English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "01 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 1 – 3 عن عظمة الخالق من تحقيق الوعد والوعيد،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

   الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة النحل :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   هذه السورة يسميها بعض العلماء سورة النِعَم ، لأن معظمها فيها حديث عن النِعَم الكبرى التي أنعم الله بها علينا ، وأما في مطلعها فقوله تعالى :

معنى :

أي : اقتَرَبَ أمر الله ، ودنا ، لكن القرآن الكريم في كثير من الأحيان يستعمل الفعل الماضي للدلالة على المستقبل ، يستعمل ما كان على ما سيكون ، مثال ذلك قوله تعالى :

( سورة الأعراف : من الآية 44  )

ونادى : فعلٌ ماضٍ .

ومثال ذلك   :

(سورة المائدة : من الآية 116 )

   حيثما استعمل الله سبحانه وتعالى الفعل الماضي مكان المستقبل فهذا يعني تحقق الوقوع ، فالماضي والمستقبل عند الله سيان .

   سائق السيارة إذا كان ينحدر بها في طريق هابطة ، وهذه الطريق تنتهي بمنعطف خطر ، وعلى يمين الطريق وادٍ سحيق ، وعلى يساره كذلك ، واكتشف أن المكبح قد انقطع ، هو يقول : انتهينا ، تدهورنا ، مُتنا ، هذا يستخدم الفعل الماضي ليؤكد أن ما سيكون لا بد من أنه يكون .

   لو أن مستأجراً أجَّر بيتاً لا يحق له أن يؤجره ، هو مستأجر ، وصاحب البيت جاء بكشف فوري ، وصور الحالة الراهنة ، يقول المستأجر : أخلينا ، لماذا استخدم الفعل الماضي ؟ لتحقق الوقوع ، إذا استخدمت الفعل الماضي لتحقق الوقوع ، أي : إنه ما سيكون لا بد كائن ، هذا هو المعنى ، فربنا عز وجل يقول :

   يعني نَظَمَ المتوقع في سلك الواقع ،

   كما قلنا قبل قليل حول هذا الفعل : على معنى اقتَرَبَ ، أو دنا ، وإن كان بمعنى أتى فلا بد من أن يأتي ، إما أنه اقتَرَبَ أو دنا ، أو أنه لا بد من أن يأتي أمرُ الله .

ما معنى كلمة :

؟ أمر الله وعد الله ، ووعيدُه ، وعد الله للمؤمنين ، ووعيدُه للكافرين ،

   لكن قول تعالى :

كما قال الله عز وجل :

(سورة الشمس)

 كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( حمزةُ أسدُ اللهِ ، وأسدُ رسولِه )) .

(الطبراني في الكبير عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن جده )

وكقوله e : (( نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ )) .

(الترمذي )

   ربنا عز وجل قال عن ناقة صالح :

وهنا :

   حينما أضيف الأمر لله عز وجل فهذه إضافة تفخيم وتهويل وتحقيق .

(سورة البقرة : من الآية 109 )

أي يأتي وعده ووعيده ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

(سورة الزخرف)

   حينما يعقد الإنسان العزم على فعلٍ ما ، ويظن أنه ماضٍ في هذا الفعل ، لا يدري أن الله سبحانه وتعالى أبرم أمراً آخر ، فالمعوّل عليه هو أمر الله سبحانه وتعالى ، الذي لا محالة واقع :

   شيءٌ آخر ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

(سورة التوبة)

   يعني إذا كان الأهل ، وإذا كانت الزوجة ، وإذا كان الولد ، إذا كان الأخ ، إذا كانت العشيرة ، إذا كان المال ، إذا كان المسكن ، إذا كانت التجارة ، أحب إليكم من الله ورسوله ، وإذا أطعتم زوجتكم ، وعصيتم ربكم ، فهي أحب إليكم من الله ورسوله ، إذا أطعتم إخوانكم أو شركاءكم ، وعصيتم ربكم ، فهم أحب إليكم من الله ورسوله ، إذا وافقت ابنك في معصية فابنك أحب إليك من الله ورسوله ، إذا وافقت أباك على معصية فأبوك أحب إليك من الله ورسوله ، إذا آثرت هذا البيت على طاعة الله ، فهذا البيت أحب إليك من الله ورسوله ، إذا آثرت هذه التجارة المحرمة على رضوان الله عز وجل ، فالمال المُتأتِّي من هذه التجارة أحب إليك من الله ورسوله ، ماذا يكون إذا كان شيء ما أحبَّ إليك من الله ورسوله ،

يعني الطريق إلى الله مسدودة ،

يعني بالعقاب الذي وعد به هؤلاء الذين آثروا الدنيا على الآخرة ، الطريق إلى الله مسدودة ، ولا بد من أن هذه التي أرضيتها ، وأسخطت ربك فيها فلا بد من أن تنقلب عدوَّةً لك ، وهذا الابن الذي وافقته ، وأسخطت الله عز وجل لا بد من أن يكون عاقًّا ، وهذا الأب الذي وافقته على معصية لا بد من أن يحرمك من الإرث ، وهذا الأخ الذي قبلت منه هذه المعصية ، وأسخطت الله عز وجل لا بد من أن ينقلب لك عدواً .

   إذاً : أمر الله ما وعد به العصاة ، بعضهم قال : أمر الله عقابه ، فربنا سبحانه وتعالى قال :

بمعنى اقترب ، فالمراد : قل له : أتى أمر الله ، يعني اقتربَ أن يدمر المال ، بشِّر الزاني بالفقر ولو بعد حين ، بشِّر كل عاصٍ بمغبّة معصيته ولو بعد حين .

(سورة الأنعام : 11 )

   لابد من أن تدفع الثمن غالياً ، إذا كان هناك مخالفة ،

إلى كل متكبر ، كل منحرف ، كل فاجر ، كل عاصٍ ، قل له :

   يظن المرء أنه إذا أوتي ذكاءً ، ومالاً ، وجاهاً ، فقد حقق كل شيء ، يأتي أمر الله من جهة لا يحسب لها حساباً ، يؤتى الحذِر من مأمنِه .

   مَن هم المخاطبون بكلمة :

   المخاطبون هم المشركون ، لأن المؤمن لا يستعجل أمر الله عز وجل ، أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء : (( اللهم خر لي في قضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ، ولا تأخير ما عجلت )) .

(الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة )

   من علامة المؤمن أنه لا يستعجل الله شيئاً ، لا يستبطئ فرجاً ، ولا يستعجل عطاءً ، يرى أن الأمر كله بيد عليم حكيم ، سميع مجيب ، لكن هذا الاستعجال الذي يستعجل به المشركون هو استعجال سخرية واستهزاء ، قال تعالى :

( سورة يونس)

وقال سبحانه :

 

( سورة الشورى)

 غير المؤمن بالآخرة يستعجل هذا العذاب ، يقول متى يأتي العذاب ؟

( سورة العنكبوت : 53 )

   إذاً القاعدة : أن الذي يستعجل شيئاً غير مؤمنٍ به ، إنما يستعجله استعجال سخرية ، واستعجال استهزاء ، لذلك ما كان لمؤمن أن يستعجل شيئاً ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

( الترمذي )

   (( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) .

( مسلم عن أبي هريرة)

   الاستعجال هنا من قبل الكفار ، استعجال سخرية ، واستعجال استهزاء ، لذلك جاء قوله تعالى :

لماذا لا يعجل الله عليهم بالعذاب ؟ لماذا لا يعجل الله عليهم القصْم ، هناك حكمة بالغة ،

( سورة طه)

   لولا أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم ، لولا أنه دعاهم ليعرفوه ، دعاهم لعبادته ، كلما وقع مخلوق في معصية قصمه الله عز وجل ، ولكن لا يقصمه ، لأن الله عز وجل لم يخلقه للقصم ، إنما خلقه ليرحمه ، لذلك يمهله ، إمهاله إمهال رحمة ، إن الله سبحانه وتعالى ينتظرهم ، ينتظر أن يعبدوه ، جاء في بعض الأحاديث القدسية ، يا داود لو يعلم المعرضون عني انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم ، لتقطعت أوصالهم من حبي ، هذه إرادتي بالمعرضين ، فكيف إرادتي بالمقبلين ؟ إذاً الإمهال حكمته أن الله سبحانه وتعالى يعطي مهلة ، ويعطي فرصة لهذا الغافل كي يعود إليه ، فيأتي هؤلاء ، ويستعجلون العذاب سخرية واستهزاء ، لكن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يدمرهم بصيحة واحدة .

   هذه الكلمة تستخدم في الأعم الأغلب لتنزيه الله عز وجل عما لا يليق به ، ما هم عليه من شرك بالله سبحانه وتعالى ، وما هم عليه من تصورات مستمدة من هذا الشرك ، قد تنزه الله عنه تنزيهاً :

   هم حينما سخروا بوعد الله ، ووعيده لهم ، إن سخرت من شيء فلا بد من أن تعظم شيئاً آخر ، يعظمون آلهتهم ، يعظمون وجهاء القوم منهم ، فلا بد من أن يكون في حياتك إنسان تعظمه ، هذا شيءٌ لا بد منه ، لا بد من إنسانٍ تعظمه ، وإنسان تحتقره ، وإنسانٍ تلتقي معه ، فهذا الذي تعظمه من هو ؟ عند أهل الدنيا أرباب الدنيا ، أرباب المال ، أصحاب الشوكة والقوة ، هؤلاء معظمون عند أهل الدنيا ، ولكن كيف هم عند الله سبحانه وتعالى ؟ عند المؤمنين ؟ المؤمنون يعظمون مَن سبقوهم بالإيمان ، قال لي أحدهم : ليس في الدنيا من هو أسعد مني إلا أن يكون اتقى مني ،

   سبحانه كما قلنا : تنزيه وتمجيد ، وهناك في الآية التفات دقيق من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب

   هذا التفات من المخاطب إلى الغائب ، التفات بلاغي هدفه أن الله سبحانه وتعالى أعرض عنهم ، استخفافاً بحالهم ، إنهم ليسوا جديرين أن يخاطبهم الله سبحانه وتعالى ، حينما تتحدث عن إنسان ، وتراه ليس أهلاً لك ، تقول لزميلك : هذا لا يفهم ، تتركه ، وتستخدم ضمير الغائب ،

   والله سبحانه وتعالى تبرأ عن أن يكون له شريك يدفع عنهم أمر الله ، بماذا هم معتصمون ؟ ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً .

   عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ )) .

[ أخرجه الترمذي ]

    أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه ، فلذلك :

    هؤلاء الذين أشركوهم مع الله عز وجل هل ينفعونهم ؟ هل يضرونهم ؟ قص علينا ربنا سبحانه وتعالى قصة سيدنا إبراهيم :

( سورة الشعراء : 70 ـ82  )

   هذا الذي تعبده من دون الله ماذا يفعل ؟ أحد الولاة كان عنده أحد التابعين ، فجاءه كتاب من يزيد ، هذا الكتاب فيه أمرٌ لا يرضي الله عز وجل ، فقال هذا الوالي لذاك التابعيّ : ماذا أفعل ؟ فقال التابعي كلمة تكتب بماء الذهب ، قال : إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ،

   يعني عندما الإنسان يتعرف إلى الله عز وجل ، ويؤمن به ، ويوحد ، تنشأ عنده حالة نفسية من نوع الغنى ، هذه الحالة لا يعرفها إلا من ذاقها .

   أحد الرواة قال : دخلت على حمَّاد في بيته ، كان عالماً ، صادقاً عاملاً ، دخلت على حمَّاد في بيته فلم أجد إلا حصيراً وهو جالسٌ عليه ، وبيده مصحف يقرأ فيه ، وجُرابًا فيه كتب ، ومطهرة يتوضأ منها ، وليس في البيت أثاثٌ ، فمكثت قليلاً وأنا جالس أفكر في هذا الرجل ، وفي بيته ، فبينما أنا جالس دق الباب ، فقال حماد لبعض إخوانه : اخرجْ ، وانظر من الطارق ؟ فقال : رسول من سليمان إلى حماد من أمير المدينة ، فأذن فدخل ، فقال أما بعد : فصبَّحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته ، وقعت مسألة فأتينا نسألك عنها ، والسلام ، وظن هذا الرسول رسول الأمير أن حمادًا سيستجيب له ، وسيفرح بهذه الدعوة ، لكنه قال له : اقلب الكتاب ، واكتب على ظهره ، أما بعد : فأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه ، وأهل طاعته ، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً ، فإذا وقعت لك مسألة فأتنا ، وسل ما بدا لك ، ولا تأتِ بخيلك ، ولا برَجِلك ، أي تعال وحدك ، وصلَ هذا الكتاب كتاب الشيخ حماد إلى أمير المدينة سليمان ، فتسرب في قلبه إخلاص حماد ، وعزته للعلم والعلماء ، وجاء يسعى إلى دار حماد ، ليسمع الفتوى ، وينزل بمجالس العلماء ، التي تحيى بها القلوب ، وينجلي صداها ، فدق الباب ، فقال لأحد إخوانه : انظر من الطارق ؟ فعاد وقال : سليمان أمير المدينة ، فقال : لِيدخل وحده ، فدخل سليمان غرفة حماد ، وقد علت هيبته هيبة الملك ، لا يدري من أين تسربت إليه ؟ وجلس محتشماً متهيباً كأنما هو أمام ملك عظيم مهيب ، ثم قال وهو يتلعثم في كلامه : ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رهبة ؟ فقال حماد : إذا أراد العالم بعلمه وجه الله هابه كل شيء ، وإذا أراد بعلمه الدنيا هاب كل شيء ، والقصة لها تتمه .

   على كلٍ :

ليس إلا الله .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا       فإنا منحنا بالرضا من أحبـا

ولذ بحمانا واحتمِ بجنابنــا        لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

   ثم يقول الله عز وجل :

   الله سبحانه وتعالى المنزه عن الشرك لا يدَع الناس في ضلالهم ، وأوهامهم وشقائهم ، إنما ينزل عليهم من السماء ما يحييهم وينجيهم ، كما أن الله سبحانه وتعالى ينزل من السماء ماء ليحيي به الأرض بعد موتها ، كذلك ينزل من السماء روحاً من أمره ليحيي القلوب بعد موتها ، ماء السماء يحيي الأرض بعد موتها ، ورسالات الأنبياء تحيي القلوب بعد موتها ، 

   هذه الآية رد على منكري النبوة ، الله سبحانه وتعالى لرحمته ولطفه وحرصه على عباده كلما ضل الناس بعث إليهم رسولاً يهديهم سواء السبيل ، وفي الديانة الواحدة كلما فترت همة الناس ، وضعفت عزيمتهم ، ودخل على الدين ما ليس منه ، بعث الله على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها .

   هنا سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الحجر)

       وقلنا وقتها : إن اليقين هو الموت ، وقلنا وقتها : إن الله سبحانه وتعالى سمى الموت يقيناً لتيقن وقوعه ، ولأن فيه اليقين ، يعلم المرء عند الموت علم اليقين ، كذلك كان من الممكن أن يقول الله سبحانه وتعالى : ينزل الملائكة بالقرآن ، الروح هنا القرآن ، لماذا قال : الروح ؟ هذه تسمية هادفة ، سمى الله سبحانه وتعالى القرآن روحاً ؛ لأنه حياة للقلوب ، البيت الذي ليس فيه قرآن كالبيت الخرب ، وفي الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ )) .

( الترمذي )

   وفي الحديث : (( إن القلوب لتصدأ ، قيل : وما جلاؤها ؟ قال : ذكر الله )) .

( الكامل في 1عفاء الرجال ، لابن عدي عن ابن عمر )

هي قراءة القرآن ، فالقرآن سماه الله روحاً ، لأن فيه حياة النفوس ، القرآن تحيى به القلوب كما تحيى بالماء الأبدان ، والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة فاطر : من الآية 1 )

( سورة الكهف)

   الكون في كفة ، والكتاب في كفة ، وما دام الله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق فلا بد من أن يرشدهم ، قد يشق الطريق ، ويفرش أرضه بالإسفلت ، وبعد ذلك توضع الإشارات الدالة على معالمه ، خلق الله السماوات والأرض ، وأرشد الخلق إلى طريق الحق ،

( سورة فاطر : من الآية 1 )

( سورة الكهف)

( سورة الواقعة : 75 ـ 77 )

   الكون في كفة ، وهذا الكتاب في كفة ، قد ترى جامعةً ضخمة ، فيها أبهاء وقاعات ، ومخابر ، وحدائق ، ومكتبات ، ولها نظام داخلي ، هذا النظام الداخلي لا يقل خطورة عن الأبنية الخارجية ، فربنا سبحانه وتعالى لأنه منزه عن الشرك ، لأنه حريص على هداية خلقه ، لأنه خلق الإنس والجن ليعبدوه ، لأنه خلقنا ليرحمنا ، نزل علينا قرأناً هو بمنزلة الروح لنا ، الإنسان من دون دين جسم بلا روح ، نفسه مُؤَثرة ، قلبه قاسٍ ، تستوحش منه ، يعيش ليأكل ، ويشرب ، ويتمتع ، ليس له هدف نبيل ، اهتماماته سطحية ، وتافهة ، فلذلك قال الله عز وجل :

   هذه الباء باء المصاحبة ، كأن تقول : خرجت بثيابي ؛ أي خرجت مع ثيابي ،

أي بهذا الكتاب الذي فيه حياة النفس ، وحياة القلب ، وحياة الضمير ، وحياة العقل ، وحياة الأسرة ، وحياة المجتمع ، وحياة الأمة ، وحياة الإنسانية .

   قالوا : تمام النعمة الهدى ، يعني النِعَم كلها إذا كنت مهتدياً إلى الله عز وجل فيمكن أن نرمز لهذا الهدى بواحد ، فإذا كان معك مال يعينك على أن تعيش بالحياة ، فهذا المال صفر أمام الواحد ، إن كانت لك زوجة تعينك على أمر دينك ، فالزوجة صفر آخر ، إن كان لك مأوى تأوي إليه ، فهذا المأوى صفر ثالث ، إن كان لك مورد رزق مريح ، فهذا صفر رابع ، فإذا ألغيت الواحد ، كل الذي عندك أصفار ، العلماء قالوا : تمام النعمة الهدى ، من دون الهدى ليس هناك شيءٌ اسمه نعمة .

( سورة الدخان : 25 ـ 27 )

 نَعمة ، ليست نِعمة ، بل هي نقمة .

( سورة الأنعام )

شيءٌ آخر ، قال تعالى :

( سورة الفتح)

إذاً أنجاه من البئر ، من الجب ، أخرجه من السجن ، لكن تمام النعمة أن يكون المرء مهتدياً إلى الله سبحانه وتعالى :

من يشاء من عباده على الأنبياء ، والله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته .

( سورة آل عمران)

   الله اصطفاهم ، اختارهم على علم ، فمقام النبوة ، مقام اصطفائي ، الله سبحانه وتعالى نظر في عباده نظرة ، اصطفى منهم أكثرهم حباً له ، أكثرهم حمداً ، أكثرهم قرباً ، أكثرهم نفعاً ، فجعلهم أنبياء مُصطَفَيْن على من يشاء من عباده ، والنبي أيّ نبيٍ لا يزيد على أن يكون عبداً لله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، هم قالوا :

( سورة الزخرف)

   هم رشّحوا أناسًا من عليةِ القوم لينزل القرآن عليه ، لكن الله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته :

( سورة النحل )

    لماذا لم يقل : أن بشروا ؟

   هذا الروح ؛ أي هذا الكتاب ، القرآن أو بيانه ، القرآن الكريم وما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام منه ، هذا فحواه :

 الإنذار ؛ من تعاريف الإنذار أنه إخبار بالخطر ، الإنذار إخبار فيه تخويف ، أو إعلام بالمحظور ، هذا هو الإنذار ، وأما قوله تعالى :

أي : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده لينذروا ، أن أنذروا بمعنى لينذروا :

لا إله ؛ أي لا معبود بحقٍ إلا الله ، ليس في الكون جهة تستحق العبادة إلا الله ، ولماذا ليس في الكون جهة تستحق العبادة إلا  الله ؟ لأنه ليس في الكون فاعل ومسيِّر إلا الله ، لأن الأمر كله إليه ، هو وحده يستحق العبادة ، لأن الأمر كله إليه ، إذاً هو وحده الذي يستحق العبادة ، فالديانات السماوية كلها ، فحواها :

( سورة الأنبياء)

( سورة النحل )

التوحيد نهاية العلم ، والتقوى نهاية العمل ، كم في الأرض من علوم ، نهاية العلوم كلها التوحيد ، إذا عرفت أنه لا إله إلا الله ، فقد عرفت كل شيء ، وإذا غابت عنك هذه الحقيقة  فقد جهلت كل شيء ، التوحيد منتهى العلم ، والتقوى منتهى العمل ، يعني ، مهما كنت ذكياً ، إذا كنت أمام حفرة سحيقة ، وأنت تمشي على طريق ، مهما أقنعتني بعكس ما تريد فتفاديك لهذه الحفرة منتهى العمل الصالح ، منتهى العلم أن تعرف أنه لا إله إلا الله ، ومنتهى العمل أن تتقي الله سبحانه وتعالى ، بمعنى أن تتقي معصيته ، أو أن تتقي المضار بنوره ، إما أن تتقي معصيته ، وإما أن تتقي بنوره ، تقبل عليه فيلقي في قلبك نوراً تتقي به ، وترى به الخير خيراً ، والشر شراً ، فكلمة التوحيد لا إله إلا الله ، وما يتبعها من عبادة أو تقوى هي فحوى رسالات الأنبياء جميعاً ، يقول الله عز وجل :

( سورة الأنبياء : 25  )

ما دام الله سبحانه وتعالى واحد في الألوهية فهو وحده الذي يُتقى ، ولا يُتقى أحد معه ، ما دمت لا ترى إلهًا غيره إذًا لا يُتقى أحد معه ، وهنا استنبط العلماء أن صلاح العمل مبني على صلاح الاعتقاد  ، متى تتقون ؟ إذا عرفتم أنه لا إله إلا أنا ، أيْ إن الإنسان لا يستطيع أن يتقي الله سبحانه وتعالى إلا إذا عرف أنه لا إله إلا الله ، فصلاح العمل أساسه صلاح العقيدة ، استقامة الرجل أساسها التوحيد ، صلاح العمل أساسه أن تكون على هدى من ربك ، فالتوحيد كما قال بعض العلماء روح الدين ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والتوحيد حياة النفس .

(سورة هود : 55 ـ 56 ) .

    أذكركم ثانية بكلمة الحق التي وردت قبل درسين ، يعني أنّ اللهَ لم يخلق السماوات والأرض باطلاً ، بل خلقها بالحق ، ولم يخلقهما لعباً ، بل خلقها بالحق ، الحق هو الشيء المضاد للعب ، والمضاد للزوال ، الشيء الثابت الهادف ، الحكمة الثابتة ، هذا هو الحق ، فلذلك هناك هدف كبير من خلق السماوات والأرض ، إن لم يكن هذا الهدف واضحاً بين عينيك ، فالأمر خطير ، إلى أين أنت تسير ؟ إذا كنت لا تعرف الهدف :

   سبحانه وتعالى عن أن يخلقها بالباطل ، و سبحانه وتعالى عن أن يخلقها لعباً ، أو عبثاً ، أو سدىً .

( سورة المؤمنون : 115 ـ 116 )

    الملِك الحق ، دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى ، وعلى وحدانيته ، وعلى أنه خلق السماوات والأرض بالحق .

   كلنا نمشي على الأرض ، وكلنا ندخل أحياناً بعض الأراضي الزراعية ، نرى تراباً قد أنبت عشباً ، أو كلأً ، أو محاصيل ، أو خضراوات ، أو أشجارًا مثمرة ، فيا ترى من منا يصدق أن هذا التراب الذي نطأه بأقدامنا فيه عوالم من الكائنات الحية لا يعلمها إلا الله ؟

   في مقالة عن التربة الزراعية وما فيها من كائنات حية شيءٌ لا يصدق ، ذكرت في خطبة الجمعة ، ورجاني أحدهم أن أعيده في هذه الدرس ، ففي المتر الواحد المكعب من التربة الزراعية ما يزيد على مئتي ألف من الديدان العنكبية ، وفي المتر المكعب الواحد من التربة الزراعية فيه ما يزيد على مئة ألف من الحشرات الفروية ، وفيه من مئتان إلى ثلاثمئة من الديدان العادية ، ( الدود الصغير ) ، وفي هذا المتر المكعب من التربة الزراعية آلاف الملايين من الجراثيم والكائنات المتناهية في الدقة ، من منا يصدق ، أن غراماً واحداً من هذه التربة فيه ما يزيد عن عدة مليارات من البكتريات ، عند الصيدلي يوجد قطعة نحاس مربعة لا تزيد أبعادها على ميليمترات ، هذه هي الغرام ، فغرام من التربة فيه بضعة مليارات من البكتريا ، يوجد بكتريا على شكل عصيات ، بكتريات على شكل كريات ، بكتريات على شكل حلزونيات ، يوجد بكتريا تحتاج إلى أوكسجين ، هناك بكتريا لا تحتاج إلى أكسجين ، هناك بكتريا عارية ، هناك بكتريا لها أهداب تنتقل عبرها ، في الغرام الواحد من التربة الزراعية فيه ما يزيد على عدة مليارات من هذه البكتريا ، شيءٌ غريب أن هذا المتر المكعب فيه مئتا ألف ديدان عنكبية ، مئة ألف حشرة كروية ، مئتان إلى ثلاثمئة دودة ، آلاف الملايين من الجراثيم والكائنات المتناهية الدقة ، وفي كل غرام من هذه التربة بضع مليارات من البكتريات ، هذا مصنع يعمل بنشاط عجيب ، لكن حتى الآن لم يعلم العلماء خطورة ، أو مهمة ، أو طبيعية عمل هذه الكائنات ، لقول الله عز وجل :

( سورة الإسراء : من الآية 85 )

 ولقول الله عز وجل :

( سورة البقرة : من الآية 255 )

    فقالوا : إنها تقوم بمهمات من أكثر المهمات غموضاً ، واستغلاقاً ، وإن هذه الكائنات الحية في التربة الزراعية تقدم نفعاً يكاد يكون نفعاً مصيرياً ، لو أنها توقفت عن العمل لتوقفت الحياة كلياً ، وهذه الكائنات الدقيقة تلتهم الأوراق المتساقطة ، الله عز وجل جعل لأوراق الأشجار عمراً ، حينما ينتهي عمرها تتساقط ، تأتي هذه الكائنات فتلتهم هذه الأوراق ، وتأتي كائنات أكبر منها تلتهم فضلالتها ، وتأتي كائنات أكبر منها تلتهم فضلات الثانية ، بحيث تصبح هذه الورقة بعد حين سماداً عضوياً للتربة ، فهذه الأوراق الخضراء تقوم بعملية حيوية ، هي عملية التنسيب ، والتحليل الضوئية ، إن هذا الغذاء الذي نأكله ، بعضه من الشمس ، وبعضه من غاز الفحم ، الذي أودعه الله في الجو ، وبعضه من الماء ، لذلك لا نبات من دون ضوء ، مواد النبات تأخذها من الأوراق ، فالأوراق كأنها معامل ، يقدم النبات غاز الفحم الذي يأخذه من الهواء بالتعاون مع أشعة الشمس ، هذه الآيات ما منا إنسان إلا ويأكل شيئاً عن طريق النبات ، حتى لو أكل اللحم ، ماذا يأكل الحيوان الذي نأكله ؟ النبات ، فالنبات أساس الحياة ، والله سبحانه وتعالى يقول :