English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "13 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 45 – 61 عن الإيمان الصحيح ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    أما أن ما في السماوات والأرض له ، فهذا معناه أن ما في السماوات والأرض ملكه ، وتصرفه ، ومصيره ،

مُلكاً ، وتصرفاً ومصيراً ، قد تملك ولا تحكم ، وقد تحكم ولا تملك ، قد تملك بيتاً ، وليس في إمكانك الانتفاع به ، وقد تنتفع ببيت وليس ملكك ، أما أن يكون الشيء تابعاً لك ملكاً ، وتصرفاً ، ومصيراً فهذا أوسع معاني الملكية ، هذه اللام للاختصاص ، أو لام الملكية ، نحن في ملكه ، وكل شؤوننا بيده ، ومصيرنا إليه ،

    لكن هذه كلمة ، لو تفكر الإنسان في خلق السماوات والأرض لتحقق منها ، شتان بين أن تكون فاهماً لآية ، وبين أن تكون معتقداً بها ، وبين أن تكون في مستواها ، فمن تفكر في خلق السماوات والأرض عرف أن هذا الكون عائد له ، ملكاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، فبعض الناس يعتقدون أن الله عز وجل خلق ، وانتهى الأمر ، وأعطى كل إنسان طاقة أو قوة ، يتحرك بها ، ولكن هذه العقيدة فاسدة ،

(سورة الزمر : الآية 62)

( سورة الكهف : 26)

    فلذلك : 

    فكيف يسوغ لك أن تتجه إلى إنسان لا يملك لك نفعاً ولا ضراً ، ولا موتاً ولا حياة ، ولا نشورا ؟ عليك أن تعبد الذي بيده ملكوت السماوات والأرض ، وعليك أن تعبد الذي إليه يرجع الأمر كله ، وعليك أن تعبد الذي بيده حياتك ، وبيده صحتك ، وبيده أمر عدوك ، وبيده أمر صديقك ، وبيده كل من حولك ، عليك أن تعبده .

    الدين بمعنى الخضوع ، دان دينا ودينونة ، بمعنى خضع ، فلا ينبغي للإنسان أن يخضع لغير الله ، لأنه لا يليق به ، وقد أكرمه الله بالحرية ، وأكرمه الله بالعقل ، إذا خضع لغير الله فقد ضل ضلالاًً مبيناً ، وإذا خضع لغير الله فقد خسر خسراناً مبيناً ، مادامت السماوات والأرض له ملكاً ، تصرفاً ومصيراً ، وله الدين ، فالخضوع له وحده ، لذلك عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) .

[أحمد في مسنده]

    هذا الذي تطيعه وتعصي الله ، هل يمنعك من الله ؟ هل يجلب لك نفعاً ؟ هل يدفع عنك ضراً ؟ هل يسعدك إذا تقربت إليه ؟ هل يسمعك إذا استجرت به ؟ هل يتدخل ليحول بينك وبين مصيبة واقعة ؟ سبحان ! الله أين عقل الإنسان !

 

( سورة المدثر : 18 ـ 19 )

    كيف قدر أن هذه الجهة تصلح أن تعبد من دون الله ، مع أن هذه الجهة فقيرة ، ضعيفة ، عاجزة ، فانية ؟ ربنا عز وجل يذكرنا :

    لذلك :

معنى واصبا أي : دائما ، ومعنى واصبا أي واجبا ، فيجب أن تخضع له على الدوام ، أن تدين له ، أن تستسلم لأمره ، فكلمة :

    تعني شيئين :

    الشيء الأول : أن الله عز وجل هو الحق ، وقد خلق السماوات والأرض بالحق ، ودينه هو الحق ، وقرآنه هو الحق .

( سورة فصلت : 42 )

فبحكم أن الله وهبك العقل المميز يجب أن تخضع له ، فلو أن إنساناً عرض عليك مقولتين ، الأولى صحيحة ، والثانية مغلوطة ، إلى أيّ مقولة تخضع ؟ إلى الصحيحة ، فلأن دعوة الله بالحق ، ولأن دينه هو الحق ، ولأن كتابه هو الحق ، ولأن رسوله هو الحق ، يجب عليك أن تخضع له على الدوام ، ليس في وقت دون آخر ، وليس في وقت الرخاء دون الشدة ، وليس في وقت الشدة دون الرخاء ، فالمؤمن خاضع لله عز وجل .

( سورة الأحزاب : 36 )

    إذا قضى الله ورسوله في موضوع ما حكماً ، قضى أمراً في موضوع ما :

    إذا قضى الله ورسوله أمراً ، فمن عرف معنى الدين خضع لله ، فالدين هو الخضوع ، الخضوع لمن يستحق الخضوع ، لكن الناس أحياناً يخضعون لجهة لا تستحق أن يُخضع لها ، قد يخضعون لشهواتهم ، قد يخضعون لمصالحهم ، قد يضعون معتقداتهم تحت أقدامهم من أجل مصالحهم ، لا ينبغي للرجل ذي العقل الصحيح أن يكون خضوعه لغير الله ،

    لو أن الله عز وجل قال : الدين له ، يعنى الدين له ولغيره ، أما : له الدين فعلى سبيل القصر والحصر ، له وحده :

واصباً ؛ أي واجباً ، واصباً ؛ أي دائماً ، يجب أن تخضع لله وحده على الدوام ، لأن :

    شيء منطقي ، مثلاً : هل يطالب الإنسان إنساناً لا يملك ؟ إذا أردت أن تشتري بيتاً ، هل تطلبه من رجل لا يملك بيتاً ؟ أليس هذا من الغباء ؟ إذا أردت أن تشتري بيتاً يجب أن تذهب إلى مالكه الحقيقي ، وتفاوضه ، لأنك إذا فاوضت غيره ، وعقدت معه عقداً ، ونقدته الثمن ، يقول لك الأول : أنا لم أبعك ، هذا الذي دفعت له لا يملك البيت ، أليس من الحمق والغباء والضعف والضلال أن تتجه لجهة لا تملك شيئاً ؟ ليس لها ما في السماوات والأرض ، لا ملكاً ، ولا تصرفاً ، ولا مصيراً  المصير إليه .

 

( سورة الغاشية : 25 ـ 26 )

(سورة الشورى : 53)

عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .

    الدين أن تخضع خضوعاً عن قناعة ، فلو أن الخضوع عن غير قناعة لكان هذا الخضوع قهراً لا ديناً ، والفرق بين القهر والدين أنك بالقهر تخضع ، لا عن قناعة ، ولا عن رضا ، ولكنك بالدين تخضع وأنت مقتنع ، وأنت راض ، وأن هذا الذي تخضع له يستحق أن تخضع له ، وأن هذا الذي تعبده يستحق أن تعبده ، وأن هذا الذي تستسلم له يستحق أن تستسلم له ، فهو حق ، ودينه حق ، وقرآنه حق ، وشرعه حق ، والحلال ما أحلَّ ، والحرام ما حرَّم .

واصبا له معنيان متكاملان :  واجباً ، ودائماً ، هناك أناس يخضعون لله في الرخاء ، وأما في الشدة فيرتابون في أنه هو الإله ، يقولون : أين الله ؟! كيف تخلى عنا ؟ كيف تركنا ؟ هؤلاء هم ضعاف المؤمنين ، فهناك أناس يخضعون لله في الشدة ، ويعصونه في الرخاء ، وهؤلاء هم المنتفعون ، ولكن المؤمن يطيعه ويحبه في الرخاء ، وفي الشدة .

    إن من قواعد علم التوحيد أن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .

    السماوات والأرض تعبير قرآني  يشابه ، أو يقابل مفهوم الكون ، والكون ما سوى الله ، فكل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى كون ،

 أتتقي غضب إنسان لا ينفعك ولا يضرك ؟ أترجو رضاه ؟ أتتقي غضبه ؟ أتطيعه وتعصي الله ؟

( سورة الصافات : 154)

    إن من يطيع إنساناً ويعصي الله فقد سقط سقوطاً لا حدود له ، فقد ضل سواء السبيل ، وكان ضلاله مبيناً ، وكان ضلاله بعيداً ، وكانت خسارته كبيرة ، كيف لا وقد خسر نفسه ؟ ومن يخسر نفسه فقد خسر كل شيء .

    ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني فقد وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ، يا رب ماذا وجد من فقدك ، وماذا فقد من وجدك ؟

    هذا الذي عرف الله ، وعرف شرعه ، واستقام على أمره ، وتقرب إليه ، ماذا فاته من الدنيا ؟ وَاللَّهِ ما فاته شيء ، بل أصاب كل شيء ، وهذا الذي جاءته الدنيا من كل أطرافها ، وغفل عن ربه ، وجاءه الموت ماذا أصاب ؟

( سورة الطور : 45)

( سورة إبراهيم : 30)

( سورة البقرة : 126)

    البطولة أن تلقى الله وأنت على طاعته ، فإذا كان هناك مبرر مسوغ أن تعبده فلأن له ما في السماوات والأرض .

    تدخل أحياناً إلى دائرة ، فما الذي يجعلك تطرق باب مديرها العام ؟ لأن الأمر كله بيده ، سواء أحببت ذلك أم لم تحب ، ليس في كل هذه الدائرة إنسان يستطيع أن يقول لك : مع الموافقة ، إلا هذا المدير العام ، فأنت إذا وقفت على بابه ، وطرقته لأنك مضطر ، إذ لا يستطيع أن يمنحك الموافقة إلا هذا الموظف ، فهل تتجه إلى مستخدمٍ ترجوه أن يوقِّع لك هذه المعاملة ؟ عندئذٍ تستحق أن تذهب إلى مشفى الأمراض العقلية .

    فالله له كل شيء ، فإذا كان هناك مسوغ أن تعبده فلأن له ما في السماوات والأرض ، هذا مسوغ الاضطرار .

    هناك مسوغ آخر :

    هذا سبب آخر أرقى من ذلك السبب ، إن كل ما أنت عليه من نعم فمن نعم الله ، خذ نعمة العقل مثلاً .

    حدثني أخ كان يركب مركبة عامة ، فإذا أحد الركاب يخلع ثيابه كلها ، ويبقى كيوم ولدته أمه ، أين عقله ؟

    نعمة العقل هذه نعمة لا تعدلها نعمة ، نعمة الصحة ، القلب يعمل بانتظام ، والجهاز الهضمي يعمل بانتظام ، وجهاز تصفية البول يعمل بانتظام ، والعضلات ، والحواس ، والأجهزة ، والغدد الصماء ، وغير الصماء ، وذات الإفراز الداخلي ، والخارجي ، والأعصاب ، والشرايين ، كلها تعمل بانتظام ،

أتحسب أنك جرم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر

***

أنت وحدك أعقد مخلوق على وجه الأرض .

    فلذلك :

    وهذه الزوجة التي في البيت من نعم الله عز وجل ، هدية الله لك ، وهذا الطفل الصغير الذي يملأ البيت مرحاً وفرحاً وحبوراً ، هو من نعم الله عز وجل ، وهذه الصنعة التي تتقنها هي من نعم الله عز وجل ، وهذه الذاكرة التي تستخدمها في عملك من نعم الله عز وجل ، وهذه الشخصية القوية التي جعلتك رفيع المكانة بين الناس ، إنها من نعمة الله عز وجل .

    الفتاة التي يخطبها إنسان مرموق من أهلها ، قد تظن هذه المرأة جهلاً أنها مطلوبة ، لكن الله سبحانه وتعالى لو أذهب عنها مسحة الجمال لما طرق بابها أحد .

    إذا كنت في البيت مرهوبَ الجانب فبنعمة هذا العقل ، لو أن الله عز وجل سلبك إياه لما أبقاك أهلك في البيت ولا ليلة واحدة .

    الحركة نعمة ، الوقوف نعمة ، النوم نعمة ، تناول الطعام نعمة ، طرح الفضلات نعمة ، شرب الماء نعمة ، توافر الماء نعمة ، توافر الهواء نعمة ، أن يكون لك عمل نعمة ، أن يكون لك دخل نعمة ، أن تأوي إلى بيت نعمة ، أن يكون لك زوجة نعمة .

    نعمة الإيجاد قبل كل النعم ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الإرشاد ، هذه هي النعم الكبرى ، وتمام هذه النعم الهدى :

    فإذا كان منطقك لا يسمح لك أن تخضع له من باب الاضطرار أفلا تخضع له من باب العرفان والشكر ؟

    من أي نوع أنت ؟ إن كنت عاقلاً فاخضع له من باب الاضطرار ، لأن الأمر كله بيده .

( سورة هود : 123)

    إذا كنت كريم النفس فاخضع له من باب العرفان والشكر ، لأن كل النعم التي أنت فيها إنما هي من نعم الله عز وجل ، ولأنه :

    آية أخرى تشابهها :

( سورة إبراهيم : 34)

    نعمة واحدة لو أمضيت مدة حياتك في إحصاء فوائدها لما انتهيت ، فإذا كنت عاجزاً عن إحصاء فوائد نعمة واحدة ، فأنت عن شكر هذه الفوائد أعجز ، وعن شكر النعم كلها أشد عجزاً .

    فهذا الذي يلحد في آيات الله ، هذا الذي ينكر ، هذا الذي يعرض ، هذا الذي يسخر ، إذا جاءته المصيبة الكبيرة يقول : يا الله !

    قد حدثتكم عن رجل جلس في طائرة إلى جنب رجل ، يتناقشان ، فإذا بالثاني ينكر وجود الله سبحانه وتعالى ، فلما توقف أحد محركات الطائرة ، ومرت فوق جيب هوائي ، وانخفضت فجأة ، قال صاحبنا : رأيت هذا الذي كان ينكر وجود الله قبل قليل يقول : يا الله ، يا الله ، يا الله .

    معنى تجأرون : ترفعون أصواتكم في الدعاء .

    ما أشد لؤم الإنسان ، وهو يدعو الله عز وجل في أثناء المصيبة ، ويرفع يديه ، ويرفع صوته بالدعاء ، فإذا تولى الله عز وجل شفاء ابنه ، أو إنقاذه من ورطته ، أو مرت هذه المصيبة بسلام ، أو زال شبح المصيبة ، أو انخفضت الحرارة ، أو جاء التحليل إيجابياً ، لا سلبياً ، أو كان هذا الورم غير خبيث ، عاد هذا الإنسان إلى ما كان عليه ، من فسق وفجور ، وزيغ ، وضلال ، واستخفاف ،

    قال تعالى :

 

 

    لكن بعض الناس إذا جاءتهم المصيبة ، ودعوا الله مخلصين فرفعها الله عنهم ، إذا هم بربهم يؤمنون .

    حدثني أخ كريم قال : كنت في محنة شديدة ، فدعوت الله من كل جوارحي ، إنْ أنقذتني يا رب منها فلن أعصي لك أمرًا ، وقد أنقذه الله منها ، وها هو ذا فيما أعلم لا يعصي لله أمراً ، ربنا عز وجل يقول :

    ليس كل الناس ، إذا أصابتهم المصيبة ، ثم رفُعت عنهم كفروا ، بعضهم يستجيب ، وبعضهم يتوب ، وبعضهم يخضع ، وبعضهم يذوب حباً لله ، وبعضهم لا ينسى فضل الله ، ابن آدم اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة ، أذكرك وتنساني ؟

    وقد تكون هذه النعمة ، نعمة الشفاء ، أو نعمة السلامة  أو نعمة البحبوحة التي جاءت بعد عسر ، قد تكون هذه النعمة سبباً في كفرهم ، فهذه اللام لام العاقبة ، أو لام التعليل ، أي إن هذه النعم التي ساقها الله لهم من بعد شدة ، من بعد دعاء عريض ، كانت هذه النعم سبباً في كفرهم وإعراضهم عن الله عز وجل .

    فمن كان ينطوي على نفس راقية أخلاقية ، إذا دعا الله متلهفاً فكشف الله عنه المصيبة ، فهذا الإنسان يستحيي أن يعصي الله بعدها .

أطــع أمرنا نرفع لأجلـك حجبنا       فإنا منحنا بالرضى من أحـبنـــا

ولــذ بحمانا و احتـم بجنابنــا        لنحميك مما فيه أشرار خـلقنـــا

وعن ذكــرنا لا يشغلنك شاغـل        وأخلص لنا تلقَ المسرة و الهنـــا

وسلم إليــنا الأمر في كل ما يكن        فما القرب والإبعاد إلا بأمـرنـــا

***

     هذا فعل أمر معناه التهديد ، أي : افعلوا ما بدا لكم ، افعلوا كل شيء ، اعملوا ما شئتم ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به .

انغمِسوا في الملذات ، فهناك من تستهويه الشهوات ، فيؤثِرها على القربات ، وهناك من تستهويه وحول الدنيا ، فيؤثِرها على جنات عرضها السماوات والأرض ،

سوف تعلمون من هو الفائز ، ومن هو الخاسر ، من هو الذكي ، ومن هو الغبي ، من هو الشقي ، ومن هو السعيد ، من هو العاقل ، ومن هو الأحمق ، من هو المفلح ، ومن هو المخفق ، سوف تعلمون هذا عند الموت ، عندما تواجهون ملَك الموت ، عندما يقول الإنسان :

( سورة الفجر : 24)

عندما يقول الإنسان :

( سورة الزمر : 56 )

عندها يندم  الإنسان ، ولات ساعة مندم .

    عندما يقول الله عز وجل :

( سورة الحاقة : 25 ـ 36 )

    كل مُتوقع آت ، وكل آت قريب ، ولا بد من ساعة تعرف الحقيقة ، حينما أدرك فرعونَ الغرقُ قال  :

( سورة يونس : 90 )

    قال الله عز وجل :

( سورة يونس : 91 )

    ماذا ينفع هذا الإيمان عند ساعة الموت ؟ ماذا ينفع نفساً إيمانها إن لم تكن آمنتْ من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ، البطولة أن تؤمن في الوقت المناسب ، لا أن تؤمن بعد فوات الأوان ، البطولة أن تعرف جواب الامتحان قبيل الامتحان ، لا بعد الامتحان .

    لذلك فالمؤمنون :

( سورة السجدة : 16 )

    لا يستمتعون بالدنيا ، يخافون أن يركنوا إليها ، يخافون أن تصبح مبلغ علمهم ، ومنتهى أملهم .

    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ  جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ )) .

[أخرجه الترمذي ]

    فكلمة ( تمتعوا ) كما قال بعض المفسرين : فعل أمر يفيد التهديد

    لا تركن إلى الدنيا ، وانظر يوم توضع في كفنك ، انظر إلى أنه لا بد من أن يكتب على ورقة النعي : وسيشيع فلان إلى مثواه الأخير ، هذا هو المثوى الأخير ، إن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول : يا أهلي ، ويا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي ، لا تصل إلى هذا المأزق الصعب ، لا تصل إلى هذه الساعة التي لا تنفع فيها الندامة .

 أي : لآلهة عبدوها من دون الله ، لا يعلمون أنها تنفع ، ولا يعلمون أنها تضر ، ولا يعلمون أنها لا تنفع ، ولا يعلمون أنها لا تضر ، لا يعلمون عنها شيئاً ، إلا أنهم وجدوا آباءهم يعبدونها فعبدوها .

لا يعلمون مطلقاً ، لا يعلمون أنها تنفع أو لا تنفع ، ولا يعلمون أنها تضر أو لا تضر ، هذه الأصنام إن كانت من حجارة ، أو إن كانت من لحم ودم ، كلها أصنام  .

    يقدمون لهذه الأصنام القرابين ، والأموال ، ويعتقدون أن هذه الأصنام تمنعهم من الله عز وجل ، أو تحميهم .

    هذا افتراء ، هذا كذب ، هذه خرافة ، كيف اعتقدت بها ، لمِ لمْ تمحِّصها ؟ لمَ لمْ تقف عندها ؟ لمَ لم تتفحصها ؟

    ثم قال عزوجل :

    يدَّعي المشركون أن الملائكة بنات الله ، لذلك :

أي : ما أعظم شأنه .

 

(سورة الإسراء : 43)

    هل هو بحاجة إلى ولد ؟! هل هو بحاجة إلى بنات ؟!

الذكور لهم ، والبنات لله عز وجل !!

    فاسوداد الوجه كناية عن الغم الذي أصابه ، عن الغم الشديد ، والحزن الشديد ، ولو علم الزوج أن المولود ذكراً كان أم أنثى شيء تابع له فقط ، ولا علاقة لزوجته به لاختلف الأمر .

( سورة النجم : 45 )

    من نطفة لا من بويضة ، فالنطفة في نواتها تحمل مجموعة عُرا ، العروة الأخيرة إما على شكل (X  ) أو على شكل ( Y ) ، النطفة وحدها تحدد نوع المولود ذكراً كان أم أنثى ، لذلك امرأة بدوية غضب منها زوجها لأنها تنجب البنات ، فقالت :

ما لأبي حمزة لا يـأتينا     يظل في  البيت الذي يلينا

غضبان أن لا نلد البنينا      تالله مـا ذلك في أيـدينا

و إنما نأخذ ما أعطيـنا      ونحن كالأرض لزارعينا

ننبت ما قد زرعوه فينا

***

    فهذا الذي يغضب إذا جاءه بنت هو أحمق ، لأن تحيدد نوع المولود جعله الله في الحيوان المنوي الذي منه .

    شيء الآخر ، الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الشورى: 49 ـ 50 )

    حينما وُلدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم السيدةُ فاطمة ضمها إلى صدره ، وتشممها وفرح بها ، وبش لها ، وقال : ريحانة أشمها وعلى الله رزقها ، مخلوق وديع أكرمك الله به ، تتأفف منه ؟ يسودُّ وجهك ؟ تتميز من الغيظ ؟ ما ذنب هذه الزوجة ؟ لا ذنب لها ، ولا حيلة لها في ذلك ، حتى الآن في هذه الأيام إذا ولدت المرأة بنتاً لا أحد يتكلم مع هذه الزوجة ، يعدُّون مَقْدَمَها شؤماً على زوجها ، هذه جاهلية ، وهذا جهل ، وهذا بعدٌ عن الله عز وجل ، وما يدريك أن الخير كله في هذه الفتاة ؟ من يدريك ؟

    قال تعالى :

( سورة آل عمران : 36)

    من أنجبت مريم ؟ سيدنا عيس عليه الصلاة والسلام ، ما يدريك أن الخير كله من هذه الفتاة ؟ من هذه البنت ؟ لذلك عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ ، فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ )) .

[أحمد]

ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً ، من أن أكون لئيماً غالباً .

    يستحي من هذه البشارة ،