English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "7 / 9"  من تفسير سورة  إبراهيم (014) :  الآيات  : 32 – 34    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي في سورة إبراهيم إلى قوله تعالى :

       

         الشمس على عظمتها ، والقمر على عظمته مُسَخَّران للإنسان ، أيهما أعظم عند الله مكانةً المُسَخَّرُ له أم المُسَخَّر ؟ إنه المُسَخَّرُ له ، الله سبحانه وتعالى جعل كل ما في الكون مسخراً من أجلك أيُّها الإنسان ، أنت ماذا فعلت ؟ كيف قابلت هذا الإكرام ؟ هل قابلت هذا الإكرام بالطاعة أم بالمعصية ؟ هل قابلت هذا الإكرام بالشكر أم بالجحود ؟ هل قابلت هذا الإكرام بالعمل الصالح أم بالعمل السيئ ؟ هل قابلت هذا الإكرام بذكر الله أم بالغفلة عن الله ؟ كيف قابلت هذا الإكرام ؟ .

      

         ما من واحدٍ منَّا إلا وهو يعلم أنه لا حياة من دون الشمس ، إنها تَهَبُ الأرض ومن على الأرض الحرارة ، ولولا الشمس لأصبحت الحرارة على وجه الأرض أقلَّ من مائتين وخمسين درجةً تحت الصفر ، ولأصبحت الأرض كوكباً متجمِّداً لا حياة فيها ، والشمس تهب الأرض الضوء ، والنبات لا ينبت إلا بالضوء ، ولولا ضوء الشمس لما أكلت شيئاً ، إذا مات النبات مات الحيوان وتبعه الإنسان .

      

         تستنيرون بضوئها ، وتدفئون بحرِّها ، والشمس تقتل البكتريات ، لأن الكائنات الضارَّة لا تعيش إلا في الظلام فإذا جاءت الشمس طهَّرت كل شيءٍ يؤذيك ، والشمس كما تعلمون تبعد عن الأرض مائة وستاً وخمسين مليون كيلو متر ، يقطعها الضوء في ثماني دقائق ، والشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرَّة ، أي مليون وثلاثمائة ألف أرض توضع في الشمس ، والأرض انظر إليها ، تأمَّل حجمها ، تأمَّل أبعادها .

       وتزيد حرارة الشمس السطحيَّة عن ستة آلاف درجة ، بينما تزيد حرارة نواتها عن عشرين مليون درجة ، ولو وُضِعَت الأرض في الشمس لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة ، ويقدِّر العلماء عمر الشمس بخمسة آلاف مليون سنة .

      

الشمس والقمر مُسَخَّرانِ للإنسان ، ربنا عزّ وجل قال على لسان سيدنا إبراهيم حينما خاطب النمرود ، قال :

فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ

(سورة البقرة : آية " 258 " ) 

       هل تستطيع قوَّةٌ على وجه الأرض أن تغيّر مسار الشمس ؟ أو أن تعطِّل شروقها ؟ أو أن تمنع غروبها ؟ أو أن تغيِّر توقيتها ؟ .

فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ

       أما معنى قوله تعالى :

      

       شيءٌ دقيقٌ جداً هو أن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ أرادها ثَبَّتَ أشياء وحَرَّكَ أشياء ، شروق الشمس ، وغيابها ، وتوقيتها ، ومسارها ، وفلكها ثابتٌ لا يتغيَّر ، ولا يتبدَّل ، ولا يتحوَّل ، ولا يُعَدَّل ، ولا يُعطَّل ، هكذا أراد الله عزّ وجل من أجل أن تنتظم حياتنا ، لولا شروق الشمس في أوقاتٍ منتظمة لاضطربت حياتُنا ، ثبَّت الله عزَّ وجل أشياء كثيرة ، لا أحد يقلق أن يستيقظ في اليوم التالي والشمس لم تُشْرِق ، وليس في الشرع دُعاء الشروق ، هناك دعاء الاستسقاء ولكن لا يوجد دعاء الإشراق لأن الله عزَّ وجل جعل الشمس ، هكذا أرادها أن تكون ثابتة ، ودائبة من أجل استقرار حياتنا ، من أجل انتظام حياتنا لأن حركة الشمس ، وحركة الأرض ، وحركة القمر يتبعها نظام الزمن ، فكلمة :

      

        بمعنى استمرار الحركة ، عدم تغيُّر الحركة ، ثبات نظام الشمس هذا من نِعَم الله عزَّ وجل ، ثبَّت ربنا أشياء كثيرة ، ثبَّت البذور ، إذا زرعت بذر التفَّاح ينبت التفَّاح ، ما أحد في تاريخ البشريَّة زرع بذراً ونبت نبات آخر ، ثبات إنتاج البذور هذه من نعم الله عزَّ وجل ، وهناك أشياء حرَّكها ، حرَّك الأمطار ، السماء قد تُمْطِر وقد لا تُمْطِر ، قد تأتي سنواتٌ خصبة وقد تأتي سنواتٌ شحيحة ، لو أن الله سبحانه وتعالى ثبَّت كل شيء بما في ذلك الأمطار ، بما في ذلك أجهزة الجسم لاستغنى الإنسان عن ربِّه ، وباستغنائه عن ربِّه يشقى بهذا الاستغناء .

        فدقِّق ، وراء الأشياء التي ثبَّتها الله عزَّ وجل حكمةٌ بالغة ، ووراء الأشياء التي حرَّكها حكمةٌ بالغة ، ثبَّت الشمس والقمر دائِبَيْن ، البشريَّة لم تقلق ولا تقلق ولن تقلق من جهة الشمس لأنها مسخَّرة ، لكن :

وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)

(سورة يس )

       لابدَّ من يومٍ تنتهي به وظيفة الشمس ..

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)

( سورة التكوير )

       الإنسان الغافل يستضئ بنور الشمس ، وينعم بدفْئِها ولكنَّه لا يعرف الله من خلالها ، إذاً استمتاع الإنسان الغافل بالشمس كاستمتاع البهيمة بالشمس ، ولكنَّ المؤمن إذا نظر إلى الشمس رأى الله من خلالها ، دَلَّته على الله لأن الشمس آيةٌ من آيات الله الدالَّة على عظمته ..

لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ

( سورة فصلت : من آية " 37 " )

       الأقوام السابقة الغافلون عن الله عزَّ وجل عبدوا الشمس ، لماذا عبدوها ؟ لِمَا رأوا من خيراتٍ ناتجةٍ عنها ، لو دقَّقوا ، وتأمَّلوا ، وفكَّروا لانتقلوا منها إلى خالقها ..

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)

( سورة الأنعام )

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ(76)

       إلى أن قال :

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(79)

( سورة الأنعام )

     انتقل سيدنا إبراهيم من الشمس إلى الله ، والمؤمن ينتقل من كل شيءٍ إلى الخالق ، لذلك استمتاع المؤمن بالشمس استمتاعٌ بحقيقتها ، واستمتاعٌ بموجِدِها ، أي حينما يتأمَّلها ينتقل منها إلى موجدها فيخشع قلبه ، فإذا خشع قلبه ، انهمرت دموعه ، وأقبل على الله عزَّ وجل وعرف أن الشمس كانت دليلاً له إلى الله عزَّ وجل ..

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ

( سورة النحل : آية " 12 " ) 

       الآية الثانية :

       وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ .. أي كل ما في السماء .. مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ مسخَّراتٌ للإنسان بأمر الله ، تأتمر بأمر الله ، تتحرَّك ، تشرق ، تغيب ، لها فلكٌ دقيق بأمر الله عزَّ وجل .

       يقول الله عزَّ وجل في آية أخرى  :

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا

( سورة يونس : آية " 5 " )  

       الشمس ضياء ، ضوءها شديد ، ضوءها كشَّاف ، لكن القمر نور فقط الإنسان يرغب أحياناً إذا أوى إلى فراشه أن يبقى في الغرفة بصيص ضوءٍ يريه معالم الأشياء ، كذلك ربنا سبحانه وتعالى من رحمته بنا ..

جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا

       أي جعل القمر ( نواصة ) في الليل .. إذا أطللت من نافذتك إلى الحقل الذي جانب غرفتك ترى معالم الأشياء بضوء القمر ..

وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى

( سورة الزمر : آية " 5 " ) 

       أي إن هذا السير له حَدْ ، هذه الشمس وسيلة إيضاح إلى أن يأتي يوم الامتحان تُرفع هذه الوسائل ، ويُمتَحن الإنسان ، ويظهر عمله .

       شيءٌ آخر :

 

أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ

( سورة الفرقان : آية " 45 " ) 

      هذه آية من آيات الله عزَّ وجل ، تكون جالساً في بستان فترى ظلَّ الشجرة، يتحرَّك ، يكون أصغر من الشجرة بُعَيْدَ الظُهر ، ثم يمتدُّ الظل إلى أن يصبح في طولٍ مثل طول الشجرة ، إلى أن يصبح قدر طولين أي ضعفي طولها ، إلى أن يصبح ممتدَّاً إلى مسافاتٍ بعيدة ، من الذي حرَّك هذا الظل ؟ حركة الأرض الحقيقيَّة أو حركة الشمس الظاهرة ، هذه آية ، يجب أن تستنبط أنَّ هناك حركة ، هناك شيء يتحرَّك ، الإنسان الساذج ينظر بعينيه ، لكن الإنسان المفكِّر يرى بفكره أشياء لا تراها عينه ، هذه العين لا ترى حركة الأرض ، ولا ترى حركة الشمس ، لكنَّها ترى حركة الظل ، وما دام الظل متحرِّكاً فلابدَّ من حركةٍ ما من قِبَلِ الشمس أو من قِبَلِ الأرض .

أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا

( سورة الفرقان : آية " 45 " ) 

       سكون الظل يعني وقوف الأرض عن الحركة ، أو وقوف الشمس عن الحركة ..

ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا(45)

       لولا أشعَّة الشمس لما عرفت حركة الأرض .. ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا(45) .. الشمس دليلٌ على الحركة .

لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)

( سورة يس )

      أي أنه تنظيم ، الآن لابدَّ للطائرات من قيادةٍ حكيمة في أبراج المطارات ، هذه الطائرة تُعطى الخط الأول ، خط دمشق باريس مثلاً  ، هناك خطوط في الجو ، لو أن موظَّفي الأبراج في المطارات أخطئوا وأعطوا طائرتين خطَّاً واحداً لكانت كارثةً مروِّعة ، وهذا ما حدث من قبل، طائرتان كل طائرة فيها أربعمائة راكب تحطَّمتا ومات جميع ركَّابها  لماذا؟ لأن موظَّف البرج أعطى طائرتين خطأً خطَّاً واحداً ، لا تستطيع الطائرةٌ أن تُقْلِعَ من المطارٍ إلا بعد أن تأخذ خطاً من برج إقلاعها وبرج وصولها ، هذا الخط تستقلُّ به ، فإذا طارت طائرةٌ أخرى تُعْطَى خطاً آخر أعلى أو أدنى ، كم طائرة موجودة في الأرض ؟! لنفرض أنهم خمسة آلاف طائرة، أو خمسين ألف طائرة ، عدد الموظفين في كل مطار الذين يعملون على تنظيم حركة هذه الطائرة ؟! .

       كل مجرَّة فيها مليون مليون نجم ، وفي الكَوْن العدد الأولي التقريبي حتى الآن التقدير مليون مليون مجرَّة ، أي مليون مليون ضرب مليون مليون ، أي اثني عشر صفر باثني عشر صفر ، أي واحد أمامه أربعة وعشرين صفر ، ولم يحدث أن ارتطم نجمٌ بنجم ..

لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)

       كل نجمٍ له فلكه ، كل نجمٍ له مساره ، هناك آية أخرى توضِّح هذا المعنى :

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا

( سورة فاطر : آية " 41 " ) 

        معنى تزول أي أن تخرج عن خطِّ سيرها ..

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا

       أي أن تبقى الأرض في مسارها ، والشمس في مسارها ، والقمر في مساره ، والنجوم في مسارها هذه آيةٌ كُبرى من آيات الله عزَّ وجل ، لو أن قطاراً خرج عن سِكَّتِهِ لكانت كارثةً كبرى ، لو أن قطاراً يمشي على طرف وادٍ سحيق وخرج عن سكَّته لكان كل من في القطار  ضحايا، ماذا يحدث ؟ لو أن الأرض خرجت عن خطِّ سيرها ودخلت في خطٍّ آخر وارتطم النجمان ، لا يبقى على وجه الأرض شيء من عِظَمِ الصدمة .

الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(5)

( سورة الرحمن )

       هناك حسابٌ دقيق ، قال العلماء : " حدثت بعض الانفجارات في الشمس ، فارتفعت حرارتها ، وذابت الكتل الجليديَّة في القطبين ، لارتفع البحر إلى مسافة ثلاثٍ وتسعين متراً فوق مستواه الحالي". ولغَمَرَ ثُلُثَي اليابسة ، لو أن انفجاراً حدث في الشمس أذاب هذا الانفجار الجبال الثلجية في القطبين ، لارتفعت مياه البحر ثلاثاً وتسعين متراً ، ولانغمر من الأرض أو من اليابسة ثُلُثاها ، إذاً :

الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(5)

       الآن بعد الشمس عن القمر ، بعد الأرض عن الشمس ، بعد الأرض عن القمر ، بعد القمر عن الشمس ، هذه كلُّها وَفَق حساباتٍ دقيقةٍ دقيقة ، يقول الله عزَّ وجل في آيةٍ أخرى :

وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا(16)

( سورة نوح )

       الشمس مُتَأَلِّقة ، القمر عاكس ..

وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا(16)

       أي آن الأوان أن ينطلق هذا الفكر من عِقاله ، آن الأوان أن يجول هذا الفكر في ملكوت السماوات والأرض ليتعرَّف إلى عظمة الله ، ليخشى قلبه ، ليستقيم على أمره ، ليعمل الصالحات تَقَرُّباً له ، ليسعد في الدنيا والآخرة .

إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ

( سورة فاطر : من آية " 28 " ) 

      

       الشمس والقمر ، لا حياة من دون الشمس ، لا ضوء ، ولا دفء ، ولا تعقيم ، الحياة تنتهي ، فالشمس مسخَّرةٌ لنا .

      

قال ربنا عزَّ وجل :

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ

( سورة الإسراء : من آية " 12 " ) 

      يستمتع أهل الدنيا بالنهار المُشْمِسْ في أيَّام الربيع والخريف، فينطلقون إلى النُزُهات ، يستمتعون بالليلة القَمْراء ، ينطلقون إلى السَهَرات ، إنهم يستمتعون بالليل والنهار كما تستمتع البهائم ، ولو أن الإنسان فكَّر في الليل والنهار لرأى الله من خلالهما ، لذلك:

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً

          سيدنا النبي اللهمَّ صلي عليه كان يقول : " يا سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار .. ؟ " . تجد ظلاماً دامساً ، الأشياء لا تُرى ، قلق ، خوف ، إذا سار الإنسان في غابةٍ ليلاً يرى آلاف الأشباح ، ينخلع قلبه من الخوف أحياناً ، فإذا سار في هذه الغابة نهاراً اطمأنَّ قلبه ، " يا سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار ؟ وأين النهار إذا جاء الليل " ، عندما تكون مسافراً الشمس مشرقة ، يكون الطريق واضح المعالِم ، وأنت مطمئن ، فإذا جاء الليل بدأت تُبَحْلِقُ في الطريق ، وتتوهَّم أن هذه المركبة قادمةٌ نحوك ، وهذه تبتعد ، والطريق من اليمين ، أين النهار إذا جاء الليل ؟ يقول ربنا عزَّ وجل :

وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(80)

( سورة المؤمنون )

       اختلاف لها معنيان ، إما أن الليل يَتْبَعُ النهار ، اختلاف الليل والنهار ، وإما تفاوت الليل والنهار في الطول والقِصَر ، من جعل الليل يطول في الشتاء والنهار يطول في الصيف ؟ من جعل اختلاف الليل والنهار ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، قد يستمتع الإنسان في الشتاء بالليل ، يؤذِّن العشاء في وقتٍ مبكِّر ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :

" الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ "

*( مسند أحمد : عن " أبي سعيد " )

" طال ليله فقامه ، وقصر نهاره فصامه " .

       يأتي الصيف حيث النهار الطويل ، إن كنت في عملك في الصيف ترى أن الوقت ممتد والليل قصير ، وفي الشتاء ترى أن النهار قصير والليل مُمْتَد ، فلذلك :

وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

       هذا عائدٌ له ، من تقديره وحكمته .

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ

( سورة آل عمران : من آية " 27 " ) 

       أَوْلَجَ بمعنى أدخل ، انظر ساعة الغروب كيف أن الليل يأتي من هاهنا ، والنهار يُدْبِر من هاهنا ، إذا نظرت إلى الأفق الغربي ترى أثر ضوء الشمس ، ترى الشفق الأحمر ، فإذا نظرت إلى الأفق الشَرقي ترى الظلام ، تنعكس الآية عند الفجر إذا نظرت إلى الأفق الشرقي ترى خيطاً أبيض ، فإذا نظرت إلى الأفق الغربي ترى الظلام دامساً ، فربنا عزَّ وجل يقول :

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ

       وإيلاج الليل في النهار من أعظم الآيات ، ما قولك لو أن الشمس غابت فجأةً ؟ ففي بعض القرى حيث محرِّكات الكهرباء تدور وتتوقَّف في الساعة الثانية عشر ليلاً ، تنطفئ الكهرباء قبل الساعة الثانية عشر بعشرة دقائق لدقيقةٍ واحدة ثم تعود ، إشعاراً إلى أنه قد قَرُبَ وقت انقطاع النور فهيِّئ نفسك للنوم ، كذلك لو أن الشمس تنطفئ فجأةً لوقع الإنسان في متاهة، أغراضه مُبَعْثَرَة ، أغنامه متفلِّتة ، حاجاته لم تجتمع بعدُ ، أولاده ، لكن الشمس تغيب بالتدريج ، يغيب قرص الشمس وتبقى الأرض مُنيرة لساعةٍ وربع تقريباً ، إلى أن يغيب الشفق الأحمر فهذا هو العشاء ، كذلك الشروق ، لو أن الشمس تُشْرِق فجأةً لحدث انبهار للعيون ، لكن حكمة الله عزَّ وجل حينما تشرق الشمس وحينما تكون على مستوى النظر أن تكون الشمس حمراء اللون لا تؤذي شبكيَّة العين ، فإذا ارتفعت في السماء أبْيَضَّ قُرص الشمس وصار النظر إلى الشمس يؤذي العين ، حينما تكون الشمس فوق الرأس تكون متوهِّجة ، فإذا كانت مقابل العينين كانت الشمس لطيفة ، هذه آية من آيات الله عزَّ وجل .

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ

وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا

( سورة الأنعام : من آية " 96 " ) 

       الليل سكون ، ترى السكون قد خَيَّمَ على أشدُّ البيوت ضجيجاً في الساعة الثانية ليلاً ، لا ترتاح أعصاب الإنسان إلا بالسكون ، وسُمِّي المسكنُ مسكناً عليما لأن الإنسان يسكن فيه ، ترتاح أعصابه في بيته ، الفضل لله عزَّ وجل في أنه جعل في الأرض نظاماً موحَّداً ، حينما تغيب الشمس تأوي المخلوقات إلى أوكارها ، والإنسان إلى بيته ، والنبي عليه الصلاة والسلام كَرِهَ السهر إلا في حالاتٍ نادرة في طلب العلم ، أما أن يسهر الإنسان يمضي هذا الوقت الذي أعَدَّه الله لراحته ، أعدَّه الله لاسترجاع نشاطه ، أعدَّه الله لصحَّته ، يمضي هذا الوقت في حديثٍ فارغ ، وفي علاقاتٍ ساذجة لا قيمة لها هذا مخالفٌ للسنَّة ، كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يتكلَّم بعد العشاء أبداً إلا في حالاتٍ نادرة ، لكنَّ هذه الإنارة الشديدة وهذه الأجهزة في البيوت تدعو الناس إلى أن يصبحُ نهارهم ليلاً وليلهم نهاراً ، لا يستيقظ قبل الساعة الحادية عشر ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

" اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا

 "* ( مسند أحمد : عن " علي " )

        و ..

" ساعةٌ في أوَّل الليل لا تعدلها ثلاث ساعاتٍ في آخره " .

وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا

( سورة الأنعام : من آية " 96 " ) 

      قرأت ذات مرَّة مقابلة مع طبيب وهو أستاذ في الجامعة ، أعرف أن هذا الطبيب ليس له أيُّ اتجاهٍ دينيٍّ إطلاقاً ، إلا أنه قال :[ من عاداته التي يصرُّ عليها النوم باكراً والبعد عن السهر حفاظاً على صحَّته] ، لو أن الإنسان ألْزَمَ نفسه أن ينام باكراً لذاق طعم الحياة ، لأن ..

" لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا "*

( صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

" لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أَكْفِكَ النهار كلَّه " .

إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا(6)

( سورة المزمل )

 أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)

( سورة الإسراء )

يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ

( سورة الرعد : من آية " 3 " ) 

       يأتي الليل كالغشاء يُغَشّي الأرض ..

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا(2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا(3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(4)

( سورة الشمس )

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا

( سورة يونس : من آية " 67 " ) 

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ

( سورة الإسراء : من آية " 12 " ) 

       الليل راحة ..

وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا

       هذه لام التعليل ..

لِتَبْتَغُوا فَضلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا(12)

( سورة الإسراء )

      تصوَّر يا أخي لو لم يكن هناك ليل ولا نهار ، ألغيت الحسابات كلَّها ، كم عمرك يا أخي؟ أي عُمُرٍ هذا ؟ لا يوجد عمر ، لا أدري ، لو أن الشمس مشرقة دائماً لا توجد حركة ..

لِتَبْتَغُوا فَضلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ

       لولا دورة الأرض حول نفسها لما كان ليلٌ ولا نهار ، لو أنها دارت على مستوىً أفقي لما كان ليلٌ ولا نهار .. لو دارت هكذا والشمس من هنا لصار هذا النصف مشرقاً إلى الأبد ، وهذا النصف الآخر مظلمٌ إلى الأبد ، لو دارت هكذا .. لا يكفي أن تدور ، لابدَّ من أن تدور على محمورٍ غير محور دورانها ، إن كان محور الدوران مطابقاً لمستوى محور دورانها حول الشمس يبقى الليل سرمديَّاً والنهار سرمديَّاً

       ولكنَّها إذا دارت على محورٍ عموديٍ على مستوي الدوران يكون ليلٌ ونهار ، ولكن لا يختلف الليل والنهار ، النهار بطول الليل تماماً وتنعدم الفصول .

       ما الذي يجعل الفصول ؟ إن محور الأرض مائلٌ هكذا ، فالشمس تأتي عموديَّةً على نصف الكرة الشمالي فيكون الصيف ، وتأتي مائلةً على نصف الكرة الجنوبي فيكون الشتاء ، فإذا دارت الأرض حول الشمس هكذا جاءت الشمس عموديَّةً على نصف الكرة الجنوبي فكان الصيف ، وجاءت مائلةً على نصف الكرة الشمالي فكان الشتاء ، لولا ميل هذا المحور لما كان صيفٌ ولا شتاء ، ولا ربيعٌ ولا خريف ، لولا دوران الأرض لما كان ليلٌ ولا نهار ، لو دارت على محورٍ أفقيٍّ موازٍ لمستوى دورانها لأُلغي الليل والنهار ، إذا كان المحور مائلاً كان الليل والنهار ، وكان اختلاف الليل والنهار ، وكانت الفصول الأربعة ، تصميم من ؟ هندسة من ؟ ترتيب من ؟ تنظيم من ؟ الله سبحانه وتعالى .

وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ

( سورة الإسراء : من آية " 79 " ) 

       من نعمة الليل أن الإنسان في أثناء النهار يكون في محلَّه ، في عمله، في وظيفته ، في معمله ، في تجارته ، مشكلة وراء مشكلة ، وراء مشكلة ، وراء قضيَّة ، وراء قضية ، في عملٍ دائب ، لولا الليل لكان الإنسان في عملٍ دائب إلى أن يموت ، يأتي الليل ، يعود إلى البيت ، يجلس ، يبدأ التأمًّل ، يبدأ التفكير ، أين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ من خلقني ؟ قال ربنا عزَّ وجل :

وَمِنْ اللَّيْلِ

       حيث السكون ، الأولاد نائمون ، الزوجة نائمة ، الأعمال معطَّلة ، المحل مُغْلَق ، الهاتف لا تستعمله ، الأمور كلُّها ساكنة ..

وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ

( سورة الإسراء : من آية " 79 " ) 

       كأنَّ الله عزَّ وجل قد خلق الليل من أجل التَهَجُّد ، من أجل التأمُّل ، من أجل العبادة ، لذلك :

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)

( سورة القدر )

       لم يقل في نهار القدر ، النهار فيه عمل .. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

) سورة النور : آية " 44 " ) 

       حياتنا منوَّعة ؛ فيها ليل ، فيها نهار ، فيها صيف ، فيها شتاء ، فيها ربيع ، فيها خريف.

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا

( سورة الفرقان : من آية " 47 " ) 

       الليل سُبات ، هذا الجهاز العصبي يُسْتَهلك في النهار ، فإذا جاء الليل واستراح ، وتباعدت الخلايا العصبيَّة ، وانقطعت السيَّالة الكهربائيَّة ، نام الإنسان ، يستيقظ وكأنه لم يتعب من قبل ، استعاد كل نشاطه .

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا

       حدَّثني أخ سافر إلى بلد أوروبي أنه فقد النوم دون أن يدرس ما السبب ، أول يوم ، ثاني يوم ، في اليوم الثالث ، الرابع ، قال لي : عشرين يوماً ما ذُقْتُ طَعْمَ النوم ، ذهب إلى الطبيب الأول ، فالطبيب الثاني ، إلى مستشفى، حاروا في أمره ، فاضطرَّ أن يعود إلى بلده ، في أول ليلةٍ عاد إلى بلده نام نوماً عميقاً ، وشيءٌ يحيِّر ‍‍!! لو أن الله سبحانه وتعالى سلب الإنسان النوم ، هذا الكلام لا يعرفه إلا من سُلِبَ هذه النعمة ، الأرق لا يُحْتَمِل ، يكاد الإنسان ينفجر ، هذا الذي يذهب إلى فِراشِه ويضع رأسه على الوسادة وينام هذه نعمةٌ لا يعرفها إلا من فقدها .

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً

( سورة الفرقان : من آية " 62 " ) 

       أنت أثناء النهار في عملك ، بالليل في بيتك ، بالنهار هناك نشاط وبالليل همود ..

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا(62)

        هذا الذي قلته قبل قليل ، حكمة الليل أن تذكر الله فيه ، والآية الدقيقة جداً :

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ(71)

( سورة القصص )

       لو أن الله سبحانه وتعالى أعطى الأمر إلى الأرض وهي بأمره ..  أن تقف عن الدوران، فبقي الليل مستمرَّاً ، ماذا يفعل سكَّان الأرض ؟ لو اجتمعوا واتخذوا قراراً ماذا يفعلون ؟ هل تستطيع أقوى جهةٍ على وجه الأرض أن تأمر الأرض بالحركة ؟

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ(71)

وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ(37)

( سورة يس )

       شيء دقيق جداً ، الأصل هو الظلام ، الفضاء الخارجي مظلمٌ ظلامٌ دامس ، والشمس استثناءٌ من هذه القاعدة ، إذاً :

وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ(37)

وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ(4)

( سورة الفجر )

       الليل يسري ، يتحرَّك ..

هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ(5)

( سورة الفجر )

       ما من ثانيةٍ على وجه الأرض إلا وقد دخل فيها الليل تواً ، أبداً ، ما من ثانية ، الأصحُّ من ذلك أن كل مكانٍ على وجه الأرض له توقيتٌ خاصٌّ للشروق والغروب ، ما دامت الأرض كرةً والشمس من هاهنا والأرض تدور إذاً النهار تدريجي والليل تدريجي ، ربنا عزَّ وجل قال :

      

     لا تنسوا كلمة لكم ، أي أن الليل والنهار صُمِّما خصيصاً لكم أيُّها البشر ، هل أنتم شاكرون ؟ هل أنتم ذاكرون ؟ هل أنتم طائعون ؟ .

      

       قال العلماء : " آتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه " . فهل أنتم سألتموه النجوم ؟ هل سألتموه المجرَّات ؟ هل سألتموه الشمس والقمر ؟ هل سألتموه أنواع الأطعمة المنوَّعة ؟ هذه الدابَّة تأكل نوعاً واحداً طوال حياتها، هل عرفتم قبل أن تُخْلَقوا أن هناك أنواعاً منوَّعة من الطعام سألتموه إيَّاها ؟ لا ، استنبط العلماء من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى ابتدأنا بالنِعَم من دون أن نسأله إيَّاها ، فلمَّا خُلِقْنا على وجه الأرض سألناه بعضها ..

      

ما دام توجد من” للتبعيض ، ومن كل ما لم  تسألوه .

       شيءٌ آخر : هذا السؤال يا تُرى بلسان الحال أم بلسان القال ؟ الإنسان أحياناً يسأل الله عزَّ وجل مثلاً : يا رب ارزقني .. عملاً صالحاً أتقرَّب به إليك ، يا رب ارزقني زوجةً صالحة تُعينني على أمر ديني ، دعاء ، يا رب ارزقني بيتاً آوي إليه ، ارزقني ولداً ينفع الناس من بعدي ، ارزقني مالاً حلالاً أتقوَّى به على طاعتك ، هذا سؤال ، لكن الإنسان أحياناً لا يسأل ، فإذا ربنا سبحانه وتعالى ييسِّر له حاجاته ، هو محتاج إلى شيء يقيه البرد ، خلق له الصوف ، مهما كان البرد شديداً ترتدي هذا اللباس الصوفي فتشعر بالدفء ، فجسمك يسأل الله عزَّ وجل بلسان الحال لا بلسان المقال ، يأتي الصيف تشعر بالحر فتشتهي فاكهةً مفعمةً بالماء ، يأتي البطيخ ، يأتي الشتاء تشتهي الدفء ، خلق الله لك الوقود ، الحَطَب ، أو الوقود السائل ، حينما تدخل غرفةً تشتعل فيها المدفأة وكنت في بردٍ شديد تُحِسُّ بالنعيم وتقول : والله النار فاكهة الشتاء ، هذا الجسد يحتاج إلى الدفء خلق الله له ما يسدُّ هذه الحاجة ، قد يحتاج الرجل إلى إنسانٍ يسكن إليه له تفكير ، وله مشاعر .

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً

       (فسألتموه) إما أن تسأله بلسان الحال وإما أن تسأله بلسان المقال ، إذا رأى الأب الرحيم ابنه محتاجاً إلى معطف والشتاء قد اقترب ، من دون أن يدري الابن ، من دون أن يسأل ، يأتي هذا الأب الرحيم بمعطفٍ لابنه قُبيل فصل الشتاء ، فالابن لم يسأل لكن حالته تقتضي معطفاً ..