English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "1 / 9"  من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 1 – 3    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

    

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة الحجر :

بسم الله الرحمن الرحيم

         فالكتاب كما قال بعض العلماء ينطبق على كل كتاب سماوي ، مطلق الكتب المنزلة على أنبياء الله سبحانه وتعالى ، الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ، وأرسل الرسل ، وأنزل عليهم الكتاب ، خلقهم ، وأنزل إليهم منهاجهم ، فلذلك تأتي كلمة الكتاب في القرآن الكريم لتشمل كل الكتب السماوية .

       الآيات جمع آية ، والآية هي الدليل والعلامة ، فاصفرار الفاكهة علامة نضجها ، وظهور بعض السحب في السماء علامة المطر الكثير ، وربنا سبحانه وتعالى جعل لكل شيء علامة ، وقال  :

( سورة النحل )

          البلوغ له علامة ، والنضج له علامة ، واقتراب الشتاء له علامة ، واقتراب فصل الربيع له علامة ، وكل شيء له علامة ، هذه علامات على أشياء ، فما الدلائل أو العلامات الدالة على الله سبحانه وتعالى ؟

          الآيات التي تدل على الله سبحانه وتعالى على ثلاثة أنواع :

         هناك الآيات الكونية ، خلقُك دليل على أسماء الله الحسنى ، هذا القلب الذي بين جوانحك يضخ في كل نبضة سبعين سنتيمتراً مكعباً ، اضرب هذه السبعين في ستين مرة كي تعرف كم ينبض في الدقيقة ، اضرب هذا الرقم في ستين كي تعرف كم يضخ في الساعة ، اضرب الناتج الأخير في أربع وعشرين كي تعرف كم يضخ في اليوم ، بعضهم بدأ يضرب إلى أن ضرب الرقم الأخير بعمر تقريبي ، فكان حجم الدم الذي يضخه القلب طيلة عمر الإنسان شيء لا يصدق ، الرقم لا يصدق ، هذا القلب ، هذه الآلة التي بين جوانحنا لا تفتأ عن الضخ ، ولا تكل ، ولا تتعب ، القلب آية من آيات الله سبحانه وتعالى .

          اللسان آيات ، وكل حرف ينطق به اللسان تسهم في هذا النطق سبع عشرة عضلة ، فالكلمة المؤلفة من خمسة حروف كم عضلة تسهم في حركتها ؟ والدرس الذي يلقى خلال ساعة كم مرة تحركت العضلات بشكل أو بآخر حتى جعلت هذا الكلام يلفظ فيسمعه الناس .

          فالآيات على ثلاثة أنواع ، آيات كونية ، أي شيء حولك ينطق بعظمة الله ، حيثما التفت ، وأينما نظرت ، إلى السماء ، أو إلى الأرض ، وإلى الجبل ، إلى أي شيء نظرت ، إلى الماء ، الماء كما قال بعض العلماء لا ينضغط ، ولأنه لا ينضغط فله وظائف كثيرة يؤديها ، الماء إذا بردته إلى درجة  +4 يزداد حجمه ، ازدياد حجم الماء تتوقف عليه الحياة على وجه الأرض ، لولا أن حجم الماء يزداد عند التبريد لما كنّا وإياكم في هذا المكان ، فازدياد حجم الماء في هذه الدرجة بالذات دليل وآية على عظمة الله عز وجل  .

          فحينما وصلت إلى كلمة :

الآيات على ثلاثة أنواع :

          الآيات الكونية ، كأس الماء آية كونية ، رغيف الخبز آية كونية ، البذور آية كونية ، النبات آية كونية ، تخزين الماء آية كونية ، الأنهار آية كونية ، الينابيع آيات كونية ، هذه عناوين موضوعات للتفكر .

          المؤمن الصادق لا يمر على هذه الآيات مراً سريعاً ، بل يقف عندها ، يتأمل فيها ،  يتعرف إليها ، يستنبط أن لها خالقاً عظيماً ، هناك من يأكل كما تأكل الأنعام ، هناك من يتعامل مع المخلوقات كما تتعامل الأنعام مع بعضها ، همه أن يأكل ، وأن يشرب ، وأن ينام ، ولا يعرف أن هذا الصوف الذي ينام عليه من خلق الله سبحانه وتعالى ، وأنه خلق خصيصى له ، ولا يعرف أن هذا الثوب الصوفي الذي يقيه البرد إنما هو من خلق الله سبحانه و تعالى ، وأن شعرة الصوف صنعت بشكل عجيب ، صنعت مجوفة ، وبطول محدود ، يعين على غزلها ، فإذا غزل الصوف بهذا الطول له فوائد يعرفها الخبراء بالخيوط ، لذلك فإن الخيوط الصناعية التي يمكن أن تنتج مستمرة تقطع إلى أطوال تساوي أطوال الصوف الطبيعي ، من أجل أن تكون لها ميزة في غزلها ، فماذا أقول لكم ؟

وفي كل شيء له آية    تدل على أنه واحد

***

        هذا الموضوع لا حد له ، لا يحصر بكلمات ، لكن الذي يعنينا منه أن كل مؤمن مدعو إلى التفكر في آيات الله الكونية ، ليتفكر بعينه ، هذه العين ، جميع خلايا الجسم البشري تتغذى عن طريق الشعيرات الدقيقة ، إلا قرنية العين يتم غذاؤها بطريقة عجيبة ، بطريقة الحلول ، الخلية الأولى تأخذ الغذاء ، فينتقل غذاؤها وغذاء جارتها عبر الغشاء الخلوي إلى الخلية الثانية ، كل هذا من أجل الرؤية الصافية .     

          العين في شبكيتها مئة وثلاثون مليون مخروط ، الذي عد هذه المخاريط نال جائزة نوبل في عام 1967 ، مئة وثلاثون مخروطًا ، وسبعة ملايين عصية من أجل استقبال المؤثرات الضوئية ، ونقلها إلى الدماغ كي تنقلب إلى صور ، فالعين آية ، العصب البصري مؤلف من أربعمئة ألف عصب .

          السمع آية ، الشم آية ، اللمس آية ، القلب آية ، جهاز الهضم آية ، جهاز التنفس آية ، جهاز الدوران آية ، جهاز التصفية آية ، الجهاز التناسلي آية ، العضلات آية ، والعظام آية ، قال لي طبيب : إن عظم الجمجمة مشدود إلى الداخل بحيث لو تمكنا من بعض سطوح الجمجمة ، وأردنا أن نسحب هذه السطوح إلى الخارج لاحتجنا إلى قوة تزيد على أربعمئة كيلو غرام ، هذه السطوح الثلاثة التي ركبت بشكل مفصل متداخل مسنن هذا التركيب مشدود إلى داخل الجمجمة ، ولا يفك إلا بقوة كبيرة ، وذلك إذا استطعنا أن نمسك ببعض هذه السطوح ، لذلك في عمليات فتح الجمجمة للوصول إلى الدماغ أهون على الطبيب أن ينشر العظام نشراً من أن يفك هذه المفاصل ، وهذه المفاصل عند الولادة تتداخل بعضها ببعض ، فإذا لم تتداخل لا يوجد جهة حتى الآن تستطيع أن تصنعها ، سطوح مسننة تتداخل مع بعضها تتعشق كما يقول الميكانيكيون ، إذا تعشقت كانت مفصلاً ثابتاً ، ما فائدة هذا المفصل الثابت ؟ لمص الصدمات ، حينما يسقط الطفل على الأرض تسمع رنين رأسه على البلاط بشكل واضح ، ما الذي يقي هذا الرأس من أن ينكسر ؟ هذه المفاصل الثابتة .

(سورة الأنعام)

          والله الذي لا إله إلا هو لو بقينا سنوات متصلات نتحدث عن آيات الله لما توصلنا إلا إلى شيء قليل جداً .

                                                                                           

( سورة الإسراء)

          لكنني والله الذي لا إله إلا هو وأنا ناصح لكم أدعوكم إلى التفكر في آيات الله ، لماذا كان غضروف الأنف في الطفل قاسياً ؟ وبعدئذ يصبح غضروفاً ليناً ، لماذا كان عظم الأنف إلى هنا وسط الأنف ، والقسم الباقي غضروفي ؟ هذا السؤل أجب عنه وحدك .

( سورة آل عمران)

                هؤلاء المتقون ، هؤلاء المؤمنون يتفكرون في خلق السماوات والأرض ، هذا الكأس من الماء التي تشربها كان ماؤها ملحاً أجاجاً فصار عذباً فراتا ، قدرة من حولته من هذه الحال التي تمجها النفس إلى تلك الحال التي تستسيغها النفس ؟ الله سبحانه وتعالى .

          هذا القسم الأول هو الآيات الكونية ، وربنا عز وجل ذكر بعضها ، وترك لنا التفكر بالباقي ، وأما الآيات الثانية فهي الآيات القرآنية .

          هناك آيات كونية ، وهناك آيات قرآنية ، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، هل يوازن خالق بمخلوق ؟ كذلك لا يوازن كلام الله بكلام الناس ، فالذي يمضي حياته في دراسات تتعلق بكلام الناس فقد ضيع عمره سدىً ، والذي يمضي حياته بفهم كلام الله والتعرف إلى دقائقه ، ومدلولاته ، واستنباط القواعد الثابتة ، ومعرفة طريق سعادته فهو من السعداء ، آيات القرآن الكريم آيات دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى ، حتى إن بعض العلماء قال : القرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، وبعض العلماء يقول : إن لله في أرضه كتابين ، إن لله في خلقه كتابين ، الكون كتاب ، والقرآن كتاب .

          وأما الآيات ذات النوع الثالث فهي الحوادث ، الحوادث أيضاً آيات دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى  :

          (سورة الأنعام)

          تتبع إنساناً مؤمناً ، تتبع حياته الخاصة ، تَتَبَّعْ حياته العامة ، تَتَبَّعْ حياته النفسية ، تَتَبَّعْ حياته الاجتماعية ، تَتَبَّعْ علاقاته العامة تر أنه سعيد ، تَتَبَّعْ حياة المنحرف العاصي الشقي تر أنه في جحيم لا يطاق .

          فهذه الحوادث التي يصنعها الله سبحانه وتعالى قرآن ثالث ، قرآن مطبق ، أيّ آية في كتاب الله هناك ما يدل عليها في الكون تَتَبَّعْ وهناك ما يدل عليها في الحياة  .

( سورة الزخرف)

          هذه آية قرآنية ، لو تتبعت الحياة الاجتماعية لوجدت أن الله موجود مع الناس يحاسبهم ، ويقضي بينهم بالحق ، ويجزي المحسن منهم ، ويعاقب مسيئهم ، من كان ماله حراماً أتلفه الله ، ومن كان ماله حلالاً رزقه الله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) .

(البخاري)

فهذه الآيات مطبقة أيضاً في الأرض .

          عودة إلى هذه الآية ، الآية هي العلامة ، التفاح يكون أخضر اللون ، فإذا اصفر وشح بلون أحمر فهذا الاصفرار ، وهذا الوشاح دليل أنه قد نضج ، فعلامة نضجه اصفراره ، فالاصفرار علامة أو هو دليل على نضجه .

          الآن الآيات الدالة على عظمة الله سبحانه وتعالى ، آيات الله في الكون المجرات ،  المجموعة الشمسية ، الشمس والقمر ، النجوم ، الأرض ... إلخ ، القرآن آيات ، وأفعال الله في الأرض آيات  .

      معنى مبين مِن أبان أي : وضّح ، فالآيات واضحات ، عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : (( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا ، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ )) .

(أحمد)

      عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )) .

(متفق عليه)

          الحلال بين ، الحرام بيّن ، الشرع بيّن ، ما أمر الله به ، وما نهى عنه بيّن ، هذا القرآن بيّن ، حينما قال الله عز وجل  :

 

(سورة الزلزلة)

          آية واضحة كالشمس ، قال : يا رسول الله عظني وأوجز : فقال له الرسول الكريم : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ، قال الأعرابي : قد كفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فقه الرجل .

          أنا أؤكد لكم أن آية واحدة تكفيكم جميعاً طوال الحياة آية واحدة هي  :

( سورة طه )

          من اتبع هدى الله عز و جل فهو في ضمان الله عز وجل ، ضمان من الله خالق الكون ألاّ يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ومن منا لا يتوق إلى هاتين المرتبتين ، ألاّ يضل ، وألاّ يشقى  .

         أقف قليلاً عند كلمة : ( رُبَّ ) ، لأن بعض الناس إذا تعلموا العربية في المدارس تعليماً ناقصاً يتوهمون أن كلمة : ( رُبَّ ) تفيد التقليل ، أينجح فلان ؟ فيجاب : ربما ينجح ، هذا العلم ناقص ، فرجعت إلى كتب النحو حول كلمة ( ربّ ) ، فربّ من حروف الجر ، وهذا الحرف كما جاء في أوسع كتاب للنحو يفيد التكثير كثيراً ، ويفيد التقليل قليلاً ، وكلمـة ( ربّ ) تشابه كم الخبرية ، كم كتاب عندي ، يعني ما أكثر الكتب التي عندي .

          فربنا سبحانه وتعالى قال :

بالتخفيف ، والأساس ( ربّ ) بالتشديد ، ( ربّ ) لا تدخل إلا على الأسماء ، ربّ ضارة نافعة ، لا تدخل ( ربّ ) إلا على الأسماء ، فإذا أردنا أن ندخلها على الأفعال تحتاج إلى( ما ) ، تقول : ربما قام فلان ، ربما سافر فلان ، لكن ربّ لا تدخل على الفعل المضارع أبداً إلا في كتاب الله ، لماذا أدخلت في كتاب الله على الفعل المضارع ؟ لأن المضارع في القرآن كالماضي تماماً ، من باب تحقق الوقوع ، يعني إذا وعدك الله بوعد في المستقبل فكأنه قد وقع ، فقد يعبر الله سبحانه وتعالى عن شيء سيقع يوم القيامة بالفعل الماضي ، وتوجيه هذا التعبير أنه من باب تحقق الوقوع .

          فربنا سبحانه وتعالى يقول :

والأكثرون على تشديدها ( ربّما ) ، وبعضهم ( ربما) بالتخفيف ، لكنها في قراءة عاصم جاءت مخففة .

         

       هذه الآية أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى توجيه مدلولاتها .

       وهذا يعني كثيراً ما يتمنى الذين كفروا لو أنهم كانوا مسلمين ، وبعض العلماء قال : هذا التمني في الدنيا ، يعني الكافر الذي جمع المال الحرام ، وأتلفه الله في ساعة خيبة الأمل ، وفي ساعة الإحباط ، وفي ساعة المصيبة ، وفي ساعة الندم يتمنى لو كان مسلماً ، فكسب المال الحلال ، وبارك الله له فيه ، وعاش حياة سعيدة رغيدة .

          قد يتزوج الكافر امرأة تعجبه ، ولا يبالي بدينها ، فإذا اقترن بها ، ورأى من فظاظتها وانحرافها ما أقضّ مضجعه عندئذ يتمنى لو كان مسلماً ، فيهيئ الله له زوجة صالحة مثله يسعد بها ، هذا المعنى الأول .

          كلما وقع الكافر في مصيبة في ماله إن كان حراماً ، في بيته إن كان اختياره للزوجة على أساس غير ديني ، لأنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ، ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة ، فعليك بذات الدين تربت يداك .

          فهذا الكافر كثيراً ما يتمنى لو أنه مسلم ، لو كان مسلماً لكانت حياته طيبة  :

                                                                                     

(سورة النحل)

( سورة الجاثية : 21)

                                                                                            

( سورة السجدة  )

 

( سورة القلم : 35ـ 36)

( سورة القصص )

( سورة طه : 124)

          إذاً الكافر وهو في الدنيا حينما يرى نتائج عمله ونتائج المال الحرام الذي كسبه ، وكيف دمره الله ، ودمر أولاده ، وحينما يرى نتائج الزواج الفاسد ، حينما يرى نتائج الخوض فيما لا يعنيه ، حينما يرى نتائج الكذب يتمنى لو كان مؤمناً ، بل كثيراً ما يتمنى لو كان مؤمناً .

       قيل : هذا في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة ربما يتمنى الكافر أن يكون مسلماً ، حينما يعرض على النار ، قال تعالى :

( سورة الأنعام )

 

( سورة الفرقان )

( سورة المؤمنون )

( سورة المؤمنون )

          فالكافر حينما يعرض على النار ، وحينما يرى مصيره يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقتهم ، والكافر أيضاً يتمنى لو كان مسلماً ، وهو على فراش الموت ، يختم عمله ويطلع على ما أعد الله له من عذاب أليم ، لذلك أهل الكفر حينما يأتيهم ملك الموت  يضطربون ، ويصيحون ، ويستغيثون ، ولا مغيث .

          هذه فرصة أعطيت لنا ، هذا الكلام يقال ونحن في بحبوحة ، ونحن كلنا قلب ينبض ، ما دام الإنسان حيًّا فكل شيء له حل  .

      والمعنى الآخر لهذه الآية قال عليه الصلاة والسلام : (( يا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، يا ربّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، يا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين ، يا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم ، يا ربّ متخوض فيما لا يعنيه ما له في الآخرة من خلاق )) .

(البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير)

          شيء آخر في معنى كلمة ( ربما ) ، النبي عليه الصلاة والسلام بين لنا أن أهل النار وهم يصيحون فيها قد يجتمع فيها المشرك بمن آمن بالله ، ثم انحرف عن طريق الحق ، آمن ، ولم يستقم على أمر الله ، آمن وفعل السيئات ، قد يشمت هذا المشرك بهذا المؤمن ، يقول له : ما نفعك إيمانك شيئا ، فبعض الآثار تروي أن الله سبحانه وتعالى بعد حقب طويلة جداً يخرج المؤمن من النار ، ويدخله الجنة ، عندئذ يتمنى الكافر أنه لو كان مسلماً في الدنيا ، ولو بنوع ما من الإسلام ، لأن صح في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يُخْرَجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ )) .

(الترمذي وأحمد)

          ولكن متى ؟ لا يعلم إلا الله ، بعد مليون سنة مثلاً ، الله أعلم ، لكن في النهاية يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، حتى هذه الذرة من الإيمان يتمناها الكافر ، وهو في النار ، هذا هو المعنى الثالث  .

       والمعنى الرابع : في هذه الآية بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام ، أي : يا محمد ، لا تثريب عليك ، لا بدّ من أن يأتي اليوم الذي ينصرك الله فيه نصراً عزيزاً ، وعندئذ يتمنى الكفار لو كانوا مسلمين .

          عكرمة بن أبي جهل أهدر النبي e دمه ، فلما فتحت مكة هام على وجهه ، وتمنى لو كان مسلماً ، صفوان بن أمية ، كذلك هند التي كادت للنبي e تمنت يوم فتح مكة أنها لو كانت مسلمة ، الكفار الذين كادوا للنبي e ، وأخرجوه من بلده مكة ، وعذبوا أصحابه ، وائتمروا على قتله عندما فتحت مدينتهم ، وكانوا في قبضة النبي عليه الصلاة والسلام تمنوا لو كانوا مسلمين .

          المعنى الذي بعده : أن الكافر الذي أسلم ، وحسن إسلامه يتمنى لو أنه أسلم في وقت مبكر ، يعني هذا الذي أسلم ، وعرف الله ، واستقام على أمره ، وهو في ريعان الشباب فأفنى عمره في طاعة الله ، وأفنى وقته في العبادات والقربات وحضور مجالس العلم ، هو الذي أحرز الخير كله ، أما الذي عرف الله في سن متأخرة ، عرف الله في الأربعين ، في الخمسين يتمنى دائماً وأبداً لو كان قد أسلم في سن مبكرة ، فيحظى بشرف الإسلام في الشباب .

          فيا أيها الشباب ، إن كنتم كما يريد الله عز وجل فاشكروا الله ، فالإيمان في سن مبكرة لا يعدله شيء ، لكن من بلغ الأربعين ، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار ، لأنه من شبّ على شيء شاب عليه طوال حياته ، ألِف أن ينظر إلى النساء ، وفي سن الخمسين أصبح من الصعب أن يغض من بصره ، أما إذا نشأ الشاب على غض البصر فبعد سنوات يصبح هذا السلوك بنية من بناه النفسية ، وانتهى الأمر ، ومن شاب على شيء مات عليه ، بل من مات على شيء حشر عليه ، ألِف طوال حياته لعب الطاولة ، وسهر الليالي فعلى هذا ماذا استفاد ؟ في الأربعين إذا قيل : اذكر الله ، واقرأ القرآن ، يقول : النبي قال : ساعة لك ، وساعة لربك ، هذا ليس حديثاً ، ومن قال لك : إن هذا الكلام حديث ؟

          فمن بلغ الأربعين ، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار ، فهذا الذي يسلم في وقت متأخر يتمنى طوال حياته لو أنه أسلم في وقت مبكر ، لأن سبعة يظلهم الله  ظله يوم لا ظلّ إلا ظله ، ومنهم شاب نشأ في طاعة الله ، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ، ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب مستقيم ، والتوبة شيء حسن ، لكن في الشباب أحسن ، أبواب رحمة الله مفتحة على مصارعها ، الدنيا مطية الآخرة .

          النبي الكريم e نهانا عن أن نسب الدنيا ، لماذا ؟ لأنها مطية المؤمن إلى الله عز وجل ، بها ترقى إلى رضوان الله ، بهذه الشهوة التي أودعها الله فيك إن كبَحْت جماحها فإنك ترقى إلى الله ، بحبك للمال تنفقه في طاعة الله ترقى حينما تنفقه على الفقراء والمحتاجين ، بحبك للنساء تغض البصر عنهنّ ترقى ، فتتزوج وفق ما أمرك الله .

       والمعنى الذي بعده : أن هذه الآية تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام ، أيها النبي لا بدّ من أن ينصرك الله عز وجل ، وهذا الكلام لنا الآن ، أيها المؤمن لا تهن ، ولا تضعف ، ولا تيأس ، ولا تقنط ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما التقى عدي بن حاتم قال : يا عدي ، لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، أي : من فقر هؤلاء المسلمين ، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف ، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة للعرب .

          فهذه الآية تثبيت لك إن كنت مسلماً ، فأبشر بأنه سيأتي على الناس ساعة يتمنون أن يكونوا مثلك ، أنت من النوع النادر ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : (( يَأْتِي اللَّهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ ، وَقَالَ : طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، فَقِيلَ : مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَاسٌ صَالِحُونَ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ )) .

(أحمد)

          هؤلاء الذين يحبهم رسول الله e سمّاهم أحبابه ، وصفهم فقال : القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ )) .

(الترمذي ، وأحمد)

          لو أن الشاب المؤمن أراد أن يقيم أمر الله في بيته من يعارضه ؟ أقرب الناس إليه ، أمه تقول : ما ألفنا هذا الدين ، هذا تزمت ، يا أمي هذه آية في كتاب الله ، لا ، لا تشذ عن قواعد الأسرة ، من يعارضه ؟ أبوه ، جاره ، صاحبه ، زميله ، قريبه  .

       إن كنت مسلماً حقاً فأبشر ، لأن هؤلاء الناس الذين تقع عينك عليهم لا بدّ من أن تأتي عليهم ساعة ، ويا هول تلك الساعة ، يتمنون لو كانوا مسلمين .

       الكافر يتمنى أن يكون مسلماً في الدنيا حينما يفشل في زواجه ، وحينما يدمر ماله ، وحينما يصاب بمرض عضال يجعله مفتقراً لكل إنسان ، ويتمنى أن يكون مسلماً عند الموت ، حينما تلوح له نهايته الحزينة ، ويتمنى أن يكون مسلماً حينما يعرض على الله عز وجل ، وحينما يعرض عمله على الله عز وجل ، ويتمنى أن يكون مسلماً حينما يعرض على النار .

( سورة غافر 46)

          وهذه الآية بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولكل مؤمن في هذا الزمان ، أبشر ، واصبر ، واثبت ، فلا بدّ أن يأتي على الذين يخاصمونك ويعادونك ساعة يتمنون أن يكونوا مسلمين  .

       معنى ( ذرهم ) هذا تهديد ، تقول أحياناً لابنك : افعل ما تريد ، هل تأمره أن يفعل ؟ لا والله ، إنك تهدده ، ذرهم يا محمد ، دعهم يأكلوا ويختاروا أطيب الأطعمة ، دعهم يجلسوا في أجمل الأماكن ، ويأكلوا في هذه الأماكن ما لذّ وطاب ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، هم يحسبون أنهم قد أفلحوا ، وقد فازوا ، وقد تفوقوا ، وقد نجوا من الفقر  .

         

       بنسائهم اللائي يحللن لهم ، أو باللاتي لا يحللن لهم ، يتمتعوا بكل شيء بالمناظر الخلابة ، بالشهوات الدنيئة ، بالانحرافات بكل شيء ، ذرهم يأكلوا ، ويتمتعوا  .

( سورة الأنعام )

( ذرهم ) ، اتركهم ، فقد وعظتهم ما فيه الكفاية .

(سورة البقرة : 272)

(سورة القصص : 56)

(سورة الغاشية )

(سورة المدثر )

          اتركه ، دعه لي ، أنا أتولى معالجته ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ )) .

( البخاري)

دعهم يأكلوا ، ويتمتعوا بالدنيا ، بمباهجها ، وبزينتها ، برحلاتها الطويلة ، بفنادقها الفخمة ، ذرهم يتمتعوا بهذه الحياة ، ذرهم يسبحوا مختلطين ، يتمتع بعضهم ببعض .

       ولو شققت على خاطر كل منهم لوجدت نفسه مفعمة بالآمال ، هذا ينام على مخطط لبيت جميل على مقصف جميل ، يحلم به طوال سنوات طويلة ، كيف سيجعل أرضه ؟ كيف سيجعل التبريد فيه ؟ كيف سيجعل التدفئة في الشتاء لو أنه ذهب إلى هذا البيت شتاءً ينبغي أن يكون دافئاً ، كيف يفعل هذا ؟ كيف ستكون الحديقة أمام البيت ؟

      النبي عليه الصلاة والسلام له في موضوع الأمل أحاديث شريفة ، قال عليه الصلاة والسلام : ((  أربعة من الشقاء ، جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا )) .

(الديلمي في الفردوس عن أنس ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : أخرجه البزار)

          إذا جلست في فراشك ما الذي يخطر في بالك ؟ هذا يحلم ببيت ، وذاك يحلم بمتجر في شارع جيد ، والآخر يحلم بعمل يدر عليه أرباحاً طائلة يعينه على التمتع بالدنيا ، وكل هذه آمال ، الأمل مرض خطير ، أن يعيش الإنسان لوقت قد لا يدركه .

ما مضى فات والمؤمل غيب         ولك الساعة التي أنت فيها

***

          جلست مرة مع شخص خلال ساعة قال لي بالحرف الواحد : سئمت هذه الوظيفة ، وسأطلب إعارة إلى البلد الفلاني ، إلى الجزائر ، وسأمضي فيه خمس سنوات ، أما في الصيف فلن آتي إلى هنا ، سأمضي كل صيف في بلد أوربي كما يحلو لي ، سأمضي صيفاً كاملاً في فرنسا أتمتع بها بمناظرها بمقاصفها ، وأطلع على الحياة الاجتماعية هناك ، وفي الصيف الذي بعده سأمضيه في إيطاليا ، وهكذا ، وحينما أعود إلى بلدي أقدم استقالتي من وظيفتي ، وأتقاعد ، وأكون قد جهزت مبلغاً معقولاً أفتح به محلاً تجارياً أبيع فيه التحف والهدايا ، لأن هذه لا تكسد ، وأجلس في هذا المحل ، ويكون أولادي قد كبروا فيعملون معي في هذا المحل ، وعندئذ أمضي حياة سعيدة أنا وزوجتي ... والله هذا الذي يقول هذا الكلام مثقف ثقافة عالية ، وله اختصاص ، تركته ، وذهبت إلى البيت ، وبعد قليل نزلت إلى البلد لشأن من شؤوني ، وفي طريق عودتي وجدت نعيه على الجدران ، والله الذي لا إله إلا هو .

          هذه نتيجة الأمل ، وذلك آمال عشرين سنة إلى الأمام ، وعشية نام في القبر  .

       سوف يعلمون أنهم كانوا مخطئين ، وسوف يعلمون أنهم كانوا مغبونين ، وسوف يعلمون أنهم لن يفلحوا ، لأنهم لم يكونوا أذكياء ، والله الذي لا إله إلا هو لو اطلعت على حياة أغنى أغنياء العالم كيف يأكل ، وكيف ينام ؟ كيف ينتقل من جزيرة إلى جزيرة ؟ كيف يمضي الليالي الحمراء ؟ لو اطلعت على حياة أحد هؤلاء الأغنياء في العالم لرأيت أن أفقر مؤمن في الأرض أسعد منه وأذكى منه ، لماذا ؟ لأن هذا الغني المترف يسير في طريق مسدود ينتهي بالموت ، وما أدراك ما بعد الموت من عذاب مقيم ، وأما هذا المؤمن الفقير فيمشي في طريق مفتوح إلى الأبد ، خطه البياني صاعد ، فالبطولة أن تكون مؤمناً ،

ليس من يقطع طرقاً بطلاً        إنما من يتق الله البطـــل

***

هذا هو البطل ، أن تعرف الله قبل فوات الأوان ، وفي الوقت المناسب ، لأن الإنسان إذا توفته الملائكة غافلاً عرف كل شيء ، ولكن عرف كل شيء بعد فوات الأوان .

( سورة ق : 22 )