English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "9 / 9"  من تفسير سورة  إبراهيم (014) :  الآيات  : 42 – للآخر    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... يقول الله سبحانه وتعالى :

      

        هذه اللام ناهية ، والإنسان متى يَنْهَى ؟ متى تنهى أخاك عن القلق ؟ إن رأيته قلقاً ، هذا النهي يعني أن هناك أناساً كثيرين يظنون أن الله غافلٌ عما يعمل الظالمون ، لأن هناك أناساً كثيرين يظنون ويتوهمون أن الله غافلٌ جاء قوله تعالى :

      

       إذاً النهي في هذه الآية يقتضي أن هناك من يظن أن الله غافلٌ عما يعمل الظالمون .

       كيف ظنَّ هذا الإنسان أن الله غافلٌ ؟ فكيف تظن أن فلاناً نائم ؟ إن رأيته قد أغمض جفنه ، لابدَّ أن هذا الذي ظننته نائماً بدا لك منه شيءٌ توهَّمت من خلاله أنه نائم ، فإذا أغمض الرجل عينيه وتوهَّمته نائماً فقال لك : لا تحسبني نائماً .. فربنا عزَّ وجل ما دام ينهانا عن أن نظنَّه غافلاً عما يعمل الظالمون ، هناك أناسٌ كثيرون يتوهَّمون خطأً ، يظنون خطأً أن الله غافلٌ عمَّا يعمل الظالمون .

       ما الذي بدا لهم من الله حتى توهموا أنه غافل ؟ يبدو أن الذي بدا لهم من الله حتى توهموا أنه غافلٌ أنه أَمَدَّ الكفار بالمال والبنين والقوة ، يقول ربنا سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى :

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)

( سورة آل عمران )

       يؤكد في آياتٍ كثيرة الله جل جلاله أنه يمدُّ للظالمين مدا ، أيضاً ، يقول سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام  :

رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)

( سورة البقرة )

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)

( سورة الأنعام )

       إذاً آياتٌ كثيرة في كتاب الله تؤكِّد أن الله سبحانه وتعالى يُمِدُّ للكافر، يمده بالصحة ، يمده بالقوة ، يمده بالمال ، يمده بالبنين ، لا يزال الله يمد الكافر بالحياة ، والقوة ، والمال ، إلى أن يظن هذا الكافر أن الله سبحانه وتعالى غافلٌ عنه ، أو أن الله سبحانه وتعالى لن يحاسبه ، و هذا هو الغَلَطُ الكبير ، الآن سؤال دقيق :

       لماذا يمد الله الكافر بالقوة والمال وأسباب الرفاه إلى أن يظن هذا الكافر أن الله غافلٌ عنه؟ إذا كان عندك صانعٌ في محلك التجاري ، وأنت من عادتك أنك تأتي هذا المحل في الساعة الثامنة تفتحه بيدك ، وتجلس خلف الصندوق حتى نهاية الدوام ، ولا يستطيع هذا الصانع أن يقترب إلى الطاولة التي أنت عليها ولا ثانيةٍ واحدة ، هل تستطيع أن تكشف ما إذا كان خائناً أم أميناً ؟ لا ، مستحيل ، لم تتح له فرصةً كي يكشف حقيقته ، لكنك إذا تغافلت عنه يظهر ما إذا كان أميناً أو خائناً ، لا تظهر أمانته ، لا يظهر معدنه إلا إذا تغافلت عنه ، فهذا التغافل تربوي ، ربنا عزَّ وجل يتغافل بمعنى يُمِدُّ الكافر بالمال والبنين والصحة ليمتحنه ، هذا المعنى الأول، أي أنه ما كان لهذا الكافر أن يظهر على حقيقته ، ما كان لهذا الكافر أن يُكْشَفُ معدنه إلا إذا شعر أن الله غافلٌ عنه ، لو أن الله سبحانه وتعالى عاقب العباد على كل غلطةٍ بعقابٍ مباشرٍ تواً وفوراً لما ظهر صدق الصادق ولما ظهر كذب الكاذب ، ولما عصى إنسانٌ الله سبحانه وتعالى ، لا يعصونه لا خوفاً ولا حباً ولكن ابتغاء السلامة من العقاب السريع ، ربنا سبحانه وتعالى :

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا

( سورة الملك : من آية " 2 " ) 

وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)

( سورة المؤمتون )

       علَّة الخلق الابتلاء ، والابتلاء لا يكون إلا إذا ظننت أن الله غافلٌ عنك ، مع أن الله ليس بغافلٍ عن أحد ، شيءٌ آخر ، آيةٌ ثانية تلقي ضوءاً على هذه الآية ، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)

( سورة طه )

       أي كان لزاماً إهلاك العصاة ، كان لزاماً إهلاكُ الكافرين ، كان لزاماً تدمير المنحرفين .

وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)

       ما هذه الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل ؟ أنه خلقنا ليسعدنا ، فمدير الثانوية الناجح الذي يتمتع بقلبٍ كبير ، وحرصٍ بالغٍ على مصلحة الطُلاب ، لا يتخذ قراراً بفصل الطالب لأول سببٍ أو لأول ذنبٍ يرتكبه ، ليس القصد فصله ، القصد تهذيبه وتعليمه ، لذلك يتأخَّر في إنزال العقوبة القانونية بالطالب المقصر ، لأنه حريصٌ على مستقبله ، هذا مثل .

        لو أن العبد ارتكب ذنباً يستحق الهلاك ، فأهلكه الله لمات كافراً ولدخل النار إلى الأبد ، ولكن هذه الكلمة وهي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم ، هذا الذي يؤخِّر العقاب ، هذا الذي يجعل الكافر يتوهَّم أن الله غافل ، الله ليس بغافل ، ما من شيءٍ ، ما من حركةٍ ، ما من سكنةٍ ، ما من لفظٍ إلا والله سبحانه تعالى عليه رقيبُ وشهيد ، فحينما يتوهَّم الإنسان أن الله غافلٌ يكون قد ارتكب حماقةً ما بعدها حماقة ، حينما يظن الإنسان أن الله غافلٌ عن عمله يكون قد وقع في خطأٍ كبير ، حينما يتوهَّم الإنسان أن الله لن يحاسب أحداً ، لن يعاقب أحداً ، لأنه يرى أن الله يعطي فلاناً صحةً ومالاً وجمالاً وذكاءً ، وهو يزداد كفراً وفسقاً وفجوراً ، إياك أن تستنبط من هذا أن الله غافل ، إياك أن تستنبط ، أن الله إذا أعطى الإنسان قوةً ومالاً وجمالاً وذكاءً هو غافلٌ عنه .

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)

( سورة الأنعام )

       يقول ربنا سبحانه وتعالى  :

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا

( سورة الأنعام : من آية " 11 " ) 

       معنى ثم هذه على التراخي .

كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

(سورة الأنعام )

       أي أن هذا المكذِّب قد يمده الله بالمال ، وبالقوة ، وبالذكاء ، وبالجمال ، ويزداد علواً في الأرض ، وينغمس في الملذات والشهوات ، ولكن بعد حين تأتي البَطْشَةُ الكبرى ، يقول الله سبحانه وتعالى  :

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)

( سورة البروج )

       فمن البلاهة ، والغباء ، والحُمْقِ أن يتوهم الإنسان أن الله غافل

 

لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ

( سورة البقرة : من آية " 255 " ) 

وكان عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا(52)

( سورة الأحزاب )

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(6)

( سورة المجادلة )

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)

( سورة غافر )

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)

( سورة ق )

واعلموا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ

( سورة الأنفال : من آية " 24 " ) 

       نفسك صفحةٌ مكشوفةٌ عند الله عزَّ وجل ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، إن الله يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء .

      

      إذا ظَلمت إنساناً وظننت أن الله غافلٌ فهذا هو محض الحُمْقِ ، هذا الذي يظلم زوجته ، يظلم شارياً من دكانه ، يبيعه بضاعةً فاسدة ، يبيعه بضاعةً قد انتهى مفعولها ، يوهِمه أنها من مصدرٍ وهي من مصدر آخر ، ويظلمه بهذا ، ويظن أن هذا شطارة ، وهذا بيعٌ وشراء ، وهكذا التجارة ، فهو في حمقٍ شديد ، سيدفع الثمن غالياً ، سيكال له الصَّاعُ صاعين .

      

       هذا الذي يظلم زوجته ، يُرْهِقُها بما لا تطيق ، يظلمها بالنفقة ، يظلمها بالعمل ، ويظن أن هذه الزوجة لا أحد من أقرباء يستطيع أن يدافع عنها فقد وقع في غَلَطٍ كبير .

      

      والقِصَصُ على هذه الآية لا تعدُّ ولا تحصى ، سمعت عن إنسانٍ عَذَّبَ حيواناً لسببٍ تافه ، وبعد عشرين عاماً عُذِّبَ هذا الإنسان بالطريقة نفسها التي عَذَّبَ بها الحيوان ، كيف مات هذا الحيوان على يديه كانت موتة هذه الإنسان على يد إنسان آخر بالطريقة نفسها .

    " دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض "

       لو أنك تلبَّسْتَ بظلم هِرَّةٍ فالله سبحانه وتعالى لا يغفل عنها ، لا يفغل عن هذا الظلم ، يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي ، وجعلته محرماً بينكم فلا تَظَّالموا " .

وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)

( سورة النساء )

وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47)

( سورة الأنبياء )

فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ

( سورة الروم : من آية " 9 " ) 

       مستحيل أن يظلمهم الله عزَّ وجل ..

وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(9)

فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)

( سورة هود )

       إذاً هناك من يتوهَّم أن الله غافلٌ عما يفعل الإنسان ، إذا عاملت حيواناً ، إذا عاملت هرةً، إذا عاملت طفلاً ، إذا جاءك طفلٌ يشتري حاجةً، هذا الطفل لا يستطيع أن يحاسبك ، إذا ظلمته فسيأتي من يقول لك كلاماً ترتعد له فرائصك ، هذا الذي يأتيك وأنت في غفلة يقول لك  أين وثيقة هذه البضاعة ، أين هويَّتك ؟ هذا قد يأتي بعد أن تكون قد تلبست بظلمٍ .

      

       في بيعك ، وشرائك ، في بيتك ، في طريقك ، في أية حركة ، في أية سكنة ، في أية علاقة ، في أية معاملة ، إياك أن تظن أن الله غافلٌ .

      

هذا هو اليوم الموعود ، يوم الحساب .

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(65)

( سورة يس )

       هذا اليوم يوم الدين ، يوم الدينونة ، يوم يدين الإنسان للحق سبحانه وتعالى ..

قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)

( سورة المؤمنون )

      تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَؤوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ(108)

( سورة المؤمنون )

      

شخوص البصر كِنايةٌ عن شدة الخوف ، من شدة الخوف يَشْخُصُ بصره .

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1)وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ(2)عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(3)تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً(4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ(5)لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ(6)

( سورة الغاشية )

       إذاً ..

      

      لذلك الإمام علي كرَّم الله وجهه قال : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " . البطولة أن تقف في هذا اليوم وأنت قد زُحْزِحْتَ عن النار : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)

( سورة آل عمران )

       ليست البطولة أن تدخل مع خصمك في المحاكم حتى تنتزع منه البيت وتقول : أنا بطل، لا ، البطولة أن تنجو غداً من عذاب الله ، أن تنجو غداً من نار جهنم ، أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل ولا شائبة عليك .

ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ(46)

( سورة الحجر )

       فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَؤوا كِتَابِيه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29)

(سورة الحاقة )

       أيها الإخوة الأكارم ... نحن أحياء جميعاً ، وما دمنا أحياء فباب التوبة مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح ، أيُّ ذنبٍ مهما عظم يُغْفَر ما دام في القلب نبضٌ ، ما دام قلبك ينبض فأكبر ذنبٍ يغفر ، أما إذا جاء ملك الموت لا توبة عندئذٍ ..

وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ

( سورة النساء : من آية " 18 " )

أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ

( سورة يونس : من آية " 91 " ) 

       قال فرعون آمنت برب هارون وموسى .

قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ

( سورة يونس : من آية " 90 " ) 

       قال :

أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ

       هذا إيمانٌ جاء بعد فوات الأوان ، لا فائدة منه ، البطولة أن تؤمن وأنت صحيحٌ شحيح ، وأنت في أَوْجِ شبابك ، وأنت في أوج قوتك ، وأنت في بحبوحة ، وأنت في صحة ، وأنت في سلام ، هذا هو الإيمان العظيم ، ما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح .

      

      أي مسرعين إلى تلبية نداء ربِّهم بالحساب ، ليس هناك تلكُّؤ ، قد تدعى أنت في الدنيا لحسابٍ ما ، تدعي أنك مشغول ، تتهرَّب من التبلغ ، تقول : لست متفرِّغاً لهذا الحساب ، هذا يحدث في الدنيا ، أما يوم القيامة حينما يُدعى الناس للمثول بين يدي الله عزَّ وجل لا يستطيعون التخلُّف ، ولا التأخُّر .

      

بمعنى مسرعين ..

 

       

أي رافعي رؤوسهم من شدة الخوف .

      

أعلى درجات الخوف ألا تطرُف عين الإنسان .

      

       هذا وصفٌ دقيق ، معنى هواء أي فارغة ، وهذا يؤكد أنه لا فراغ تام في الأرض ، أي فراغٍ يشغله الهواء مباشرةً ، أي فراغٍ يشغله الهواء .

      

بمعنى أنها فارغة ، خائفة ، وجِلَة .

      

        هذا الذي يقع فيه الناس في المستقبل ، قولتُهم المشهورة كما يقول الطُلاَّب الكُسالى في الصف إذا جاء وقت الامتحان : يا أستاذ أخِّر لنا الامتحان ، لا يطالب بتأخير المذاكرة إلا الطالب الكسول ، وهؤلاء يوم القيامة يطلبون عبثاً :

      

       هذه رحمة الله ، أي أخبرنا الله سبحانه وتعالى قبل فوات الأوان عمَّا سيكون قبل أن يكون ، ما قولك بإنسان أعطى الأسئلة قبل الامتحان ، أي استعد لها ، والله سبحانه وتعالى من رحمته أخبرنا ونحن في الدنيا عن المفاجآت الصاعقة التي سوف يُصْعَقُ لها الناس يوم القيامة، أما قول الظالم الذي ظَلَمَ من حوله ، أما قول الكافر :

      

      إذاً لابدَّ من اتِّباع الرُسُل ، يجب أن تجيب دعوة الله بالإيمان به والتعرُّف على أسمائه ، وأن تتبع الرسول فيما يأمرك به ..

وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا

( سورة الحشر : من آية " 7 " ) 

      

يأتي الجواب من قِبَلِ الحضرة الإلهية :

      

      يقول أهل الدنيا : الدنيا هي كل شيء ، السعيد فيها من كان غنياً ، والشقي من كان فقيراً ، من الذي مات ورجع فأخبرنا أن هناك آخرة وحساب وعقاب ؟ هذه هي الدنيا ، هي كل شيء ..

مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا

( سورة الجائية : من آية " 24 " ) 

وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(29)

( سورة الأنعام )

      

      أي أنَّكُم تتصرفون في الدنيا وكأنَّكم خالدون فيها ، أعمالكم ، بيوتكم، مشاريعكم تُنْبئ أنكم فيها مخلَّدون ، وأنه لا موت ، وكأن الموت على غيرنا كُتِبْ ، إذا مات إنسان قلنا : مسكين لماذا مات ؟ ما المرض الذي أصابه؟..

         من لم يمتْ بالسيف مات بغيره  

                                تنوَّعت الأسباب والموت واحدُ

       لابدَّ من الموت ..

*  *  *

       الليل مهما طال لابدَّ من طلوع الفجر

                                والعمر مهما طال لابدَّ من نزول القبر

*  *  *

  كل ابن أنثى وإن طالت سلامته    يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ

  فإذا حملت إلى القبور جنازةً..    ... فاعلم بأنَّك بعدها محمولٌ

*  *  *

       محمول ، لابدَّ من ساعةٍ يُسَجَّى فيها الإنسان على طاولةٍ من خشب يغسَّل عليها ، لابدَّ من خروجٍ من هذا البيت بشكلٍ أفقي مرَّةً واحدة في الحياة ، لابدَّ من أن تأخذ على جواز سفرك تأشيرة خروجٍ بلا عودة ، وبشكل إجباري ، لابدَّ من مفارقة الزوجة مهما راقت لك ، لابدَّ من الخروج من هذا البيت مهما بالغت في تزيينه ، لابدَّ من ترك هذه المكانة الرفيعة مهما جهدت في دعمها ، لابدَّ من ترك هذا المال الوفير مهما حَرِصْتَ على زيادته ، عش ما شئت فإنَّك ميت ، وأحبِّب ما شئت فإنك مُفَارِقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به .

      

      ألم تذهبوا إلى بعض الآثار ؟ ألم تذهبوا إلى تدمر ؟ هذه آثار التدمريين ، أين هم الآن ؟ تحت أطباق الثرى ، ألم تذهبوا إلى بعض المدارج الرومانيَّة ؟ هذه آثار الرومان ، أين هم ؟ تحت أطباق الثرى ، ألم تشاهدوا الأهرامات ؟ هذه آثار الفراعنة ، أين هم ؟ تحت أطباق الثرى ..

      

      أي أن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل هذه الآثار باقية لتكون درساً بليغاً ، وموعظةً بليغةً لنا ..

      

        وفي حياتنا جميعاً كل إنسان بحسب محيطه لابدَّ من شخصٍ في حياته ؛ قريب ، صديق ، جار ، قد تجاوز الحد المعقول فبطش الله به ، هذا ما من واحدٍ منَّا إلا ويعرف قِصَصَاً عديدة عن أناسٍ تجاوزوا الحدَّ المعقول ، طغوا وبغوا فأنزل الله بهم العقاب السريع .

       وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)

( سورة النحل )

       هذه أمثالٌ باقية ، أمثالٌ حيَّة ، أي أن هناك مصحفاً ينبئك بالحقائق، وهناك كونٌ ينبئك بالحقائق ، وهناك حوادث يوميَّة تنبئك بالحقائق ، الكون بما فيه من آياتٍ بيِّنات ، والقرآن بما فيه من آياتٍ بيِّنات ، والحوادث اليوميَّة بما فيها من آياتٍ بيِّنات كلُّها تتطابق وتؤكِّد لك أن الله عزَّ وجل ليس غافلاً عمَّا يعمل الظالمون .

      

      أي أن هؤلاء الكفَّار منذ القِدَم وحتى يوم القيامة يجهدون في المكر والكيد للمؤمنين ، إيَّاك أيُّها الأخُ الكريم أن تتفاجأ بأنَّ الكافر يَمْكُرُ بك ، هذه سنَّة الله في الخَلق ، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أعطى كل مخلوقٍ سؤْلَهُ ، وأعطى كل مخلوقٍ خياراً في أن يفعل حقاً أو باطلاً، خيراً أو شرَّاً، أن يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم ، أو أن ينحرف في سلوكه ، فكل عملٍ له عند الله جزاؤه ، والله سبحانه وتعالى يبلو بعضنا ببعض ، ويمتحن بعضنا ببعض ، فلذلك :

      

     وقد قيل : " لا يكْمُل إيمان الرجل حتى يُبْتَلى بأربع ، بطعن الجهلاء، وبلوم الأصدقاء ، وبشماتة الأعداء وبحسد العلماء ... " ، لابدَّ من طعن الجهلاء ، ولابدَّ من شماتة الأعداء ، ولابدَّ من حسد العلماء ، ولابدَّ من .. لوم الأصدقاء ، لابدَّ ، النبي عليه الصلاة والسلام عانى من قومه ما عانى.

     وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30)

( سورة الأنفال )

      

       دائماً وأبداً يجهد أهل الكفر في المكر بالمؤمنين ، ولكنَّ هذا المكر قوَّته في كتمانه ، قوَّة المَكر في كتمانه ، لو أن ملكاً عنده قائدٌ لجيشه ، إذا أراد هذا القائد أن يمكُر بالملك متى تنتهي قوَّته ؟ إذا كُشِفَت خطَّته ، المكر قوته في كتمانه ، وما دام الله لا يخفى عليه شيء ..

      

       أي أن المكر الذي يمكرونه هو عند الله معروف ، معلوم ، مكشوف، واضح ، الله مطلع عليهم وهم يفكرون ، الله مطلع عليهم وهم يمكرون ويكيدون .

       " يا صفوان بن أميَّة لولا ديونٌ ركبتني ، ولولا أولادٌ أخشى عليهم العَنَت لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه " ، كان يقول هذا خارج مكَّة المكرَّمة أي في ظاهر المدينة ، لا أحد يسمعه ، فقال صفوان : " أما أولادك فهم أولادي ما امتدَّ بهم العمر ، وأما ديونك فهي عليَّ بالغةً ما بلغت فامض لما أردت " ، مضى هذا الرجل وهو عمير بن وهب إلى المدينة وفي نيَّته أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام فقد ضمن أولاده بعد موته ، ضمن ديونه جعلها على عاتق صفوان ، أسقى سيفه السُم ، ركب راحلته وتوجَّه بها إلى المدينة ، رآه عمر رضي الله عنه بفِراسته قال :

       " هذا عدوُّ الله عمير جاء يريد شراً " ، قيَّده بحمَّالة سيفه وقاده إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " يا رسول الله هذا عدو الله عمير جاء يريد شرَّاً " ، قال النبي : " ابتعد عنه يا عمر " ابتعد عنه ، " أطلقه " فأطلَقَه ، " ادن مني يا عُمير " اقترب منه ، " اجلس " ، جلس، " سلِّم علينا " ، قال : عمت صباحاً يا محمَّد ، قال : " قل السلام عليكم " قال : لست بعيد عهدٍ بالجاهليَّة ، قال : " ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ " قال : جئت أفدي أخي ، قال : " وهذا السيف التي على عاتقك ؟ " قال : قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال : " ألم تقل لصفوان بن أميَّة لولا ديونٌ ركبتني ، وأطفالٌ أخشى عليهم العنت ، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ؟ " فوقف وقال : أشهد أنَّك رسول الله ، قلت هذا القول ولا أحد يسمعني إلا الله وصفوان ..

       ليس هذا هو القصد ، القصد أن صفوان بن أميَّة أمضى أياماً في نشوةٍ عارمة ، لماذا ؟ لأنه ما هي إلا أيام وحتى يأتي نبأ مقتل محمد عليه الصلاة والسلام ، فكان يقول لكفَّار قريش: " انتظروا خبراً سارَّاً " ، مضى يومٌ ويومان ، وأربعة أيَّام ، وأسبوع ولم يأت هذا الخبر السار، إلى أن صار يقف في ظاهر مكَّة يتلقَّى الركبان ، فسألهم : " ما فعل عُمَيْر " ؟ قالوا: " أسلم عمير " ..

      

أي أن هؤلاء الكفَّار يضعون مكراً تزول منه الجبال لشدَّته ، ولعنفه، ولقسوته ، ولخطورته .

      

        هذا المعنى الأوَّل ، أي لو أن إنساناً أعدَّ خطَّةً على ورقةٍ ليكيد لعدوِّه ، هذه الورقة خلال ساعة كانت عند عدوِّه وهو أقوى منه ، فمكر هذا العدو كان عند العدو ..

      

أي أنهم مكروا وهذا المكر مكشوف عند الله عزَّ وجل .

       المعنى الثاني : وعند الله جزاء مَكْرِهِم ، قد يقول قائل : لك عندي حساب ، لك عندي جزاء ، لك عندي عقاب ، لك عندي ثواب .

      

أي أنهم عند الله سوف يُحاسبون على مكرهم ..