English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "6 / 9"  من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 45 – 77    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

    

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من سورة الحجر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

       ربنا سبحانه وتعالى لحكمته كلما ساق لنا وصفاً أو مشهداً من أهوال يوم القيامة ساق لنا صورة مشرقة من أحوال أهل الجنة ، فكما أن هناك صورًا مخيفة مرعبة فهناك صور مشرقة محببة .

       ففي الدرس الماضي ربنا سبحانه وتعالى وصف أحوال أهل النار ، وفي هذا الدرس يقول ربنا عز وجل  :

       من هم المتقون ؟ اتقى الشيء أي : تجنبه ، كيف تتقي الأخطار ؟ لا بدّ من نور يكشف لك الطريق حتى تتقي به الأخطار ، وهذا النور هو نور الله سبحانه وتعالى ، قال عليه الصلاة والسلام : (( الصَّلاَةُ نُورٌ ))  .

(مسلم عن أبي مالك الأشعري)

          إنك إذا اتصلت بالله سبحانه وتعالى قذف الله في قلبك النور ، بهذا النور تنكشف لك الحقائق ، ترى الخير خيراً والشر شراً ، الحق حقاً والباطل باطلاً ، الضر ضراً والنفع نفعاً ، قال تعالى  :

(سورة الحج)

          هناك البصر ، وهناك البصيرة ، فمن وهبه الله سبحانه وتعالى بصيرة فقد سعد في الدنيا والآخرة ، قال تعالى  :

                                                                                       

(سورة البقرة 269)

          من أين تأتي الحكمة ؟ من الرؤيا الصحيحة ، لماذا قال يوسف عليه السلام :

(سورة يوسف : 23)

؟ لأنه كان يملك الرؤيا الصحيحة ، من أين جاء بهذه الرؤيا الصحيحة ؟ من الله سبحانه وتعالى عن طريق الصلاة ، (( الصَّلاَةُ نُورٌ ))  .

(مسلم عن أبي مالك الأشعري)

          كيف يقف الإنسان في الدنيا مواقف مشرفة ؟ كيف يكون عفيفاً ؟ كيف يترفع عن المال الحرام ؟ كيف يستقيم على أمر الله ؟ كل هذا بسبب رؤياه الصحيحة ، من أين جاءت هذه الرؤيا الصحيحة ؟ من النور الذي قذفه الله في قلبه ، من أين جاء هذا النور ؟ من الصلاة، كيف اتصل بالله عز وجل ؟ لأنه استقام ، كيف استقام ؟ لأنه فكر ، تفكر فإنك تهتدي إلى أن لك رباً عظيماً ، وهذا أمره ، تستقيم على أمره ، وتعمل الصالحات فتقبل عليه ، فإذا أقبلت عليه قذف الله في قلبك نوراً ، بهذا النور ترى الحق من الباطل والخير من الشر ، عندئذ تصبح متقياً ، المتقي هو الذي اهتدى بنور الله .

          مرتبة التقوى فوق مرتبة الإيمان ، يا من أقبلت على الله ارتقوا إلى درجة أعلى ألا وهي الرؤيا .

(سورة الأنعام)

(سورة الإسراء)

(سورة طه)

          إذاً ... المعول عليه أن تمتلك رؤيا صحيحة ، وهذه الرؤيا الصحيحة تحتاج إلى نور إلهي  .

          أيها الإخوة الأكارم ، كيف أن هذه العين ثمينة جداً ، ولكن ما قيمتها من دون هذا الضوء ، لو أنك تملك عينين براقتين حادتين من أعلى مواصفات العين جيدة جداً ، ودخلت إلى غرفة مظلمة ما قيمتها ! ، كذلك الفكر ما قيمته إن لم يكن معك نور من الله عز وجل ، الفكر وحده يضل ، ويزل ، أما الفكر إذا دعمه النور الإلهي فإنه يرى الحق حقاً والباطل باطلاً .

          فهؤلاء المتقين الذين تعرفوا إلى الله في الدنيا ، وفكروا في ملكوت السماوات والأرض ، فكروا في خلقهم ، فكروا في طعامهم وشرابهم ، فكروا في كل شيء حولهم ، فاهتدوا إلى الله عز وجل ، طبقوا أمره ، وأقبلوا عليه فقذف الله في قلوبهم النور بهذا النور رأوا الحق حقاً ، والباطل باطلاً ، فصاروا متقين .

     مثلاً : كيف أن المجرم حينما يقدم على قتل رجل في هذه اللحظة يكون أعمى ، لو أنه رأى أنه لا بدّ من أن يقبض عليه ، وأن يساق إلى المشنقة ما أقدم على هذا العمل ، إذاً هو في عمى ، وعلى هذا فقس ، ما من معصية يقترفها الإنسان إلا بسبب عمىً في قلبه ، وما من طاعة يفعلها الإنسان إلا بسبب من الله سبحانه وتعالى قذف في قلبه النور .

          فمواقف الإنسان خطيرة جداً ، البشر جميعاً من بنية واحدة ، ومن طبيعة واحدة ، مفطورون على حب الكمال والسلامة ، مفطورون على طلب السعادة ، ولكن الأعمى منهم يضل سواء السبيل ، والذي اهتدى بنور الله يرى الخير خيراً ، والشر شراً ، فلذلك :

       من معاني الجنات : أنها ليست جنة واحدة ، لو أن الجنة التي وعدنا الله إياها جنة واحدة تمل ، ما من شيء مهما بلغ مرتبة الإتقان الأمر يمل منه ، لأن النفس الإنسانية تواقة إلى التجديد ، فربنا عز وجل قال :

جنة تلو جنة ، وحالة فوق حالة ، وسعادة بعد سعادة ، هناك تطور ، وتجدد مستمر ، لولا هذا التجدد في الجنة لانقلبت الجنة جحيماً .

      كيف أن جهنم لها سبعة أبواب الجنة لها عيون ، عين الماء عين ماء فرات عذب ، وأنهار من عسل مصفى لذة للشاربين ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمرة لذة للشاربين ، أنهار من أنواع متباينة ، ومختلفة ، وفوق هذا كله نظرة إلى وجه الله الكريم ، لذلك قال تعالى :

(سورة الرحمن)

          من دون هذه الحالة الراقية جنة في الدنيا وجنة في الآخرة .

     ادخلوا الجنة بسلام ، بعضهم قال : يسلّم عليكم ، يتلقون السلام من السلام ، والسلام اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى ، الله عز وجل يلقي عليهم السلام .

          وبعضهم قال  :سالمين من كل عيب ، لو أن فيهم عيباً لجعلهم في النار ، لا يدخلون الجنة إلا إذا سلمت نفوسهم من السوء .

(سورة الشعراء)

          حالة السلام التي في أنفسهم هي حالة لا توصف ، والأمن .

      أهل الدنيا إذا حصلوا منها ما يشاءون فإن في أعماقهم قلقاً ووجلاً ، إن في أعماقهم خشية من أن تزول عنهم الدنيا ، من أن يموتوا يخافون الموت ، ويخافون زوال هذه النعم ، ويخافون أن يزحزحوا عن مكانتهم ، ويخافون أن يفقدوا هذا الدخل الكبير ، ويخافون أن تصاب زوجاتهم بأمراض وبيلة ، إن قلقاً عميقاً في نفوسهم ، ولكن الله سبحانه وتعالى حينما يسمح للمؤمنين الأتقياء بدخول الجنة يدخلونها بسلام آمنين ، ونعمة الأمن لا يعرفها إلا من فقدها .

(سورة الأنعام)

        الغل هو الحقد ، مما يعكر صفاء الدنيا المشاحنات والبغضاء ، والحسد والغيبة ، والنميمة والحقد ، هذه كلها صفات تجعل من الدنيا شقاء ، أما في الجنة :

       إن الإنسان أحياناً يسعد بنزهة ، لا لأن المكان جميل ، ولا لأن الطعام جيد ، ولكن لأن الذين معه محبّون ، الإنسان يسعد بصفاء إخوانه ، وصدق طويتهم ومحبتهم ، فمن فضل الله على المؤمنين في الجنة إضافة إلى عيون وجنات تجري من تحتها الأنهار ، ومن متع لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، إضافة إلى كل ذلك هؤلاء الذين هم في الجنة نزع الله ما في قلوبهم من غل ، فلا حسد ولا غيرة ، ولا حقد ولا شحناء ، ولا استعلاء ولا ترفع ، ولا بغضاء ، كل هذه الأمراض التي يعاني الناس منها في الدنيا ، وتنغص عليهم عيشهم فأهل الجنة في الجنة مبرؤون منها .

       حتى إنك إذا سعدت في الدنيا فبسبب أن الذين من حولك يحبونك ، وتحبهم ويثقون بك ، وتثق بهم ، ويؤثرونك على أنفسهم ، وتؤثرهم على نفسك ، هذا من أبرز أسباب السعادة في الدنيا ، أما في الآخرة فهذه محققة تحقيقاً كاملاً .

        في الدنيا هناك مراتب ، قد يكون هذا أعلى من هذا ، إن فرق المرتبة تسيء للصغير ، وتعطي الكبير حجماً فوق حجمه ، لكن المؤمنين في الجنة يحتلون مناصب أو مراتب متساوية ، أحوالهم في داخلهم ، مراتبهم في إقبالهم وإقبالهم في الجنة بعضهم على بعض :

حتى إن بعض المفسرين قال : لا يرى بعضهم ظهور غيرهم ، دائماً متقابلين ، هذا الوجه المقبل الوجه المشرق الوجه المنير هو الذي يواجه الأخ في الجنة .

        ليس هناك تعب ، أي أنواع التعب منفي عن أهل الجنة ، في الدنيا لو أن الإنسان حقق نجاحاً في الدنيا قد يقول : والله قد بذلت جهداً كبيراً ، وكنت أسهر طوال الليل على إجراء الحسابات ، لا بدّ من بذل الجهد حتى مع النجاح في الدنيا ، لا بدّ من النصب لا بدّ من التعب ، هكذا طبيعة الحياة الدنيا ، لكن الجنة لا نصب فيها ولا تعب ، حتى أبسط أنواع المس ملغي في الجنة .

      عندما يكون الإنسان في مكان جميل فإنه يقلق حين يتركه ويغادره ، أما أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ما هم منها بمخرجين ، هذه طمأنينة ما بعدها طمأنينة.

(سورة الإنسان)

          الله عز وجل سمى الجنة التي ينالها الإنسان ملكاً كبيراً ، بفضل طاعته لله في الدنيا ، دفع ثمن الجنة ، فاستقامته في الدنيا ، وعمله الطيب هو ثمن الجنة ، لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : " طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب " .

          من الذنوب أن تطلب الجنة من غير عمل ، والمسلمون اليوم يتمنونها بالأمل ، والله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة النساء 123)

          ليست الجنة بالتمني ولكنها بالعمل  :

(سورة النحل 32)

          لكن لا ينبغي لكم أن تفهموا من كلامي هذا أن الجنة ليست برحمة الله ، إنها بالعمل وبرحمة الله في وقت واحد ، فالتوفيق بين المعنيين بسيط ، فإذا وعد الأب ابنه أن يشتري له دراجة ثمينة إذا نجح بدرجة أولى ، فإن مجرد النجاح لا يكفي للحصول على الدراجة ، لو أن هذا الابن أمسك الجلاء ، وذهب إلى بائع الدراجات هل يعطيه البائع دراجة لأنه نجح ؟ لا بدّ من أن يدفع الأب الثمن ، فهذه الدراجة باجتهاد الابن وبفضل الأب ، والمعنيان لا يتناقضان .

          فإذا قلت في بعض الدروس : ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، فهذا لا يتناقض مع قول النبي عليه الصلاة والسلام ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ )) .

(متفق عليه)

          يعني ادخلوا الجنة بفضل الله ، واقتسموها بأعمالكم ، العمل والفضل يتكاملان ، ولا ينقض أحدهما الآخر ، إذا ً :

       أنا استنبطت أو يستنبط من هذه الآية أن سرّ سعادة المؤمنين في الدنيا أنهم إخوان ، هناك أخوة بينهم ومحبة ، وإخلاص وتضحية ومودة ، الإنسان قد يواجه متاعب الحياة كلها عن طريق مودته مع إخوانه المؤمنين ، وقد تقسو الحياة على أحدهم ولو كان في بحبوحة إذا كان وحيداً مشرداً ، لا يعرف قيمة الأخوة بالله إلا من ترك إخوانه المؤمنين ، وسافر إلى بلد بعيد يحس بوحشة ما بعدها وحشة ، يحس أن أثمن ما في الدنيا أخ في الله يمحضك المحبة والمودة ، ثم يقول الله عز وجل :

       الحقيقة أن الغفور الرحيم اسمان من أسماء الله سبحانه وتعالى ، الاسم الأول أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يشفي النفس من أمراضها ، فإذا كان الإنسان يعاني من أمراض نفسية يقول لك : أنا أحقد ، أنا فوق الناس ، أنا أحب كل شيء لنفسي هذه الأعراض ، هذه الأمراض لحسد الغيرة الاستعلاء الكبر الأنانية ، لو أقبلت على ربك لشفاك منها ، فهو الغفور يغفر لك ، ويشفيك منها شفاءً أصيلاً .

          أما الرحيم فيتجلى عليك بأنواره فتغدو من أسعد الناس ، لا بدّ من أن تقول إذا كنت مؤمناً حقاً : أنا أسعد الناس إلا أن يكون أحد أتقى مني ، فإن لم يكن أحد أتقى مني ، فأنا أسعد الناس  .

       هذه النفس إذا ابتعدت عن ربها امتلأت شهوات خبيثة ، تمتلئ أمراضاً وبيلة ، لو أنك اطلعت على إنسان مقطوع عن الله هذا إنسان مريض ، حقده مرض ، استعلاؤه مرض ، حسده مرض ، كبره مرض ، قسوة قلبه مرض ، هذه كلها أعراض الإعراض ، إذا أقبلت على الله غفر لك هذه الأمراض ، وشفاك منها ، وإذا أعرضت عنه ظهرت أمراض ما بعدها أمراض .

          لذلك لو كان المرء ذكياً ، لو كان في بحبوحة فإذا حاككته ترى البخل ترى الشح ترى الأنانية والاستعلاء ، وترى الكبر ، فإذا أقبل الإنسان على الله عز وجل طهره من كل هذه الأمراض .

أقبل تر ، أقبل تطهر ، أقبل تسعد :

إلى متى وأنت باللذات مشغول    وأنت عن كل ما قدمت مسؤول .

***

أما الرحيم ، أتجلى على قلوب عبادي المتقين فيذوقون طعم القرب ، ومن ذاق طعم القرب عرف ، والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف .

          ألا تقولوا في صلاتكم على النبي الكريم : اللهم صلِّ على أسعدنا محمد ، هو أسعد الخلق قاطبة ، وكلما اقتربت منه سعدت ، والسعادة تتناسب طرداً مع إقبالك على الله ، وإقبالك على الله يتناسب طرداً مع استقامتك وعملك الصالح ، واستقامتك وعملك تتناسبان طرداً مع معرفتك ، اعرف طبق أقبل تسعد .

       كل هذه الأحوال السيئة ، تكون بسبب البعد عن الله سبحانه في بعض الأحيان تجد الإنسان يعيش بوحشة متشائماً سوداوي المزاج ، يرى الشر في كل شيء ، يرى الدنيا مظلمة ، يرى المستقبل مغلقاً بسبب البعد عن الله عز وجل ، لو أنه عرف الله لما تشاءم ، لو أنه عرف الله ما كان سوداوي المزاج .

      أغفر لهم ذنوبهم أي : أشفيهم منها ، وأرحمهم أي  :أتجلى عليهم فيسعدون ، وإذا تجلى الله على الإنسان اصطبغ بصبغته ، وفي الأثر:  " تخلقوا بأخلاق الله "  .

          فكما أن الله عز وجل من أسمائه الرحيم لا بدّ للذي يقبل عليه من أن يشتق شيئاً من هذه الرحمة ، علامة المصلي رحيم ، إذا أقبلت على الكريم لا بدّ من أن تكون كريماً ، إذا أقبلت على الحليم لا بدّ من أن تكون حليماً ، إذا أقبلت على اللطيف لا بدّ أن تكون لطيفاً ، إذا أقبلت على العدل لا بدّ من أن تكون عدلاً ، فلذلك الإيمان ليس بالصلاة والزكاة ، ولكن بالخلق الرفيع الذي يشتقه المصلي من جناب الله سبحانه وتعالى .

(سورة العنكبوت)

          الصلاة تنهى ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))  .

(الطبراني والسيوطي في الجامع الصغير بسند ضعيف جدا)

الصلاة في جوهرها تطهر النفس من أدرانها ، وتزكيها إلى خالقها ، ولكن يا ترى هذا الرب الكريم الغفور الرحيم ماذا يفعل بعباده المعرضين الذين ابتعدوا عن جادة الصواب ، الذين أداروا ظهورهم لهذا القرآن الكريم ، الذين نبذوه وراء ظهورهم ، الذين سخروا من دين الله سبحانه وتعالى ، الذين اقترفوا المعاصي ، ماذا يفعل الله بهم ؟ قال تعالى :

        إما أن تأتيني طوعاً فأغفر لك ذنوبك ، وأطهرك ، وأتجلى على قلبك ، وأسعدك ، وإلا فلا بدّ من أن أحملك على أن تأتيني ، إما أن تأتيني طوعاً ، وإما أن تأتيني كرهاً ، إما أن تأتيني في سلام ، وإما أن تأتيني بعد العذاب الأليم ، إما أن تأتيني ، وأنت معافى ، وإما أن تأتيني بعد المصيبة الأليمة .

        لكنك أيها العبد إن لم تأتِه طواعية ، إن لم تأتهِ من تلقاء نفسك ، إن لم تأتهِ مبادرة منك ، إن لم تأتهِ كذلك حملك على أن تأتهِ .

      من الممكن أن يصاب الإنسان بمرض عضال يجعله يتوب توبة نصوحاً ، ممكن أن يفقد الإنسان ماله الحرام فيحمله على التوبة ، ممكن أن يقذف الله في قلبه الخوف فلا ينام الليل ، ممكن أن يصيبه بأعز أولاده ، إن لم تأته طوعاً أتيته كرهاً .

        أيها الإخوة الأكارم ، والله الذي لا إله إلا هو إن الله عز وجل عنده من الأدوية ما لا يعد ولا يحصى ، ملايين من الأدوية ، يعني كل شيء بيده ، ممكن جهاز بأجهزتك يعطل ليس له حل ، يمكن لحياتك الزوجية أن تفسد ، دخلك يقل إلى درجة دون الخط الأحمر ، كل شيء بيده ، إذا تعطل شيء في الدماغ ، وبينما أنت سائر في الطريق تفقد توازنك ، تحذر من أن تمسك آلة لأنه لو جاءتك هذه النوبة والآلة في يدك قتلت نفسك ، هناك أمراض وبيلة تصيب القلب والشرايين والدماغ والعضلات والأجهزة جميعها ، أمراض تصيب من حولك من أفراد أسرتك ، وأنت عنهم مسؤول .

          وكذلك بالعمل ، وبعلاقتك ، بمن فوقك ، ومن دونك من الزملاء ، فالله عز وجل أدويته ناجحة وفعالة ، الدواء دائم ومتوافر ، فلما الإنسان ينحرف يأته الدواء من الله عز وجل .

       هذا معنى الآية ، عذاب الله عز وجل عذاب أليم بمنزلة الدواء لمن أعرض عن الله عز وجل  .

(سورة طه)

      الآن ربنا عز وجل سوف يورد لنا مجموعة من القصص ، كل هذه القصص تؤكد أنه غفور رحيم ، وأن عذابه هو العذاب الأليم  .

     طبعاً هذه القصة وردت في أماكن أخرى ، في سورة هود وردت بالتفصيل ، دخلوا عليه فقدم لهم طعاماً فلم يأكلوا ، لما امتنعوا عن الأكل ، وجل منهم ، واضطرب حالهم  .

أي : خائفون ، لماذا لم تأكلوا ؟ قالوا  :

        سيدنا إبراهيم بلغ من الكبر عتياً ، بلغ سناً في المألوف والعادة لا ينجب فيها الأولاد ، وبلغت زوجته سناً لا تنجب فيها الأولاد ، ومع ذلك بشروه بغلام عليم ، هو يتعجب فقال  :

     هذا استفهام مع تعجب ، يعني كيف يكون ذلك ؟ أنا تجاوزت السن التي أنجب فيها الأولاد ، وامرأتي كذلك فكيف تبشرونني بغلام عليم ؟

       ربنا عز وجل الذي خلق الأجهزة التناسلية في الإنسان هو الذي جعل لها حداً ، هو نفسه قادر على أن يرفع لها هذا السقف ، وربنا عز وجل وضع في مبيض المرأة عدداً معيناً من البيوض كل شهر تنطلق بيضة من المبيض ، وتشكل الدورة الشهرية إلى أن يأتي سن اليأس تنقطع الدورة ، ما معنى انقطاع الدورة ؟ أن هذه البيوض التي في مبيض المرأة قد انتهت ، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى ، لو أن للمرأة بيوضاً تتوالد كالرجل تماماً إذاً لأنجبت في أية سن ، تصور امرأة في سن تسع وتسعين سنة حامل ، لكن ربنا عز وجل لحكمة بالغة ورحمة منه بالأمهات جعل في مبيض المرأة عدداً محدوداً من البيوض ، هذا العدد يستهلك في سن معينة ، وسطياً في الأربعين تنتهي البيوض ، فيقال : إن المرأة وصلت إلى سن اليأس ، الذي خلق هذه البيوض قادر أن يخلق مزيداً في أية سن .

          فبالعقل القضية سهلة ، ممكن عقلاً أن الذي صمم هذا التصميم أن يغير هذا التصميم ، والذي رسم هذه الخطة أن يعدلها ، قالوا  :

       هذه والله آية لو عقلناها لسعدنا ، هي قول الله سبحانه وتعالى على لسان سيدنا إبراهيم :

       وأنا أقول لكم هذا الكلام : أي إنسان يقول لك : الأمور صعبة ، ونحن مقبلون على أزمات ، العالم كله مقبل على كساد ، مقبل على ارتفاع أسعار ، مقبل على تضخم نقدي ، هذا كلام بكلام ، ولكن الله عز وجل يخلق من الضعف قوة ، ومن الضيق فرجاً ، وربنا عز وجل قال في آية دقيقة المعنى واضحة الدلالة :

(سورة الطلاق)

          كلمة ( مخرجا ) معناها كان الأمر مغلقاً ، إذا كان هناك أبواب مفتحة تقول : أين المخرج ؟ متى تقول : أين المخرج ؟ إذا كانت الأبواب كلها مغلقة ، فربنا عز وجل لحكمة بالغة أحياناً يغلق لك الأبواب كلها ، من أجل ماذا ؟ من أجل أن تقرع باب السماء ، أن تقرع الأرضي هناك نزعة أرضية ، هناك شرك خفي فتغلق الأبواب إلى أن تقول : الأبواب كلها مغلقة ، عندئذ تنظر إلى السماء ، تقول : يا رب ، ليس إلا أنت .

          يروى أن رجلاً راود امرأة عن نفسها ، وغلق الأبواب ، فقالت له كلمة جعلته يخر مغشياً عليه : إن هناك باباً لا تستطيع أن تغلقه ، إنه باب السماء ، الله مطلع عليك .

          فربنا حباً بنا يغلق الأبواب الأرضية كلها في وجوهنا من أجل أن نفتح بأيدينا باب السماء ، من أجل أن نصطلح معه ، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، إن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن هم عصوني حولتها عليهم بالسخط والنقمة .

( سورة الطلاق)

          كلمة ( مخرجا ) تعني أن هناك شيئًا مغلقًا ، الطرق كلها مسدودة ، والآمال كلها معدومة ، إلى أن تقول : يا رب ، فيقول لك الله : لبيك يا عبدي ، لذلك إذا رجع العبد إلى الله عز وجل نادى مناد في السماوات والأرض : أن هنئوا فلاناً ، فقد اصطلح مع الله .

          أيها الإخوة الأكارم ، والله الذي لا إله إلا هو لو أنه صار الصلح مع الله على مستوى أي واحد منكم ، لو أنه اصطلح مع الله تماماً ، تخلى عن كل المخالفات والمعاصي ، وأخلص قلبه لله لحلت كل مشكلاته الأرضية ، لقوله تعالى :

(سورة النساء)

          لمصلحة من يعذبك الله عز وجل ؟ لا لمصلحة أحد إذا كنت على أمره مستقيماً ، أبى الله إلا أن يجعل رزق عبد المؤمن من حيث لا يحتسب .

ورب نازلة يضيق بها الفتى       ذرعاً وعند الله منها المخرج

نزلت فلما استحكمت حلقاتها       فرجت و كان يظنها لا تفرج

***

كن عن همومك معرضاً           وكِلِ الأمور إلى القضا

وابشر بخير عاجـــل          تنسَ به ما قد  مـضى

فلرب أمر مسخــــط         لك في عواقبه  رضـا

ولرب ما ضاق المضيق          ولرب ما اتسع الفضـا

الله يفعل ما  يشـــاء          فلا تكن معـــترضا

الله عودك الجمـــيل          فقس على ما  قد مضى

***

ما مهمتكم ؟ ما شأنكم  ؟

أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم ، لندمرهم عن آخرهم .

       هؤلاء المؤمنون سيدنا لوط ومن حوله من أتباعه الذين آمنوا معه ، واستقاموا على أمر ربهم هؤلاء مستثنون من هذا البلاء ، وهذه عقيدة أصيلة ينبغي أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى إذا أرسل بلاء عاماً ، وكنت مستقيماً على أمره ينبغي أن تعلم أن الله سوف ينجيك من هذا البلاء .

(سورة الأنبياء)

          قاعدة مطردة ، مبدأ ثابت ، الله عز وجل ينجي المؤمنين من كل كرب ، كن مع الله تر الله معك ، هذه الآيات القرآنية التي تأخذ شكل قواعد ثابتة وعامة ، هذه الآيات مطبقة في كل مكان وزمان ، مجتمع فيه اختناقات ، وفيه أزمات فالمخرج تقوى الله سبحانه .

(سورة النحل)

          وعد إلهي ، الوعد الإلهي هل يعطل ؟ أو يلغى ؟ أو يؤجل هذا مستحيل ، الوعد الإلهي محقق في كل مكان على وجه الأرض ، كن في أي مكان شئت لا بدّ من تنفيذ وعد الله .

      تشح السماء بالأمطار ، فتنشأ نظريات مضحكة ، هناك تصحر ، هناك انتقال لخطوط المطر ، تأتي أمطار فتسمع من يقول : سبحان الله ، لم يأتِ كانون الثاني بعد ، ولا موسم الثلوج والأمطار ، إنهم نسوا أن الأمر بيد الله ، أين هذه التوقعات السوداوية ؟ أين هذا التعديل لنظرية الأمطار ؟ كلها تلاشت .

قوم لوط سيدمرون عن آخرهم ، إلا آل لوط ، لأنهم عرفوا ربهم ، واستقاموا على أمره .

      استثناء مركب ، لك عندي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم ، إلا درهم ، كم لك عندي ؟ لك عندي ثمانية دراهم ، لأن الاستثناء الثالث من الثاني ، فامرأة لوط مدمرة مع قومها لماذا ؟ أعمال هؤلاء أعمال الفاحشة الشاذة ، فما علاقة امرأة لوط ، إنها لا ترضى هذا العمل بحكمها امرأة ؟ قال إنها تعاطفت مع قومها ، ودافعت عنهم وأحبتهم ، لذلك كل نفس تحشر على هواها ، فمن هوي الكفرة حشر معهم ، ولا ينفعه عمله شيئاً ، ومن أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله .

          إذا كان قلبك معلقًا بالكفار وهاوياً لهم ، مشيداً باختراعاتهم ، تراهم أناساً يستحقون الحياة ، إذا كان هذا حالك فهذا حال خطير ، انظر إلى انحطاطهم الخلقي ، انظر إلى انتشار الفاحشة عندهم ، إلى تبادل الزوجات فيما بينهم ، انظر إلى الخمور إلى المخدرات ، إلى تفسخ العلاقات الاجتماعية ، إلى انهيار الأسرة ، انظر إلى الوجه الآخر من الصورة لا تكتفي بالأبنية الشاهقة والمواصلات والمعامل والسيارات انظر إلى شيء آخر ، انظر إلى الوجه الآخر من الصورة .

          لذلك امرأة لوط استحقت الهلاك ، لا لأنها تفعل فعل قوم لوط ، إنها امرأة ، وهذا يتناقض مع طبيعتها ، بل لأنها أحبت قومها ، ودافعت عنهم ، وأحبتهم ، ووالتهم ، وانتمت إليهم فاستحقت الهلاك معهم .      </