English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "7 / 9"  من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 72 – 84    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

    

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من سورة الحجر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      هذه الآية كلام معترض بين آيتين ، في سياق القصة قال الله عز وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم مقسماً بعمره الثمين  :

        فهذا العمر الذي يعيشه الإنسان ستون أو سبعون عاماً ، هذا العمر الذي كتبه الله لهذا الإنسان كيف يمضيه ؟

          الأنبياء أمضوا هذا العمر في هداية البشرية ، في نقلهم من الضلالة إلى الهدى ، من الشقاء إلى السعادة ، في تخليصهم من عقائد الوثنية ، من ضلالات الشرك ، من وحول الشهوات ، من الخرافات والخزعبلات ، وهناك أشخاص منهم هتلر مثلاً عاش عمراً ، وانتهى هذا العمر ، وترك وراءه خمسين مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية ، إذا كان لكل قتيل أقرباء يزيدون على خمسة فمئتان وخمسون مليونًا من البشر قد أعطبهم ، هذا عمر ، فبم يذكر ؟ وعمر النبي عليه الصلاة والسلام بهذه السنوات الثلاث والستين التي عاشها أنقذ الناس خلالها من الظلمات إلى النور ، من الضلال إلى الهدى ، من الانحراف إلى الاستقامة ، من الشقاء إلى السعادة ، لذلك استحق أن يقسم الله رب السماوات والأرض بعمره الثمين .

          وهذا الكلام لنا علاقة به ، هذا العمر الذي وهبنا الله إياه ، وأحياه كيف أمضيه ؟ ما الموضوعات الكبرى التي تستغرقه ؟ كسب المال ، تأمين الحاجات ، الرفعة بين الناس ، أم لك في الحياة رسالة تؤديها ؟ ما رسالتك ؟ ما الذي يعنيك في الحياة ؟ هناك أناس لا تزيد اهتماماتهم على تأمين حاجاتهم ، لذلك أحد الشعراء في عهد سيدنا عمر قال بيتاً من الشعر نال به من كرامة بعض الناس فأدبه عمر رضي الله عنه وأدخله السجن بسببه ، إذ قال لأحد الأشخاص متهماً إياه باستغراق وقته بالطعام والشراب مجرداً عن المحامد :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها       واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي .

***

          من كان اهتمامه لا يزيد على تأمين الطعام والشراب وتامين حاجاته والخلود إلى الراحة والزينة ، وما إلى ذلك فإن هذا العمر فارغ وتافه ، عش سبعين أو ثمانين أو تسعين ، هذه السنوات كلها لا تعني شيئاً إلا إذا كانت عامرة بالخير ، إن الله يحب معالي الأمور ، ويكره سفسافها ودنيها ، اسأل نفسك يا أخي هذا السؤال : أن ماذا فعلت ؟ سؤال حرج ، حجمك عند الله بحجم عملك ، ما العمل الذي تستطيع أن تلقى الله به ؟ ما العمل الذي تستطيع أن تعرضه على الله عز وجل ؟ ماذا فعلت ؟

          لا أنسى مرة حينما حضرت جنازة ، وقام أحد العلماء ليؤبّن الميت ، فقال : فلان مؤذن فقط ، ما تمكن أن يضيف كلمة واحدة ، مع أنني أعرف فلاناً رحمه الله كان يحضر معنا أحياناً ، كانت حياته مرفهة ، وكان دخله كبيراً ، وكان يحب أهل العلم ، وكان ، لكن ماذا فعل ‍؟ هل هدى واحداً ؟ هل أنقذ إنساناً ؟ هل خلف علماً ؟ هل خلف ولداً صالحاً ينتفع الناس به ويدعو له ؟ هل ترك صدقة جارية ؟ كان على المؤبّن في كلمته أن يذكر قبل هذه الأعمال إن وجدت .

          هذا العمر لفت نظري في هذه الآية كلمة ( العمر ) ، الله سبحانه وتعالى في عليائه يقسم بعمر هذا النبي الثمين .

      أردت أن أفصل في  شرح هذه الآية ، هناك عمر ، تافه من عمله إلى بيته ، يجمع المال ، وينفقه على أهله من دون توجيه ولا تربية ، ومن دون تأدية رسالة ، دينه الدرهم والدينار ، فهذا دينه الشهوات ، أما هذا فدينه النفع في الأرض ، وما إلى ذلك ، لذلك فهذا الشخص الذي لا يفعل خيراً لا يساوي عند الله شيئاً ، لا تعجب بهؤلاء الفارغين من فعل الخير لا بأموالهم ، ولا بأولادهم ، ولا ببيوتهم ، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا ، ولكن اعجب من الذي أمضى حياته في طاعة الله ، وفي هداية الخلق ، وفي التقرب إلى الحق .

          النبي عليه الصلاة والسلام عاش هذا العمر ، ما من كلمة نطق بها ، وما من تصرف ، وما من سكوت إلا كان له به هدف ، حتى إن سكوته تشريع اللهم صلِّ عليه ، إذاً نطقه تصرفاته سكوته كله خير ونفع وبر .

          عرَّف علماء الحديث الشريف بأنه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره ، فمثلاً : لو أنه نظر إلى صحابي يفعل شيئاً ، وسكت فسكوته تشريع ، لأنه إذا سكت فمعنى ذلك أنه أقره على هذا العمل

          امرأة من خلف الستار كانت تمدح زوجها المتوفى في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ، فَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، وَغُسِّلَ ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي ؟ قَالَتْ : فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا )) .

(البخاري)

ما سكت عليه الصلاة والسلام ، ولو سكت لكان قولها صحيحاً .

          إذاً هذا النبي الكريم أقواله أفعاله سكوته تصرفاته كلها كانت تشريعاً ، جاء إلى الحياة وغادرها ، وما أخذ منها شيئاً ، لأن الدنيا جيفة طلابها كلابها ، والدنيا دار من لا درا له ، ولها يسعى من لا عقل له .

          عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) .

(الترمذي)

          هذا الزمان الذي تمضيه هو أثمن ما تملك ، فإذا انتهى فلا تملك شيئاً ، وحينما تجلس على طاولة في الامتحان العام في صف التخرج ، ويتوقف على تخرجك تحقيق آمال عريضة ، إن هذه الساعات الثلاث هي وقت مصيري ، فإذا أمضيت هذه الساعات في بعض الرسوم التي لا علاقة لها بالسؤال فهذا تضييع للوقت ، لأن أثمن ما تملك هو الوقت ، وهذا الكلام لكم أيها الإخوة ، لأن أثمن شيء تملكونه هو الوقت .

          أحد الصالحين كان يمشي في الطريق فرأى مقهى ، ورأى أناساً يقبعون فيه يلعبون النرد ، فقال : يا سبحان الله لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريته منهم ، المؤمن يتمنى أن يكون النهار خمسين ساعة حتى يحقق طموحه ، يتمنى أن يتعلم كل شيء ، يتمنى أن يخدم الناس جميعاً ، يتمنى أن يصلي كل ليلة قيام الليل ، يتمنى أن يحفظ القرآن غيباً ، يتمنى أن يفهم التفسير فهماً كافياً ، يعني نية المؤمن خير من عمله يحتاج هذا إلى وقت .

          فالوقت أيها الإخوة ، أثمن ما تملكونه ، بل إن رابعة العدوية رضي الله عنها سئلت : ما الإنسان ؟ فقالت : هو بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .

          وأنت بين أيام ثلاثة ، يوم انقضى لا يعود ، ويوم مقبل مغيب عنك ، ويوم تعيشه ،

ما مضى فات والمؤمل غيب       ولك الساعة التي أنت فيها

***

لك هذه الليلة ، والليلة السابقة ليست لك ، إن كانت في خير أو كانت في شر ، إن أطعت الله فيها مضت ، وإن عصيته فيها مضت ، لا تندم على ما فات ، ولا تقل : غداً ، غداً لا تملكه فهو غيب ، لا تملك إلا اليوم الذي أنت فيه ، لذلك كلما استيقظ الإنسان صبيحة يخاطبه هذا اليوم فيقول : أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود .

          وكلما استيقظ الإنسان من نومه يجب أن يأتي على خاطره ما يلي : لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً أخراً في حياتي ، ما دام قد استيقظ ، فقد سمح الله به .

      أيها الإخوة الكرام ، لي صديق ذهب إلى فراشه الساعة الحادية عشرة ، زوجته في الساعة الثانية بعد منتصف الليل مست يدها يده ، فإذا هي باردة ، فانتفضت من الفراش ، فإذا هو ميت .

          فإذا استيقظ الإنسان من نومه صباحاً يجب أن يخطر على باله هذا الخاطر : لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً آخر ، أضيف إلى عمري هذا اليوم ماذا أفعل به ؟ راقب نفسك كيف تمضي هذا اليوم ؟ قد يمضي بأشياء تافهة ، بمشاحنة فارغة ، بخصومة سخيفة ، بأعمال لا جدوى منها، بحديث فارغ ، بجمع مال ، بالحديث عن الدنيا وعن حطامها ، هذا إذا لم يكن هناك معصية ، هذا إذا أمضيت اليوم فيما لا يغضب الله عز وجل فأنت خاسر ، فكيف إذا أمضيت اليوم في معصية ؟ كيف إذا كنت غافلاً ؟ كيف إذا كنت منحرفاً ؟ كيف إذا تجاوزت حدك إلى ما لا يرضي الله عز وجل ؟ لذلك في الدعاء : لا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ، ولا بورك لي في يوم لم أزدد فيه علماً ، والمغبون من تساوى يوماه ، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان.

          هذا التوجيه هادف ، ولا ينبغي أن ينتهي مع نهاية الدرس ، يجب أن تبقى هذه المعاني معكم طوال الأسبوع ، هذه شحنة ، يعني غداً السبت استيقظت إن شاء الله ماذا سأفعل اليوم من عمل يرضي الله عز وجل ؟ ماذا سأفعل من عمل أدخره لآخرتي ، ولما بعد الموت ؟ إذا جاء ملك الموت فلسان حالك يقول : يا رب ، قدمت هذا العمل ، عدت هذا المريض لوجهك ، عاونت هذا الفقير رغبة في مرضاتك ، جلست في مجلس العلم حتى أتعرف إليك ، قرأت القرآن ، بررت أمي ، خدمت والدي ، دعوت إلى الله ، أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، إذا استيقظت من منامك فانتبه أن هذا اليوم يوم جديد أضيف إلى عمرك ، ولن يعود ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود ، أمسك سيدنا عمر تفاحة فقال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت .

          ركبت سيارتك ، ورأيت إنساناً يحتاج إلى أن توصله إلى مكان بعيد ، ومعك وقت ، هذه فرصة لعمل صالح لا تفوت ، لك جار مريض عدته ، وجدته بحاجة إلى طبيب ، فأتيت له بالطبيب ، وجدته بحاجة إلى الدواء ، فأحضرت له الدواء ، هذا عمل تدخره لما بعد الموت (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) .

      معظم الناس يعملون لما قبل الموت ، والمؤمن يعمل لما بعد الموت ، إذا كان عملك لما قبل الموت عظيماً فينتهي بالموت ، مهما كان عملك عظيماً ينتهي بالموت ، مهما تركت من ثروة طائلة تنتهي بالموت .

          يا أهلي يا ، ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلّ وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناءة لكم ، والتبعة عليّ .

          فهذا النبي الكريم كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم : نحن معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، ما غفل عن الله لحظة ، ما نامت عينه ، دائم الذكر ، دائم الالتجاء ، دائم الدعاء ، دائم الرجاء ، دائم التوكل ، دائم التفويض ، دائم التسليم ، دائم الصبر دائم الشكر ، هذا حال النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك استحق أن يقسم الله بعمره الثمين .

          معلوم لدى الجميع أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ سدرة المنتهى ، وبلغ المقام المحمود ، وكان أكرم الخلق على الحق ، لا يحتاج إلى اعتراف بهذا المقام هو غني عن هذا ، ولكننا نحن المحتاجون ، إذا قلت إنه أقسم بعمره الثمين فإنك لا تضيف شيئاً إليه هو هكذا ، هذه مرتبته وهذا مقامه ، وقد فاز ونجح وكان سيد الخلق وحبيب الحق وانتهى الأمر ، لن تضيف شيئاً بكل ما تقول ، ولكن الذي يعنيني أنت الذي تعيش ، الذي بين جوانحك قلب ينبض ، أنت المعني كيف تمضي هذا العمر ؟ كيف أتحضر مجالس العلم ! أمجلس العلم أغلى عليك من كل شيء ! معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى عظيم عندك .

          أيها الإخوة الأكارم ، هناك عمر تافه ، وهناك عمر ملء بالشر والتجاوزات والطغيان ، وهناك عمر ملء بالخيرات .

       عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .

(الترمذي)

          يعني الذي أحب أن أقوله لكم ، والحقيقة مرة دائماً ، والأسئلة محرجة ، اسأل نفسك ما هو عملي الذي ألقى الله عليه ؟ ما هو عملي الذي أدخره لآخرتي ؟ ما العمل الذي يمكنني أن أعرضه على الله عز وجل ؟ إذا كان مقامي عند الله عز وجل بحجم عملي فما هو عملي ؟ هل تظن أنك إذا حضرت مجلس العلم ، ولم تكن في مستواه أنك فعلت شيئاً عظيماً ! ولكن ماذا فعلت من أجلي ، هكذا في الحديث الشريف ، هل واليت في ولياً ، هل عاديت في عدواً ، ماذا أنفقت من مالك من أجلي ، ماذا أعطيت ، هل منعت من أجلي هل أعطيت من أجلي ، ماذا فعلت من أجلي ؟

          (( يا رسول الله : جئت لتعلمني من غرائب العلم ، قال : وماذا صنعت في أصل العلم ، قال : وما أصل العلم ، قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله ، فقال : ماذا فعلت في حقه ؟ قال : ما شاء الله ، قال : هل عرفت الموت ؟ قال : نعم ، قال : فماذا أعددت للموت ؟

(مسند الربيع عن ابن عباس)

هذا كله مستوحى من قوله سبحانه وتعالى :

أما معنى سكرتهم : قال أحد الشعراء :

سكران سكر هوى وسكر مدامة     ومتى أفاقت من به سكران

 

          والسكر أنواع فبعض أنواع السكر أن يشرب الإنسان الخمر فتسكره ، وبعض أنواع السكر أن يهوى شيئاً فهو سكران في محبته ، وحبك الشيء يعمي ويصم ، وحب الدنيا رأس كل خطيئة ، هذا سكران بحب الدنيا ، وهذا سكران بحب متاعها وشهواتها ، وللسكر نوع ثالث .

(سورة الحج)

          الناس أحياناً يسكرون بالعذاب ، لشدة الهول يذهلون عن أنفسهم وعن أعز الناس عليهم ، والهوى سكر ، وهؤلاء قوم لوط سكارى بهذه الشهوات المنحرفة .

هم الآن سكارى ، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا .

        قال ابن عباس رضي الله عنه : ما خلق الله ، وما ذرأ ، وما برأ نفساً أكرم على الله عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره .

          أما سكرتهم ، فقال بعض المفسرين : ضلالهم ،

 هم في ضلال ويلعبون ، وبعضهم قال : سكرتهم أي : حيرتهم ، و يعمهون يترددون ، إنهم لفي حيرتهم يترددون ، وبعضهم قال : سكرتهم أي : شهوتهم المنحطة هم سكارى بها ، وقد تلتقي بإنسان سكران بشهوة ما ، غائب عن كل شيء لا يرى سواها ، لا يتحدث إلا عنها ، لا يعنيه إلا أخبارها ، لذلك الشهوات إذا استحوذت على القلوب حجبتها عن علام الغيوب ، والله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة فاطر)

          وبعضهم فسر هذه الآية بأن هذه القبور هي قبور الشهوات ، والإنسان قد يدفن في الحياة الدنيا في قبر شهوته ، فإذا هو أعمى .

(سورة البقرة)

 إنه مدفون في قبر الشهوة ، هذا بالنساء ، وهذا بالمال ، وهذا بالعلو في الأرض ، وهذا بمباهج الدنيا ، وهذا بمتعها الرخيصة ، وهذا بقصورها ، وهذا بأسواقها .

          شيء آخر ، هذا يقودنا إلى موضوع القسم ، الله سبحانه وتعالى أقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعض العلماء فهم هذا القسم فهماً دقيقاً فقال : ما من شيء أقسم الله به إلا وهو ذو شأن ، فإذا أقسم الله عز وجل بعمر النبي صلى الله عليه وسلم فهل أقسم الله بشيء أعظم منه ، لا ، الإنسان حينما يقسم يقول : والله العظيم ، فالإنسان إذا أقسم يقسم بشيء أعظم منه ، لكن الله إذا أقسم فقسمه له معنى آخر  .

          قال بعض العلماء : ما من شيء أقسم الله به إلا ليدل على فضله على ما يدخل في عداده ، يعني من يدخل في عداد المصطفى ؟ البشر كلهم لأنه بشر ، فإذا أقسم الله بحياته فليدل بقسمه هذا على أن هذا الإنسان متميز على سائر البشر ، إذا قال :

(سورة التين)

على هذا المعنى هناك أشجار كثيرة ، لكن التين والزيتون يقعان في المقدمة ، أشجار معمرة ، وتؤدي غايات كثيرة ، ولها منافع جمّة ، وكذلك في السماء نجوم كثيرة ، فإذا أقسم الله قال :

(سورة الشمس)

          فهذا القسم ليلفت نظر عباده إلى السماء ، وأقرب النجوم لنا الشمس ، فإذا أقسم الله بشيء فليدل على أنه أفضل مما يدخل في عداده ، هذا بعض توجيه الأقسام الإلهية .

          وبعضهم قال : إذا أقسم الله بالشمس فهو يقول : ورب الشمس ، ورب القمر ، ورب السماء ، ورب محمد ، ورب هذا العمر الثمين ، إما أن توجه القسم بإضافة كلمة ( رب ) ، وإما أن القسم يفيد أن هذا الشيء الذي أقسم الله به يفوق كل ما دخل في عداده ، وإما أن يقسم الله عز وجل بشيء هو بالنسبة لنا عظيم ، لكن إذا قيس بالله عز وجل هو لا شيء ، بالنسبة إلينا يقسم بالنسبة إليه لا يقسم ، يقول :

(سورة الحاقة)

          الكون كله دخل فيه  .

(سورة الواقعة)

          فهذا توجيه ثالث ، إذا أقسم بشيء فهذا الشيء بالنسبة إلينا ، وإذا لم يقسم بشيء فهذا الشيء بالنسبة إليه ، وإذا أقسم فليدلل أن كل ما دخل في عداده دونه ، أو لك أن تضيف مع الأقسام الإلهية كلمة و( رب ) ، هذه ثلاثة توجيهات للقسم الإلهي في القرآن الكريم .

          على كلٍّ ، ما من شك أن جميع العلماء اتفقوا على أن المقصود بهذا القسم هو عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن هذا تشريف وتعظيم لعمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأكيد ، أي : أيها الإنسان اقتدِ بهذا النبي العدنان ، أمض عمرك بهذه الطريقة في طاعة الله .

          إذا عاش الإنسان سنوات طويلة ، ونظر إلى الماضي ، ورأى أن هذه السنوات أمضاها في طاعة الله ، وفي عمل الصالحات ، وفي تعلم العلم ، ونشره والله الذي لا إله إلا هو عندئذٍ تعمر قلبه سعادة ما بعدها سعادة ، فإذا شعرت أنك أمضيت هذا العمر في طاعة الله ، فمن أسعد منك وأهنأ ، لذلك عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ؟ )) .

(الترمذي)

         صيحة واحدة ، مشرقين ، أي : وقت شروق الشمس ، يعني أن الإنسان لا يدري متى يأته الأجل ، حالة الوفاة غريبة ، مع شروق الشمس ، مع طلوع الفجر ، فالإنسان يستعد كراكب القطار ، قد يأتي موظف ، ويمسك بيده ، ويقول له : انزل ، هكذا جاء الأمر ، فالراكب الذكي يستعد ويهيئ أمتعته ، وهو ينتظر هذه اللحظة ، فإذا قيل له : تفضل ، يقول أنا جاهز ، هكذا المؤمن تائب من كل الذنوب راض لله عز وجل عمله مستقيم قائم بعبادته يتعلم العلم وينشر العلم فإذا جاء ملك الموت يقول مرحباً بلقاء الله ، واكربتاه يا أبت ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه ، والذي لا إله إلا الله تأتي على قلب المؤمن ساعة عند الموت لا تسعه الدنيا وما فيها من شدة الفرح ، أهله يبكون ويندبون حظهم وهو في روضات الجنات .

(سورة يس)

       هي صيحة واحدة ، فإذا عاليها سافلها ، وهذه نعرفها ، كم من زلزال أحال مدينة في أوج ازدهارها ونشاطها إلى أكوام من الأنقاض ، أغادير في ثلاث دقائق أصبحت قاعاً صفصفاً ، فيها فندق ثلاثون طابقاً غاص كله في الأرض ، وبقي الطابق الأخير مع اسم الفندق على مستوى الأرض .

الآن نسمع ، ونشاهد عن زلازل دمَّرت المدن بدقائق محدودة .

        لهذه الكلمة معنيان :

       المعنى الأول : أن السجيل هو الطين اليابس .

       والمعنى الآخر : أن السجيل من السجل ، حجر سجل عليه اسم صاحبه ، بمعنى أنه في ملكوت السماوات والأرض ليس هناك شظية طائشة ، فكل حجر عليه اسم صاحبه الذي يستحقه من سجيل ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

(أحمد)

       من هم المتوسمين ؟ روى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تفضل علينا رسول الله وفسر هو نفسه هذه الكلمة ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ )) .

      قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ ، قَالَ : لِلْمُتَفَرِّسِينَ  .

(الترمذي)

         أي : الذي يتفرس الحقيقة ، ويتعرف إليها ، ومن ملامح العقلاء ، وأصحاب العقول أنه يكشف الحقيقة .

      لذلك فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ )) .

(الترمذي)

وينطق بتوفيق الله .

          بعض المفسرين أضاف إلى هذا فقال : المتفرسون هم المتفكرون .

       وبعضهم قال للناظرين .

       وبعضهم قال : للمتبصرين .

        من علامة العاقل أنه يتبصر ، يتفكر ، يدقق ، يحقق ، يتريث قبل أن يقبل ، قبل أن يتهافت ، قبل أن يلقي نفسه في جحيم هذه الشهوة ينتظر هل ترضي الله أم تغضبه ؟ هل عملي صحيح ؟ ينطبق على الشرع ، هل فيه مخالفة ، هل توعد الله من فعل هذا بعذاب أليم ، قبل أن تأكل الربا هل قرأت قوله تعالى :

(سورة البقرة 279)

          قرأت هذه الآية ، العاقل هو الذي يقف عند كتاب الله ، سيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله ، لا تتسرَّع ، قبل أن توقع العقد مع شريكك هل تعلم أن هذه البضاعة فيها مادة حرام يحرمها الشرع ، قبل أن تأخذ هذا المبلغ هل علمت أن هذا المبلغ قد يكون حراماً ، قبل أن تطلق هذه الزوجة هل تعلم أن هذا الطلاق يرضي الله عز وجل ، أم أن فيه سخط الله عز وجل ، قبل أن تتزوج هل اخترت المرأة الصالحة ، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ، من تزوجها لمالها أفقره الله ، من تزوجها لحسبها زاده الله دناءة ، قبل أن تسجل اسمك في هذه الرحلة هل تعلم ما في هذه الرحلة من معاصٍ وانحرافات ، هل أنت تملك نفسك في هذه الأماكن ، قبل أن توافق كن متوسماً ، توسم الحقيقة قبل أن تصل إليها ، العاقل هو الذي يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه ، يصل إليه بفكره قبل أن يصل إليه بجسمه .

       قال بعضهم : المتوسم هو الناظر إليك من فرقك إلى قدمك ، هذا متوسم يتفرس ، المؤمن كذلك يتفرس ، إنسان يكلمك كلاماً قد يكون مغرضاً ، قد تكون له نية سيئة ، قد يكون يحاول خداعك ، كن متوسماً .

      دخل رجل إلى مجلس سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال : أيدخل أحدكم إلى المجلس وعليه آثار الزنا ، فقالوا : يا خليفة رسول الله أوحي بعد رسول الله ؟ قال : لا ، ولكنها فراسة صادقة  .

          والتوسم كما قال العلماء : التثبت والتفكر ، لذلك ورد في الأثر أن الحزم سوء الظن ، وسوء الظن عصمة ، واحترس من الناس بسوء الظن ، وكان عليه الصلاة والسلام يحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد ، كان بشره للجميع ، ولكن يحذر أحياناً .

          والعلماء قالوا : التوسم يحتاج إلى شروط : إلى جودة القريحة ، وحدة الخاطر ، وصفاء الفكر ، وتفريغ القلب من حشو الدنيا ، وتطهير النفس من أدران المعاصي ، وفضول الدنيا ، هذا المتوسم قلبه شفاف فارغ من حب الدنيا ، فارغ من شهواتها وحطامها ، المتوسم إنسان حاد الفكر والخاطر ، صافي النفس ، بعيد عن المعاصي ، مطهر عن الدنس ، إذا كنت كذلك يؤتيك الله هذه الفراسة الصادقة .

          والسادة الصوفية قالوا : التوسم هو الكرامة ، كرامة الله لهذا الصوفي يعطيه هذه القدرة على كشف الحقائق ، أحد أحوال الصوفية الكشف ، ينظر إلى الشخص فكأنه يعرف ما يخبّأ له .

          وقال بعضهم : التوسم هو الاستدلال بالعلامات ، إما علامات ظاهرة ، أو علامات باطنة .

          وبعضهم عدّ التوسم إدراكاً دقيقاً جداً عن طريق استدلال دقيق ، سيدنا الصديق رصي الله عنه حينما سمع قوله تعالى ، أو حينما نزلت هذه الآية صار يبكي ، قال تعالى :

(سورة النصر)

          صار يبكي ، البكاء ليس له معنى ، فقد عرف أن في هذه الآية نعيًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، انتهت رسالته ، حقق الهدف ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ] إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ )) .

(أحمد)

         

        وإن آثار هؤلاء القوم في طريق العرب من مكة إلى بلاد الشام ، ديار لوط على طريقهم ، وكيف جعل الله عاليها سافلها ، وإن هذه الآثار تنطق بظلم هؤلاء ، تنطق بما فعلوا ، والسبيل هو الطريق ، كما أن أهرامات الفراعنة شواهد عليهم ، وعلى حضارتهم ، وكيف دمروا ، وأهلكهم الله عز وجل .

     أصحاب الأيكة أصحاب البساتين ، والأيكة هي الشجرة العظيمة ملتفة الأغصان ، وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب .

يعني آثار قوم لوط ، وآثار قوم شعيب أمام المسافرين جيئةً وذهاباً على طريق مكة الشام .

        وأصحاب الحجر بعضهم قال : الذين نحتوا بيوتهم من الصخر ، هؤلاء الأنباط إذا زرت مدينتهم ، ولا تزال قائمة حتى الآن ، إنها مدينة رائعة ، بيوتها محفورة في الصخر ، بيوت غرف نوافذ أماكن للتهوية ، حماماتهم أماكن لهوهم ، بيوت أمرائهم ، أنا رأيتها بأم عيني .

         أحياناً وصدفة في أثناء تقليب الإذاعات يسمع الذي يدير هذا الجهاز القرآن الكريم ، فسريعاً ما يزيح  الإبرة عنه ،  فهو لا يريد أن يسمع القرآن ، بل يريد الغناء ، لو أنك نصحته لتثاءب أمامك ، فإذا حدثته عن الدرهم والدينار ، وعن المشاريع تراه أذناً مصغية ، إذا قبض المال كان يقظاً ، فإذا استمع إلى مجلس علم تأخذه سنة من النوم ، هل رأيت في حياتك كلها إنساناً يقبض الآلاف وهو نائم ! لا ينام بل هو في كامل الصحوة والنشاط واليقظة ، فربنا عز وجل قال :

       الآيات جعلوها وراء ظهورهم ، ولم يلتفتوا إليها ، يقول قائل : هذا الموضوع لا يعنينا ، هذا الموضوع عفا عليه الدهر ، يقول لك : حدثنا عن الدرهم والدينار ، حدثنا عن الشهوات ، حدثنا عن شيء نتوق إليه ، ودعنا من شيء لا يعنينا الآن.

       ظنوا أنهم بهذه الطريقة يأمنون من جائحات الزمان ، أو يأمنون من الموت ، أو أن هذه المدينة محصنة ، إن الطريق إليها ممر إجباري بين جبلين لا يتسع إلا لفرس أو فرسين ، إذاً أي عدو يصل إليهم يحاصروه .

أخذتهم الصيحة ، صاح الله بهم فدمروا عن آخرهم  .

         هذه المدينة ، وهذه البيوت ، وهذا المسارح ، حتى إن البيت الكبير هو لمن يدير شؤونهم ، مساحته ثلاثون متراً في ثلاثين متراً في ثلاثين متراً عمقاً ، نُحِت من الصخر في لب الجبل ، وعلى مدخل هذا القصر الأعمدة والتيجان والأقواس ، شيء لا يصدق .

       والآن لو أن الإنسان أشاد بناءً ، لقال : أنا اعتنيت بالكسوة اعتناءً تاماً ،  كنت انتقى أحسن أنواع المواد من البلاط والطلاء والأثاث وغيره ، فإذا جاء ملك الموت يدعه كما هو ، ثم يحملونه إلى المثوى الأخير ، والله الذي لا إله إلا هو لو تبصر الناس بما كتب على النعي لارتعدت فرائصهم ، اقرأ النعي : وسيشيع فلان إلى مثواه الأخير ، إذاً هذا البيت الذي يسكنه ماذا يسمى ؟ استنتاجاً مثوى مؤقت ، بيت مؤقت ، اعتنِ به ما شئت ، سنوات معدودة ، ثم ترحل عنه .

          أعرف رجلاً مضى عليه وهو يكسو بيته سنتان لشدة وسوسته ، وشدة حرصه على أن يكون بيته مثالاً في الجمال والذوق ، بعد أن سكنه بشهرين توفيت زوجته ، وبعد ستة أشهر توفي هو ، إذاً عمل سنتين ، ثم لم يسكن فيه إلا سبعة أشهر ، فلذلك :

      ابنِ بيتاً في الآخرة ، ادفع من مالك في سبيل الله ، ادفع من مالك للفقراء والمساكين ، أحسن إلى الخلق يحبك رب العالمين  .

         روى الإمام البخاري رحمه الله عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : (( نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ عَامَ تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمْ الْحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ ، فَاسْتَسْقَى النَّاسُ مِنْ الْآبَارِ الَّتِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ ، فَعَجَنُوا مِنْهَا ، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ بِاللَّحْمِ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَرَاقُوا الْقُدُورَ ، وَعَلَفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا النَّاقَةُ ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا ، قَالَ : إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ )) .

( البخاري ، مسلم ، أحمد)

          فالعلماء استنبطوا من هذا الحديث الشريف الصحيح أنه لا يجوز دخول مقابر الكفار ، وأنه لا يجوز استعمال هذه الأماكن ، وأن يطعم فيها الإنسان ويشرب ، كما أنه يجوز أن تعلف الناقة أو الحيوان الشيء الذي ينبغي ألا نأكله نحن ، لأن الإبل والبهائم لا تكليف عليها .

          أما الاستسقاء من بئر الناقة فكان هذا على سبيل التبرك بآثار الأنبياء الصالحين ، لكن الجمادات غير مؤاخذة ، إلا أن المقرون بالمحبوب محبوب ، والمقرون بالمبغوض مبغوض .

أحب لحبها السودان حتى      أحب لحبها سود الكلاب

***

أمر على الديار ديار ليلى    أقبل ذا الجدار و ذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي     ولكن حب من سكن الديارا

***

         هناك استنباطات لطيفة ، إن أماكن اللهو والفجور حتى ولو كانت خالية من المعاصي لا ينبغي أن تقف فيها ، أحياناً نجري حفلة عقد قران في نادٍ ، هذا النادي تشرب فيه الخمور ، وتقام فيه الحفلات الراقصة ، لكن في هذه الساعة لا يوجد شيء من المنكرات ، بل فيه منشدون ، وقراءة ، قرآن ، لا ، هذا المكان ما دامت تقام فيه المعصية لا ينبغي أن تجلس فيه ، هذا الاستنباط الذي أردت منه هذه الحقيقة .

          وقد منع العلماء الصلاة في هذا المكان دار سخط وبقعة غضب ، وقد منع العلماء الصلاة في المزبلة والمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق والحمام ، وفوق بيت الله الكعبة ، وفي الدار المغصوبة ، والكنيسة ، والبيت الذي فيه تماثيل ، أو في موضع تستقبل فيه وجه أدمي ، أو جدار عليه نجاسة ، وقد روي : أخرجوا من الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة.

          مكان أصابتك فيه غفلة ، أو وقعت فيه في معصية وانحراف ، هذا المكان لا ينبغي أن تعود إليه ، لأنك إذا عدت إليه ذكرك بالمعصية ، وربما ساقك إلى معصية ثانية ، فالأماكن التي غفل منها الإنسان ، أو أخطأ ، أو عصى الله عز وجل لا ينبغي أن يقربها ، النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأحاديث أرشد إلى أن أماكن الفجرة والكفار وأماكن المعاصي والفجور لا ينبغي أن ترتادها ، ولو في وقت الصباح ، فمثلاً قد تدخل إلى مكان صباحاً ولا أحد ، ولكن مساءً كانت فيه معاصٍ ، إن للمعاصي رائحة تفوح منه .

      مثلاً كأس ماء في مكان موبوء ، هذه الكأس قد يوضع فيها الخمر ، فإذا شربت فيه ماء فهذه الكأس فيها آثار الخمر ، لا ينبغي أن تكون في هذه الأماكن.

          الإمام الجنيد رحمه الله سئل : من ولي الله ؟ إذ قيل له : هل ولي الله الذي يطير في السماء ، قال لهم : لا ، قالوا : هل ولي الله الذي يمشي على  وجه الماء ، قال لهم : لا ثم قال : الولي الذي يتوقف عند الحلال والحرام .

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi