الهدى تمتد إلى الأبد ولكن أية نعمةٍ في الأرض تنتهي بالموت ولو أن إنساناً عاش مائة عامٍ في صحةٍ تامة فهذه النعمة التي يلهج بها الناس تنتهي بالموت ولو كان غنياً فنعمة الغنى تنتهي بالموت ولو كان ذا شأنٍ فنعمة الشأن العالي تنتهي بالموت ، ولكن نعمة الهدى تمتد معكم إلى الأبد ، لذلك قيل : تمام النعمة الهدى ، قال بعض العلماء في قوله تعالى :

وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ

( سورة المائدة : من آية " 6 " )

      تمام النعمة الهدى ، لو أنك اهتديت إلى الله عزَّ وجل لهانت عليك الدنيا ، فمن عرف الله زهد فيما سواه ولا شيء يعدل الهدى ، فإذا اهتديت فلا تثريب عليك ، فلا تندم على شيءٍ فاتك من الدنيا ، الدنيا عاريةٌ مستردة .

فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا

( سورة يونس : من آية " 58 " )

لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)

( سورة الصافات )

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)

( سورة المطففين )

      

       أي استغنى عن الله سبحانه وتعالى فاستغنى الله عنه ، سلك سبيل الضلال فوصل إلى آخره ، أضل نفسه عن الله عزَّ وجل وحرمها الخير ، فحرمها المعرفة وإذا اخترت طريق الضلال فلا أحد في الأرض يستطيع أن يهديك لأنك مخيَّر وأنت اخترت هذا الطريق وأيُّ إنسان ينصحك تستهزئ به .

  أي من أضل الله بسبب أنه سلك طريق الضلال ، فلن تجد له ولياً مرشداً ..

       وفي الحياة الدنيا عذاب لا يحتمل ، وآلام لا تحتمل وأحياناً يصاب الإنسان بمرضين متضادين ، أدوية هذا المرض تزيد هذا المرض سوءاً وأدوية هذا المرض تزيد هذا المرض سوءاً ولذلك يقف الأطباء حائرين ويرفعون أيديهم ويقولون : لا حيلة للطب في هذين المرضين .. ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به ، هناك في الدنيا أمراضٌ لا تحتمل وآلامٌ لا تحتمل ، ومشكلاتٌ لا تحتمل وهناك فقرٌ مدقع كاد أن يكون كفراً وهناك حاجةٌ إلى لئيم ، وذُل، في الأرض وعذاب لا يعلمه إلا الله ، فالجسم وحده مسرح لملايين الأنواع من العذاب وآلام الرأس وآلام الضغط في المعدة والأورام الخبيثة وآلام الظهر وآلام الأعصاب، فكل مريض يظن أن مرضه من أشد الأمراض ، لأن جميع الأمراض صعبة .

      قد يعذَّب الإنسان بالفقر وقد يعذب بالإهانة ، وبالوحشة ، قد يعذب بالهم ، وبالقلق ، وبالجفاف ، وبنقصٍ في الأموال والأولاد ، وبموت أحد أقربائه وقد يُبتلى الإنسان بنفسه وبولده وزوجته وباله ومكانته وسمعته .

       أشق بكثير ، لو أن امرأً اطَّلع على النار ، يصيح صيحةً لو سمعها من في الأرض لصعقوا لشدة الهول ..


     وربنا عزَّ وجل إذا ذكر صورةً منتزعة من عذاب النار يُتْبِعُها بصورةٍ من أحوال أهل الجنة حتى نعبد الله خوفاً وطمعاً ورغبا ورهباً .

وإن شاء الله سبحانه وتعالى المؤمن موعودٌ بالجنة ..

أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

 ( سورة القصص : من آية " 61 " )

وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87)

( سورة النساء )

وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ

(سورة التوبة : من آية " 111 " )

        فالمؤمن إذا انطبقت عليه صفات المؤمنين تنطبق عليه أيضاً الوعود التي وعده الله بها ، فإذا وعِدَ المؤمن بجنةٍ عرضها السماوات والأرض ، لا ينبغي أن يبالي في الدنيا ، من بلغ الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، لا ينبغي أن يهتم للدنيا ومن جعل الدنيا أكبر همه خسرها ومن جعل الآخرة أكبر همه ربح الدنيا والآخرة ، والأول خسر الدنيا والآخرة ، فلذلك :

       الأوصاف التي جاءت بكتاب الله عن الجنة هي الأوصاف التي سَمح لنا الحديث عنها ، لأن الغيب لا نعرفه إلا بالخبر الصادق ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

     فإذا أردنا أن نُكَنِّي بالأنهار الخيرات ، إذا كان هناك أنهارٌ من لبن لم يتغيَّر طعمه ، واللبن إذا تغير طعمه تشمئز النفس منه ، وأنهارٌ من عسلٍ مصفى ، وأنهار من خمر لا غول فيها لذة للشاربين ، إذا كانت الجنة تجري من تحتها الأنهار ، الخيرات ، أي شيءٍ ، أي فاكهةٍ، أي طعامٍ ، أي متعةٍ ..

      فاكهة الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، لا تأتي نوبات نوبات ، بل مستمرة ، ولا يوجد شيء ممنوع دخوله للجنة ، لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة ..

  أي هذه العاقبة كهذه العاقبة ؟ ..

أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا

 (سورة السجدة : من آية " 18 " )

هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

 ( سورة الزمر : من آية " 9 " )

هل يستوي أهل الجنة وأهل النار ؟ .

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)

( سورة الجاثية )

        هذا الفرح فرح تطابق الرؤية مع النفس ، أحياناً ترى رؤيةً بسبب اتصالك بالله عزَّ وجل ، فإذا جاء النص القرآني وأكَّدها وصَدَّقها تفرح فرحاً لا يعرفه إلا من فرح ذلك الفرح .

       والأصحاب الكرام في آيةٍ أخرى وصِفوا بأنهم يفرحون بما أنزل إليهم ، سمت نفوسهم حتى إذا نزل قوله تعالى :

 

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

 ( سورة النور : من آية " 30 " )

        هم يغضون أبصارهم قبل نزول الآية ، سمو نفوسهم حَمَلَهُم على هذه الطاعة ، فلما جاءت في نص الكتاب فرحوا ، فالمؤمن إذا اتصل بالله عزَّ وجل وهذه ثقتي لو لم يقرأ كتاب الله لكان في مستواه ، لطبقه ومن دون أن يدري ، من دون أن يشعر ، لأنه ارتفع إلى مستواه، وهذا الذي يتلوه صباح مساء ، إن لم يتصل بالله عزَّ وجل فهو في واد وكتاب الله في وادٍ آخر ، يتلو كتاب الله ويستمع إلى الغناء ويَطْرَبُ له ، فما هذا ؟ أبغير كتاب الله تتغنَّى ؟ أتستطيع أن تستمع إلى غير كتاب الله ؟ أيطربك صوتٌ غير صوت القارئ للقرآن أو المادح بالمديح ، وكيف تتفاعل مع هذه المعاني ، كيف تطرب لها ؟

" من استمع إلى صوت قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة قيل : وما الآنك ؟ قال : الرصاص المذاب " .

 فلذلك :

فلو أن إنساناً استقام على أمر الله وتقرَّب إليه واتصل به اتصالاً عميقاً ، تراه يفعل شيئاً مطابقاً لما في كتاب الله من دون أن يدري ، سمو نفسه حمله على هذا ، لذلك كانت موافقات عمر رضي الله عنه إذ كان الوحي ينزل موافقاً لآراء عمر رضي الله عنه ..

فسرها بعضهم باليهود والنصارى ، أو بأهل الكتاب عامةً ..

 

        فمركز الثقل في هذه الآية أنك إذا سموت إلى الله عزَّ وجل وارتفعت إلى مستوى كتاب الله تطبقه وأنت لا تدري ، فلذلك قال ربنا عزَّ وجل :

 

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا

 ( سورة المائدة : من آية " 48 " )

       الشرعة هي هذا الشرع الحنيف الشريف وهذا المستوى الراقي ، فإذا سلكت المنهاج ترتفع نفسك إلى مستوى الشرع وهناك من يعرض عن سماع الغناء خوفاً من الله عزَّ وجل ، وهناك من يعرض عن سماع الغناء اشمئزازاً ، هذا الذي يعرض عنه اشمئزازاً سمت نفسه وهناك من يكظم غيظه خوفاً ، وهناك من يتصرف بحلمٍ شديد والحلم الشديد دليل رقي النفس، افحص نفسك من حين لآخر ، فهل أنت في مستوى الشرع ؟ أم أنت في واد والشرع في وادٍ آخر ؟

        ولا واق يقيك ولا وليٍ يتولى أمرك إن اتبعت أهواءهم ، كأن هذه الآية موجهةٌ إلى المؤمنين إن اتبعت أهواءهم وأحياناً يسلك الإنسان مسلكاً بدافع الهوى ، فيعرف أن هذا حرام ، وأن هذا لا يرضي الله ، ولكن نفسه تغلبه وهذا الذي يفعل هذا بعيدٌ عن الإيمان الصحيح بعداً كبيراً .

المعنى الآخر لهذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما ارتفع إلى هذه المنزلة العلية بورعه واستقامته ، ولو فعل خلاف ذلك لهبط مقامه.

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44)لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)

( سورة الحاقة )

       فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام داس نملة بغير حق لحاسبه الله عليها ، " يا رسول الله مَثِّل بهم لقد اضطهدوك ، وأخرجوك ، وقتلوا أصحابك " ، قال : " لا أمثل بهم فيمثل الله بي ، ولو كنت نبياً " ، فكمال الله سبحانه وتعالى يقتضي أنه لن يستطيع أحد أن يتقرَّب إليه إلا بالكمال ، أما ما في علاقات أخرى ، فالله لا يحابي أحداً ولا يرتقي الإنسان عند الله إلا باستقامته ولو أن سيد الأنبياء مَثَّل بأعدائه لمَثَّلَ الله به ، أما أهل الدنيا فقد يقربون إنساناً مبطلاً لمصلحةٍ ما وقد يقربون منحرفاً ، أو معتدياً ، أو ظالماً ، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يقرِّب إليه إلا من كان مستقيماً .

وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51)

( سورة الكهف )

لا أتخذهم عضداً .

      

فالأنبياء بشر ..

محمدٌ بشرٌ وليس كالبشر..    لأنه جوهرةٌ والناس كالحجر

       الجوهرة حجر ، حجر ؟ لا ليس حجراً ، حجر كريم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر، فيجوع ويشعر بالحر ويشعر بالبرد ، يغضب .

" إنما أنا بشر أنسى كما ينسى البشر " .

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ

 ( سورة فصلت : من آية " 6 " )

" أنام وأقوم ، أصوم وافطر أتزوج النساء آكل اللحم هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي " .

النبي بشر لئلا يظن أنه إله ، يتزوج ، وينجب ذرية ، ويأكل الطعام، بحاجةٍ إلى أكل الطعام وجود النبي ليس ذاتياً بل مفتقرٌ إلى فضل الله ، ويمشي في الأسواق وكان يمشي في الأسواق لها معنى دقيق ، أي وإلى الكسب ، محتاجٌ إلى الطعام وإلى كسب الطعام ..

هو بشرٌ وليس كالبشر..   لأنه جوهرةٌ والناس كالحجر

       فالنبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق ، لكنك إذا غلوت ورفعته إلى منزلةٍ فوق ما وصفه الله بها فقد حدت عن الطريق وأشهد أنا سيدنا محمداً عبده ورسوله .

قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ

 ( سورة المائدة : من آية " 77 " )

الشمس كُسِفَت ووافق كسوفها موت سيدنا إبراهيم بن النبي عليه الصلاة والسلام ، فظن أصحاب النبي أن الشمس كُسِفَت له وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ، فارتقى المنبر وخطب في الناس وقال :

" أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت واحدٍ من خلقه " .

وليس هناك علاقةٌ أبدا بين كسوف الشمس وبين موت إبراهيم وهذا الموقف العلمي ، ليس فيه دجل ، ولا تزوير ، ولا إيهام ، ولا تدليس ، ولا رغبة في أن يرتفع الإنسان إلى مستوى فوق المستوى الذي أهَّله الله به وكل إنسان له حجم ، وإذا أراد أن يصور الناس أنه بحجمٍ أكبر من حجمه فهذا هو الضلال .

        دخل عليه رجلٌ ارتعدت فرائصه هيبةً منه ، فقال : " هوِّن عليك إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد بمكة " ، ودَّعه سيدنا عمر قبيل ذهابه إلى العمرة فقال : " لا تنسنا  يا أُخَيَّ من دعائك " ، هكذا النبي، متواضع ، مفتقر إلى الله عزَّ وجل ، وحينما فتح مكة ما استطاع أحدٌ أن يرى وجهه لشدة إطراقه والدموع تبلل خده ولحيته الشريفة ، دخلها مُطأطئَ الرأس تواضعاً لله عزَّ وجل ، هكذا النبي عليه الصلاة والسلام ، فهذا الذي يتكبر على ماذا ؟ هذا الذي يقول لك : أنا وأنا ، فعلت كذا وفعلت كذا ، هو الحُمق بعينه وهو الغباء بعينه .

        ويبدو أن كفار قريش طالبوا النبي عليه الصلاة والسلام بمعجزاتٍ كالتي جاء بها سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا صالح ، فربنا عزَّ وجل قال : زمن المعجزات المادية انقضى وقته ، الآن زمن المعجزات العقلية ، هذا الكتاب هو المعجزة .

       أي لكل كتابٍ أجل ، أي أن كل زمنٍ له صفاته والنبي دائماً يأتي بلسان قومه ، وليس بمعنى بلسان قومه أنه يخاطبهم بالعربية إن كانوا عرباً، وبالعبرية إن كانوا عبريين ، لا ، معنى بلسان قومه فضلاً عن هذا المعنى الذي يُفهم بديهةً أنه جاءهم بما هو متعارفٌ عليه في عصره ، ففي زمن السحر جاء سيدنا موسى بالسحر ، وفي زمن الطِب أحيا سيدنا عيسى المَيِّت ، وفي زمن البلاغة والبيان جاء القرآن الكريم ليكون معجزة النبي عليه الصلاة والسلام إلى نهاية الدوران .