English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "5 / 9"  من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 24 – 44    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

                

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة الحجر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى  :

       للمفسرين في هذه الآية ثمانية اتجاهات :

       الاتجاه الأول : أن الله سبحانه وتعالى علم الذين خلقوا من قبل ، ويعلم الذين لم يخلقوا بعد ، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه : علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون .

          والله سبحانه وتعالى من أسمائه العليم ، كل ولد حتى هذه اللحظة يعلمه الله عز وجل ، والذين لم يخلقوا بعد يعلمهم أيضاً .

       المعنى الثاني : أن الله سبحانه وتعالى علم الأموات ، وهم المستقدمون ، وعلم الأحياء وهم المستأخرون ، هذا الاتجاه الثاني .

          والاتجاه الثالث : علم الله سبحانه وتعالى من تقدم من الأمم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويعلم من يتأخر عن هذه الأمة من الأمم ، وأنه يأتي بعد أمة هذا النبي أمم وشعوب وحضارات ، وحروب وفتن ، ودنيا مبهرجة وصراعات ، ومصائب ، هذا الذي سيكون يعلمه الله سبحانه وتعالى.

          والمعنى الرابع : الله سبحانه وتعالى يعلم المستقدمين في الطاعات والخيرات ، فلان تقدم إلى الطاعة والخير ، وفلان تأخر عن الطاعة ، وتأخر عن الخير ، فوقع في المعصية والضرّ والأذى ، التقدم إلى الطاعة و الخير يعلمه الله ، والتأخر عن الطاعة إلى المعصية وعن الخير إلى الشر يعلمه الله سبحانه وتعالى ، وهذا هو المعنى الرابع .

          وأما في صفوف الحرب فالله سبحانه وتعالى يعلم المتقدمين الذين يضعون أرواحهم على أكفهم ، ولا يهابون الموت ، والذين يبيعون أنفسهم في سبيل الله ، ولقد علمنا المستقدمين منكم في الحرب ، ولقد علمنا المستأخرين الذين يخشون الموت  .

          هذا الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن رواحة حينما جاء دوره في قيادة الجيش ، يعني صاحباه قتلا فلما جاء دوره يبدو أنه تهيب ، فتردد ثلاثين ثانية ، فقال :

يا نفس إلا تقتلي تموتي      هذا حمام الموت قد صليت

إن تفعلي فعلهما رضيت     وإن توليت فقد شقيـــت

***

فركب فرسه ، وقاد الجيش ، وحمل الراية ، وقاتل بها حتى قتل .

       قال عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة : أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، ثم سكت النبي عليه الصلاة السلام ، فقلق أصحابه على أخيهم عبد الله بن رواحة ، فقالوا : يا رسول الله : ما فعل عبد الله ؟ قال : ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه ، يعني هبط مقامه درجة بهذا التردد .

(القصة بلفظها وتمامها في السيرة النبوية لابن هشام)

      أحياناً يعرض عليك عمل صالح تقول : دعني أفكر ، وتتردد ، وأحياناً يعرض على آخر عمل صالح ، فيبادر دون تردد .

         

       فمن معاني هذه الآية : المستقدمين في الطاعة والخير ، والمستأخرين عن الطاعة إلى المعصية ، وعن الخير إلى الشر ، ولقد علمنا المستقدمين في صفوف الحرب ، والمستأخرين المتقاعسين عن لقاء العدو.

          والمعنى السادس : ولقد علمنا المستقدمين في الصلاة ، هذا الذي يلبي نداء المؤذن ، ويصلي الصلاة في أول الوقت ، أو هذا الذي يصلي في أول صف ، أو هذا الذي يصلي قرب الإمام ، فمن أدرك الصلاة في أول الوقت ، وفي الصف الأول ، وقرب الإمام فقد حاز ثلاث فضائل : فضيلة تلبية النداء ، والصلاة في أول الوقت ، وفضيلة الصلاة في الصف الأول ، وفضيلة الدنو من الإمام  .

       والمعنى الأخير : أن المستقدمين هم أول الخلق ، والمستأخرين هم آخر الخلق ، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه : " القرآن حمال أوجه " ، القرآن ذو وجوه .

          لكن مرة قال لي أحدهم : لم لا تذكر لنا بعضاً من أسباب النزول ؟ أنا أتمنى أن أقدم لكم أجمل ما في الكتب ، وأوجه ما في الكتب ، لكن سبباً من أسباب النزول إن لم يصح سنده ، ولم تثبت روايته ، ربما أفسد المعنى ، فإني لا أذكره ، فمثلاً جاء في أسباب نزول هذه الآية أنه كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي امرأة حسناء من أحسن الناس وجهاً ، تصلي خلف رسول الله ، وخلف صفوف الرجال ، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ، ويتأخر بعضهم حتى يكون في صف الرجال المتأخر ، حتى إذا ركع نظر من تحت إبطه ، فأنزل الله عز وجل :

      هذا شيء لا يصح في حق أصحاب رسول الله e ، هؤلاء العلماء الحكماء الذين كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، مع أن الفقهاء اتفقوا جميعاً على أن المرأة إذا حاذت الرجل فسدت الصلاة ، ولتكن الزوجة ، أو لتكن الأخت ، فكيف تصلي هذه المرأة الحسناء التي هي من أحسن الناس وجهاً خلف رسول الله بين الصحابة ، وصحابي يتقدمها لئلا يراها ، وصحابي يتأخر بنية أنه إذا ركع نظر إليها من تحت إبطه ، هذا لا يليق بأصحاب رسول الله ، ولعل هذه الرواية لا تصح ، أو لم تثبت من حيث السند ، أو أنها قد دست في هذا الكتاب ، على كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم كانوا علماء حكماء ، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، كانوا ورعين .

      شيء آخر ، تدل هذه الآية على أن أفضل وقت الصلاة أن تصلى في أول الوقت ، وقد قرأت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه من أخر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ، فإن كنت غير مشغول فالأولى أن تصلي الصلاة في أول الوقت ، أن تلبي نداء المؤذن ، يقول لك : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، أي : أقبل ، حي اسم فعل أمر ، معناه أقبل ، يعني أيها الإنسان أقبل على الصلاة ، أقبل على الفلاح ، الله سبحانه وتعالى يدعوك كي تقف بين يديه لتتصل به ، وتقبل عليه .

          عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) .

(متفق عليه)

           عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثَلَاثًا ، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ )) .

(مسلم)

يعني هؤلاء الذين يجلسون في الصف الأول يجب أن يكونوا من النخبة ، ومن صفوة القوم ، لأن هذا المكان القريب له أهله ، من هنا يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول لفلان : تقدم ، ولفلان تأخر .

       وبعد : فلا بدّ من المحشر كما أخبر الله سبحانه وتعالى ، فلو أن الإنسان مات غرقاً ، أو مات حرقاً ، أو مات في الجو ، يقال مثلاً : الطائرة سقطت ، وقد مات جميع ركابها ، يعني احترقوا في الجو ، إن الإنسان كيفما تكون ميتته فلا بدّ أن يحشره الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى  :

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس       وإن تمنعت بالحجاب والحـــرس

فما تزال سهام الموت نــــافذة       في جنب مدرع منها و محتــرس

أراك لست بوقاف ولا حــــذر       كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكــها        إن السفينة لا تجري على اليــبس

***

       عملك مسجل صورة وصوتاً ، وبالألوان الطبيعية ، وسوف يعرض عليك يوم القيامة ، فإن كان هذا العمل كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ، والقبر صندوق العمل ، اعمل ما شئت فإنك مجزي به ، من هو الفائز ؟ الذي له عمل يرضي الله عز وجل ، من هو الشقي ؟ الذي له عمل يسخط الله سبحانه وتعالى ، ولأن يسقط الإنسان من السماء فتنكسر أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله .

         

        كلمة ( رب ) الذي أمدك بالحياة ، الذي أمدك بكل شيء ، أمدك بزوجة وبنين ، أمدك بهذا الفكر تعيش به ، أمدك بهذه القوة ، أمدك بهذه المحاكمة ، أعطاك الخبرة ، أعطاك إتقان عمل تعيش به ، الذي أمدك ، والذي عالجك في الدنيا ، وكلما انحرفت قوم انحرافك .

يعني يعلم السر وأخفى ، قد يحشر الإنسان لإنسان ، ولكن هذا الذي حشر إليه لا يعلم ماذا اقترف ، هو يحشرهم إنه حكيم عليم ، يعلم ما يكون ، وما كان ، يعلم خائنة الأعين ، يعلم كل شي.


      الإنسان في هذه الآية المقصود به سيدنا آدم ، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا فَخْرَ ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ ، وَلَا فَخْرَ ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ ، وَلَا فَخْرَ )) .

(الترمذي)

       النبي عليه الصلاة والسلام أول خلق الله رتبة في الفضل ، وأن آدم عليه السلام يليه في المرتبة ، يعني سيدنا آدم أفضل الناس كلّهم إلا النبي e ، النبي في الأول ، وسيدنا آدم بعد النبي ، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر .

          وسمي آدم آدمَ لأنه خلق من أديم الأرض ، وأديم الأرض ترابها .

المقصود بالإنسان آدم  عليه السلام ، والصلصال هو الطين اليابس .

         

       والحمأ هو الطين الحر الأسود ، والمسنون المتغير ، وإليكم بعض ما قاله العلماء حول معنى كلمات هذه الآية :

       الصلصال الطين الحر ، خلط بالرمل ، فصار يتصلصل إذا جف ، معنى يتصلصل : يرن ، ويحدث صوتاً كالصلصال ، فإذا طبخ في النار فهو الفخار ، من حمأ ، وهو الطين الأسود ، المسنون المتغير ، هذا شيء مغيب عنا ، ولا سبيل إلى معرفته إلا الخبر الصادق ، والله سبحانه وتعالى وهو خالقنا وخالق آبائنا وأجدادنا ، وخالق أبينا آدم عليه السلام يقول :

       في رأي بعض المفسرين أن الجان هو أبو الجن ، كيف أن آدم عليه السلام هو أبو الإنس ، والجان هو أبو الجن .

         

يعني أن الله عز وجل خلق الجن أولاً ، ثم خلق الإنسان ثانياً  ، لذلك لما ربنا عز وجل قال  :

                                             

( سورة البقرة :30)

          كيف عرفوا ذلك ؟ معنى ذلك  :

( سورة البقرة :30)

معنى ذلك أن الجن خلقوا قبل الإنس ، وأن الملائكة قاسوا على الجن .

والسموم الريح الحارة التي تحرق كل شيء ، أو النار التي لا دخان فيها .

    خلقته على أحسن مثال ، خلقته في أحسن تقويم ، خلقته خلقاً لا يحتاج إلى تعديل ، ولا إلى تبديل .

 

( سورة الانفطار)

          معنى سويته يعني أن الأيدي مسواة ، المفاصل في الأماكن المناسبة ، هذا الرسغ مكانه مناسب ، وحركته مناسبة ، وهذا المفصل يقف عند هذا الحد يقفل هنا ، أما الركبة فتقفل نحو الأمام ، خلقك فسواك ، الرقبة تدور 170درجة ، وهناك حكمة بالغة من دورنها 170 درجة لا 180درجة ، وكيف أن العمود الفقري ، وهو الذي يحوي النخاع الشوكي عبارة عن فقرات متمفصلة تمفصلاً جزئياً حيث يستطيع الإنسان أن ينحني .

        كيف أن الجمجمة قد خلقت على شكل سطوح منحنية متداخلة بعضها في بعض ، وأن هذه المفاصل الثابتة تقي الإنسان كسر الجمجمة ، لأن الضربة الشديدة تجعل هذه المفاصل تتداخل ، هذا التداخل هو امتصاص للصدمة ، خلقك فسواك .

        كيف أن هذا الفك الأسفل يتحرك ، لو أن هذا الفك الأسفل ثابت مع الرقبة ، والذي يتحرك هو الأعلى لكان منظراً بشعاً وقبيحاً ، الأنف في مكانه الصحيح ، وفي الطول المناسب ، والمقدمة غضروفية ، لو أن العظم ينتهي إلى هنا ، يعني إلى مقدمة الأنف فلا بدّ عندئذٍ من كسر بشكل أو بآخر ، لكن المنطقة الحساسة التي يمكن أن تصطدم مؤلفة من مادة غضروفية خلقك فسواك.

          وأن هذه العين جعلها الله في مغارة ، حصن حصين ، لو تلقى الإنسان ضربة ، أو وقع على الأرض فعينه في مأمن ، هذه العين خطيرة الشأن جداً جعلها الله في مأمن ، وهذا الدماغ خطير جداً جعله الله في مأمن وبينه وبين الجدار سائل يمتص الصدمات .

          وهذا القلب البالغ الأهمية جعله الله في القفص الصدري ، وهذا النخاع الشوكي الخطير جداً جعله الله في العمود الفقري ، وهذا الرحم الخطير جداً جعله الله في الحوض في مكان مكين ، ومعامل كريات الدم الحمراء خطيرة جداً جعلها الله داخل العظام .

          وعظام الفخذ تنتهي برقبة ، هذه الرقبة تتحمل مئتين وخمسين كيلوًا ضغط ، والإنسان يتحمل نصف طن ضغطًا من الأعلى ، ولا تنكسر هذه العظام ، هذه الغضاريف ، هذه المفاصل ، محافظ المواد السائلة الهلامية ، الروابط ، العضلات .

       هل بلغكم أن الإنسان طرأ على خلقه تعديل ، صنع الإنسان آية كبرى على عظمة الله سبحانه وتعالى ، انظر إلى سيارة أول ما صنعت ، شيء يضحك أن العجلات من الخشب ، وأن الإضاءة عن كطريق الفوانيس ، وأن لهذه السيارة حركة واحدة بطيئة ، ولها صوت يملأ الدنيا صخباً ، وانظر إلى سيارة صنعت في عام 1986 ، الإنسان صنعته تتكامل ، لكن الله سبحانه وتعالى هو المطلق ، فخلق الإنسان كامل لم يطرأ عليه لا تغيير ، ولا تبديل ، ولا تعديل ، ولا إضافة ، ولا حذف .

( سورة التين )

                

 

( سورة النمل 88)

          إتقان الصنعة دليل على وجود الله عز وجل .

       هذا الإنسان من عظام ولحم ، ودم وشرايين ، وأوردة وأجهزة ، ما الحياة ؟ كيف يمشي ؟ كيف يتكلم ؟ كيف يفكر ؟ كيف يرى كيف يدرك ؟ كيف يحاكم ؟ كيف يسمع ؟ إلى أخره هو الحياة ، هذا الذي فقد روحه ماذا فقد ؟ لم يفقد أي شيء مادي ، لكن الروح فقدت فأصبح جثة هامدة ، الإنسان يملأ البيت أنساً وجمالاً ، فإذا مات يتمنى أقرب الناس إليه أن يخرجوه من البيت ، وأن يدفنوه قبل أن تتفسخ جثته .

          حدثني أخ عن بيروت أيام الحوادث أن شخصاً توفي في بيته ، والطرقات كلها مقطوعة ، والقنص على أشده ، والحركة واقفة ، تحمّله أهله يومين ، ثم ألقوه من الشرفة إلى الأرض ، أب يملأ البيت أنساً وسعادة ، فلما سحبت منه الروح ، ماذا فعل أقرب الناس إليه من زوجته وأولاده ؟ قرروا أن يلقوه من الطابق الرابع ، هكذا على الأرض ، لأن الطرق مقطوعة ، لم يتحملوا رائحته بعد الموت .

           ( سورة الانفطار )

( سورة النمل 88)

       هذه الروح من أوجه التفسيرات أنها هي الحياة ، الله سبحانه وتعالى نفخ فينا من روحه ، أما كلمة ( من روحي ) فهذا تكريم للإنسان ، وتشريف له ، واصطفاء له ، نسب الروح لذاته .

هو مكرم ، لقد قبل أن يحمل الأمانة ، قال تعالى  :

( سورة الأحزاب)

          فلما حملها الإنسان استحق أن يكون مكرماً .

(سورة الإسراء)

          أنت مكرم ، ليتك تعرف نفسك ، ليتك تعرف شأنك عند الله ، ليتك تعرف المهمة التي خلقت من أجلها ، ليتك تعرف أنك ابن عمرٍ ، فكيف تمضيه ؟ وليتك تعرف طريقة لتمضي بها هذا العمر ، وأن هذا الوقت وهو عمرك سيحدد مصيرك ، إما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار محرقة تنضج الجلود ، وتلفح الوجوه ، لا ينفد عذابها ، ليتك تعرف من أنت ؟ 

أتحسب أنك جرم صغير        وفيك انطوى العالم الأكبر

***

 طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟.

( سورة الحشر : 19 )

           أنساهم الله أنفسهم ، يعني لما نسيت الله فقد جهلت نفسك من أنت ؟ قد يقول لك قائل : الإنسان حيوان ناطق ، من قال لك : إن الإنسان حيوان ؟ الإنسان إنسان مكرم ، هذه الحيوانات أمام عينيك ، نوع القردة ، نوع الدواب هل تغيرت حياتهم ؟ هل أعطوا هذا الفكر الذي أعطيته ؟ هل طوروا حياتهم ؟ هل سكنوا في البيوت ؟ هل ارتدوا الثياب ؟ هل نظموا حياتهم ؟ الإنسان ليس حيوانًا ناطقًا ، وليس حيوانًا اجتماعيًّا ، الإنسان إنسان  .

     العلماء قالوا : هذا السجود سجود التحية والتكريم ، وليس سجود العبادة .

     عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ )) .

(مسلم)

          والإمام علي كرم الله وجهه يقول : " ركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الإنسان من كليهما ، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإذا سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان " .

     أي : إن الإنسان إذا عرف الله عز وجل فاق بهذه المعرفة الملائكة المقربين ، ما من مخلوق يفوق الإنسان المؤمن ، فإذا هوى كان في أسفل سافلين .

( سورة البينة )

          يعني إما أن يكون الإنسان خير البرية ، وإما أن يكون شر البرية ، والإنسان إما أن يكون براً تقياً كريماً على الله ، وإما أن يكون فاجراً شقياً هيناً على الله .

يعني أمر بالسجود ، سجود التكريم لعلمه بأسماء الله الحسنى  .

          

من قال لكم : إن الشيطان من الملائكة فقولوا له : ليس كذلك ، والدليل هذه الآية  :

     هذا الاستثناء يسميه علماء النحو استثناءً منقطعاً ، يعني الملائكة وإبليس اشتركا في أمر السجود ، ولم يشتركا في طبيعة الخلق ، كأن تقول : حضر الطلاب إلا المدرس ، فالمدرس ليس طالباً ، المعلم معلم ، والطالب طالب ، إلا أنهما اشتركا في الحضور ، فاستثنيت المعلم استثناءً منقطعاً .

        توهم إبليس الذي خلقه الله من النار أن النار أشرف من الطين ، لذلك كبره واستعلاؤه ونظره لذاته حجبه عن حقيقة آدم ، فأبى أن يسجد له ، هذا الكلام ماذا يفيدنا ؟

          أحياناً يكون مال الإنسان حجاباً له عن اتباع الحق ، هذا الذي يتكلم فقير ، وأنا غني ، أيعقل أن أجلس في مجلسه ؟ هذا الذي يتكلم ضعيف ، وأنا قوي ، أيعقل أن أستمع له ، لا تجعل المال والجاه حجاباً يحجبك عن الحق ، إبليس ما الذي أهلكه ؟ أنه نظر إلى النار وتوهمها أنها خير من الطين ، فكيف يعقل أن يسجد له ؟ أما المؤمن فلا يجعل شيئاً يحجبه عن الحق .

          فهذا سيدنا العباس عم رسول الله ، سئل مرة : أيكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ فقال رضي الله عنه : هو أكبر مني قدراً بلا شك ، وأنا ولدت قبله.

          المؤمن الصادق لا يجعل من السن حاجزاً ، ولا من المال حاجزاً ، ولا من الجاه حاجزاً ، ولا من النسب حاجزاً ، ولا من القوة حاجزاً ، اسمعوا ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( اسْمَعُوا ، وَأَطِيعُوا ، وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ )) .

(البخاري)

أنت عبد للحق ، أينما كان الحق فأنت تابع له .

         في بعض الأحيان يرى الإنسان عُلوَّ نسبه ، ويقول : أنا منسوب ، لكن عملك غير طيب .

      عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا ، فَعَمَّ ، وَخَصَّ ، فَقَالَ : (( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا )) .

(مسلم)

          هذه الآية مغزاها أن الإنسان قد يهلكه نسبه ، أو ماله ، أو علمه ، يحمل شهادة عليا ، هذه الشهادة جعلته يتوهم أنه أعظم الناس ، وهو ليس كذلك ، شهاداته أو نسبه أو أمواله أو وظيفته أو قوته ، هذه كلها أقنعة مزيفة .

        عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ... )) .

(البخاري)

          هذه جاهلية ، أن تعتد بنسبك ، أو بمالك ، أو بقوتك ، أو بصحتك ، أو بشكلك ، أو بمنصبك ، أو باختصاصك ، هذه كلها حجب .

          ربنا عز وجل ذكر حجاباً واحداً ، وعلى هذا فقس ، ذكر حجاباً واحداً ، وأنت قس على هذا الحجاب كل الحجب ، ويا عبد الله ، إياك أن تغترّ بهذه الأقنعة المزيفة ، هذه كلها تنتهي عند الموت .

لا تقل : أصْلي وفصلي أبدأً     إنما أصل الفتى ما قد حصل

ليس من يقطع طرقاً بـطلاً     إنما من يتقي الله البـــطل

***

       معنى رجيم أي : أنت في الأرض ، ولن تستطيع أن تصل إلى السماء ، فإذا سولت لك نفسك أن تصعد إلى السماء جاءك شهاب ثاقب فأحرقك ، إذاً ابق في الأرض ، السماء محرمة عليك ، هذه للملائكة ، ولعبادي المؤمنين .

      اللعنة تعني البعد ، والله الذي لا إله إلا هو لو أنك حصلت الدنيا بأكملها ، وأبعدك الله عن حضرته فأنت أشقى الأشقياء ، ولو خسرت الدنيا كلها ، وقربك الله إليه فأنت أسعد السعداء .

      من يقول : إن الله أغواه فشيخه في هذه المقولة إبليس ، لأن إبليس ماذا فعل ؟ نسب غوايته إلى الله عز وجل .

(سورة الأنعام 148)

          وهذا إبليس يقول : بما أغويتني ، مع أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا .

(سورة هود 119)

          خلقنا ليرحمنا .

(سورة الذاريات)

          ليعبدوني ، ليتعرفوا عليّ فيستقيموا على أمري ، فأسعدهم .

        يعني أغريهم في الدنيا ، أجعل أحلامهم كلها في الدنيا ، يحلم ببيت فخم مزين ، يحلم بسيارة فاخرة ، بزوجة جميلة ، بمنصب مرموق ، بجاه عريق ، بنزهات بحفلات بسهرات ، بأماكن الاصطياف الجميلة ، يعني يحلم بالدنيا .

         

       هذا هدف الشيطان ، أن يحبب الدنيا إلى الناس ، وأن يغريهم بها ، وأن يغشهم بها ، مع أن الدنيا تغر وتضر وتمرّ ، أوحى ربك إلى الدنيا أن تكدري ، وتمرري ، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ـ وَفِي رِوَايَةِ ـ : كَفَافًا )) .

(مسلم)

هذه دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

          أيها الإخوة الأكارم ، كلمة ( بما أغويتني ) لا بدّ من توضيحها بمثل .

       طالب في صف مدرسي يقصر ، لا يدرس ، ولا يكتب ، ولا يذاكر ، ولا يحفظ ، يأتي الامتحان فيأخذ علامة الصفر ، إذاً يستحق الرسوب ، فيأتي المعلم ، ويكتب على جلائه : رسب في صفه ، من الذي رسبه ؟ المعلم ، لماذا رسبه ؟ لأنه كسول ، فالرسوب كسب من الطالب وفعل من المعلم ، فإذا قال الطالب للمعلم : لقد رسبتني فكلامه صحيح ، والمعلم هو الذي رسبه ، ولكن لماذا رسبه ؟ لأنه كسول .

          فكل شيء ينسب إلى الله فعلاً ، من فعل هذا ؟ الله سبحانه وتعالى ، لماذا فعله ؟ وفق العدل والاستحقاق ، هذا أوضح مثال يفسر هذه الآية .

         

     الغواية فعلاً ، كأن يقول : لمَ رسبتني ؟ قصر في الدراسة ، فاستحق الرسوب ، فرسبه المعلم ، فقال للمعلم : بالذي رسبتني به سأغري جميع الطلاب ليكونوا كسالى مثلي .

        هؤلاء المخلصون لا أستطيع أن أفعل معهم شيئاً ، المخلَص اسم مفعول ، والمخلِص اسم فاعل ، المؤمن مخلِص ومخلَص ، لأنه مخلص لله عز وجل ، أقبل عليه ، فطهر نفسه من كل أدرانها ، فصار مخلصاً من كل شائبة ، أخلص من أجل أن تخلص ، كن مخلِصاً من أجل أن تكون مخلَّصاً ، إذا أخلصت في طاعتك أقبلت على ربك ، فإذا أقبلت عليه فإن نوره طهر قلبك ، فأصبح قلبك مخلَصاً له اسم مفعول .

       أيضاً عباد الله الذين عرفوه ، وعبدوه ، وانقادوا له ، نسب العبد إلى الله نسبة معرفة بعبوديته ، ونسبة طاعة له ، ونسبة محبة له ، ونسبة اهتداء بهديه ، إن عبادي هؤلاء الذين عبدوني هؤلاء الذين عرفوني ، هؤلاء الذين استقاموا على أمري ، هؤلاء الذين أقبلوا علي ، هؤلاء الذين تقربوا إلي بالأعمال الصالحة .