English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "3 / 9"  من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 16 – 19    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة الحجر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

        فما العلاقة بين هاتين الآيتين ؟ الآية الأولى كما فسرت في الدرس الماضي أن الله سبحانه وتعالى يقول : لو أن الله عز وجل فتح لهؤلاء الكفار المعاندين باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون في السماوات السبع ، ومن خلال عروجهم في السماوات السبع ، ورأوا آيات الله كلها :

       إنّ خرق نظم الكون لا يفيد الكافر شيئاً ، المعجزات التي تعتمد على خرق لنظم الكون لن تحمل الكافر الذي أصر على كفره ، والذي أراد أن ينقاد لهوى نفسه لن تحمله على الإيمان ، ما الذي يحمله على الإيمان ؟ أن يفكر في خلق السماوات والأرض ابتداءً .

          فالعلاقة بين الآيتين  :

      بدل أن تطلبوا الملائكة ، أو أن تعرجوا في السماء ، أو أن يعود الميت حياً فيتكلم ، بدل أن تطالبوا النبي عليه الصلاة والسلام بالمعجزات فكروا في خلق السماوات والأرض ، الطريق أن تفكر في ملكوت السماوات والأرض ، في الكون آلاف المعجزات خلق السماوات والأرض معجزة ، وحسبك الكون معجزة .

          فربنا عز وجل يقول  :

      كلكم يعلم أن الأرض تدور حول نفسها في أربع وعشرين ساعة تقريباً تدور دورة واحدة ، والأرض تدور حول الشمس في ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً وربع ، هذه الأرباع تجتمع فتكون السنة الكبيسة ، يعني يكون شباط تسعةً وعشرين يوماً ، والأرض لها دورات كثيرة حول نفسها ، وحول الشمس ، ومحورها المائل يدور حول نفسه في كل خمسة وعشرين ألف سنة دورة ، وفي أثناء دورته يشكل أقواساً صغيرة ، كل قوس يستغرق ثمانية عشر عاماً ، وهذا المحور المائل تتغير درجة ميلانه من أربع وثلاثين إلى اثنتين وعشرين درجة في كل أربعين ألف سنة مرة ، ودورة الأرض حول الشمس تشكل مستوى ، هذا المستوى يدور حول نفسه في كل ألف ومئة عام دورة ، وهناك دورات لا تعد ولا تحصى .

          يعنينا من هذه الدورات دورة الأرض حول الشمس ، في كل شهر يظهر لسكان الأرض برج من الأبراج ، فربنا عز وجل يقول في سورة أخرى  :

 

(سورة البروج)

          هذه السماء الدنيا التي نحن بصددها حينما تدور أرضنا حول الشمس تنتقل عبر دورتها من برج إلى برج ، فهناك برج الحمل ، وبرج الثور ، وبرج الجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت ، سميت هذه الأبراج بهذه الأسماء لأن هذا البرج يشبه العقرب ، وهذا البرج يشبه الثور ، وهذا البرج يشبه الحوت ، وهذا البرج يشبه الميزان ، فربنا عز وجل قال :

          لو أن الإنسان له إلمام بالفلك ، أو له رغبة في تحديد الأبراج لعرفها من خلال بعض الكتب ، بعض الكتب ترسم لك البرج ، وأنت ما عليك إلا أن تنظر إلى قبة السماء في الشهر الفلاني فترى البرج كما صوره القدماء بهذا الشكل الذي سموه به .

          فربنا عز وجل جعل السماء ذات أبراج ، والأرض تدور حول الشمس ، وتمر على هذه الأبراج برجاً بُرجاً في كل شهر برج .

          وبعضهم قال : الأبراج هي المجموعة الشمسية ، عطارد ، والزهرة ، والشمس ، والمريخ ، والمشتري ، وزحل ، هذه النجوم التي تشكل بمجموعها المجموعة الشمسية ، عطارد ، يومه ثمانية وثمانون يوماً من أيام الأرض ، يدور حول نفسه في ثمانية وثمانين يوماً ، لو أن الأرض كذلك ، يعني أن النهار أربع وعشرون ساعة ضرب ثمان وثمانين ماذا نفعل طوال النهار ؟ كم مرة سوف ننام ؟ كيف ننظم حياتنا ؟ من يعمل ومن لا يعمل ؟

          عطارد يومه ثمانية وثمانون يوماً أرضياً ، الزهرة يومها غير معروف ، لكن سنتها مئتان وأربعة وعشرون يوماً ، أما المريخ فسنته ستة وثمانية وثمانون جزءاً بالمئة ، حوالي سنتين تقريباً ، المشتري يومه تسع ساعات ، وسنته أحد عشر عاماً ، إلى أن يدور المريخ حول الشمس دورة يستغرق أحد عشر عاماً ، وزحل يومه عشر ساعات ، وسنته تسعة وعشرون عاماً ، أورانس يومه عشر ساعات ، وسنته أربعة وثمانون عاماً ، فإذا قام إنسان أربعة وثمانين عاماً على أورانس يحصل هناك ربيع واحد ، وصيف واحد ، وشتاء واحد ، وخريف واحد فقط ، إذا عاش أربعين سنة يقول : ما رأيت ربيعاً ، بل سمعت به .

          هذا من فضل الله علينا ، وليبتون يومه خمسة عشر يوماً ، وسنته مئة وأربعة وستون عاماً ، وأما بلوتون فسنته مئتان وثمانية وأربعون عاماً ، وهي مدّة دورة هذا النجم حول الشمس .

          بعضهم قال  :الأبراج هي نجوم المجموعة الشمسية ، وبعضهم قال : بل هي الأبراج المعروفة التي عرفها الفلكيون من قبل وصوروها ، وسموها بأسماء مشابهة للحيوانات التي سميت بها ، ربنا عز وجل قال :

الزينة مستهدفة من قِبل الله عز وجل  .

 

( سورة النحل : 8)

          أحياناً يركب الإنسان فرسه فيتباهى به ، يركب فرسه لا لينتقل من مكان إلى مكان ، بل ليظهر أمام الناس بهذه الزينة  .

( سورة الملك)

          فكلمة ( زينة ) في السماء وفي الأرض ، تعني أن الجمال مستهدف من الله عز وجل ، كأن الله يحب العبد النظيف ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ )) .

(أبو داود عن سهل بن الحنظلية)

          كأن الله سبحانه وتعالى يحب من العبد أن يكون مطهراً ، أو طاهراً نظيفاً ذا رائحة طيبة ، هندامه حسن ، ثيابه أنيقة ، عندما أقول : أنيقة فلا أعني غالية الثمن ، لا والله ، إذا اشتريت ثياباً فاجعلها مقبولة ، سيدنا عمر نهى عن لبستين ، نهى عن لبسة مهجورة ، ونهى عن لبسة مشهورة ، فكلمة :

      منظر السماء منظر بهيج ، منظر جميل ، منظر ممتع ، هذه المتعة مستهدفة من قِبل الحق جلّ وعلا .

          إذاً لعلك عرفت لماذا يعيب الكفار على المسلمين فوضوية محلاتهم التجارية ، لماذا لا يكون محلك التجاري منظماً ، مرتباً ، نظيفاً ، فيه نظام ، وفيه توزيع نوعي للبضاعة ؟ كما عرفت أيضاً لماذا يعيب الكفار على المسلمين بيوتهم غير المرتبة ؟ فالترتيب والتنظيم والتزيين في الحدود المعقولة هذا من واجبات المسلم .

       طبعاً هذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى ، شؤون السماء ، وشؤون الملائكة ، وشؤون الجن ، هذا شيء لا نعرفه إلا بالقدر الذي ذكره الله لنا فيه .

       مثلاً في الكون قال تعالى :

( سورة الشمس  )

          لكن الكون فيه مجرات أخرى ، فيه درب التبانة ، فيه المرأة المسلسلة ، فيه مجرة ماجلان ، هذه لم تذكر ، الله عز وجل ذكر شيئاً ، وترك لك بقية الأشياء ، ذكر لك آية على وجه المثال لا على سبيل الحصر .

                                                                                       

( سورة يونس 101)

          أمرك أن تنظر ماذا في السماوات والأرض ، ذكر الزيتون ، وذكر النخل ، وذكر الرمان ، ولم يذكر التفاح ، مثلاً ، هل أنت مكلف أن تفكر في التفاح ؟ نعم .

( سورة عبس)

          في الكون ذكر لنا الله شيئاً ، وترك لنا الأشياء ، ذكر لنا هذا الشيء لا على سبيل الحصر ، بل على سبيل المثال ، لكنه في شؤون الغيب الذي ذكره هو المصدر الوحيد لمعرفة ما في السماوات والأرض ، هذه شؤون مغيبة عنّا ، مصدرها الخبر الصادق ،

(سورة النساء : 87)

          الشهب لها تفسير علمي لا يتناقض مع التفسير القرآني ، كوكب هش انتهت حياته ، وخرج من مداره ، وصل إلى جو الأرض ، فاحتكاكه بطبقة الهواء جعلته يتشهب ، ثم يتلاشى ، هذا التفسير العلمي للشهب .

          والعلماء فرقوا بين الشهب والنيازك ، إن النيزك تصل كتلته إلى الأرض ، بينما الشهاب يتشهب ، ويتلاشى في جو السماء ، ولا يصل منه شيء إلى الأرض ، إن وصل فهو نيزك ، وإن لم يصل فهو شهاب ، هذا التفسير العلمي يتكامل مع التفسير الديني ، كالزلزال مثلاً ، ربنا عز وجل قال :

( سورة الحجر 74 )

          يعني أن الله عز وجل أهلك قوم لوط بهذه الطريقة ، لكن الزلزال له تفسير علمي ، والتفسير العلمي يتكامل مع التفسير الديني .

          فربنا عز وجل فيما يبدو من هذه الآيات ذكر أن الشياطين شياطين الجن والإنس ، بل شياطين الجن على وجه الخصوص محظور عليهم أن يصلوا إلى السماء ، مجال عملهم الأرض ، أما السماء فموطن الملائكة ، والملائكة من نوع ، والجن من نوع آخر ، لذلك لا يسمح للجن أن يصلوا إلى السماء ، فيسترقوا السمع ، الله عز وجل جعل السماء محفوظة من أن يصل الجن إليها ، وبما أن الجن مخلوقات تتميز بسرعة الحركة ، فقد تحدّى الله عز وجل الجن والإنس فقال :

( سورة الرحمن )

          بدأ بالجن في هذه الآية ، لأنها أقدر على خرق السماوات والأرض ، وحينما قال الله عز وجل  :

( سورة الإسراء )

          بدأ بالإنس في آية الإسراء ، لأنها أقدر على صياغة اللغة  .

          إذاً الجن لهم طبيعة ، هذه المخلوقات لها طبيعة تتحرك بموجبها بسرعة ، قال تعالى :

( سورة النمل  )

          يبدو أن الجن لو أراد أحدهم أن يصعد إلى السماء ليسترق السمع ، وليعرف أسباب الوحي ، وأسرار الملائكة ، ومهمات الملائكة لما استطاع ، لأن هذا ممنوع عنه ، و لو أنه حاول لأتبعه شهاب ثاقب وأحرقه ، العلماء قالوا : هذا الشهاب يتبعه ، وقبل أن يحاول ، قبل أن يستمع ، وبعضهم قال : بعد أن يستمع ، بعضهم قال : هذا الشهاب يميته ، وبعضهم قال : بل يحرقه ، على كلٍّ لا نملك في هذا الموضوع إلا هذه الآيات المحدودة التي ذكرها الله عز وجل .

      ومعنى رجيم بمعنى مرجوم ، وزن فعيل في اللغة بمعنى مفعول ، تقول : جريح بمعنى مجروح ، قتيل بمعنى مقتول ، فهذا الشيطان رجيم بمعنى مرجوم ، ومعنى مرجوم أي : مبعد عن حضرة الله سبحانه وتعالى .

 

( سورة المطففين )

         أكبر عقاب يناله الإنسان المسيء أن يطرد من رحمة الله ، أن يبعد عن ذات الله المقدسة ، البعد هو الشقاء ، والقرب هو النعيم ، فلذلك هذا الشيطان رجيم ، أي : مرجوم ، أي : مبعد عن الله سبحانه وتعالى ، وكفى بهذا شقاءً للشيطان .

       إن حاول أحد الجن أن يسترق السمع حينما يسمع إلى الملأ الأعلى والملائكة الذين أوكلهم الله بمهمات هذه المهمات لا يستطيع الجن أن يسمعوا إليها ، لو فعلوا ذلك لأتبعهم شهاب مبين فأحرقهم .

          إن مسالك اليقين أربعة مسالك ، مسلك اليقين الحسي ، ومسلك الاستدلال العقلي ، ومسلك اليقين الإخباري ، ومسلك الإشراق الروحي ، فاليقين الإخباري هذا مسلك صحيح ، فأنا أؤمن بالجن والملائكة ، وأن هذه الشهب حينما يصعد أحدهم إلى السماء يأتيه شهاب فيحرقه ، من خلال اليقين الإخباري الذي أخبرني الله به في هذا الموضع ، وفي مواضع أخرى من كتاب الله .

          لا تنسوا أن من هذه الأبراج برج العقرب يشبه العقرب تماماً ، وأن في هذا البرج نجماً أكثر تألقاً ، وأميل إلى اللون الأحمر سماه علماء الفلك قلب العقرب ، وأن قلب العقرب قدر علماء الفلك حجمه بحجم الأرض والشمس مع المسافة بينهما .

هذا هو البديل لطلب المعجزات من النبي عليه الصلاة والسلام.

     هذا الطريق مسدود ، ذا الذي تعرض عليه المعجزة ، وهو لا يريد الهدى فلن يؤمن بها ، رغم عرضها عليه ، لكن الذي يريد أن يهتدي فإن في الأرض والسماء آيات لا تعد ولا تحصى للموقنين  .

     لو تركنا السماء بنجومها ، وكواكبها ، وأبراجها ، وشمسها ، وقمرها ، ومذنباتها ، وكويكباتها ، ومجراتها الكبيرة ، والسماء بثقوبها السوداء ، هذا الموضوع الذي كشفه العلماء حديثاً ، مناطق ذات ضغط يفوق حدّ التصور ، لو أن الأرض بأكملها دخلت في هذا الثقب الأسود لأصبحت بحجم البيضة مع بقاء وزنها كما هو  .

          بعضهم قال : البروج هي مطلق النجوم ، وبعضهم قال : البروج مواقع النجوم ، والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الواقعة )

          مواقع النجوم هي المسافات البينية بين النجوم ، بعض المسافات ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، أحدث مجرة اكتشفت اليوم تبعد عنا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، علماً بأن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية ، فالقمر يبعد عنّا ثانية ضوئية واحدة ، والضوء يجتاز المسافة بين الأرض والقمر في ثانية ، الشمس في ثماني دقائق ، قطر المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة ، أقرب نجم إلينا نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية ، وهناك مجرات تبعد عنا مسافة مليوني سنة ضوئية ، وهناك مجرات تبعد عنا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، واللهِ هذه آية كبيرة ، إذاً :

              

     ما من نجم في السماء إلا وله فلك يسير خلاله ، لذلك ربنا عز وجل وصف السماء بوصف جامع مانع فقال   :

( سورة الطارق )

          الرجع يعني أيّ نجم يدور دورة ، ويرجع إلى مكان انطلاقه ، ثم يدور دورة ، وهكذا ، وفي عام 1910 رأى سكان الأرض مذنب هالي ، وفي عام 1986 رأى سكان الأرض مذنب هالي مرة أخرى ، إذاً هذا المذنب ينطلق من مكان ما ليرجع إلى المكان نفسه .

          فمعنى مواقع النجوم أي : الأماكن المتعددة التي تمر بها خلال دورتها حول أحد الكواكب .

          الآن إذا انتقلنا من السماء إلى الأرض نقرأ قول الله تعالى  :

          

     يا سبحان الله ! الخطوط كلها على الأرض ممددة ، أينما سرت رأيت الطريق أمامك مفتوحاً ، لو سرت إلى جهة الغرب رأيت البحر ، ولو ركبت سفينة لوجدت الطريق مفتوحاً تصل إلى أوربة ، ثم إلى أمريكا ، وبعدها تصل إلى المحيط الهادي ، ثم إلى شرق آسيا ، الطرق كلها ممددة ، ولا تتوافر هذه الخاصة إلا في شكل هندسي واحد ، وهو الكرة ، أي شكل هندسي آخر الخطوط تنتهي ، ففي متوازي المستقيمات تنتهي الخطوط ، في الموشور تنتهي الخطوط ، في الأسطوانة تنتهي الخطوط ، في القطع الناقص تنتهي الخطوط ، في الهرم تنتهي الخطوط ، أما في الكرة فالخطوط كلها متصلة ، وهي الشكل الهندسي الوحيد الذي لا تنقطع فيه الخطوط ، وربنا عز وجل قال :

         

      بعض العلماء ـ سامحهم الله ـ ظنوا أن هذه الآية ردّ على من زعم أن الأرض كروية ، هكذا قرأت في التفسير ، مع أن هذه الآية برهان على أن الأرض كرة .

        هذه الجبال آية من آيات الله سبحانه وتعالى ، والأرض التي تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو مترًا في الثانية .

( سورة النمل )

          الآن المجموعة الشمسية تدور حول نفسها في المجرة بسرعة 250 كم/ثا ، الشمس ، والأرض ، وعطارد ، والزهرة ، والمريخ ، والمشتري ، وزحل ، وليبتون ، وبلوتون ، وكل الكواكب هذه تشكل المجموعة الشمسية ، وهي كتلة واحدة تدور حول مركزها في المجرة بسرعة 250 كم/ثا .

          درب التبانة مجرتنا الضخمة هذه المجرة تسير في الفضاء الكوني بسرعة 240,000 كم/ثا ، سرعة المجرات تقترب من سرعة الضوء ، الأرض ثلاثين كيلو مترًا في الثانية ، الشمس والمجموعة الشمسية 250 كم/ثا ، المجرة 240,000 كم/ثا ، هذه حقائق تدرس في الجامعات على أنها مسلمات ، هذه أشياء تجاوز العلم البحث في صحتها ، ولكن هذا السكون الدائم من لطف الله عز وجل ، وكذلك الاستقرار والجدران هي هيَ ، بينما الحركة مذهلة .

          قال بعض العلماء : هذا بفضل الجبال ، فمثلاً العجلة إذا حركتها بسرعة اضطربت ، فتوزن بميزان دقيق ، ويوضع في بعض الأماكن قطعة من الرصاص لئلا تضطرب على السرعة العالية ، الجبال التي جعلها الله على الأرض رواسي من أجل أن تدور الأرض حول نفسها ، وحول الشمس والشمس ، حول مركز المجرة والمجرة في الفضاء الكوني أربع دورات ، كل هذه السرعات ، وأنت تجد أن المحصلة سكون تام بفضل هذه الجبال التي وضعت في أماكن محددة ، وبحجوم محددة ، بحيث يصبح المآل استقراراً

       أما كلمة ( ألقينا ) فهل يلقى الجبل إلقاءً ! يا سبحان الله ، معظم الجبال البركانية تشكلت من إلقاء الحمم من أعماق البراكين ، كلمة ( إلقاء ) تعني أن الجبل ألقي إلقاءً ، وهذا ينطبق على الجبال البركانية والرسوبية ،

 هذا تفسير .

          الجبال أيضاً ذكرها الله عز وجل في آيات أخرى بأنها أوتاد ، لأن الأرض مجموعة طبقات وهذه الطبقات متفاوتة في الكثافة ، لو أن  كل طبقة في الأرض دارت فإن لها عطالة خاصة ، ومعنى عطالة أي : إنها تستجيب للحركة بسرعة بحسب كثافتها ، فلولا الجبال لاضطربت الأرض في دورانها ، أما الجبال فقد جعلها الله أوتاداً ، فالجبل يربط طبقات الأرض بعضها ببعض ، فيجعلها كتلة واحدة ، والجبال كالبيضة التي تديرها ، فهي قبل أن أسلقها تضطرب ، لأن فيها بياض ، وفيها صفار ، وفيها قشر ، كل طبقة في البيضة لها عطالة خاصة ، فإذا أدرتها تضطرب ، وتقع ، أما إذا سلقت فإنها تدور كالبلبل ، وهذا دليل أنها تجانست .

          فهذا الجبل كالوتد ، يجعل طبقات الأرض كلها متجانسة ،

(سورة النحل " 81)

 أي : مصدات للرياح ، الله عز وجل جعل مناطق دافئة بفضل جبال تكون كالمصدات ، فتمنع الرياح الشرقية أو الغربية ، في بعض المنافذ على البحر كحمص مثلاً الأشجار كلها مائلة بسبب النافذة التي فتحت بين سلاسل الجبال ، فالجبال جعلها الله عز وجل أكناناً كالمصدات ، في يوم شديد الرياح الغربية اصعد إلى جبل قاسيون ، وانتقل إلى الجهة الشرقية منه ينعدم الهواء كلياً .

          ربنا عز وجل عن طريق الجبال نوع مناخات الأرض ، الجبل مصد ، ففي سفح الجبل منطقة دافئة ، وفي قمته منطقة باردة ، يقصد الناس الجبال في أيام الصيف ، ويسكنون في سفوحها في أيام الشتاء .

          والجبال أيضاً جعلها الله عز وجل خزانات للمياه ، لا أدري إلى أين تنتهي حدود نبع الفيجة ، بعضهم قال : إلى مشارف حمص شمالاً ، وإلى سيف البادية شرقاً ، وإلى أواسط لبنان غرباً ، وبعضهم قال : يمتد جوف هذا النبع إلى مناطق شاسعة شرقاً ، قد تصل إلى إيران ، من جعلها خزانات لهذا الماء الذي نستعمله كل يوم ؟ فربنا عز وجل قال  :

         

        والله الذي لا إله إلا هو كلمة ( موزون ) أردت أن أفصل فيها ، ولكن والله هذه الكلمة لا يكفي عام بأكمله كي يفصل في هذه الكلمة ، شيء موزون ، موزون مع ماذا ؟ النبات موزون ، سكان الأرض كم طنًّا من القمح يحتاجون في العام ، الله عز وجل ينبت لهم من القمح ما يكفي حاجتهم .

           هذا القمح مادة أساسية في الحياة ، معنى موزون قال العلماء : هناك ثلاثة عشر ألف نوع من القمح ، يجب أن ينبت في الجبال ، وفي السهول ، وفي السواحل ، وفي أعماق الأرض ، وفي المنطقة الحارة والباردة والمعتدلة ، وفي كل أنحاء الأرض ، لأنه غذاء أساسي للإنسان ، لذلك فالله عز وجل جعله بكميات تكفي حاجة سكان الأرض ، وجعله بأنواع منوعة تغطي كل المناطق المختلفة .

          القمح كما يقول بعض العلماء : فيه العجب العجاب ، لو أخذنا قمحة لها غلاف خارجي يزن تسعة بالمئة من وزنها ، ولها غلاف داخلي يزن ثلاثة بالمئة من وزنها ، وفي داخل القمح مادة نشوية تزن خمسة وثمانين جزءاً من المئة من وزنها ، والرشيم يزن أربعة بالمئة من وزنها ، أودع الله في قشرة القمحة الخارجية فيتامين ( ب1، ب2 ، ب6 ) وفيتامين (o) ،  وأودع في القشرة الخارجية الفسفور والحديد والكالسيوم واليود والبوتاسيوم والصوديوم والمغنيزيوم ، ونحن متحضرون ننزع عن القمحة قشرتها ، ونأكل اللب فقط وهو النشا ، والفائدة كلها في قشر القمحة.

       هذا الفيتامين من أجل تنشيط حركة الأمعاء ، هذا الفيتامين من أجل قوة البصر ، هذا الفيتامين من أجل ليونة الأوعية والشرايين ، هذه النخالة ندعها ، ونأخذ لب القمح ، ونأكله ، وهو كالغراء كما قال بعض الأطباء ، ربنا قال :

 

       هذه القمحة متوازنة توازناً دقيقاً مع حاجة الإنسان ، تحتاج إلى فيتامين ب1 من أجل حركة الأمعاء ، تحتاج إلى فيتامين ب2 من أجل شبكية العين ، تحتاج إلى فيتامين ب6 و فيتامين ب ب ، وفيتامين o ، والفسفور كغذاء للدماغ والأعصاب ، كما نحتاج إلى الحديد غذاء لكريات الدم الحمراء ، إلى الكالسيوم غذاء للعظام ، إلى السليكون ، إلى اليود غذاء للغدة الدرقية ، للبوتاسيوم غذاء لبعض الغدد الصماء في الجسم ، إلى الصوديوم غذاء لمصل الدم ، إلى المغنيزيوم ، هذا كله ندعه جانباً ، ونأخذ لب القمح ، ونأكله .

          هذا معنى موزون ، أي : إن خالق الإنسان هو ذاته خالق القمح ، تركيب القمح يتناسب تناسباً دقيقاً معجزاً مع تركيب الإنسان .

          اللفت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ، أحد النباتات التي تحتوي على أكبر كمية من الكالسيوم ، من يشكو ضعف وتقوس وهشاشة العظام فهذا النبات فيه أكبر كمية من الكالسيوم ، وفيه كمية من المغنزيوم تقيه الأورام السرطانية ، وفيه آزوت ينقي الدم ، ويحصن العضوية ، وفيه بوتاسيوم يجنب العضوية تراكم الشحوم ، وفيه زرنيخ يسهم في تكوين الكريات البيض ، وفيه فسفور يقوي الخلية العصبية ، وأوراق اللفت غنية بالحديد والنحاس وباليود وبالفيتامين A ,B,C ، وعصير اللفت يسهل تفتيت الحصى في الكليتين ، ومغلي اللفت يطهر المجاري التنفسية ، ويقي من الدمامل والخراجات والبثور الجلدية .

          فربنا عز وجل خلق اللفت موزونًا ، وهذه الآية تفسيرها لو اطلعت على كتب الطب كلها أو كتب الأغذية ، ودرست كل غذاء ماذا يحتوي لكان هذا الموضوع تفسيراً متواضعاً لهذه الآية :

          التمر مثلاً فيه فيتامين A ، هذا يساعد على نمو الأطفال ، وعلى ازدياد أوزانهم ، ويحفظ رطوبة العين وبريقها ، ويعين على الرؤية الصحيحة ، ويقي العمى الليلي ، فيه مادة تترسب على الشبكية ، هذه المادة تقي العين من العمى الليلي ، وهذا الفيتامين يقوي الأعصاب ، ويساعد على السكينة والدعة ، كله من هذا الفيتامين الموجود في التمر .

          لا أستطيع إلا أن أورد بعض الأمثلة ، أكثر كلمة تثير الإعجاب كلمة ( موزون ) ، هذا النبات الذي خلقه الله لنا وصفه بأنه موزون ، يتناسب تناسباً دقيقاً جداً مع خلق الإنسان وبنيته وحاجيته.

          في مصر ، وفي بعض القرى أقام طبيب ثلاث سنوات ، ولم يجد حالة واحدة من أمراض القلب ، تعجب ، فإذا هذه القرية تأكل الترمس ، وعندما حلل العلماء هذا النبات وجدوا فيه مادة مميعة للدم .

          الملوخية الغذاء الوحيد المرمم للغشاء المخاطي في الأمعاء .

          الثوم خافض للضغط مطهر للأمعاء .

          البصل ، قال أحد الباحثين إنه أجرى دراسة على مئة وخمسين صنفاً للنباتات القاتلة للجراثيم ، فتبين له أن البصل في مقدمة هذه النباتات ، يفوق التفاح في قيمته الغذائية ، فيه كالسيوم عشرين ضعفاً عما في التفاح ، فيه فسفور ضعفا ما في التفاح ، فيه حديد وفيتامينات وكبريت ، فيه مادة تعادل الأنسولين ، هذه المادة الهامة جداً في الوقاية من أمراض السكر ، في البصل مقوية للقلب وللدورة الدموية ، فيه مادة مدرة للبول والصفراء ، فيه مادة ملينة للأمعاء ، فيه مادة مقوية للقدرة الحيوية ، شيء موزون ، البصل موزون هكذا طبيعة تركيبه ، الثوم موزون ، السبانخ فيها حديد ، العدس فيه حديد ، الترمس فيه مادة مميعة للدم ، الملوخية فيها مادة مرممة للغشاء المخاطي في الأمعاء ، هذا غيض من فيض .

          لو أردت أن أعرض ما في هذا الموضوع لاستغرق تدريسه سنوات ، كل مادة بنيتها تركيبها فوائدها الغذائية والعلاجية فسبحان الله ! .

          فكلمة ( موزون ) لو أن العلماء في الأرض اجتمعوا على دراسة النباتات واحداً وَاحداً وتحليلها ما زادوا بعد كل هذه الدراسات على أنهم فسروا هذه الكلمة .

        الحليب موزون ، حليب البقر موزون ، حليب الغنم موزون ، التفاح موزون ، هذا المعنى الأولي ، معنى بنية الفاكهة أو النبات .

          معنى آخر : الحجم الكلي موزون ، لو كانت  كل شجرة من أشجار التفاح تنبت خمس تفاحات ، فهذا الإنتاج غير موزون ، ولا يتناسب مع حجم الأرض ، فكلمة ( موزون ) تعنى كمية الفاكهة ، وتعني أيضاً نوعية الفاكهة ، هناك عنب للعصير ، وعنب يكون فاكهة نفيسة جداً ، وعنب للزبيب ، وعنب بلا بزر ، أنواع منوعة ، ما من نوع من أنواع الفاكهة والخضار إلا ولها أنواع منوعة ، البصل الأبيض طيب ، لكن لا يُموَّن ، هذا يؤكل مباشرة ، أما للتموين فالأصفر هو الأجود ، هذه المعلومات تحتاج إلى خبراء .

          كلمة ( موزون ) كم من أنواع فاكهة الموجودة ؟ كم نوعًا من الخضراوات ؟ كم نوعًا من المحاصيل ؟ كميات الأنواع وعدد الأنواع ، التفاحة مثلاً الشكل موزون ، واللون بهيج جذاب ، الحجم موزون ، لو كانت التفاحة بحجم البطيخ لأكلنا قسماً واسودَّ الباقي ، لو كان البطيخ بحجم العنب و نصفها قشر لكان هناك إشكاليات كثيرة ، العنب له حجم ، والكمثرى لها حجم ، والقمح له حجم موزون ، لو كان القمح ينضج تباعاً كبقية الفواكه لعُدَّ غير موزون ، إذاً المحاصيل من القمح ونحوه تنضج في يوم واحد ، والفواكه تنضج تباعاً ، وهذا حقاً شيء موزون ، فسبحان الله الذي أحسن كل شيء خلقه ، وقدره تقديراً ! .

          الشيء الذي يخزن أغلب الظن ينضج في يوم واحد ، والشيء المستهلك ينضج تباعاً ، فكلمة ( موزون ) يمكن أن تفكر فيها لسنوات ، هذا الطعام الذي تأكله كله موزون .

        عندنا موضوعات عن التمر والثوم والبصل والفجل ، وموضوعات عن بعض الفواكه والثمار ، والمعلومات لا يتسع لها درس في المسجد ولا ساعة من ساعات دروس التفسير ، لكن المؤمن يمسك بطرف الخيط يتابع البحث ، لو أتيح لك أن تقرأ عن الفواكه والثمار فلا تتردد ، اقرأ تعرف المزيد مما يعنيه قوله تعالى :


هذه الآيات إن شاء الله تعالى نحاول أن نفسرها في الدرس القادم.

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi