English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "2 / 9"  من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 4 – 15    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة الحجر ، ووصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

        حينما يصل إلى علمنا أن قرية أهلكها الله عز وجل بأيّ نوع من أنواع الإهلاك ، قد تهلك القرية بزلزال ، وقد تهلك ببركان ، وقد تهلك بمجاعة ، وقد تهلك بحرب  .

     المعنى الأول : لهذه الآية أن هذا الإهلاك مقدر بزمن معلوم من قِبل الله عز وجل ، وأن هذا التقدير له أساس ، والله سبحانه وتعالى من أسمائه الحكيم ، ومن أسمائه العليم ، ومن أسمائه السميع البصير ، ومن أسمائه القوي ، فهذا الأجل الذي أجلها الله إليه بتقدير عزيز عليم .

       عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

(أحمد)

       كل شيء بقضاء وقدر ، والإيمان بالقضاء والقدر يذهب الهمّ والحزن .

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( ... احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) .

(مسلم)

          هذا هو المعنى الأول : أي : إن هذا الإهلاك لم يكن صدفة ، لم يكن من غير حكمة ،  لم يكن من غير علم ، لم يكن تعسفاً ، إنما هو إهلاك بتقدير عزيز عليم ، في الوقت المناسب وفي المكان المناسب ، وللأسباب المناسبة  .

     المعنى الثاني : كيف أن لكل إنسان أو لكل موظف في الذاتية إضبارة فيها حسناته وسيئاته ، إنجازاته وعقوباته ومكافآته ، كل حركة كل سكنة ، كل عمل طيب ، كل عمل سيئ مسطر في هذا الكتاب ، يؤيد هذا المعنى قوله تعالى  :

( سورة الإسراء )

وقال سبحانه :

( سورة الكهف )

          والمقصود به كتاب الأعمال .

        هذه القرية إن كانت تتعامل بالربا ، إن كانت تستبيح المحرمات ، إن كان الفقير فيها مظلوماً ، إن كان الغني فيها بخيلاً ، إن كان الأمير فيها قاسياً ، هذه القرية إن كان كسبها حراماً ، إن أباحت المنكرت ، إن فعلت الفواحش ، إن اضطهد الفقير ، واستعلى الغني ، هذه القرية لها عندنا كتاب معلوم ، أعمالها ، انحرافاتها ، تقصيراتها ، معاصيها ، تجاوزاتها ، كل هذا في الكتاب المعلوم .

        أهلكت بموجبه ، وبموجب أعمالها المسطورة في هذا الكتاب ، فإذا سمعت عن كارثة ، أو عن زلزال ، أو عن فيضان ، عن خسف ، عن بركان ، عن قهر ، هذا إهلاك من الله عز وجل ، والإهلاك له كتاب معلوم .

       هذه القرية ، أو هذا المجمع السكاني هذه المدينة لها عند الله كتاب معلوم يتقرر إهلاكها في ضوء هذا الكتاب ، تستحق الهلاك في ضوء معطيات هذا الكتاب ، في ضوء ما سطر عليها في هذا الكتاب .

          الإهلاك إذاً ليس عشوائياً ، ولا صدفة ، ولا مزاجياً ، ولا مرتجلاً ، إنما إهلاك بتقديرٍ من عزيز عليم  .

       إذا رأيت أمة أو مجتمعاً يزداد قوة واستعلاء ، ويزداد معصية انحرافاً وفجوراً فلا تقل : لمَ لم يهلك الله هذه القرية ؟ إن لها عند الله كتاباً معلوماً ، هذا المعنى الثالث ، فلا تستبطئ إهلاك القرية الفاسدة الفاجرة المنحرفة ، فإن لها عند الله كتاباً معلوماً .

( سورة طه )

          إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم ، ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً إهلاكهم في أجل مسمى ، فلكل أمة أجل  .

       الحقيقة : هناك من يستنبط من المفسرين أن إهلاك القرية أو إهلاك الأمة له عند الله قانون ، مادام فيها ذرة من خير فالله سبحانه وتعالى يبقيها ، فلعل هذا الخير ينمو ، ولكن متى تستحق الأمة الهلاك ؟ إذا أصبحت عاتية عن أمر ربها ، ولا خير فيها ، ولا مثقال ذرة من خير فيها ، إذا شردت عن الله شرود البعير ، إذا عصت ، واستعلت في عصيانها ، إذا عصت ، ورأت أن المعصية هي الصواب ، وأن الدين شيء لا يصلح لهذا الزمن التي هي فيه ، وأنه غيبي ، وأن العلم هو كل شيء ، إذا بلغت الأمة هذا المبلغ فلا خير فيها ، لا خير يرجى من أبنائها ، إذا استنفد الله كل أسباب الهداية ، وشردوا على ربهم شرود البعير عندئذ تستحق الأمة الهلاك ، ولا يهلك إلا هالك .

          فلا تقل : لو حينما تهلك الأمة ، أو تهلك القرية ، فلا خير يرجى منها ، قال  :

(سورة الذاريات )

          أخرجنا هذا البيت ، وأهلكنا الباقين ، إذاً يمكن أن نستنبط من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يهلك قرية إلا بعد أن يستنفد كل أسباب الهداية ، حينما ترد الحق ، حينما يضطهد الفقير ، حينما يستعلي القوي ، حينما يأكل القوي الضعيف ،  حينما تفجر فإنها تستحق الهلاك .

( سورة الإسراء )

( سورة هود : 102)

 

 

                                                                                                                  (سورة البروج )                                                                                                                                     

 

       من الذين قالوا ؟ كفار قريش ، زعماء الشرك ، علية القوم ، الملأ من قريش ، أصحاب الحول والطول ، الأغنياء المترفون ، هؤلاء قالوا تهكماً واستهزاءً ، واستخفافاً : إنك تزعم أنه نزل عليك الذكر ، هذا بزعمك ، بل إنك لمجنون ، يبدو أنهم غارقون في ملذاتهم ، في حفلاتهم ، في حياتهم الدنيا ، غارقون في مآكلهم ، ولبس أجمل الثياب ، يأكلون الربا ، ويفعلون الموبقات ، نظروا إلى هذا النبي الكريم e فوجدوه عازفاً عن الدنيا ، بعيداً عن شهواتها ، مترفعاً عن حطامها ، وجدوه حسب قيمهم الزائفة أنه مجنون .

          لذلك مرَّ في بعض الأحاديث في الجامع الصغير قوله صلى الله عليه وسلم : (( اطلعت على أهل الجنة فوجدت عامة أهلها من البله )) .

(البزار ، والسيوطي في الجامع الصغير بسند ضعيف عن أنس)

          قد يقع الإنسان في حيرة ، كيف يكون المؤمن أبلهَ وهو الكيس الفطن الحذر ؟ لا بدّ أن يكون أبلهَ في نظر الناس ، إذا أتيح لإنسان أن يأخذ مليوناً من الليرات بحركة بسيطة ،  بملاحظة يكتبها ، بغض بصر يغضه عن مخالفة ما ، فإذا ترفع ، ورفض ، ورضي بدخله اليسير مؤثراً هذا الدخل اليسير على هذا المال الوفير ، لأنه من حرام ، إن هذا الإنسان الورع النزيه ذا القيم ، ذا المبادئ ، يتهم في نظر زملائه ومن حوله بأنه مجنون أو أبله ، نعم إنه أبله في نظر البله ، ويا حبذا أن يكون المؤمن أبله في نظر أهل الدنيا .

          هذا هو المعنى : هم غارقون في دنياهم الرخيصة ، ونظروا إلى هذا النبي e النظيف العفيف ، الطاهر الحامد ، المحمود ، نظروا إليه نظرة شهوانية ، نظرة منطلقة من قيمهم الأرضية ، من خلودهم إلى الدنيا ، فقالوا :

       لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : (( يَأْتِي اللَّهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ ، وَقَالَ : طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، فَقِيلَ : مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَاسٌ صَالِحُونَ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ )) .

(أحمد في المسند)

          وهؤلاء الأحباب أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم نوّه لهم النبي عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ )) .

(الترمذي)

          مثلاً : حينما يزمع التاجر أن يطبق شرع الله في تجارته يصبح أضحوكة بين الناس ، مجنون ، أتبيع بضاعة نسيئة بسعر غير نسيء ؟ أي : كما تبيع نقداً ، إذا أراد التاجر أن يكشف عيب البضاعة يصبح أضحوكة بين زملائه ، إذا أراد الرجل ألا يأخذ مالاً حراماً ، وهو متاح له فهو عند الناس يعد مجنوناً ،

وقال تعالى :

( سورة القلم )

          إذا منحك الله رحمة عميت على من حولك ، هم في وادٍ ، وأنت في واد ، هم لهم أذواق ، وأنت لك ذوق ، هم يسعدهم الطعام والشراب ، وأنت يسعدك القرب من الله سبحانه وتعالى ، هم تسعدهم الدنيا ، وأنت يسعدك العلم بالله ، ورتبة العلم أعلى الرتب .

      النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الأثر أنه رأى في الطريق مجنوناً ، فقال أصحابه رضي الله عنهم : هذا مجنون ، فقال عله الصلاة والسلام : (( لا تقولوا هكذا ، بل هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله )) .

(ورد في الأثر)

          المجنون من باع الآخرة الباقية بالدنيا الفانية ، المجنون من آثر دنياه على آخرته فخسرهما معاً ، والعاقل من آثر آخرته على دنياه فربحهما معاً ، المجنون من سار في طريق مسدود ينتهي بالموت ، والعاقل من سار في طريق الإيمان الذي يوصله إلى روضات الجنان .

           العقل أصل الدين ، كما قال عليه الصلاة والسلام ، ومن لا عقل له لا دين له ، من لا دين له لا عقل له ، وأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ، فتبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً ، إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما ، ويختلفان في العقل كالذرة إلى جانب أحد ، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين ، وإن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدكم له استعداداً ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور ، فازداد عقلاً تزدد من ربك قرباً .

          الشيء الوحيد الذي يميز الإنسان عن الحيوان عقله ، سيدنا خالد حينما أسلم قال عليه الصلاة والسلام : (( عجبت لك يا خالد ، أرى لك فكراً )) .

(ورد في الأثر)

لمَ لم تستخدمه ؟ العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن يصل إليك ، فالمجنون من التفت إلى الدنيا على حساب الآخرة .

          فالإنسان أحياناً حينما يسلم ، حينما يسير في طريق مستقيم ، حينما يلتزم الإسلام التزاماً صحيحاً قد يثور عليه أهله في البيت ، قد تتعبه زوجته ، قد يتعبه أبناؤه ، قد يعارضه أبوه ، قد تعارضه أمه ، تقول له : غيرت خطة حياتنا ، نشأنا على غير هذا ، فرقت الأسرة .

          أم سعد قالت لابنها سعد : يا بني إما أن تكفر بمحمد e ، وإما أن أصوم حتى أموت ، فقال : يا أمي ، لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدة وَاحدة ما كفرت بمحمد e ، فكلي إن شئت ، أو لا تأكلي  .

(سورة لقمان)

( سورة الكهف 28)

        أين الملائكة ؟ الآن الآيات سلكت مسلكاً خاصاً ، يعني هؤلاء الكفار إن لم يؤمنوا باختيارهم فلن يؤمنوا ، ولو شاهدوا كل شيء ، الإنسان مخير ، ولن يؤمن إلا إذا أراد الهدى .

( سورة الإنسان)

( سورة البقرة 148 )

          ما دمت يا محمد ـ e ـ تزعم أن ملكاً اسمه جبريل يأتيك بهذا الكتاب فأين هذا الملك ؟ دعنا نراه كي نؤمن بك ، ( لو) بمعنى لولا أداة حَصّن .

       يروى أن إنساناً معه ثروة كبيرة أراد أن يضعها عند شخص أمين بشرط أن يأكل غرفة من الملح ، قصة يرويها الناس ، فجاء رجل فقال : أنا آكل كل هذه الغرفة ، قال : تفضل ، وضع إصبعه في فمه ، ولعق لعقة واحدة من الملح ، وقال : أكلتها ، قالوا : كيف ؟ قال : من لم يؤثر به القليل لن يؤثر فيه الكثير  .

          يعني ملايين الآيات : الشمس آية ، القمر آية ، النجوم آية ، المجرات آية ، الأرض والجبال آية ، الصحارى ، السهول ، الوديان ، الأغوار ، الأنهار ، الينابيع ، الأسماك ، الأطيار ، المواشي ، الأنعام ، الوحوش ، زوجتك ابنك ، السحاب ، الأمطار ، كل هذه الآيات الدقيقة أين هي ؟ ما فكرت فيها ، تريد أن ترى الملك الذي يأتي بالوحي ، وجاء بهذا الكتاب ، إذا كنت في عمىً عن كل هذه الآيات فلن تؤمن بالله حتى لو رأيت الملائكة كلهم أجمعين .

          هذه المثانة تتسع للتر ونصف من البول ، من جعلها بهذا الحجم ؟ من الممكن أن تمضي ثماني ساعات في عمل دون أن تحتاج إلى أن تفرغها ، هذا يحفظ لك شأنك بين الناس ، يحفظ لك مكانتك ، علماً أن الكليتين تقذفان في هذه المثانة في كل دقيقة نقطتين ، فلولا المثانة لكانت حالة الإنسان لا تطاق ، ولكانت كرامته مهدورة ، من زود هذه المثانة بالعضلات ؟ لو لم يكن فيها عضلات والماء ، إن لم يكن فوقه ضغط هوائي لا ينزل ، والدليل مستودع الوقود لو كان محكم الإغلاق من أعلى الصنبور ، فإنه لا يسمح للوقود أن ينزل من أسفله ، فهذه المثانة لولا هذه العضلات لا تفرغ .

          هذه المثانة كيف يتم تفريغها ؟ هناك أعصاب في جدرانها تتحسس بالضغط ، فإذا امتلأت بالبول ضغط البول على جدران المثانة ، فتنبهت أعصاب الحس ، فأرسلت إشارة إلى النخاع الشوكي أن قد امتلأت ، يأتي النخاع الشوكي فيعطي أمرين ، أمراً لعضلات المثانة بالتقلص ، وأمراً للفتحة التي في أسفلها المضبوطة بعضلة بالاسترخاء ، هذه العضلات تتقلص كي تدفع البول ، وهذه العضلة المحكمة تسترخي كي تفتح الصنبور .

          ومن ثم ، فهل هذا الفعل منعكس شرطي ، يعني أنه يتم في النخاع الشوكي ؟ الجواب : لا ، فلو كان كذلك لفتح الصنبور ، وهو لا يشعر ، وهو في أحرج الأوقات ، لا ، هذا الأمر بإفراغ المثانة لا يتم إلا إذا صدق من المراجع العليا من الدماغ ، في منطقة الوعي والمحاكمة والإدراك ، وتأتي الموافقة على إفراغها في الوقت المناسب ، أما إذا تعنتت هذه المراجع العليا ، ولم توافق على إفراغها ، وأصرت على قرارها عندئذ يقع الإنسان في خطر التسمم بالبول ، يعود البول من الحالبين إلى الكليتين ، فيختلط بالدم عندئذ تكون المصيبة الكبرى ، في هذه الحالة المركز العصبي في النخاع الشوكي يعطي أمراً بإفراغ المثانة من دون أن يرجع إلى المراجع العليا فتفرغ المثانة.

          تصميم من ؟ هذه آية ، القلب آية ، المعدة آية خمس ، فيها ثلاثون عصارة هاضمة ، العين آية ، فيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط في الشبكية ، العدسة آية ، العدسة مرنة يزداد تقعرها وتحدبها من أجل أن يبقى الخيال على الشبكية ، وهذه العملية المعقدة تسمى المطابقة ، هذه آية ، الدماغ آية ، الجمجمة مشدودة إلى الداخل بقوة تعادل أربعمئة كيلو ، لو أنك أردت أن تفتح هذه الجمجمة فتحاً ، أن تفكها من مفاصلها ، وتمكنت من أحد سطوحها لاحتجت إلى أربعمئة كيلو كي تشدها بها ، من جعل بين الجمجمة والدماغ سائلاً يقيه الصدمات ، يوزع هذا السائل الصدمة على كل السطح على مبدأ الهيدروليك تماماً ؟ يأتي الضغط من جهة فيوزع على كامل السطح فلا يؤذي الدماغ ، هذه كلها آيات .

          هذه الأصابع آيات ، هذه الخطوط والتجاعيد في الجلد آية ، لولا هذه التجاعيد لما كان بإمكانك أن تثني أصابعك ، كون بطن كف اليد خال من الشعر آية ، لو كان الشعر هنا لكانت الحياة لا تطاق ، لاضطررت أن تحلق ذقنك وباطن كفك كل يوم من الشعر ، ليس في الفم شعر ، هذه آية ، ليس في الشعر أعصاب حس ، هذه آية ، لو أن في الشعر أعصاب حس لاضطررت أن تذهب إلى المستشفى كل يوم تحلق فيه ذقنك ليجريَ لك تخديراً ، وبعد التخدير يأتي الحلاق ليحلق لك .

          كل هذه الآيات التي لا تعد ولا تحصى ، ألم يرها الإنسان فيأخذ منها العبرة ؟ بل يقولون : أين الملك الذي ينزل عليك يا محمد ـ e ـ حتى تؤمن لك  ؟ إن لم تؤمن بكل هذه الآيات فلن تؤمن بخرق العادات ، إن لم تؤمن بهذه الآيات المعجزات فلن تؤمن بخرق قوانين الكون .

           الملائكة تنزل مرة واحدة بالعذاب ، وبعد العذاب ينزل البلاء والهلاك ، فلا عودة ، ولا رجوع ، ولا توبة ، ولا توقف ، لو أن الملائكة نزلت على قوم لنزلت بالعذاب المبين ، وحينما تنزل الملائكة :

       هذه الآية تطمئننا أن هذا الكتاب تولى الله سبحانه وتعالى حفظه رغم كيد الكائدين ، رغم تزوير المبطلين ، محاولات تلو المحاولات جرت لتحريف هذا الكتاب ، كل هذه المحاولات كشفت في وقت ولادتها ، وانتهت  .

          المستعمرون حينما كانوا هنا في سوريا طبعوا خمسين ألف نسخة من كتاب الله ، وحذفوا كلمة واحدة مؤلفة من ثلاثة أحرف ، قال تعالى :

( سورة آل عمران )

حذفوا كلمة ( غير ) ، العملية كشفت في وقتها ، وأتلفت المصاحف ، وأحرقت .

          شيء عجيب ، إذا تولى الله سبحانه وتعالى حفظ هذا الكتاب فإنه يوفر له أناساً مخلصين يحفظونه ، ويهتمون بدقائقه ، وبمحكمه بمتشابه وبآياته ، فربنا عز وجل تكفل حفظ هذا القرآن  .

          طبعاً هناك قصص كثيرة حول هذا الموضوع ، يروى أن أحد الخلفاء التقى رجلاً من أهل الكتاب ، وكان يهودياً ، فدعاه إلى الإسلام فأبى ، بعد عام رآه ، وقد أسلم فقال : يا هذا ما حملك على إسلامك ؟ قال : أخذت التوراة ، ونسختها ، وبدلت ، وزدت ، وأنقصت ، وبعتها في كنُسِ اليهود ، فاشتروها مني ، وقبلوها ، وجئت بالإنجيل ، وحذفت ، وبدلت ، وبعته في كنائس النصارى فاشتروه مني ، وقبلوه مني ، ثم جئت بالقرآن ، فحذفت ، وبدلت فيه ، وغيرت ، ولما أردت أن أبيعه للوراقين تصفحوه ، فعرفوا كل ما فعلت فيه ، فردوه ، ولم يشتره أحد :

       إذا تولى الله سبحانه وتعالى حفظ الكتاب فلا تستطيع جهة في الأرض أن تنتقص منه جزءاً ، ولا حركة ، ولا علامة وقف ، ولا أن تزيد فيه ، هذا الكتاب تولى الله حفظه ، ماذا فعل الكائدون للإسلام ؟ كادوا في تفسيره ، لذلك قال :

( سورة يونس : 39 )

          إذاً ليحذر الإنسان من أن يقرأ تفسير آية أو حديث لمغرض ، كادوا الكيد في تفسيره ، كان في الكتاب الإسرائيليات وهي قصص اليهود عن أنبيائهم ما أنزل الله بها من سلطان تتناقض مع كتاب الله تناقضاً كبيراً ، فمن افتراءاتهم أن سيدنا داود مثلاً أحب تسعاً وتسعين امرأة ، وتزوجهن ، ثم علم أن أحد قواده له زوجة جميلة فدفعه إلى القتال ، وطلب منهم أن يقدموه كي يموت فيأخذ زوجته ، هذه بعض الإسرائيليات .

          ربنا عز وجل ينفي عن نبينا هذه القصص ، تقوَّلوا على سيدنا يوسف أقوالاً هو منها بريء ، تقوّلوا على سيدنا موسى ، على سيدنا عيسى ، كذلك ، ولهذا حفظ الله نص القرآن ، أما في تفسيره فيجب أن يكون الإنسان حذراً لئلا يدخل عليه من تفسير المغرضين والكائدين للإسلام والمسلمين .

           أمّا الحديث الشريف فهناك وضّاعون كثر وضعوا في الحديث مئات الألوف من الأحاديث الباطلة ، وضعوها فحرموا بها الحلال ، وحللوا بها الحرام ، لذلك يجب أن ننتبه انتباهاً جيداً حينما نقرأ الحديث ، أهو متواتر ، أهو صحيح ، أهو حسن ، أهو ضعيف ، أهو موضوع ؟ أما أن نقرأ الحديث هكذا من دون تصحيح ، من دون تخريج ، فهذا قد يدخل على الإسلام ما ليس فيه .

          باب التبديل والتغيير في كتاب الله مغلق :

بقي الباب مفتوحاً للتأويل وللحديث وضعاً وتأويلاً  .

        هذه الآية تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام ، هذا شأن المنافقين ، وشأن الكفار يستخفون بالحق ، يستخفون بالدعاة ، يستخفون بالرسل ، ويستهزئون بهم  .

(سورة البقرة )

         

         هذه الآية دقيقة جداً ، وأوجه تفسير وجدته لها أن الله سبحانه وتعالى كما أنه أفهم المؤمنين كتابه الكريم كذلك سلك القرآن في قلوب المجرمين ، يعني وضح لهم الحق ، فإذا كذبوا به فقد كذبوا به عن علم  .

( سورة فصلت 53 )

          هذا الكافر مستهدف من الله عز وجل ، ومطلوب منه أن يؤمن ، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إليّ ، يا داود هذه إرادتي في المعرضين ، فكيف إرادتي في المقبلين ؟

       يعني أن الله عز وجل يضع المجرم في ظرف ، ويسمعه الكتاب ، ويسمعه تفسيره أحياناً ، فإذا أصرّ على كفره فقد تولى أن يسمعه هذا الكتاب ، ورغم ذلك كابر ، وعاند ، هذا المعنى الأول  .

          المعنى الثاني : أن المجرم الغارق في شهواته ، لو قرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً ، لأن فيه قيوداً وحدوداً يرفضها ، لذلك إذا قرأ الظالم القرآن كان عمىً عليه .

( سورة الإسراء )

وقال سبحانه :

( سورة الإسراء)

          الظالم لنفسه البعيد الشهواني المنحرف ، لو قرأ القرآن لوجده عمىً عليه ، يفهمه فهماً معكوساً ، ويزيده ضلالاً ، هذا المعنى الثاني ، هكذا يستخفون به .

      قوانين الله نافذة ، فإما أن تؤمن بها فتنجو ، وإما أن تسخر بها فتهلك ، لو كلفنا إنساناً أن ينزل من الطائرة ، وهو في الجو ، فالهواء له قوانين ، والسقوط له قوانين ، الثقالة لها قوانين ، إما أن يفهم هذه القوانين ، ويتأدب معها ، ويحترمها ، فيستخدم المظلة ، فينزل إلى الأرض سليماً ، وإما أن يستخف بها ، ويحتقرها ، ويهزأ منها ، فلا يستخدم المظلة ، فينزل إلى الأرض مكسراً ، القوانين نافذة ، قوانين السقوط نافذة ، لن تعطل ، ولن تبدل ، القرآن الكريم قوانينه نافذة .

( سورة طه )

          شيء قطعي ، إما أن تؤمن بهذه الآية فتذكر الله عز وجل ، فتسعد بقربه ، وإما أن تتجاهلها فتشقى  .

خلت يعني مضت  .

      لو أن السماء فتحت ، وصعد هؤلاء إليها ، ورأوا ما لا عين رأت ، ورأوا ملكوت السماوات والأرض ، ورأوا كل شيء :

         

 إن لم يكن الإيمان نابعاً من اختيارك ، من إرادتك ، فإن الإيمان القسري لا فائدة منه .

          لو أن الله سبحانه وتعالى فتح لهم السماء ، وعرجوا فيها ، ورأوا ملكوت السماوات والأرض ما آمنوا ، ماذا يقولون ؟

         

       منعنا عن النظر ، رأينا خيالات ليست حقائق ، هذه الآية دقيقة جداً ، لو أن هذا يجعلهم مؤمنين لفعله الله سبحانه وتعالى ، ولكن هذا لا يجدي ، ولا ينفع ، الهدى أن تأتي إلى الله طائعاً  .

          آيات كثيرة تبين أنه لن يهتدي الإنسان إلا إذا سلك الطريق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى ، فإذا اقترح هذا الإنسان على الله طريقاً للهدى فإن هذا الطريق لا يجدي ، هم اقترحوا ، وقالوا  :

      هم الذين اقترحوا أن يروا الملائكة ، الله سبحانه وتعالى يجيبهم : ولو أننا فتحنا السماء أبواباً ، وعرجوا فيها ، ورأوا كل الملائكة دفعة واحدة ، بل رأوا ملكوت السماوات والأرض :

لذلك نعود لقوله تعالى  :

( سورة الأنفال)

          أما معنى قوله تعالى :

         

يعني هذه الكتاب لا يهتدي به إلا المطهرون .

( سورة الواقعة)

          لا يهتدي به إلا المستقيم ، أما المنحرف فإن الله سبحانه وتعالى يسلكه في قلبه كما يسلكه في قلوب المنافقين .

كلمة حول قوله تعالى  :

     المعنى دقيق : أن ربنا عز وجل من رحمته بعباده حتى الكافر والمعرض مستهدف من قِبل الله عز وجل ، مدعو للإيمان ، مدعو لمعرفته ، كيف قال تعالى :

(سورة طه  )

          إذاً كل إنسان على وجه الأرض مهما يكن كافراً ، مهما يكن منحرفاً ، مهما يكن مجرماً فهو مستهدفٌ من قِبل الله عز وجل ، فلا بدّ من أن يتوضح لهذا المجرم بشكل أو بآخر حقيقة هذا الكتاب ، بعد أن يعرف الحقيقة هو ، فإما أن يستجيب أو لا يستجيب ، وإن لم يستجب ، وبعد أن عرف الحقيقة ، فالحجة قائمة عليه ، وليست له ، هذا التفسير وجدته في كتاب محاسن التأويل .

          والمعنى الأولى : أن المجرم لإجرامه ولبعده وانغماسه في شهواته وإصراره على معاصيه إذا سمع آيات القرآن يستهزئ بها ، لماذا ؟ لأنه إن لم يستهزئ بها حاصرته نفسه ، ووقع في حرج داخلي ، فهو يخطط أن يعيش في الدنيا فقط ، الدنيا عنده كل شيء ، فإذا سمع آيات القرآن تنقله للآخرة ، وما فيها من عذاب أليم ، ومن نعيم مقيم يختل توازنه الداخلي ، فيرد على هذا الاختلال بإنكاره هذا الكتاب أو الاستخفاف به ، المعنيان دقيقان .

       الأول : إما أن الله سبحانه وتعالى الفعل فعله والكسب كسب العبد ، كأن تقول : رسب المعلم الطالب ، الفعل فعل المعلم ، والكسب كسب الطالب ، تنفيذ الترسيب كان من قِبل المعلم .

معناه أن هذا المجرم لبعده عن الحق ، وانغماسه في الشهوات بعيد عن أن يفهم كتاب الله ، ولو فهمه لاختل توازنه ، يرد على هذا الاختلال بالاستهزاء به ، هذا هو المعنى الذي عند أكثر المفسرين .

        أما في تفسير محاسن التأويل يرى أن الله سبحانه وتعالى يسلك هذا القرآن في قلوب المجرمين كما يسلكه في قلوب المؤمنين ، يوضح لهم كل شيء ، يعني أن المنحرف يوضع في ظرف يستمع إلى الحق ، ويكون مدعواً إلى حفلة كتاب مثلاً ، حفلة قران ، يقوم شخص ، ويتكلم كلمة ، الله يسمعه الآيات وما فيها من الإنذار والوعيد ، ويسمعه أن هناك آخرة بعد الحياة الدنيا ، فالآية تحتمل المعنيين .

      وأما أن تفهم من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى منعهم من الهدى ، ثم أدخلهم النار خالدين فيها فهذا المعنى لا يقبله ذو عقل سليم .

والحمد لله رب العالمين

***