English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "10 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 37 – 40 عن القضاء والقدر ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العاشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

وكنا قد فسرنا في الدرس الماضي قوله تعالى :

نقف عند هذه الآية التي مررنا عليها سريعاً في الدرس الماضي :

الحقيقة يمكن أن تستنبطها من مصادر ثلاث .

المصدر الأول : الكون

قال تعالى :

 

( سورة يونس : 101 )

( سورة عبس : 24 ـ 32 )

( سورة الطارق : 5 ـ 8 )

( سورة الغاشية : 17 ـ 20 )

الله سبحانه وتعالى يدعونا في آيات كثيرة إلى النظر في الكون ، فالكون قرآن صامت ، فإذا أردت أن تعرف الحقيقة فابحث عنها من خلال آيات الله التي بثها في السماوات والأرض ،

وفي كل شيء له آية       تـدل على أنه واحد

***

هذا طريق ، وهذا مصدر ، أحد مصادر الحقيقة الكون ، لأن الكون كما قلت في درس سابق : تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، أو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، فإذا تأملت في آيات الكون انتقلت منها إلى أسماء الله وإلى صفاته ، فعرفته ، فإذا عرفته عبدته ، وإذا عبدته سعدت بقربه ، هذا هو المصدر الأول . 

لذلك سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام نظر في الكون :

( سورة الصافات : 88 ـ 89 )

( سورة الأنعام : 76 ـ 78 )

   ثم انتقل من آيات الكون إلى فاطر الكون ، فقال :

( سورة الأنعام : 79 )

 فمن شاء أن يعرف الله سبحانه وتعالى فــ :

في كل شيء له آية      تـدل على أنه واحد

***

كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى إنما له وظيفتان ، الوظيفة الأولى والرئيسة : أن يعرفك بذاته سبحانه وتعالى ، والوظيفة الثانية : ما يقدم لك من خدمات ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا ، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا )) .

[أبو داود]

خير نعرف به عدد السنين والحساب ، ورشد يرشدنا إلى ربنا .

فكأس الماء آية على رحمته ، الهواء الذي نستنشقه ، الحواس الخمس ، الأعضاء ، الأجهزة ، أنواع النباتات ، أنواع الأطيار ، أنواع الأسماك ، الجبال ، الوديان ، السهول الصحارى ، البحار ، الأنهار ، كل شيء يدل عليه ، بما هو كبير ، وبما هو صغير .

المصدر الثاني للحقيقة : هذا الكتاب الذي بين أيدينا

( سورة الأنعام : 1 )

( سورة الكهف : 1 )

إذا قرأت القرآن الكريم تعرفت إلى الله رب العالمين ، فمن قرأ آياته ، وفهمها ، وتدبرها ، وعرف أبعادها ، وطبقها ، كان كتاب الله مصدرًا ثانياً للمعرفة .

المصدر الثالث لمعرفة الله سبحانه وتعالى : الحوادث التي تجري

   الكون مصدر ، والقرآن مصدر ، والحوادث التي تجري مصدر ثالث ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

  

    هؤلاء الذين كذبوا الرسل ، وكذبوا بهذا الكتاب ، هؤلاء الذين رأوا أن ما أنزله الله على النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلح لهذا الزمان ، هؤلاء الذين أداروا ظهورهم للدين ، هؤلاء الذين آمنوا بنظريات أخرى غير هذا الدستور الذي سنه الله لنا ، هؤلاء حينما تفلتوا من الشرع الإلهي ، وحينما تحللوا من القيم التي جاءت في كتاب الله ، اتبعوا شهواتهم ، وساروا وراء مصالحهم فطغوا وبغوا ، ماذا كانت النتيجة ؟ أن الإنسان في الدنيا يهلك ، وإذا انقلب إلى الله عز وجل إلى اليوم الآخر تنتظره النار ، وبئس المصير :

 تستطيع أن تستشف من خلال الأحداث التي تجري في الأرض ، أي من خلال أفعال الله سبحانه وتعالى في عباده ، تستطيع أن تستشف الحقيقة .

مثلاً :

( سورة الجاثية : 21 )

تستطيع أن توازن بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن ، لا بد من أن يكون هناك فرق شاسع ، ومفارقة حادة ، بين حياة فيها طمأنينة واستقرار ، فيها سعي نحو معرفة الله عز وجل ، حياة مقدسة ، حياة عفيفة ، حياة نظيفة ، حياة سامية ، حياة علوية ، وبين حياة إنسان شهواني يبحث عن مصالحه بأيّ ثمن ، ومن أيّ طريق ، يدوس من أجل مصالحه كلَّ القيم ، ما مصير هذا ؟ وما مصير ذاك ؟ لا شك أنه هناك فرقًا شاسعاً ،

( سورة الجاثية : 21 )

 

( سورة النحل : 97 )

دقق في حياة المؤمن ، ألا تراها طيبة ؟ ألا تراه سعيداً في بيته وعمله وعلاقاته ، وطموحاته ؟ إنه في الأفق الأعلى ، والناس في الوحول ، انظر إلى حياة أهل الدنيا ، خصومات ، مشاحنات ، شهوات ، تجاوزات ، تعديات ، بغي ، ظلم ، تحلل ، مشاكسة ، سوء ائتمان ، قسوة ، هذا حال أهل الكفر ، وهذا حال أهل الإيمان ، لو نظرت إلى الذي يأكل مالاً حراماً ما مصيره ، لا بد من أن يدمر ماله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) .

[البخاري]

قال الله تعالى :

( سورة البقرة : 276 )

دقق في كسب المال وحده ، هذا الذي كسب مالاً حلالاً ، دقق في حياته ، كيف أن الله سبحانه وتعالى يبارك له في صحته ، وفي أهله ، وفي أولاده ، وفي تجارته ، وفي كسبه ، وفي أعماله كلها ، وانظر هذا الذي كسب مالاً حراماً ، كيف أن هذا المال سيذهب ، وسيذهب معه صاحبه ، كيف أن حياة الذي يكسب المال الحرام مصحوبة بالمصائب والأخطار ، بالإفلاس أحياناً ، بالأمراض ، ربنا عز وجل قال لنا :

وفي آيات أخرى :

( سورة الأنعام : 11 )

هذه الفاء حرف عطف ، يفيد الترتيب على التعقيب ، بينما ثم حرف عطف يفيد الترتيب على التراخي ، والآيتان في كتاب الله ، كل آية تعني شيئاً ، فلو أن إنساناً طغى وبغى ، و أكل مالاً حراماً ، وبنى مجده على أنقاض الآخرين ، وبنى حياته على موتهم ، وبنى أَمْنه على خوفهم ، بنى غناه على فقرهم ، بنى سعادته على شقائهم ، هذا الذي يسلك هذا الطريق انظر كيف تكون عاقبته ، ربنا عز وجل قال :

( سورة القصص : 83 )

العاقبة للمتقين ، العبرة في خريف العمر ، العبرة في هذا العمر كيف ينتهي ؟ ينتهي إلى دمار ، ينتهي بفضيحة كبيرة ، ينتهي بمصيبة أسرية ، كيف ينتهي هذا العمر ؟ هذا المال الذي كسبه الإنسان بالحرام كيف أودى بصاحبه ؟

 إذا قال الله عز وجل :

 معنى ذلك أن هناك حالات كثيرة يأتي العقاب مباشرة بعد الانحراف ، ما أن ينحرف حتى يأتي العقاب الإلهي ، وإذا قال الله عز وجل :

معنى ذلك :

( سورة آل عمران : 196 ـ 197 )

قد يمد الله للكافر ، قد يعطيه الصحة ، والذكاء ، والمال والجمال ، ولكنه يسلبه الطمأنينة ، والسعادة ، والصفاء ، والإقبال .

إذاً الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يأمرنا أن ننظر ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( أمرني ربي بتسع ، خشية الله في السر والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبرة )) .

[رواه القضاعي في مسند الشهاب ، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال :  " هذا حديث معضل " ]

 لا تدع هذه القصص التي تسمعها تمر هكذا  ، فكّر فيها ، واعرضها على كتاب الله ، ابحث لماذا يُكبّ هذا الإنسان ؟ ما المخالفة التي كان يرتكبها ؟ لماذا حفظ الله مال فلان ؟ وأتلف مال فلان ؟

( سورة الأنعام : 11 )

إذاً يمكن أن تستنبط الحقيقة من مصدر ثالث ، ألا وهو الحوادث ، الحوادث وحدها تنبئك بالحقيقة ، لذلك ربنا عز وجل أحياناً يشهد لنا أن هذا الكلام كلامه ، شيءٌ عجيب ، الله سبحانه وتعالى متى شهد لنا ؟ لأن كل ما يحدث في الأرض مصداق لما في هذا الكتاب ، هذا الكتاب قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة ، فأي شيء يحدث في الأرض يصدق ما جاء في هذا الكتاب .

( سورة هود : 117 )

 

( سورة مريم : 64 )

   آية أخرى :

( سورة الكهف : 59 )

فلو تتبعت قرية أهلكها الله عز وجل لوجدتها ظالمة .

( سورة النحل : 112 )

الحقيقة ما يجري في الكون يجري ، وما يَقع يقع ، ما يقع يعرفه الناس جميعاً ، ولكن البطولة في القدرة على التفسير ، كل إنسان إذا حصل زلازل في مكان معين تتناقله الأنباء ، وتنشره الصحف ، وتصوره المجلات ، يطلع عليه الناس جميعاً ، فالناس لا فضل لواحد على آخر في تلقي الخبر ، الخبر سهل تلقيه ، لكن المؤمن يملك التفسير الصحيح لهذا الخبر ، شتان بين أن تتلقى نبأ ، وبين أن تملك القدرة على تفسيره ، فالمؤمن يملك القدرة على تفسير ما يجري وَفق آيات الكتاب ، وَفق هذه القواعد الثابتة التي وردت في القرآن الكريم :

( سورة النحل : 112 )

هناك تفسير إلهي ، تفسير قرآني ، تفسير ديني ، لهذه النكبة التي ألمّت بهذه القرية .

(سورة الأنعام : 65 )

    إذاً هناك التفسير ، فإذا عرفت الله عز وجل ، إذا عرفت ما في كتابه من حقائق ، إذا تدبرت آياته ، إذا كشفت القواعد الثابتة التي وردت في كتاب الله ، عندئذ تملك صحة التفسير ، قال لما ربنا عز وجل :

 

( سورة طه : 124 )

هناك علاقة ثابتة بين الحياة الضنك والإعراض عن ذكر الله ، فحيثما سمعت قصة ، أو مشكلة ، أو مأساة ، أو قضية ، وعرفت أن هذا الذي دُمِّرتْ حياته معرِضٌ عن ذكر الله ، تملك عندئذ التفسير الصحيح  ما الذي يقلقلك ؟ ألا تملك تفسيراً لما يجري ؟ لكنك إذا ملكت التفسير الصحيح ارتاح قلبك ، واطمأنت نفسك ، فالمؤمن فضلاً أنه عرف الله من خلال الكون ، وهذا الباب الأول ، ومن خلال الكتاب ، وهذا الباب الثاني ، ومن خلال ما يجري من حوادث ، وهذا الباب الثالث ، تتبع .

قال لي أحدهم : ما من شخص عاصرته ، وقد كسب مالاً حراماً إلا دمر الله ماله قبل أن يموت ، طبعاً هذا استنباط استنبطه من القصص التي وصلت إلى سمعه ، فربنا عز وجل يقول :

ثم يقول الله سبحانه وتعالى:

النبي عليه الصلاة والسلام حريص حرصاً بالغاً على هداية قومه ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يصفه بهذه الصفة :

الجواب : أن هداهم ليس متعلقاً بحرصك ، أو عدم حرصك ، هداهم متعلق باختيارهم .

( سورة القصص : 56 )

ليس هدى الإنسان متعلقًا بمشيئة النبي e ، لو أن هدى كل إنسان متعلق بمشيئة النبي عليه الصلاة والسلام لشاء النبي e لعمه أبي لهب أن يهتدي ، ولكنّ عمه أبا لهب هو الذي أراد أن يبقى ضالاً ، لذلك قال الله عز وجل :

( سورة المسد : 1 ـ 2 )

فالهداية في أصلها عمل طوعي ، اختياري ، ليست الهداية متعلقة بحرص النبي e ، أو عدم حرصه ، فالله سبحانه وتعالى يثني على نبيه e في هذه الكلمة ، وفي الوقت نفسه يبين له الحقيقة ، أن الهدى عمل اختياري .

( سورة فصلت : 17 )

 

 

 

( سورة الإنسان : 3 )

( سورة البقرة : 148 )

الهدى عمل اختياري ، عمل من اختيار الإنسان ، لذلك فإن علماء التوحيد قالوا : هناك هدى ابتدائي ، وهناك هدى جزائي ، فالإنسان إذا اختار الهدى قدر الله له الهدى ، فاختياره للهدى الأول هو الهدى الاختياري ، والهدى الذي قدر الله له دله على أهل الحق ، فتح بصيرته ، ألهمه رشده ، شرح الله صدره للإسلام ، جمعه مع أهل الهدى ، هذه كلها من الله عز وجل ، وهي بناء على اختيار الإنسان ، فهناك هدى ابتدائي ، أي إن الإنسان اختار الهدى ، وهناك هدى جزائي ، أي إن الله سبحانه وتعالى بعد أن علم منه هذه الإرادة ، وهذا الاختيار يسَّرَ له سبل الهدى ، ودلّه على أهل الحق ، وشرح صدره للدين ، فهناك ضلال ابتدائي ، وضلال جزائي ، فإذا اختار الإنسان طريق الضلال ، أو إذا أبى أن يسلك طريق الهدى ضل باختياره ، والضلال في تعريفه الدقيق : خروج عن طريق الهدى ، أو عدم السير في طريق الهدى ، إذا أبى أن يسير في طريق الهدى ، هذا هو الضلال ، عندئذ يستحق الضلال ، كما قال الله عز وجل في الآية التي قبلها :

[سورة النحل : الآية 36]

 وذكرت لكم في الدرس الماضي أنَّ ما يقارب مئات الآيات المتعلقة بالهدى ، كيف أن الهدى له موجبات ، وأن الهدى له موانع ، والله سبحانه وتعالى :

[سورة المائدة ]

[سورة البقرة : الآية 258]

[سورة غافر : الآية 28]

[سورة البقرة : الآية 264]

[سورة يوسف : الآية 52]

ثمانية عشر شيئاً إذا تلبَّس بها الإنسان مُنع من الهدى ، وهناك موجبات للهدى ،

[سورة العنكبوت : الآية 69]

    فربنا عز وجل يقول : يا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ :

    يعني هذا الذي اختار طريق الضلال ، أو هذا الذي أضل نفسه عن طريق الحق ، صرفها إلى الدنيا ، صرفها إلى الشهوات ، صرفها إلى جمع الدرهم والدينار ، صرفها إلى العلو في الأرض ، هذا الذي أضل نفسه عن طريق الحق ، أو هذا الذي استحق الضلال الجزائي بعد أن اختار الضلال الابتدائي ، هذا لا يهديه الله بحكم نواميس الكون التي خلقها الله عز وجل ، الجامعة لها نظام ، نظام داخلي ، تقول : هذا الطالب رفض طلبه استنادًا إلى المادة الثالثة من نظام الجامعة ، هذا الطالب رسب في سنته استنادًا إلى المادة الخامسة من نظام الجامعة ، فربنا عز وجل خلق الكون ، وخلق مع الكون سنناً ، فهذه السنن هي التي تنظم علاقة العباد بربهم ، فربنا عز وجل يقول :

عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : (( يَا عِبَادِي ، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ )) .

كلام واضح كالشمس ، (( فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ )) ، أبواب الهدى مفتحة ، فما عليك إلا أن تدخل فيها ، سبيل الله عز وجل سالك ، وما عليك إلا أن تسير فيه ، والآيات نصبها ربنا عز وجل فما عليك إلا أن تفكر فيها ، الأوامر معروفة ، ما عليك إلا أن تنفذها ، المنهيات معروفة ، ما عليك إلا أن تنتهي عنها ، فليس لك إلا أن تستجيب .

( سورة الأنفال : 24)

( سورة التوبة : 38 )

هل أنت مصدق ربك أيها الأخ الكريم ؟ يقول لك الله سبحانه وتعالى : كل ما في الدنيا متاعه قليل إذا قيس بما عند الله رب  العالمين .

( سورة القصص : 60 ـ 61 )

 الذي خلق لك ما في السماوات والأرض الذي أعدّ لك ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ألست مصدق ربك بهذا ؟

 

 ينصرونهم من دون الله إذا جاء جزاء الضلال ، الضلال له جزاء ، قد يظن أحدكم أن فلاناً اهتدى ـ وفلاناً ضل  .

سيارة مندفعة بأقصى سرعتها ، وتسير في طريق كلها انعطافات ، ومن حول الطريق وديان سحيقة ، هل تعرف ما هو الضلال في حق هذا السائق ؟ أن يغمض عينيه ، أتظن أنه إذا أغمض عينيه يبقى مغمضاً عينيه ؟ أو أنه لا بد أن يهوي في وادٍ سحيق ما له من قرار !؟‍ هذه الحقيقة مهمة جداً ، ليس الموضوع أن فلاناً اهتدى ، وفلاناً ضل ، إنك مزود بشهوات تدفعك نحو إروائها ، إذا كنت على هدى أحسنت السير ، وإذا كان الإنسان ضالاًً وفيه عمى فلا بد من أن يقع في الإساءة ، لابد من أن يقع في الظلم ، لابد من أن يقع في الهلاك ، لابد من أن يكون تدميره في تدبيره ، ليس الموضوع أنه ضلال وكفى ، ما بعد الضلال ، لذلك هذا الذي يضل نفسه عن الله عز وجل ، ويختار طريق الدنيا ، وطريق الشهوات ، ويتنكر طريق الهدى ، اختار الضلال ، ليس الأمر كذلك ، لابد من أن يدفع ثمن ضلاله غالياً ، لذلك جاء قوله تعالى :

 حينما يغمض السائق عينيه ، وهو في طريق خطرة ، وسيارته مندفعة ، هل هو أغمض عينيه فقط ؟ أم أهلك نفسه ؟ أهلك نفسه ، مما ينتج عن إغماض عينيه تدهور السيارة ، وعندئذ إذا تكسرت أضلاعه ، أو يفقد حواسه ، أو تنقطع سلسلة ظهره ، عندئذ لا يستطيع أحد أن ينجيه من هذا الثمن الباهظ ، من هنا جاء قوله تعالى :

 

إذا عرفت الحق نجوت ، فإن لم تعرف الحق هلكت ، لماذا ؟ لأنك لست كهذه الطاولة سكونيًّا ، إنك إنسان متحرك ، فيك شهوات ، فيك ميول ، فيك دوافع ، فيك حوافز ، فيك حاجات ، فيك فتن متألقة ، فتن من حولك ، وشهوات في داخلك ، وحاجات ، وميول  وحوافز ، وطموحات ، هذه الحركة المستمرة من دون هدى لابد من أن تطغى ، لابد من أن تبغي ، لابد من أن تأكل ما ليس لك ، إذاً لابد من العقاب ، من هنا جاء قوله تعالى :

 

 

الحقيقة هم أقسموا بالله ، أقسموا بعظمة الله عز وجل ، ثم وصفوه بالعجز عن أن يبعث من يموت ، مع أن خلق الإنسان مرة ثانية أهون على الله عز وجل مِن بدأ الخلق

[سورة الروم : 27]

فكان بدءُ الخلق مظهراً لأسمائه الحسنى ، وسوف يعيد الخلق ، ليحقق اسم الحق ، لتجزى كل نفس بما كسبت ، ليأخذ كل ذي حقٍ حقه ،

 بلى لإيجاب النفي ، أي سيبعث من يموت :

وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو أيقن الإنسان أنه سيقف يومًا ما بين يدي الحق جل وعلا ليحاسبه على كل كلمة ، وعلى كل حركة ، وعلى كل سكنة ، لاستقام على أمر الله ، الحقيقة الكبرى حقيقة الموت التي يغفل عنها الناس .

( سورة الزخرف : 83 ) .

هذه الساعة لابد آتية ، الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى منه يوم انقضى بضع منه ، البطولة أن تكون مهيئاً لساعة الحساب ، البطولة كل البطولة أن تعدّ لهذه الساعة عدتها .

عن عبد الله بن المسور أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا رسول الله ، علمني من غرائب العلم ، قال : ما فعلت في رأس العلم فتطلب الغرائب ؟ قال : وما رأس العلم ؟ قال : هل عرفت الرب ؟ قال : نعم ، قال : فما صنعت في حقه ؟ قال : ما شاء الله ، قال : عرفت الموت ؟ قال : نعم ، قال : ما أعددت له ؟ قال : ما شاء الله ، قال : انطلق فأحكم هاهنا ، ثم تعال أعلمك من غرائب العلم )) .

هذا سؤال مهم جداً ، ما الذي صنعت في حق الله ؟ ماذا أعطيت من أجله ؟ ماذا منعت من أجله ؟ من واليتَ مِن أجله ؟ من عاديت من أجله ؟ ماذا فعلت ؟ ماذا بذلت ؟ ماذا ضحيت ؟ ماذا عملت من أجل الله عز وجل ، فقال : ما شاء الله ، قال : هل عرفت الموت ؟ قال نعم ، قال : فماذا أعددت له ؟ ماذا أعددت لهذه الحفرة حيث يقول الله عز وجل للإنسان وهو في قبره أول ليلة : عبدي رجعوا ، وتركوك وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، لماذا كان الصالحون من أجدادنا يشترون قبورهم في حياتهم ، هذا هو المثوى الأخير ، هذا هو البيت الأخير ، هنا المصير ، لا بد من نزول القبر ، كل مخلوق يموت  ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، سبحان من تفرد بالبقاء ، اقرأ التاريخ الناس جميعاً قد ماتوا .

كل ابن أنثى و إن طالت سلامته         يومًا على آلة حدباء محمــول

فإذا حملت إلى القبور جنــازة         فاعـلم بأنك بعدها محمـــول

***

ما من بيت إلا وملَك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات ، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله ، وانقطع رزقه ألقى عليه غم الموت ، فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت الضاربة وجهها ، والصارخة بويلها ، والممزقة ثيابها ، يقول ملك الموت : ممَّ الفزع ، وفيمَ الجزع ؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً ، ولا قربت له أجلاً ، وإن لي فيكم لعودة ، ثم عودة ، حتى لا أبقي منكم أحداً ، فو الذي نفسه محمد بيده لو يرون مكانه ، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ، ولبكوا على أنفسهم ، إلى أن تخرج الجنازة فترفرف عليها نفس الميت ، تقول : يا أهلي ويا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي ، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب إلى يوم النشور .

يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة ، فريق جمع المال من حرام ، وأنفقه في حرام ، يقال : خذوه إلى النار ، حسابه سريع ، وفريق جمع المال من حرام ، وأنفقه في حلال ، فيقال : خذوه إلى النار ، وفريق جمع المال من حلال ، وأنفقه في حرام ، فيقال : خذوه إلى النار ، وفريق جمع المال من حلال ، وأنفقه في حلال ، فيقال : قفوه فاسألوه ، هل قصر في فرض صلاة ؟ هل تاه على من حوله ؟ هل قال أهله : قصَّر في حقنا ، يا رب ، أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا ، فقال عليه الصلاة والسلام : وما زال يسأل ويسأل .

أيها الإخوة الأكارم ،

ليس من يقطع طرقاً بطلاً    إنما من يتقي الله البطل

***

البطولة أن يأتي ملَك الموت ، وأنت مستعد لهذا اللقاء ، وفي الحديث عن النبي e : (( أتاني جبريل فقال : يا محمد ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس )) .

[أخرجه الحاكم في المستدرك ، والطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد]