English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "9 / 9"  والأخير من تفسير سورة  الحجر (015) :  الآيات  : 87 – 99    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

         

بسم الله الرحمن الرحيم

   

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع من سورة الحجر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

        قال بعض العلماء : لما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصفح الصفح الجميل ذكره بالنعمة العظمى التي أنعمها عليه ، فإذا كنت في نعمة عظمى كان سهلا عليك الصفح الجميل  ، فربنا سبحانه وتعالى يقول  :

       ما المثاني ؟

      قال العلماء : المثاني القرآن كله .

     وقال بعضهم : المثاني كتب الله كلها ، يؤيد هذا المعنى قوله تعالى  :

( سورة الزمر : 23)

          إذاً المثاني هي القرآن العظيم ، ولمَ سمي القرآن العظيم مثاني ؟

        أولاً : المثاني جمع مثنى ، مِن الثني والاثنين ، وهذا المصدر يشير إلى العدد ، أو لمطلق التكرار .

          ما معنى التكرار في القرآن الكريم ؟ كتاب الله سبحانه وتعالى كتاب هداية ، لذلك من أجل أن تتوضّح الحقائق ، وأن ترسخ المعاني ، وأن يتعظ الإنسان ، وأن يهتدي به ربما جاء المعنى الواحد في المواضع المتعددة ، وهذه صفة من صفات القرآن الكريم ، قصة سيدنا موسى وردت في كتاب الله سبع عشرة مرة ، معانٍ عديدة وردت في مواضع متعددة ، فالتكرار في القرآن الكريم له هدف تربوي ،

      قد يقول قائل : لماذا لا نصنف آيات القرآن تصنيفاً موضوعياً ؟ فالآيات التشريعية في فصل ، وآيات القصص في فصل إلى آخره ، هذا قول سادج ، لأن القرآن ليس كتابا علمياً يحتاج إلى تيويب وتقسيم ، إنه كتاب هداية .

          فهذه النفس البشرية تأتي بعض آيات فتصف لها عظمة الله سبحانه وتعالى ، وآيات تقص عليها أحوال الذين عرفوا الله ، وكيف أكرمهم الله في الدنيا والآخرة ، ثم الذين أعرضوا عن الله عز وجل ، ثم طريق الإيمان إلى الله عز وجل ، فهناك حركة نفسية ، وهناك تموَّج نفسي ، لا بدّ من آية كونية تعظم بها المولى جلّ وعلا ، ولا بدّ من قصة تجسد لك هذه القيم ، ولا بدّ من تحذير يبين لك مغبة الانحراف عن كتاب الله .

          فالقرآن الكريم فيه تنويع آيات كونية ، مشاهد من يوم القيامة ، قصص ، وعبر ، وأمثال ، تشريعات ، قوانين ، ومبادئ ، فالذي يقول : ليت القرآن الكريم قد بُوّب أو جمعت موضوعاته بحسب أنواعها ، فالجواب : لا ، لأن القرآن الكريم كتاب هداية ، وكذلك لو قال قائل : إن هذه القصة وردت في أماكن عدة  :

      أولاً : وردت في أماكن عدة كي تفعل هذه الأماكن العدة فعلها في نفس القارئ ، فترسخ المعني ، وتثبت القيم  .

     وثانياً : من أدراك أن هذه القصة كلما وردت في كتاب الله عرضت من زاوية خاصة ؟ ولو ذهبت لتوازن بين طريقة عرض القصة في كل موضع لأخذك العجب العجاب .

          فالقرآن الكريم سماه الله سبحانه وتعالى مثاني ، من التثنية أو التكرار ، والتكرار له هدف تربوي  .

          شيء آخر ، أيّ كتاب يؤلف فلا بدّ من أن يندثر ، أو أن ينقطع ، أو أن يهمل ، لكن هذا الكتاب ، القرآن الكريم فيه صفة الاستمرار والتجدد ، ومعنى الاستمرار والتجدد مما توحي به كلمة المثاني ، يعني يتكرر ويتجدد ، وكلما زدته ذكراً زادك معنىً ، لا يبلى على كثرة التكرار ، عَنْ الْحَارِثِ قَالَ : مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ ؟ قَالَ : وَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ، فَقُلْتُ : مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : كِتَابُ اللَّهِ ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا : ] إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [ ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) .

 

(الترمذي وأحمد)

      كلما قرأته رأيته جديداً ، كلما قرأته عرفت منه معاني لم تكن تعلمها من قبل ، وهذه صفة ثابتة في كتاب الله سبحانه وتعالى ، آياته لا تندثر ، ولا تنقطع ، ولا تنسى ، ولا تلغى ، ولا تعطل ، هو كلام مستمر متجدد ، كلما قرأته رأيته جديداً ، أي شيء آخر اقرأه مرات عديدة تمل منه ، تسأم منه ، تضجر منه ، أي كتاب أعجبك لمؤلف من بني البشر اقرأه مرتين تشعر أنك قد أشبعت منه ، اقرأه ثلاثاً تضجر منه ، أما كتاب الله لو تلوت آياته آناء الليل وأطراف النهار طوال حياتك فلا تمل منه ، لأنه مثاني ، كلما زدته قراءة زادك معنىً ، كلما عدت إليه انكشفت لك معانٍ لم تكن تعرفها من قبل ، إنه مستمر متجدد ، لا ينقطع ، لا يتعطل ، لا يلغى .

          شيء آخر ، قال بعض العلماء : من معاني المثاني أنه يتجدد حالاً بعد حال ، كلما جدّ ظرف جديد ، أو مشكلة جديدة ، أو موضوع خاص رأيت آية في كتاب الله تغطي هذه الحالة ، كلما سمعت خبراً ، أو ألمت بك ملمة ، أو ظهر حدث في العالم وجدت في القرآن الكريم ما يغطي هذا الحدث ، إنه يغطي كل جديد .

( سورة النحل : 8)

          الآن في الدنيا طائرات ، وفيها سفن ضخمة جداً ، وقطارات سريعة جداً ، ومركبات فخمة ، قال  :

( سورة النحل : 8)

          هو متجدد ، كلما زدته ذكراً زادك معنىً ، ويغطي كل جديد.

( سورة يس  )

          قال العلماء : هذا وصف لنظام ينتظم الكون كله ، بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة .

( سورة يس  )

          اكتشف العلماء أن في الفضاء منطقة تعيد الأمواج الكهرطيسية إلى الأرض ، قال تعالى  :

( سورة الطارق)

          واكتشف العلماء أيضاً أن كل كوكب في الكون له مدار ومسار وفلك ، وهذا الفلك بيضوي أو دائري ، إذاً في حركته لا بدّ من أن يعود إلى مكانه الأول ، وهذه صفة تنتظم الأجرام السماوية كلها ، قال تعالى :

( سورة الطارق)

           كلما زدته ذكراً زادك معرفة ، لا تبلى جدّته ، ولا يُمحى لا ينسى ، يغطي كل جديد ، لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : " في القرآن الكريم آيات لما تفسر بعد " ، مع تقدم العلوم قد يكتشف العلم تفسيراً دقيقاً لهذه الآيات .

          إذاً من معاني المثاني التكرار ، والتجدد والاستمرار ، والانتقال من حال إلى حال .

        بعضهم قال : تتكرر ألفاظه ومواعظه وقصصه ، كل هذا الكلام يؤخذ من قوله تعالى :

      والمعنى الآخر للمثاني : هو الثني والانثناء ، يعني كل آية تنثني على أختها لتوضحها ، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً ، يوضح بعضه بعضاً ، يدعم بعضه بعضاً ، هذه خاصة في كتاب الله ، مثلاً  :

(سورة الحجر : 85)

          ما تعريف الحق ؟ من آية أخرى  :

( سورة الأنبياء )

          إذاً الحق ضد اللعب .

( سورة ص : 27)

          إذاً الحق ضد الباطل ، الباطل الشيء المؤقت الطارئ الزائل الزاهق ، واللعب الشيء الذي لا جدوى منه ، فآيتان فسرتا هذه الآية  .

( سورة طه )

          قد ينصرف ذهن القارئ إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كأنه يتمنى ما عند أهل الدنيا ، الآية نفسها في سورة الحجر :

      هو لا يتمنى أن يكون مثله ، بل هو يحزن عليهم ، هذه الآية وضحت هذه الآية ، وضربُ الأمثال حول هذا الموضوع أمر يطول ، لكنه من صفات كتاب الله عز وجل أنه مثاني ، يعني كل آية تنثني على أختها ، توضحها ، وتبينها ، وتزيل الغموض عنها .

          المعنى الثالث : هو الثناء ، إما من التثنية التكرار ، أو من الانثناء والليّ والانعطاف ، أو من الثناء .

        قال بعض المفسرين : يظهر منه أي : من القرآن الكريم ما يدعو إلى الثناء عليه ، تقرؤه فتثني على هذا الكتاب ، وعلى من يتلوه ، وعلى من يتعلمه ، وعلى من يعلمه ، وعلى من يعمل به ، فإن قرأته ، إن تعلمت أحكامه ، إن علمته ، إن عملت به ، أي علاقة لك به تصبح موضع ثناء بين الناس ، أهل القرآن أهل الله عز وجل  .

          معنى آخر مشتق من المعنى الثالث وهو أن في القرآن الكريم ثناء على الله سبحانه وتعالى :

( سورة الملك )

( سورة الرحمن )

          مثني فيه على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى ، فكلما قرأت هذه الآية :

       إما من التكرار ، التكرار التربوي والتجدد ، وأنك لا تمل قراءته ، ولا يبلى ، ولا تسأم منه ، ولا تنتهي معانيه  .

( سورة الكهف )

          من أوجه تفسيرات هذه الآية يعني شرح الكلمات ، الكلمات محدودة في هذا الكتاب ، لكن شرح آيات الله لو أن البحر كله كان حبراً لشرح كلمات الله لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي .

        إذاً : مثاني ، لا تسأمه ، بل يتجدد ، وتأتيك معانٍ لم تكن تعرفها ، ويغطي كل جديد ، هذا أول قسم .

          المعنى الثاني : أن كل آية تنثني على أختها لتوضحها ، وقد ضربت لكم بعض الأمثلة .

          والمعنى الثالث : أن كل من قرأه ، أو جوده ، أو تلاه حق تلاوته ، أو علمه للناس ، أو تعلمه ، أو عمل به فهو موضع ثناء من الله عز وجل ، ومن الخَلق ، أو أن الله سبحانه وتعالى أثنى به على نفسه .

   من أوجه تفسيرات السبع الفاتحة ، لأنها سبع آيات بما فيها البسملة  :

         

سبع آيات ، قال بعض العلماء : جمع القرآن في الفاتحة ، وجمعت الفاتحة في  :

          خلاصة الخلاصة : خلَقك كي تعبده ، ويؤكد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ )) .         

(البخاري)

         وفي رواية الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ ـ أي الفاتحة ـ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي )) .

        النبي عليه الصلاة والسلام يشرح السبع المثاني ، (( الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي )) .

       وبعضهم قال : السبع المثاني ما في القرآن الكريم من أمر ونهي ، وتحذير وتوعد ، وأمثال ، ونعم وأنباء ، لكن التفسير الأول هو أوجه التفسيرات .

سبعُ آياتٍ جمع القرآن كله فيها ، والمثاني صفة لكتاب الله الكريم  .

هذه الواو ليس لعطف المتغايرين ، بل لعطف الصفة على الموصوف  .

( سورة البقرة )

          لعطف الصفة على الموصوف ،

وهذه المثاني هي القرآن العظيم ، عطف الصفة على الموصوف  .

هذه في الحجر ، أما في طه  :

( سورة طه)

          قال بعض العلماء : يقتضي الصفح الجميل ألا تنظر إلى حياتهم ، وإلى ما عندهم ، وألا تحزن عليهم ، وأن تكون نذيراً لهم ، وأن تخفض جناحك للمؤمنين  .

          في هذه الآية أمران ونهيان ، وقد فسرت معنى الصفح الجميل ، الصفح الجميل يقتضي  :

          

      هذا بعض أقوال العلماء في تفسير هذه الآية .

      وقال بعضهم : ولا تمدن عينيك ، الإنسان يمد بصره ، أما أن يمد عينه فصورة غريبة ، صورة وعبرة فيها خيال ، لا تمدن عينيك ، تصور أن رجلاً خرجت عيناه من مكانهما تتبعان شيئاً ، هذا منتهى الاهتمام  .

قال بعضهم : هذا نهي عن أصل النظر ، بالإضافة إلى مدّ النظر ، قال عليه الصلاة والسلام :  (( إياك وفضول النظر فإنه يبدر الهوى ))   .

(ورد في الأثر)

وهو التأمل فيما عند الناس من بيوت ومركبات ومحلات من بساتين من حدائق .

     قال بعضهم : عدم التعلق ، والرغبة بما في أيدي الكفار كالمال والشوكة ، أي : القوة ، والسمعة ، أي : الصيت ، وفي الآية نهي الرجل أن يتمنى ما عند صاحبه  .

          ملخص الآية أن الله عز وجل ينهانا نحن من خلال خطابه لنبيه e ، وهذه الطريقة فيها مغزى ، لكيلا تظن أنك متهم كان هذا النهي عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم ، كيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها تكلم الناس في حقها ، وهي بريئة ، لتكون مثلاً وأسوة وتسلية لكل امرأة تأتي بعدها يتكلم الناس عنها بالباطل ، وهي بريئة ، كذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن ينهانا عن أن يتمنى أحدنا ما عند صاحبه ، أيها المؤمن بهذه الآية منهي أن تقول : ليت عندي مثل هذا البيت الذي لفلان ، ليت لي مثل هذا المحل التجاري ، ليت لي مثل هذه المركبة ، ليت وليت ، نهي قاطع أن يتمنى أحدنا ما عند صاحبه ، هذا هو الأدب ، ليس بالإمكان أبدع مما كان ، ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني ، هذا الذي أقامك الله فيه هو عين الكمال بحقك ، ولو كنت أستحق فوق ذلك لأعطاني الله عز وجل ، ولكن الله حكيم وعادل في الوقت نفسه .

      أما الأزواج ، أما ما متعنا به ، الآية دقيقة جداً ، ليس ما أعطينا هو عين العطاء ، لأن عطاء الله لا يسلب ، الله ما سماه عطاء ، بل سماه متعة ، والمتعة الشيء الموقت .

                                                                                             

( سورة الحديد )

( سورة القصص)

( سورة التوبة )

          كلمة ( متعة ) تعني الشيء الطارئ ، الشيء السريع الزوال ، وشيك الانقلاب والتحول ، سنوات معدودة  .

( سورة الكهف )

          اسأل نفسك كيف أمضيت هذه السنوات الثلاثين ؟ تقول : ما شعرت كيف مضت ، وهذه الدنيا متاع الغرور ، لا يستمتع بها إلا المغرور ، إلا الساذج ، إلا المحدود ضيق الأفق ، الغبي يراها شيئاً ثميناً .

       ( أزواجاً منهم ) ، لها معانٍ عديدة ، أوجه هذه المعاني أن هذا الإنسان لشدة تعلقه بالدنيا صار زوجاً لها وهي زوجة له ، هذا متعلق بالمال ، فهما زوجان ، المال يسري في دمه ، وفي هواجسه وخواطره وخططه ، إذاً هو زوج للدنيا ، وهي زوجٌ له ، وهما زوجان ، وهذا يتعلق بالملذات الرخيصة ، فهي كل شيء في حياته ، وهذا يتعلق بنسائها ، وهذا بشوكتها ، وهذا بسمعتها ، على كل أزواجاً منهم .

       أنت كونك مؤمنًا فهذه الآية لنا ، إذا رأيت بيتاً فخماً ، أو أثاثاً فخماً ، أو رأيت محلاً تجارياً في موقع ممتاز ، وله أرباح طائلة ، إياك أن تقول في نفسك : ليتني مكان فلان ، هذا التمني يتناقض مع إيمانك .

( سورة القصص )

           لذلك  :

           لا تحزن عليهم يا محمد إن لم يؤمنوا ، السبب لأنهم اختاروا هذا ، ولأنهم مخيرون ، اختيارهم ليس خاضع لاختيارك ، هم مستقلون عنك بالاختيار ، ولا تحزن عليهم هذا الذي أرادوه .

          المعنى الثاني : ولا تحزن عليهم إذا واجهوا العذاب ، لأن عذاب الله لهم مما تقتضيه عدالته ، فإذا قتل رجل رجلاً ظلماً وعدواناً ، وسيق إلى المحاكمة ، وحكم عليه بالإعدام ، وسيق إلى المشنقة هل تحزن عليه ؟ هذا مما تقتضيه العدالة ، لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا ، ولا تحزن عليهم إن عذبهم الله عز وجل ، فهذا العذاب مما تقتضيه عدالة الله سبحانه وتعالى .

         يقول عليه الصلاة والسلام : (( من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد حقر ما عظم الله )) .

(ورد في الأثر)

         إذا منّ الله عليك بحضور مجالس العلم ، وتعرفت إلى الله خالق السماوات والأرض ، وعرفت أسماءه الحسنى ، عرفت كتابه ، عرفت القواعد الثابتة التي يعامل بها خلقه ، واستقمت على أمره ، وسعدت بقربه ، ثم تقول : ليس عندي بيت أسكنه ، فهذا ليس لك ، يا سبحان الله ! .

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ )) .

(متفق عليه)

          التغني من معانيه الخاصة الذي يستغني بكتاب الله عز وجل عن كل شيء ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( القرآن غنىً لا فقر بعده )) .

(السيوطي في الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف)

          إذا وعيت القرآن فإنك لا ترى أحداً أسعد منك ، ولا ترى أحداً أوتي خيراً مما أوتيت ، ولا ترى أحداً أفضل منك إلا أن يكون أتقى منك ، أتشتهي أن يكون عندك ما عند أهل الدنيا من متع من مال عريض ؟ لا والله ، لأنك وعيت القرآن ، واغتنيت به ، هذا حال المؤمن الحق ، (( القرآن غنىً لا فقر بعده )) .

(السيوطي في الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف)

لو جمعت مال الدنيا ، ولم تعرف كتاب الله ، أو لم تهتدِ إلى الله فهذا ليس غنىً .

                                                                                               

( سورة الفجر : 15)

          هو قال هذا ، كلا ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، إنما عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء ، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يهتم بما عند أهل الدنيا ، أن يسأله : من أين اشتريت هذه ؟ وكم ثمنها ؟ يا الله ما أجملها ! ليس هذا من أخلاق المؤمن ، أنت فوق ذلك ، هناك شيء يعنيك فوق ذلك ، لا ينبغي أن يهتم بما عند أهل الدنيا وألا يستجمل ما عندهم ، ولا أن يتمنى ما عندهم ، لأن ما عندهم ظل زائل ، وعارية مستردة ، ما دام هذا القلب يخفق فهذا البيت لهم ، فإذا توقف القلب عن الخفقان فإن مصيرنا جميعاً إلى القبر ، والقبر نستوي فيه جميعاً ، أغنى الأغنياء يستوي في القبر مع أفقر الفقراء ، لا تطمع بزخارف الدنيا ، وعندك معالم الموالى ، كلام الله تحفظه ، وتفهمه ، وتطبقه ، وتعمل به ، وتعلمه ، وتقول : ليس عندي هذا .

          لذلك من صفات الأولياء الصالحين ما قرأته عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط ، يقول الواحد منا : ما اشتريت بيتاً ، فلانة خطبتها ، وترددت ، ثم أخذها غيري ، والله كانت خير زوجة ، بقيت حرقة في قلبي إلى الموت ، لا تقل هذا ، فإن من صفات الأولياء الصالحين أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( ... احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) .

(مسلم)

       ليس في قاموس المؤمن كلمة لو أبداً ، إن كلمة لو تفتح عمل الشيطان ، لا تحزن عليهم ، يا محمد :

(سورة البقرة 272)

          لا تحزن عليهم إن عذبهم الله عز وجل ، لأن هذا العذاب مما تقتضيه العدالة ، إذاً الله سبحانه وتعالى في هذه الآية نهانا عن أن نتمنى ما عند غيرنا من خلال نهي النبي عليه الصلاة والسلام تطييباً لخواطرنا .

         قال عليه الصلاة والسلام : (( تواضعوا لمن تعلمونه )) .

(السيوطي في الجامع الصغير بإسناد ضعيف)

        يجب أن تخفض جناحك لهم ، يجب أن تحبهم ، يجب أن يعنيك ما يعنيهم ، يجب أن تقلق لمصابهم ، يجب أن تعيش مشكلاتهم ، يجب أن تسعى لرفعتهم ، يجب أن تكرمهم إذا أردت أن تهديهم إلى الله عز وجل ، أما أن تحدثهم فقط فهم شبعوا كلاماً ، وأما أن تلقي عليهم مواعظ فقط ، وأنت لا تتعظ بها فإنهم يكشفونك على حقيقتك

        كن متواضعاً لهم ، زر مريضهم ، صِل مسكينهم ، أعِن ضعيفهم .

        عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : (( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ )) .

(ابن ماجه)

        كان مع أصحابه في مكة ، فأرادوا أن يذبحوا شاة ، قال أحدهم علي ذبحها ، وقال الثاني علي سلخها ، وقال الثالث : علي طبخها ، وقال عليه الصلاة والسلام وعلي جمع الحطب ، فقيل له : يا رسول الله ، نحن نكفيك ذلك ، قال : أعرف ذلك ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أحد من أقرانه .

          يوم غزوة بدر الرواحل قليلة فأعطى النبي عليه الصلاة والسلام أمراً أن يركب كل ثلاثة على راحلة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : (( كُنَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ مِنَّا عَلَى بَعِيرٍ ، كَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا كَانَ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا : ارْكَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ ، فَيَقُولُ : مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا )) .

(أحمد)

 

         إذا أردت أن تهديهم ، إذا أردت أن تفتح قلوبهم فاخفض لهم جناحك وواسهم ، اسألهم عن مشكلاتهم ، عن أعمالهم ، عن أولادهم ، كيف يعنيك ما يعنيهم وأنت بعيد عنهم ؟

       هذا كناية عن التواضع ، عن الرأفة ، عن الرحمة ، جاءته امرأة قالت له : يا رسول الله إنني امرأة لفلان تزوجني ، وأنا شابة وذات أهل ومال وأنجبت له خمسة أولاد ، فلما كبرت سني وتفرق أهلي وذهب مالي قال أنت علي كظهر أمي ، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا ، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام .

       عَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ : (( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلَ شَبَابِي ، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي ، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي ، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ : ] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [ )) .

(ابن ماجه)

        هذه مشكلة ، إذا لم تحس بمشكلات إخوانك المسلمين فلست مسلماً ، امرأة تشكو إليه زوجها ووقف النبي عليه الصلاة والسلام يستمع إليها .

          استوقفته امرأة في الطريق فوقف معها طويلاً يستمع إليها .

      ليس في الإسلام استعلاء ، وليس في الإسلام كبر ولا انزواء ، الإسلام دين الفطرة ، دين المحبة ، دين التعاون .

 

     لأن الناس منحرفون عن طريق الحق ، طبعاً هنا لم يقل : إني أنا البشير ، قال :

لأن الانحراف يقتضيه الإنذار  .