English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "4 / 9"  من تفسير سورة  إبراهيم (014) :  الآيات  : 21 – 30  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في سورة إبراهيم إلى قوله تعالى :

      

الخلائق كلهم منذ آدم وحتى يوم القيامة ..

      

      أي أن لا شيء يستر أحداً من الخلائق عن الحِساب ، فإنهم وقفوا على أرضٍ ممهدة ، لا شيء يسترهم ، لا مكان يختبئون فيه ، لا شجرة يتوارون خلفها.

      

      كل واحد منا سوف يبرز لله ، وتعرض عليه أعماله التي اقترفها في الدنيا عملاً عملاً ، وكأنها شريط .

      

        فهذا الموقف يغفل عنه الناس ، هذا الموقف حينما يقوم الناس لرب العالمين ، حينما يقف الناس ليحاسبوا عن كل أعمالهم ..

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)

( سورة الحجر )

       يسأل الذي ظلم لم ظلمت ؟ ويسأل الذي عصى لم عصيت ؟ ويسأل الذي طغى لم طغيت؟ ويسأل الذي تجاوز الحدود لم تجاوزت ؟.

      

      لكن هناك في هذا الموقف الرهيب خصومة بين الضعفاء وبين الأقوياء ، وإذا فهمنا الضَعف في هذه الآية ضعفاً مادياً فهذا الفهم ينقُلنا إلى متاهات ، ولكن الضعف في هذه الآية ليس هو الضعف المادي بل هو ضعف النفس ، وتخلّي الإنسان عن الحرية التي وهبه الله إيَّاها ، خلقنا الله سبحانه وتعالى سواسيةً كأسنان المشط ، وهب الله كلاً منا  فكراً يميز به الخير من الشر ، والحق من الباطل ، والصالح من الطالح ، حينما يُعَطَّلُ الإنسان فكره ويجمده ، أو يسئ استعماله ، ويتبع الأقوى بعقيدته ، وتفكيره ، وقَيَمِهِ يكون قد تخلى باختياره عن حرية الاعتقاد التي منحه الله إيَّاها ، وليس في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تلزمك على أن تعتقد بعقيدةٍ ما ، لأن هذه الجهة مهما قويت لا تستطيع أن ترى ما في فكرك من عقيدة.

       أعطاك الله سبحانه وتعالى حرية الاعتقاد ، وجعل ما تعتقده مستوراً عن كل الخلق ، فإذا تخلَّيت أنت باختيارك وبإرادتك عن هذه الحرية الثمينة التي وهبك الله إيَّاها ، وعطَّلت تفكيرك الذي جعله الله ميزاناً تزين به الأمور ، عطَّلت هذا التفكير وقلَّدت في العقيدة الكُبراء ، بأفكارهم ، بمزاعمهم ، بمعتقداهم ، بقيمهم ، بعاداتهم ، بتقاليدهم فأنت هنا الضعيف ، ليس الضعف هنا ضعفاً مادياً ولكن الضعف هنا ضعف الإنسان أن يعتقد الحقيقة التي أراه الله إياها، والتي منحه الله من أجل أن يعتقد بها حريةً لا يطّلع عليها أحد .

       إذاً خلق الله سبحانه وتعالى الخلق سواسيةً كأسنان المشط ، ولم يجعل لأحدٍ في الأرض سلطاناً على أحد في العقيدة ..

إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ

( سورة النحل : من آية " 106 " )

لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

( سورة البقرة : من آية " 256 " )

       الذي تعتقده لا يستطيع بشرٌ في الأرض مهما أوتي من قوةٍ أن يطَّلِعَ عليه فضلاً عن أن يُغَيِّرَهُ ، هكذا منحنا الله سبحانه وتعالى حرية الاعتقاد ، وحرية الاختيار ، ومنحنا إرادةً حرة ، هؤلاء الضعفاء تخلَّوا بإرادتهم ، وباختيارهم عن حريتهم في الاعتقاد وقلَّدوا الكبراء ، قلدوا الأقوياء ، في عقائدهم ، وفي تفكيرهم ، وفي مذاهبهم ، وفي قيَمِهِم ، وفي منطلقاتهم ، وفي أهدافهم ، وفي عاداتهم ، وفي تقاليدهم ، وفي أنماط سلوكهم ، فكانوا مقلدين من هنا اتُّخذت هذه الآية أصلاً في أنه لا يجوز التقليد في العقيدة ، لا يجوز أن تقلِّد إنساناً في العقيدة  .

       أما لو أن معنى الآية أن الضعفاء بمعنى الضعفاء مادياً ، هذا الضعف المادي لا علاقة له بالإيمان ، إن كنت قوياً أو ضعيفاً تستطيع في كلا الحالين أن تؤمن بالله عزَّ وجل وأن تطيعه على كلا الحالين ، وإذا ضاقت الأرض التي تسكن بها فبقية الأرض واسعةٌ ..

أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا

( سورة النساء : من آية " 97 " )

فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)

( سورة طه )

       آمن سحرة فرعون بالله وأطاعوه ، ولم يستطع فرعون أن يفعل بهم إلا شيئاً  ..

إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)

       الحياة أبدية ، لذلك حينما قال الله تعالى :

      

وقفوا أمام الله عزَّ وجل ، وقفوا موقفاً للحساب ..

 

      

للكبراء ، للأقوياء ..

      

نحن آمنا كما آمنتم ، واعتقدنا بما اعتقدتم ، وصدقنا ما قلتم ، وسلكنا سلوككم ، وذهبنا مذهبكم ..

      

نحن اتبعناكم ، أين أنتم ؟ تعالوا خلصونا ، تعالوا خففوا عنا العذاب، تعالوا ادفعوا عنا العذاب ..

      

قلدناكم في أفكاركم ، في عقيدتكم ، في مذهبكم ..

      

       أي نحن كنا ضالين ، كنا ضالين مضلين ، ضللنا وأضْللنا ، فسدنا وأفسدنا ، كنا معكم، كنا مثلكم ، لو هدانا الله لهديناكم ..

      

      نعوذ بالله من هذه المواقف ، حينما يقترف الإنسان في الدنيا جريمةً ، ويحاكم على هذه الجريمة ، ويصدر قرارٌ بإعدامه ، ويصدَّق هذا الحكم ، ويساق هذا المجرم ليشنق في إحدى ساحات المدينة ، ويصعد درجات المشنقة ، وهو على إحدى درجات المشنقة سواءٌ عليه أبكى أم ضحك ، سكت أم صاح ، استجاب ، استنجد ، استغاث ، أي شيءٍ يفعله ، إن أي شيءٍ يفعله لا ينجيه من حبل المشنقة ..

      

       إن جزعنا لا ننجو ، وإن صبرنا لا ننجو ، إن استغثنا لا ننجو ، إن سكتنا لا ننجو ، هذا موقفٌ عظيم .

       أيها الإخوة الأكارم ... ما دام هذا القلب ينبض فباب التوبة مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح ، كل شيءٍ له حَل ما دام في الحياة بقية ، فإذا جاء ملك الموت وخُتِمَ العمل أنت رهن عملك ..

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)

( سورة المدثر )

       أي كنا مع التيار العام ، ارتدى النساء في أوروبا هذا الزي ، نرتديه نحن هذا هو الرقي، أن ترتدي ما يرتديه الناس في أوروبا ..

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

" لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ " * ( مسند الإمام أحمد )

       هذا التقليد الأعمى ، كأن هذه الآية تنبِّه المسلمين إلى التقليد الأعمى وإلى أخطاره ، أنت مسلم كيف تسمح لزوجتك أو لأختك أن ترتدي ثياباً تثير مشاعر الناس ، وأنت مسلم ؟ تقول : هكذا الثياب ، هذه الأيام أهذا جواب ؟! أتستطيع أن تجيب بهذا الجواب يوم القيامة ؟ إذاً :

      

فسَّره بعض المفسرين : " لو سلكنا طريق الهدى لهدانا الله " ..

      

        ما لنا من محيص ، ما لنا من نجاة ، وقعنا وانتهى الأمر ، إذا وهبك الله فكراً تستطيع أن تُمَيِّزَ به الحق من الباطل ، والخير من الشر ، والصالح من الطالح ، فلا تقلِّد يا أخي ، لا تقل : أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحسنت ، وإن أساءوا أسأت ، هذا هو الإمَّعة ، قال الشاعر الجاهلي ..

        وما أنا إلا من غزيةٍ إن غوت   

                               غويت وإن ترشد غزية أرشد

      إذا سألت أكثر الناس اليوم : لم تفعل هذا ؟ يقول لك : هكذا يفعل الناس جميعاً ، لم تغش يا أخي ؟ هكذا الناس كلهم عندي أولاد ، لم تأكل مالاً حرام ؟ هكذا الناس جميعاً ، التقليد ضارٌ في كل الحالات ، أما التقليد في العقيدة فهو خَطِرٌ لأن المُقلّد قد يكون ضالاً ، قد يكون المُقَلَّدُ منحرفاً ، قد يكون أعمى ، فإذا قلَّدته كنت مثله ، والتقليد يعني أن يتخلَّى الإنسان بملء حريَّته عن حرية الاعتقاد التي منحها الله له ، هذا هو التقليد ، أي أن الله سبحانه وتعالى منحك حرية الاعتقاد وها أنت تتخلَّى عن هذه الحرية ، هذا هو الضعف ، وليس الضعف أن تكون مستضعفاً ..

إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)

( سورة الواقعة )

" رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ "

( من صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " )

       ليس الضعيف الذي لا يملك قوةً ولكن الضعيف هو الضعيف نفسياً الذي عطَّل فكره وقلَّد الكبراء في معتقداتهم ، هذا هو الضعيف ، إذاً الضعف هنا جريمة ، جريمة يحاسب عليها الضعيف يوم القيامة لأنه اختار..

وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7)

( سورة الرحمن )

       أعطاك ميزاناً دقيقاً ، عطَّلته وقلَّدت الكافرين ، قلدت الضالِّين ، قلدت المنحرفين ، صدَّقت ما يقولون ، اعتقدت ما يعتقدون ، ذهبت مذهبهم، قلدتهم في عاداتهم ، في تقاليدهم ، هذا الضعف إذاً كسبيٌ ، وما دام كسبياً فهو من اختيارك ، وما دام هذا الضعف باختيارك سوف يحاسب عليه الضعيف حساباً عسيراً ، كما تنطق هذه الآية ..

      

لو سلكنا طريق الهدى لهدانا الله ..

       ما

لنا من نجاة ..

       أيها الإخوة الأكارم ... نعوذ بالله أن نصل إلى هذه النقطة ، الطريق المسدود ، إن جزعت ، وإن صبرت ، وإن استغَثْتَ ، وإن فرحت، وإن حزنت ، كل هذه الأحوال سِواء..

      

       ومن أشَدِّ الأشياء إيلاماً للنفس شماتة العدو ، وهاهو ذا الشيطان أعدى أعداء الإنسان يقف ليشمت بالذين أضلَّهم .

      

معنى قضي الأمر أي أن أهل الجنة دخلوا الجنة ، وأهل النار دخلوا النار ..

وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ

( سورة الزمر : من آية " 70 " )

       بعد أن يحاسب الإنسان حساباً دقيقاً ، ويوفى جزاء عمله يأتي الشيطان ليشمت بالذين أضلَّهم ..

      

كان وعده حقاً ، وكان وعد الله مأتيَّاً ..

إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا(61)

( سورة مريم )

وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ

( سورة التوبة : من آية " 111 " )

       الوعد الذي جاء في كتاب الله في حكم الواقع .

       أيها الإخوة الأكارم ... الذي وعدنا الله به كأنه وقع ، " كيف أصبحت يا فلان ؟ " قال : " أصبحت كأني بعرش ربي بارزاً ، وكأني بأهل النار يتصايحون ، وبأهل الجنة يتمتعون " ، قال : " عبدٌ نوَّر الله قلبه بالإيمان عرفت فالزم " ، هذه الرؤية .

       إذا رأيت إنساناً منحرفاً وهو يتقلَّب في أنواع النعيم ، العمى أن تحسده على نعيمه ، والبصر أن ترى مصيره الأسود ، هذا هو الإيمان أن ترى الشيء قبل أن تصل إليه ، أن تخترق بصيرتك ظواهر الأشياء فتصل إلى نتائجها ، لو أن سارقاً سرق وقتل ، وظن أنه نجا، وأنت أيقنت أنه في قبضة العدالة ، وأنه مراقب ، وأنه سيلقى القبض عليه بعد قليل ، ألا ترى نتيجته وهو معلقٌ على حبل المشنقة ؟ البطولة أن تصل إلى النتائج قبل أن تصل إليها ، هذه الرؤية الصحيحة ، الناس نيام ، يفرح الناس بالمال ، والمال ظلٌ زائل ، يفرح الناس بالجاه ، يفرح الناس ببيتٍ فخم ، مع أن هذا هو بيتٌ موقَّت ، واقرؤوا النعوات كلها : " وسيشيَّع إلى مثواه الأخير " ، إذاً هذا البيت الفخم الذي يسكنه مثوى موقَّت ، يفرح الناس بالمال ولو كان من طريقٍ غير مشروع ، ستحاسب عنه درهماً درهماً .

" لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ " *

 ( من سنن الدارمي : عن " عن معاذ بن جبل " )

" اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك "

      حينما أرى في المسجد شاباً والله أغبطه لأن الشباب فيه قوة ، فيه حيوية ..

" اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك " .

      

كلام الشامتين ..

      

      فوفَّى  لم يقل الله : فوفى هذا الوعد لأن أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فكلمة فوفَّى لا معنى لها ، حشوٌ لا طائل منه ..

 

وها أنتم قد رأيتم بأمِّ أعينكم كيف أن وعد الله قد وقع ..

يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ(52)

( سورة يس )

       إله يعرف ، أليس لك ثقةٌ بوعده ؟! إلهٌ خالق السماوات والأرض يعدك بالجنة إن أحسنت، وبالنار إن أسأت ، ولا تعبأُ بهذا الوعد والوعيد؟ تصدق إنساناً ضعيفاً لئيماً ..

 

 

     

لم يقل : وعدتكم بالباطل ، لأن وعد الشيطان لم يقع إذاً هو باطل ، الإعجاز في الإيجاز ..

      

وها أنتم قد وجدتم وعده حقاً ..

      

طبعاً بالباطل ..

      

       وعدتكم أنه لا جنة ولا نار ، وها هي ذي الجنة والنار ، وعدتكم أن لا حساب وهذا هو الحساب ، وعدتكم أنه لا إله ، هذه عقائد الضعفاء  في الدنيا ، هذه غيبيات نحن في غنى عنها، المادة كلُّ شيء ، وما الإنسان إلا مظهرٌ معقدٌ للمادة ، وعدتكم أن هذه المعتقدات تخدِّر الناس ..

      

هذه الأفكار التي يعتقد بها بعض الناس تنطبق عليها هذه الآية ..

      

       هذا كلام رب العالمين ، وأية قصَّةٍ ، وأي تفسيرٍ ، وأي كلامٍ يتناقض مع هذا القول فهو باطل ، الشيطان ليس له سلطانٌ على الإنسان ، ومعنى السلطان شيئان إما الحجة وإما السلطة ، ضربت سابقاً مثلاً يوضِّح هذه الآية ذكرته كثيراً وها أنا ذا أعيده توضيحاً لهذه الآية:

       لو أن إنساناً يرتدي ثياباً أنيقةً جداً ، وقع في حفرةٍ فيها مياه آسنة سوداء ، وكان إلى جانبه رجل ، فانطلق إلى مخفر الشرطة ليشتكي على إنسانٍ يدعي أنه هو السبب ، فلما سأله المحقق أدفعك إلى هذه الحفرة دفعاً ؟ قال له : لا ، قال هل أمسكك ووضعك فيها ؟ قال له : لا ، قال : هل شَهَرَ عليك سلاحاً وأمرك أن تنزل فيها ؟ قال له : لا ، قال : لم تشتكي عليه إذاً ؟ قال : لأنه قال لي : انزل فنزلت !! هذا يحتاج إلى مستشفى للمجانين ..

      

        هذا كل ما في الأمر ، لذلك لا ينبغي للرجل إذا وقع في معصية أن يلعن إبليس ، عليه أن يلعن نفسه فقط ، ليس لإبليس دخل في الأمر ، قال لك : اعصِ الله ، لم استجبت له ، ما دام الشيطان ليس له علينا سلطان ، ليس معه حجة ، وليس معه سلطة ، فإذا اتبعته فهذا الذي يتبعه هو ضال ، وهو مسؤول وسيحاسب عن عمله ، ولا يعفى من المسؤولية بحجة أن الشيطان وسوس له ، طبعاً وسوس ، أنت في تعاملك مع القوانين والأنظمة ، إذا قال لك شخص : خالف القانون ، وتعلم أن جزاء هذه المخالفة السجن ، هل تستجيب له ؟ ترفض هذه الدعوة ، يقول لك : أنا أعرف ما لا تعرف ، لماذا في أمور الدنيا لا نستمع إلى شيءٍ يضر بنا وفي أمور الدين نستمع إلى ما يضرنا ؟

      

هذه الآية يجب أن تبقى في أذهانكم طوال الحياة ..

      

        كلما فعل معصية لعن إبليس مع أنه ليس لإبليس دخل في الموضوع أنت المؤاخذ ، إبليس وسوس لك ، لم استجبت له ؟ ليس له عليك من سلطان ..

         

      

       إذا أعطاك شخص دواء وقال لك : هذا الدواء يفيدك ، وأنت لا تعرف الشخص ، قد يكون مؤذياً ، قد يكون مغرضاً ، قد يكون عدواً ، قال لك : مفيد ، تأخذه رأساً ؟ اسأل طبيباً ، اسأل خبيراً ، اقرأ نشرته ، لاحظ هو مختوم أم لا ( من صنعه ؟ ما استطباباته ؟ ) ، فكيف تأخذ الدواء بسرعة ؟ قد يكون سُماً قاتلاً ، أتتعامل أنت في الدنيا بهذه الطريقة ؟!

      

 أي أن الشيطان لن يستطيع أن يضل أحداً إلا أن يكون الذي أضله ضالاً في الأصل ..

      

أي أنا لا أستجيب لكم إذا صرختم ، وأنتم لا تستجيبون لي إذا صرخت ..

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)

( سورة المدثر )

وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

( سورة الأنعام : من آية " 164 " )

      

       هذا الذي يصدِّق الشيطان ويستجيب لوساوسه أشركه مع الله عزَّ وجل ، وها هو ذا الشيطان يكفر بهذا الشرك ..

      

        هذه الآية أصلٌ في حقيقة الشيطان ، يوسوس ولكنه لا سلطان له على الإنسان ، فالذي يستجيب لوساوس الشيطان إنما يستجيب لهوى نفسه، في الحقيقة يستجيب لهوى نفسه لا لوساوس الشيطان ، بل إن الأصح من ذلك أن هوى نفسه تطابق مع وساوس الشيطان ، فاستجاب له ، لا يستجيب الرجل إلى وساوس الشيطان إلا إذا توافقت هذه الوساوس مع هواه ..

      

       هذه الصورة المقابلة ، هؤلاء الذين استعملوا حريتهم في العقيدة ، واستعملوا حريتهم في الإرادة ، وعرفوا ربَّهم ، وأطاعوه ، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، هؤلاء الذين وحَّدوا ربَّهم ، هؤلاء الذين رأوا أن كل من في الدنيا لا يستطيع أن يدفع عنهم ضُراً ولا أن يجلب لهم نفعاً ، هؤلاء الذين رأوا أن يد الله فوق أيديهم ، هؤلاء الذين رأوا أنه لا إلهه إلا الله ، ولا معبود بحقٍ إلا الله ، ولا رافع ولا خافض ، ولا مُعِزَّ ولا مُذل ، ولا مانع ، ولا معطي ، ولا قابض ، ولا باسط إلا الله ، جعلوا همَّهم هماً واحداً فكفاهم الله الهموم كلها .

" مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِين

َ"* ( من سنن الترمذي : عن " أبي سعيد " )

       هؤلاء الذين عرفوا الله في الدنيا ، هذا جزاؤهم يوم القيامة ..

      

        أي ادخلوها بسلامٍ آمنين ، سلامٌ من كل نغص ، سلامٌ من كل قلق ، من كل هم ، من كل حزن ، من كل ما يخيف الناس في الدنيا ، لا قلق على صحةٍ ، ولا على دخلٍ ، ولا على مالٍ ، ولا على أولادٍ ، ولا على زوجةٍ، هم في سلامٍ من كل منغصات الدنيا ..

      

والسلام اسمٌ من أسماء الله سبحانه وتعالى ..

      

        الكلمة الطيبة مضمونها طيِّب ، وطيبها يأتي من أنها توافق عمل صاحبها ، ومؤدَّاها طيب ، معناها طيب ، تطابقها مع العمل طيبٌ ، نتائجها طيِّبة ، هذه الكلمة الطيبة ، دعوت إنساناً إلى الله عزَّ  وجل ، دعوته إلى طاعة الله ، دعوته إلى إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، دعوته إلى طاعة الله بغض البصر عن محارمه ، دعوته إلى تحرير دخله من الشبهات ، دعوته إلى أن تكون زوجته وبناته محجَّبات ، دعوته إلى ترك سماع الغناء ، دعوته إلى ما يرضي الله عزَّ وجل .

       شيءٌ ملخصٌ أقوله لكم : ليس في الكون إلا الله ، وكل شيءٍ يوصلك به فهو حق ، وكل شيءٍ يبعدك عنه فهو باطل ، فالكلمة الطيبة هي الكلمة التي توصلك بالله عزَّ وجل عن طريق آياته ، عن طريق طاعته ، عن طريق العمل الطيب ..

      

 

       الكلمة الطيبة أن تتكلم كلاماً يقرِّب الناس من الله عزَّ وجل ، " يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ " ، قال : " يا موسى أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي " ، فقال موسى : " يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ " قال : " يا موسى ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي " . هذه الكلمة الطيبة أن تذكرهم بآلاء الله، بعد انحباسٍ طويل في هطول الأمطار الله سبحانه وتعالى لا كما يقولون : منخفضات آتية من القطب الشمالي ، تفضَّل الله سبحانه وتعالى  علينا بهذه الأمطار ، هذه كلمة طيبة ، إذا عزوت الأمطار إلى الخالق هذه كلمة طيبة، فإذا عزوتها إلى شيءٍ آخر هذه كلمة تبعد الناس عن الله سبحانه وتعالى ، أين أنتِ أيتها المنخفضات ؟ تعالي ، ولو من القطب الشمالي ، أهي آلهة ؟

وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً

( سورة النحل : من آية " 65 " )

       الله ، فالكلمة الطيبة .. ذكِّرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي .. أي كلامٍ يقرِّب الناس من الله ، يزيدهم معرفةً به ، يزيدهم حباً به ، يزيدهم استقامةً على أمره ، يزيدهم بذلاً من أجله ، يزيدهم اتصالاً به ، أي كلامٍ يؤدي إلى إقبال الناس على الله عزَّ وجل هو ما تعنيه هذه الآية كلمةٌ طيبة، وهذه الكلمة الطيبة

       

  أي مبنيةٌ على حقائق ثابتة ، مبينةٌ على واقعٌ راهن ، مبنيةٌ على منطق ، أصلها ثابت .

       إذا قلت : المعادن تتمدد بالحرارة ، هذا قانون علمي ، هذا قانون ثابت ، لا يتبدَّل ، ولا يتغير ، ولا يعدل ، ولا يُعطل ، فالكلمة الطيبة في أساسها منطلقةٌ من حقائق ، من واقع ، من منطق ، من شيءٍ تقبله النفس ، يرضاه العقل ، فالأديان تنطلق من أصلٍ ثابت ..

       

       أصلها ثابت وفرع هذه الكلمة في السماء ، أي أن الكلمة الطيبة تنتج عملاً طيباً بسموه ورفعته هذا الإنسان المستقيم على أمر الله عمله في السماء ، مشاعره في السماء ، أعماله في السماء ، أقواله في السماء ، فالسماء كناية عن السمو ، والثبات ، والأصل الثابت كناية عن أن هذه الكلمة الطيبة تنطلق من حقائق ، من واقع ، من منطق ..

وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا

( سورة النحل : من آية " 32 " )

        إذا هدى الله على يديك واحداً ، هذا الواحد يهدي آخراً ، والآخر يهدي آخراً ، فإذا أنت بعد مدةٍ يسيرة  كنت سبباً في هداية مجموعة كبيرةٍ من الناس ، لهذا قال الله عزَّ وجل :

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً

( سورة المائدة : من آية " 120 " )

      والنبي صلوات الله عليه أمة ، ألف مليون مسلم ، هو واحدٌ ..

       

        أنت اهدِ واحداً ، وانظر كيف أن هذا الواحد هدى زوجته ، وهدى أولاده ، وهدى جيرانه ، كان واحداً فصار عشرة ، والعشرة عشرين والعشرين خمسين ..

      

        السماء رمز السمو ، أي أن هذا المهتدي مشاعره سامية ، أقواله طيبة ، أعماله طيبة، مستقيم ، لا يغش ، لا ينمِّق ، لا يكذب ، لا ينحرف، لا يباع ، ولا يشترى ، صاحب مبدأ ، يخاف الله يطيعه في كل أمر .