English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "11 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 41 – 47 عن الموعظة الحسنة ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الحادي عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    ربنا سبحانه وتعالى يصف الذين هاجروا في الله ، كلمة في الله تدل على الإخلاص في الهجرة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) .

[أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة ]

(( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )) ، يعني أن قيمة العمل متعلقة بنيته ، فقد يكون للرجل عمل كبير ، ونيته من هذا العمل كسب سمعة ، أو ارتقاء منزلة ، أو شيء من هذا القبيل ، هذا العمل الإنساني الكبير إذا كان بهذه النية فلا قيمة له أبداً عند الله ، قال تعالى :

 

( سورة الفرقان : 23 )

    عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بعثه إلى اليمن : (( أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَلِيلُ مِنَ العَمَلِ )) .

[أبو نعيم في الحلية]

    لا يستحق أحد على وجه الأرض أن تخلص له إلا الله عز وجل ، ليس في الأرض كلها جهة تستحق أن تبيع نفسك لها ، أو أن تُجَيّر قدراتك لها ، أما الله سبحانه وتعالى فهو أهل التقوى ، وأهل المغفرة ، فلذلك من أخلص بعمله سعد في الدنيا والآخرة ، ومن أراد بعمله الطيب دنيا يصيبها ، أو مكانة يحتلها ، أو منزلة يرقى إليها ، أو سمعة يصيبها ، فقد خسر خسران مبيناً ، فالعمل الطيب بنية طيبة كالماس ، والعمل الطيب بنيِّة غير طيبة كالبلور ، فَقَدَ قيمته ، كقطعة ماسٍ ثمنها مئات الألوف ، فإذا كانت من البلور فثمنها عشرات الليرات .

لذلك يقول الله عز وجل :

    الهجرة بمعناها الواسع كما قال عليه الصلاة والسلام : (( ... وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ )) .

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

   إذا تركت المنكر فأنت مهاجر ، إذا قلت : إني أخاف الله رب العالمين فأنت مهاجر ، بمعناها الضيق التاريخي الهجرة هي الانتقال من مكة إلى المدينة ، بمعناها الضيق المستمر هجر بلدٍ أُجبرت فيه على معصية الله إلى بلد آخر تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله ، إذا كان باب الهجرة قد أغلق من مكة إلى المدينة ، فباب الهجرة مفتوح بين كل بلدين يشبهان مكة والمدينة ، فالهجرة بمعناها اللغوي ترك مكان إلى مكان ، بمعناها الديني الواسع هجر ما نهى الله عنه ، بمعناها التاريخي الانتقال من مكة إلى المدينة ، بمعناها المستمر الضيق أن تهجر بلداً أجبرت فيه على معصية الله لتقطن في بلد تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله .

   الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يحمي عباده المؤمنين من دون أن يُظلموا ، لكن صبرهم ، ومحبتهم ، وإصرارهم هذه الصفات الراقية لا تظهر ، لذلك يسمح لأعدائهم أن ينالوا منهم أحياناً ، من أجل أن يثبتوا ، أن يصبروا ، أن يتوكلوا ، أن يتابعوا طريقهم إلى الله عز وجل ، كان من الممكن ألا يكون لأنبيائه عدو ، ولا لأوليائه عدو ، ولكن هذه المضايقات ، وهذا التضييق ، إنما من أجل أن يكتشف معدن الإنسان ، لذلك يوم الخندق .

( سورة الأحزاب : 23 )

    فالمؤمن ثابت على إيمانه ، وعلى حسن ظنه بالله ، وعلى استقامته وعلى عمل الطيب في كل الأحوال .

   عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، وَكَانَ خَيْرًا ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ ، وَكَانَ خَيْرًا )) .

[أخرجه مسلم وأحمد في مسنده ]

    الآية الكريمة :

( سورة البقرة : 155 ـ 157 )

    الإنسان عندما يتحمل الشدة في سبيل الله ، لأنه قال : لا إله إلا الله  ، أو لأنه دعا إلى الله ، أو لأنه آثر رضاء الله عز وجل ، فهذه شدة لا تعدّ مصيبة ، إنما تعدّ وسيلة لمضاعفة أجره .

    لذلك كان من الممكن أن يعيش المؤمن في بحبوحة ويسر ، ولكن أنى لهذه الصفات الراقية أن تظهر ، أنى لهذا الصبر أن يظهر ، أنى لهذا التوكل أن يظهر ، أنى لهذه المحبة أن تظهر ، أنى لهذا الرضا بقضاء الله أن يظهر ، يقول الإمام علي رضي الله عنه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ".

    إذاً من الخير العميم أن يبتلى الإنسان فيصبر .

    عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )) .

[أخرجه الترمذي ]

    سيارة لها محرك جبار بثمانين حصانًا ، مثلاً ، وهذا المحرك لا تظهر قوته إلا إذا كان الصعود حاداً ، هل تبدو قوة هذا المحرك في منحدر ، أو في سهل ، لا ، أيّ محرك آخر يمشي في السهل ، وينطلق في أقصى سرعته في المنحدر ، ولكن الصعود الحاد به تمتحن قوة المحركات .

    فلذلك المصائب محكّ الرجال ، الإنسان يوطن نفسه ، قد يبتلى بشدة في ماله ، قد يبتلى في مصيبته في ماله ، في أولاده ، في نفسه ، بخوف بقلق ، بحزن ، هذا من باب مضاعفة الأجر ، لأن هذا الإيمان العالي ، وهذه النفس المُحِبّة لا تبدو إلا في الظروف الصعبة .

   كيف تمتحن صديقاً عزيزاً عليك ؟ إذا كنت تكرمه دائماً ، فكلما عاملك وأكرمته يحبك ، ولكن الصديق الوفي :

إن الصديق الحق من كان معك     ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك      شتت فيك شمله ليجمعك

***

    أردت من هذا الكلام أن أوضح هذه الفكرة :

    كيف سمح الله لأعدائهم أن يظلمونهم ؟ سمح لأعدائهم أن يظلمونهم ليظهر حقيقتهم ، إنهم يحبون الله في الرخاء والشدة ، في الغنى والفقر ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، أحياناً لسبب من طاعة الله عز وجل تفقد عملك ، أجبرت على معصية فقلت : لا ، تفقد عملك ، وتظل تبحث عن عمل أشهراً طويلة ، أليس بالإمكان أن تجد عملا بعد يوم واحد ، ممكن ، لكن الله سبحانه وتعالى يؤخر الفرج ليظهر معدنك الثمين ، إنك صادق ، إنك راضٍ ، إنك احتسبت هذا لوجه الله عز وجل ، وقد تأتي مصبية ، وطِّنوا أنفسكم على تحمل الشدائد ، النبي عليه الصلاة والسلام يذكر أنه ما أصاب عبد مصيبة إلا بإحدى خلتين ، بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة ، أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة .

    يا أخي الكريم ، إذا أصابتك مصيبة وأنت مستقيم على أمر الله فلها تفسير واحد ، إنها مصيبة ترقية ، لا بد من أن ترقى من درجة إلى درجة ، عن طريق هذه المصيبة ، صبرك عليها ، يرفعك عند الله ، استسلامك لأمر الله يرفعك عند الله ، تفويضك لله يرفعك عند الله   ، توكلك على الله يرفعك عند الله ، رضاك بقضاء الله يرفعك عند الله فمصيبة العصاة مصيبة ردعٍ ، ومصيبة المؤمنين مصيبة رفعٍ ، وشتان بين الردع والرفع ، الله سبحانه وتعالى يسوق الشدائد للعصاة ليردعهم عن معصيتهم ، ولكنه إذا ساق الشدائد للمؤمنين فيجزيهم أجرهم بأحسن ما صبروا .

( سورة الزمر : 10 )

   إذا تركت بلدك ، بالمعنى الضيق ، إذا تركت بلدك حيث مكانتك ، حيث مالك ، حيث بيتك الذي شيدته ، واعتنيت به ، وأسسته ، حيث أهلك ، حيث متجرك ، حيث أملاكك غير المنقولة ، إذا تركت هذا البلد ، وقد أجبرت فيه على معصية ، وانتقلت إلى بلد آخر منطلقاً من الصفر ، الله سبحانه وتعالى يعدك أن يمنحك حياةً طيبة ،

    ولكن الهجرة المعاكسة نعوذ بالله منها ، تكون في بلد يذكر فيه اسم الله ، تقام فيه مجالس العلم ، لك مجلس علم تتزود به .

( سورة البقرة : 197 )

    لكن لإغراءٍ مادي طفيف تنتقل إلى بلد آخر ، فيه المعصية على قارعة الطريق ، لا ترى من يذكر اسم الله عز وجل ، المادة كل شيء ، الشهوات مستعرة ، الفتن يقظة ، الانحرافات ميسرة ، هذا البلد من أقام فيه فقد برئت منه ذمة الله ، من ترك بلد تقام فيه شعائر الله ، ويذكر فيه اسم الله كثيراً ، تقام فيه مجالس العلم ، له دخل معقول ، يسكن مع أهله ، إذا أنتقل إلى بلد يُكفر فيه جهاراً ، تُرتكب فيه المعاصي جهاراً ، انتقل إليه انتقل إليه ابتغاء نفعٍ من الدنيا ، ابتغاء حطام الدنيا ، فهذه هجرة في سبيل الشيطان ، (( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِمَ ؟ قَالَ : لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا )) .

    وفي رواية سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ )) .

[الترمذي وأبو داود والنسائي عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

     لا بد أن يعيشوا حياة طيبة في هذا البلد الذي هاجروا إليه ، لا بد من أن يوفَّقوا في أعمالهم ، لا بد من أن يوفَّقوا في معارفهم ،

    لكن الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، الدنيا كلها أصغر من أن تكون ثواباً لمسلم ، لو أنك عملت أعمالاً كالجبال ، وأراد الله أن يثيبك عليها في الدنيا ماذا يعطيك ؟ لقيمات تقمن صلبك ، بيتًا يؤويك ، ثوبًا يسترك ، هذه كل الدنيا ، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : (( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ : ] أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ [ قَالَ : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي ، مَالِي ، قَالَ : وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ؟ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ؟ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ؟ )) .

[مسلم]

   الدنيا كلها أصغر من أن تكون ثواباً للمؤمن ، لكن ربنا عز وجل يقول :

    النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يحدثنا عن الجنة ، وفي هذا الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ : ] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ )) .

[أخرجه البخاري ]

   ثلاث دوائر : الدائرة الأولى دائرة المرئيات ، أنت لك دائرة مرئيات ، قد تعرف بلدك دمشق ، وبعض المدن الأخرى ، دائرة المرئيات محدودة ، سافرت إلى حلب ، سافرت إلى بيروت ، سافرت إلى عمان ، سافرت إلى بلد أجنبي ، هذه المرئيات محدودة ، لكن الحديث القدسي يقول : (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ )) الدائرة الأوسع : (( ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ )) ، دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات ، تسمع أنت ببلد اسمه كندا ، وببلد اسمه أمريكا ، أستراليا ، واليابان ، وبالمريخ تسمع بعطارد ، تسمع بالمجرة الفلانية ، هذه كلها مسموعات ، ودائرة المسموعات أوسع من دائرة المرئيات بألوف ملايين المرات  ، ودائرة المسموعات إذا قيست بدائرة الخواطر ليست بشيء ، فأي شيء مهما يبدو لك غريباً قد يخطر على بالك ، فانتبهوا لهذا الحديث : (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ )) .

    فلذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الْكَافِر )) .

[مسلم]

    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) .

[أخرجه الترمذي في سننه ]

    الدنيا سجن ضيق جداً ، لو أنه أكل أكلاً زائداً عن حاجته لاضطر إلى تخفيف وزنه ، وأصيب بأمراض وبيلة ، لو أنه استمتع بشيء استماعاً مبالغاً فيه لدفع الثمن بالغاً ، هذه الدنيا مصممة لتكون مزرعة الآخرة ، هذه الدنيا مصممة لتكون إعداداً لحياة أبدية .

    فلذلك :

    لا نستطيع أن نأتي بوصف للآخرة كوصف مَن قال : " ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر " .

   المخيط إبرة ، اغمسها في البحر المتوسط ، واسحبها ، بماذا رجعت ؟ ما الماء الذي حمله المخيط ؟ أقلّ من قطرة ، أقلّ من نصف قطرة ، أقلّ من عشر قطرة ، قس ، انسبْ هذا الذي حمله المخيط إلى مياه البحر كله ، هذه الدنيا ، وتلك الآخرة ، فربنا عز وجل أحياناً يشفق علينا فيقول :

( سورة التوبة : 38 )

( سورة النساء : 77 )

    هكذا ينبئك الجليل أن متاع الدنيا قليل ، ألا تصدقه ؟ سنوات ويأتي ملك الموت ، من أجل أن تبدأ الحياة كما تشتهي في الأربعين ، والأربعون سن النذير ، بعد الأربعين يوجد متاعب صحية ، يوجد شعور بالضعف ، يوجد انحناء بالظهر ، شيب بالشعر ، ضعف في البصر ، ضعف بالذاكرة ، طبعاً هذا لمن وصل إلى ما يبتغي ، فكيف بمن لم يصل ؟

( سورة النساء : 77 )

 

   قال المفسرون : إن هاتين الصفتين ؛ الصبر والتوكل هما ألزم صفتين بالمؤمن ،

   لماذا هم يصبرون ؟ لأن الله عز وجل يتولى معالجتهم ، ونقلهم من مرتبة إلى مرتبة ، لا تظن أن حياة المؤمن رخيصة على الله عز وجل ، حياة المؤمن غالية على الله ، لذلك : وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أريد أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتارًا في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدت أمه .

    وازن بين طفل في الحضانة وعالم جليل ، عالم كبير ، هذا العالم كم من ليل سهر ؟ كم من عمل قام به ؟ كم مرة جاهد نفسه وهواه ؟ كم من مجلس علم جلس فيه على ركبته ساعات طويلة حتى أصبح بهذا العلم ؟ أهكذا تكون الدنيا ؟ لابد من أن ينقلنا الله عز وجل من مرتبة إلى مرتبة ، من حالة إلى حالة ، لا بد من معالجة ، هذا الذي يبدأ طريق الإيمان يحتاج إلى معالجات طويلة ، عنده شيء من الكبر ، هذا يحتاج إلى معالجة ، عنده شيء من التفريط ، والإسراف ، عنده اعتزاز قارب الشرك ، اعتزاز بنفسه ، هذا كله يحتاج إلى معالجة ، لذلك المؤمن يقلبه الله عز وجل ، فالذين صبروا على معالجة الله لهم نجحوا ، وما مِن مصبية بلا هدف ، هذه مستحيلة .

( سورة الشورى : 30 )

    فالمصبية للمؤمن معالجة ، تنقية ، وترقية ، ودفع ، وكشف ، ورفع للمؤمن ، أما لغير المؤمن فالمصيبة قصم وردع ، فهذه المصيبة تقتضي الصبر ، إذا أهمل الإنسان أسنانه ، فنخر بعضها ، فذهب إلى الطبيب ، وأراد أن يعالج هذا السن ، ألا يحتاج الطبيب إلى مخدر ، أو إلى حفر هذا السن ، قد تصل آلته إلى العصب ، فيصيح المريض من شدة الألم ، لكن العملية كلها في مصلحته ، لماذا يصبر المريض ؟ لأنه موقن أن ما يجري في أسنانه لمصلحته ، وأن هذا الذي يفعل ما يفعل في أسنانه إنما هو طبيب عالم ، خبير ، إنه يؤلمه ، ومع هذا يعطيه الأجر ، ويشكره على عمله ، كما تصبر عند طبيب الأسنان فيجب أن تصبر على الواحد الديان ، لأنه يعالجك بعلم وخبرة ورحمه ،

    لأن المخاوف في المستقبل أكثر من أن تحصى ، وأكبر من أن يحتملها إنسان ، ففي مجتمع الكفر هناك مخاوف لا تعد ولا تحصى ، كل جهة مصدر قلق  ، كل حركة ، كل سكنة ، كل كلمة يقرؤها الإنسان يتسرب الخوف إلى قلبه ، لكنك إذا عرفت الله عز وجل ، وآمنت بالله بث الله الطمأنينة في قلبك ، وشعرت بسكينة لا يعرفها إلا من ذاقها ، تكفي أن تقرأ قوله تعالى :

( سورة الطور : 48 )

لتشعر أن الدنيا كلها لا تعدل هذه الحالة .

يكفي أن تقرأ قوله  تعالى :

 

( سورة العنكبوت : 69 )

يكفي أن تقرأ قوله تعالى :

 

( سورة طه : 123 )

( سورة البقرة : 38 )

يكفي أن تقرأ قوله تعالى :

( سورة الجاثية : 21 )

   فنعمة الصبر والتوكل الحقيقي لا يعرفها إلا من ذاقها ، الحقيقي دائماً أقول لكم : قل مئة مليون ، قل : مئة ألف مليون ، بين أن تقولها بلسانك ، وبين أن تملكها بيدك ، ما أبعد الحالتين ، كل واحد منا بإمكانه أن يقول : مئة ألف مليون ، ولكن امتلاك هذا المبلغ شيء ، وأن تلفظ هذا الرقم شيء آخر ، فأن تقول : توكلت عليك يا رب ، وأنت غير متوكل ، وأنت تخاف من زيد أو عبيد ، ترجو فلاناً أو علاناً ، هذا كلام تقوله ، ولكنك إذا كنت متوكلاً يقع الشيء الذي لا يصدق .

( سورة الشعراء : 61 )

   بالمنطق فرعون من ورائهم ، بجيشه ، ورجاله ، وعتاده ، والبحر من أمامهم ، وهم قلّة مستضعفة تهيم على وجهها .

( سورة الشعراء )

سيدنا إبراهيم ألقي في النار ، قال تعالى :

 

(سورة الأنبياء : 69 )

   سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام دخل إلى غار ثور ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ : (( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا )) .

[ أخرجه البخاري ] .

   ثم وقعت عين أحد المطاردين على عين أبي بكر ، العين على العين ، هو صدِّيق ، لكنه دون مرتبة النبوة ، فقال : يا رسول الله ، لقد رأونا ، قال له : يا أبا بكر ، ألم تقرأ قوله تعالى :

(سورة الأعراف : 198 )

كن مع الله تر الله معك       واترك الكل وحاذر طمعك

ثم ضع نفسك بالذل له        قبل أن النفس قهراً تضعك

وإذا أعطاك من يمنعه        ثم من يعطي إذا ما منعك ؟

***

    كنت لا شيء فأصبحت به خير شيءٍ ، فلا يعرف لذة التوكل إلا من ذاق طعم التوكل .

وإذا العناية لاحظتك جفونها      نم فالمخاوف كلهن أمان

***

الحياة العصرية ملأى بالمقلقات ، في كل المجتمعات تقريباً ، كراكب مركبته ، هناك أخطار كثيرة ، أن ينام السائق فيدخل فيه سائق آخر ، أخطار لا تعد ولا تحصى ، إذا ركب مركبته ، إذا دخل إلى دكانه أخطار ، إذا استعمل جهازاً كهربائياً .

     فمصادر القلق لا تعد ولا تحصى ، فإذا كان الأجداد بحاجة إلى التوكل قيراطًا ، فنحن بحاجة إلى التوكل آلاف المرات .

    ثم قال عزوجل :

    جاء في أسباب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا : إن الله أجل وأعلى أن يبعث رسولاً بشراً ، خالق السماوات والأرض يبعث رسولاًً من البشر ! فقال تعالى :

أيْ أنت رسول من البشر ، والذين أرسلوا من قَبْلك رسل من بني البشر ، لأنه لولا أن يكون الرسول من بني البشر لم تقم الحجة على العباد ، أول كلمة تقولها : هذا ملَك ، وأنا بشر ، أول كلمة يقولها من تدعوه إلى الله ، إذا دعا الملَك البشر إلى الله قالوا : أنت ملك ، لا تشتهي ، نحن بشر نشتهي ، لذلك يجب أن يكون الرسول من بني البشر ، لأنه يشتهي ما يشتهون ، ويرضيه ما يرضي الناس ، ويغضبه ما يغضبهم ، ويحب ما يحبون ، ويكره ما يكرهون ، بشر ، يجوع ، يعطش ، يتعب ، يضنى ،

   واستنبط العلماء من هذه الآية أنه لا يمكن أن تكون المرأة نبيَّةً .

 

( سورة آل عمران : 43 )

بلغت المرأة مرتبة الصديقيّة ، قال تعالى :

( سورة المائدة : 75)

    هذا عن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، فالمرأة بلغت أعلى مستوى لها ، بلغت مرتبة الصديقة ، أما النبوة فهي في الرجال فقط ، طبعاً لا لأن الرجال من نوع آخر ، ولكن طبيعة المرأة لا تناسبها لتكون نبية ، أحياناً يتلقى الإنسان درساً من مدرِّسة ، قد ينصرف ذهنه لا إلى كلامها ، إلى شيء آخر ، هذه مفسدة .

    لذلك :

    هذه الآية أمر إلهي ، والأمر الإلهي يقتضي الوجوب ، بمعنى أن كل إنسان مكلف أن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم ، لأن أهل الذكر هم أهل العلم .

   بالمناسبة أجمع العلماء على أن العصمة للأنبياء فقط ، وأما أهل الذكر فليسوا معصومين ، ومن الممكن لإنسان أن يكون من أهل الذكر ، وقد يغلط ، فالعصمة للأنبياء ، ومع ذلك فأنت أمرت أن تسأل أهل الذكر ، هناك غلط في الجزئيات أحياناً ، قد يحصل سهو ، يحصل نسيان ، يحصل خطأ ، أما الأنبياء فهم معصومون عصمة كاملة ، لكن أهل الذكر ليسوا معصومين ، ولا يمنع عدم عصمتهم من أن نسألهم ، ونقتدي بهم ، وأن نتعلم منهم ، أما أن يدعي إنسان بعد النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يخطئ فهذا ادعاء مرفوض ، لأن أهل الذكر ليسوا معصومين ، والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نسألهم :

الذين يذكرون ما تجهلون ، هذه العلاقة هل هي علاقة ربوية ، أم هي علاقة مشروعة ؟ اسألوا أهل الذكر ، هذه الطريقة في البيع صحيحة أم فاسدة ؟ اسأل أهل الذكر ، هذا عقد الزواج صحيح أم باطل ؟ صحيح أم فاسد ؟ اسأل أهل الذكر ، هذه الزكاة لمن أدفعها ؟ اسأل أهل الذكر ، هذه الآية ما معناها ؟ اسأل أهل الذكر ، هذه الزوجة كيف أعاملها ؟ اسأل أهل الذكر، هذه الديون كيف أحصلها ؟ أأحسم السندات ؟ اسأل أهل الذكر :

  إن كنت لا تعلم فغيرك يعلم ، لذلك أنا أعجب ممن لا يسأل ، أنت إذا سألت إنساناً استعرت كل عقله ، وذكاءه ، وخبرته في الحياة ، وعلمه ، وفضله ، بهذا السؤال بلا مقابل ، اسأل يا أخي ، كم من إنسان وقع في ورطة كبيرة ، سلك طريقاً شائكاً ، وقع في انحراف مهلك ، ضاع منه ماله كله ، لأنه لم يسأل ، اسأل كيف أقرضه هذا المبلغ ؟ كيف أكتب هذا العقد ؟ كيف أحدد هذه الشركة ؟ كيف أحل هذه الشركة ؟ كيف أعامل شريكي ؟ اسأل يا أخي ، في العلاقات المالية ، في عملك ، في حرفتك ، في بيتك ، مع أولادك ، مع زوجتك ، مع جيرانك ، مع من هم أعلى منك ، مع من هم أدنى منك ، أحياناً الإنسان يترك شيئاً هو حلال يتوهم أنه حرام ، فيتركه ، يبقى بلا دخل ، يصبر شهرًا ، ثم ينتكس ، اسأل أهل الذكر قبل ترك هذا العمل ، اسأل أهل الذكر ، هل يجوز أن أتركه بلا عمل آخر ، هل أتركه فوراً أم على التراخي ؟ اسأل أهل الذكر ، سؤال أهل الذكر يعني أنك استعرت منهم علمهم ، وخبرتهم  ، والنور الذي أودعه الله فيهم ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( ما خاب من استشار ، ولا ندم من استخار )) .

[ذكره العجلوني في كشف الخفاء]  

الاستشارة لأهل الخبرة من المؤمنين ، والاستخارة لله عز وجل ، ففي كل أمر يباح استخر الله أولاً ، واستشر من تثق بدينه ثانياً ،

   هذه خاصة بالعلماء ، حدثك عالم سنوات طويلة بكلام استفد منه ، مرة مثلاً ألقى على سمعك حديثاً راجَعْته ، فإذا هو ضعيف ، هو من أهل الذكر ، لأنه ليس معصوماً ، هو بشر ، من أهل الذكر ، لو كان نبيًّا حاسبه حساباً شديداً ، هو ليس معصوماً ، فلا تعط الإنسان حجماً فوق حجمه ، إنسان يبذل وسعه ليقدم لك ما يستطيع ، أما أن تحاسبه على كل حركة وسكنة  فأنت لا تعلم هذه الآية .

   إذاً :

    يمكن لمدرِّس رياضيات شهير أن يضع محل إشارة الزائد إشارة الناقص سهواً ، أتضرب عن حضور دروسه ؟ لا ، أنبهه إلى هذه الغلطة ، وقد تكون سهواً ، وأتابع الحضور عنده لأستفيد منه .

فالإنسان لا يرفع الناس إلى حجم فوق حجمهم ، هذا هو الشرك ، كل إنسان له حجم ،  

    قال بعضهم : نصف العلم لا أدري ، إذا قلت : لا أدري فأنت نصف عالم ، عرض عليك سؤال قل : لا أدري ، سأراجعه ، هل من المفروض أن تعلم كل شيء ، من ادعى أنه يعلم كل شيء فلا يعلم شيئاً ، فهناك أناس متبحرون في المواريث ، وهناك أناس متبحرون في الفقه ، وهناك أناس متبحرون في التوحيد ، هناك أناس متبحرون في التفسير ، هناك أناس متبحرون في علم الحديث ، هناك أناس متبحرون في العلم بالله ، وهذا أعلى مستوى ، طبعاً العالم ملِمٌّ بكل فروع العلم إلماماً إلى حد ما ، أما أن يحاسب على كل كلمة فهو ليس معصوماً ، فإذا الإنسان وضع الناس في حجمهم الحقيقي سهل التعامل معهم ، أما إذا رفعهم إلى حجمٍ يفوق حجمهم عندئذ يقع في أزمات حادة في أثناء التعامل معهم ، قال e : (( اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر )) .

[ورد في الأثر]

   يمكن أن تصلي الظهر ثلاث ركعات سهواً ، لماذا شرع سجود السهو ؟ لأن البشر قد يسهون ، (( اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر )) .

   أحياناً يحتكم عندك اثنان ، أحدهما ألحن بالحجة من الآخر ، فتقضي لصاحب الحجة ، وقد يكون ظالماً ، أنت بشر ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ ، وَلَا أَمْلِكُ )) .

قَالَ أَبُو دَاوُد : يَعْنِي الْقَلْبَ .

[أبو داود ، الترمذي ، النسائي ، ابن ماجه]

    وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ )) .

[متفق عليه]

    هذا شأن البشر ، ينسى ، يغلط ، يتسرع أحياناً ، لكن لا يمنع هذا من أن تأخذ من علمه  وأن تستفيد منه ، لأن الإنسان خُلق ضعيفاً ، طبيعة الإنسان ضعيف ، أحياناً ينسيه الله حتى يحجمه ، قد ينسيه الله عز وجل حديثاً هو في أمسّ الحاجة إليه ، لأنه دخل ليلقي على الناس درساً ، ولم يفتقر إلى الله افتقاراً كافياً ، لم يقل قبل أن يدخل : اللهم إن أعوذ بك من حولي وقوتي ، وألتجئ إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين ، على قدر افتقارك يكون المدد ، فكلما افتقرت إلى الله أكثر كلما كان التجلي والمدد أكثر ،

جاؤوا أقوامهم بالبينات ، البينات هنا المعجزات الظاهرات ، يعني أن تنقلب العصا إلى أفعى ، هذا شيء يفوق طاقة البشر ، هذا الكتاب من البينات ، طبعاً فرَّق العلماء بين البينات وبين الزبر ، الزبر الكتب السماوية ، بينما البينات المعجزات الظاهرة ، فالنبي غالباً أو الرسول مزوَّد بمعجزة يؤكد بها أنه مرسل من عند الله ، ومزود بكتاب يوضح للناس طريق الخير من الشر ،

   هذا الذكر هو القرآن ، فيه ذكر كل شيء ، فيه ذكر الأقوام السابقة ، فيه ذكر ما سيكون في قيام الساعة ، فيه ذكر الحلال والحرام ، فيه ذكر الحق والباطل ، فيه ذكر الخير والشر ، فيه مشاهد من يوم القيامة ، فيه كل ما نحتاج ، هو كتاب هداية ورشد ، كل شيء يحتاج الإنسان في الدنيا ليهتدي إلى الله عز وجل يجده في هذا الكتاب ، لذلك :

    العلاقة بين الزوجين مذكورة في القرآن الكريم ، العلاقة بين الإخوة مذكورة في القرآن الكريم ، العلاقة بين القوي والضعيف مذكورة في القرآن الكريم ، العلاقة بين الشريكين مذكورة في القرآن الكريم ، أصول البيع مذكورة ، الزواج والطلاق ، وكل شيء نحتاجه  مذكور في القرآن الكريم ، لذلك :

    إذاً التدبر في هذا الكتاب أمر إلهي ، فالله سبحانه وتعالى ينتظر منا أن نقرأه بتمعّن ، وتدبر ، وتفهم ، وتعقل ، لا أن نقرأه قراءة جوفاء لا معنى لها ، والدليل هذه الآية :

فيما نزل إليهم ، تفكر في هذه الآيات .

    شيء آخر ، استنبط العلماء من هذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما قاله من أحاديث شريفة تنطوي تحت هذه الآية ، النبي عليه الصلاة والسلام يبن للناس ما نزل إليهم ، (( إياكم وخضراء الدمن ، قالوا : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء )) .

[القضاعي في مسند الشهاب عن أبي سعيد الخدري]

الله عز وجل قال :