English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "14 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 62 – 69 عن عدم إلحاق صفة لا تليق بالله ـ إبداع الخالق ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    بعض العلماء قالوا :

 أي : البنات .

أي : الشرك  .

    هل يرضى أحدهم أن يشركه أحد في ماله ؟ لا يرضى ، فكيف تنسب لله عز وجل آلهة أخرى تشاركه في تسير الأمور ؟

    وبعضهم فهم هذه الآية على إطلاقها ، فأيّ شيء تكرهه كيف تنسبه لله عز وجل ؟ أتعاقب أنت إنساناً يعمل معك من دون أن يقترف ذنباً ؟ أتعاقبه بلا سبب ؟ أتودي بأعمال طيبة قدمت لك طوال عمرٍ مديد ، تودي بها وتعاقب صاحبها ؟

أتُكرِه أحدًا أمرته بأمر على مخالفته ، ثم تعاقبه على ذلك ؟

( سورة النحل : 35 )

 مِن أنهم نسبوا الملائكة الذين هم عباد الله ، نسبوهم إلى الله على أنهم بنات  .

( سورة التوبة : 31 )

أشركوهم في تدبير الأمور ، كما أنهم يكرهون البنات ، وكما أنهم يكرهون أن يشركهم أحد وأموالهم ، أو أن الصفات التي يكرهونها بعرف عاداتهم وتقاليدهم ، فكيف ينسبونها إلى الله عز وجل ؟

    هذه الآية من الآيات البلاغية ، بدل أن يقول الله عز وجل : ويقولون الكذب ؛ أي يصف كلامهم نفسه بأنه كذب ، كلامهم نفسه يصف أن مضمونه كذب .

يدّعون أن لهم الحسنى في الآخرة ، هذا الذي يشرك بالله عز وجل ، ولا يهتم بأمره ، ولا يرجو ثوابه ، ولا يخشى عقابه ، يدّعي أيضاً أنه في الآخرة من أهل الجنة .

أي : إنهم يسارعون إليها ، ومعنى : مُفْرَطون ؛ أنهم منسيون فيها ، ومعنى : مُفَرِّطون ؛ أي أنهم مهملون ، أفرط بمعنى أسرف ، فرَّط بمعنى غفل ، أو قصر ، والقاعدة تقول : لا إفراط ولا تفريط ، أي لا إسراف ولا تقصير ، أما : مُفرَطون هنا في هذه الآية فتعني أنهم يسارعون إلى النار ، أو أنهم منسيون فيها ، لأنهم تجاوزوا الحد المعقول ، أو لأنهم قصروا في واجباتهم ، فالمعاني كلها تستفاد من هذه الكلمة .

    إذاً أيُّ صفة لا تليق بك فلا تنسبها إلى الله عز وجل ، وأيُّ صفة تأبى أن تُنسب إليك فلا تنسبها إلى الله عز وجل .

    بعضهم يقول : إن الله عز وجل يُدخل النار عبداً أفنى حياته في طاعته ، يقول لك :

( سورة الأنبياء)

أترضى لله عز وجل أن يكون عبداً من عباده يعبده طوال حياته ، ويفني عمره في طاعته وفي التقرب إليه ، وفي خدمة عباده ، وفي الدعوة إليه ، أيعقل أن يضعه في النار ؟! أترضى لنفسك هذه الأخلاق ، أين قوله تعالى :

( سورة الزلزلة : 7 ـ 8 )

    ألا تكره أن ينسب إليك الظلم ؟ أتقبل أن تكون ظالماً ؟ فكيف تنسب الظلم إلى الله عز وجل ؟ كيف تعتقد أن الإنسان منذ أن خُلقَ خُلق شقياً ؟ وأن كل ما يفعله في الدنيا مكتوب عليه ؟ وأن كل المعاصي مقدّرة عليه ؟ ولا سبيل إلى تلافيها ، وأن الله سبحانه وتعالى سيعاقبه على تقصيره ، وعلى معصيته ،

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له        إِيّاك إيّاك أن تبتل بالماء

***

وهل ترضى هذا لنفسك ؟ هل ترضى أن ينسب لك ، وأنت تعلم الطلاب أن أحد الطلاب قبل أن يدخل المدرسة اتخذت قراراً بترسيبه ؟ فمهما بذل من جهد ، ومهما عمل من وظائف ، ومهما درس فلا بد من أن يرسب ، هذه عقيدة الجبر ، أي إن الإنسان مجبور على أعماله ، ولا اختيار له فيها ، فإذا اعتقدنا بهذه العقيدة فكأنما نسبنا الظلم إلى الله سبحانه وتعالى ، لا بد من أن يكون في الحياة اختيار ، لأن الله سبحانه وتعالى لو كان كذلك لكان إرسال الأنبياء عبثاً ، وإنزال الكتب لعباً ، وإن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولو أجبر الله عباده على طاعته بطل الثواب ، ولو أجبرهم على معصيته فقد بطل العقاب .

    سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه حينما جيء إليه برجل شارب للخمر ، قال له : يا أمير المؤمنين ، إن الله قدّر علي ذلك ، فقال رَضِي اللَّه عَنْه : أقيموا الحد عليه مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأن افترى على الله .

    لذلك قال تعالى :

إما أن نفهمها على أنهم جعلوا الملائكة بنات الله ، يكرهون البنات ، فنسبوا البنات إلى الله ، أو أن نفهمها على أن الإنسان يكره الشرك ، فكيف ينسبه إلى الله عز وجل ؟ أو نفهمها بشكل مطلق ، هذه الصفة التي تكرهها ، والتي تتبرأ منها ، والتي تترفع عنها ، كيف تسمح لنفسك ، أن تصف الله بها ؟

    كلامهم يوصف بأنه كذب .

في الآخرة ،

    والله سبحانه وتعالى نفى مقولتهم ، وأثبت مقولة أخرى :

    يسارعون إليها ، أو منسيون فيها ، أو تجاوزوا الحد المعقول في العدوان والطغيان ، أو قصروا عن واجباتهم ، فاستحقوا دخول النار .

    حينما يسمح الله للشيطان أن يزين للإنسان عمله السيئ يكون هذا العمل السيئ تعبيراً عن شهوة استحكمت فيه ، وأن إخراج الشهوة خيرٌ من بقائها ، فالإنسان يشتهي ، ولكن هذه الشهوة لها مستويات ، فإذا بلغت مستوى الإصرار كانت هذه الشهوة حجاباً بين الإنسان وبين الله ، بين الإنسان والحق ، بين الإنسان والهدى ، لذلك أحكم شيءٍ ، وأنسب شيءٍ أن تخرج هذه الشهوة ، من يتولى إخراجها ؟ يأتي الشيطان فيزين لمن استحكمت فيه شهوته ، يزين له هذه الشهوة حتى تخرج منه عملاً يرى بشاعته ، ويرى دناءته ، ويعاقبه الله عليه ، فلعل نفسه بعد هذا العقاب الأليم تصفو وتقبل ، وكم من إنسان أصرَّ على شهوة ، واستحكمت في قلبه ، فجاء الشيطان فزين له شهوته ، فانقلبت إلى عمل استحق عليه العقاب ، ثم شفيت نفسه وطهرت ، وأقبلت ، وتابت ، وصحت توبته .

    هناك تفسيران لهذه الآية :

التفسير الأول : هم يزعمون أن الشيطان وليهم في الدنيا ، وكل إنسان بعيد عن الله عز وجل يتكئ على جهة في الأرض ، ويقول لك : فلان بإمكانه أن يرفع شأني ، وفلان بإمكانه أن يعطيني ، وفلان يستطيع أن يضرني ، فيتولاه ، ويطيعه من دون الله ، يواليه من دون الله ،

    فاليوم يا محمد هؤلاء الأمم التي تزعم ، والتي زين لها الشيطان أعمالها تظن أن الشيطان وليها في الدنيا ،

والمعنى الثاني :

أي : معهم في النار ، إما أن تكون هذه الولاية في الدنيا ، يظنون أنه وليهم ، في حين أنه لا ينفعهم ولا يضرهم ، أو إن الشيطان معهم في جهنم ،

    ملخص هذه الآية أن الإنسان إذا أصر على شهوة محرمة ، إذا اشتهاها إلى درجة الإصرار ، يأتي الشيطان فيزين له عمله كي يفعله ، كي تخرج هذه الشهوة إلى عمل ، عندئذ تطهر نفسه منها بعد العقاب ، وقد يتوب إلى الله عز وجل .

    وهناك من اختلف على السيد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، جاء القرآن الكريم ليبين الحقيقة ، والموضوعات المختلف عليها في الديانات السماوية قبل الإسلام ، الموضوعات التي اختلف الناس عليها قبل بعثة النبي العدنان e ، هذه الموضوعات جاء بيانها في القرآن حداً فاصلاً لكل خلاف  ،

    الرحمة بمعنى التجلي الإلهي ، فإذا قرأت القرآن تجلى الله عليك ، وإذا أردت أن تحدث ربك فصلِّ ، وإذا أردت أن يحدثك ربك فاقرأ القرآن .

    يا موسى ، أتحب أن أكون جليسك ؟ فقال : يا رب ، وكيف يكون ذلك ؟ قال : أما علمت أني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني .

    وإذا وقعت خلافات لاحقة بين الأمم والشعوب ، وبين الملل والنحل ، وبين الفرق والمذاهب ، وبين كل فئة تدعي أنها على حق ، وتتهم أختها بأنها على باطل ، هذه الخلافات يفصل الله سبحانه وتعالى بينها يوم القيامة ، والقرآن الكريم ، فضلاً عن أنه يبين الذي اختلفوا فيه فهو هدى .

 

( سورة البقرة : 38)

 

( سورة طه : 123 )

الهدى استنارة عقلية ، أما الرحمة فراحة نفسية ، فهذا الإنسان المؤمن عقله مستنير ، ونفسه سعيدة ، وطيبة ، هذه صفات المؤمن .

    فلذلك ، من أوصاف الله سبحانه وتعالى الجامعة المانعة لهذا الكتاب أنه هدى ورحمة ، يهديك سواء السبيل ، ويفسر لك ما في الكون ، ويفسر لك التاريخ ، ويفسر لك المستقبل ، ويفسر لك الحوادث ، ويعطيك لكل شيء محيرٍ تفسيراً ، ويعرفك بالهدف من خلقك ، ويعرفك بالمصير ، ويعرفك بأثمن شيء تفعله في الدنيا ، ويبين لك طريق السلام ، طريق السعادة ، طريق الطمأنينة ، يبين لك وسائل الصحة النفسية ، يبين لك التي هي أقوم هذا هدى ، يبين لك كيف تكون علاقتك مع زوجتك ، ومع أولادك ، ومع أمك وأبيك ، وإخوتك ، وبناتك ، وأصهارك ، وجيرانك ، شركائك ، مع من هم فوقك ، ومن هم دونك ، مع من هم أضعف منك ، ومع من هم أقوى منك .

( سورة الإسراء : 9 )

إعجازه في إيجازه  .

     لو قرأت القرآن تعرف كيف تعامل زوجتك ، أما هذا الذي يطلقها لأتفه سبب ، أو يحلف يمين الطلاق لأتفه سبب ، فهذا لم يقرأ القرآن ، والذي يُخرج زوجته من بيته عقاباً لها ما قرأ القرآن ، وهذا الذي يبغي ويظلم ما قرأ القرآن ، وهذا الذي يكذب ، ويغش ، ويحتال ، ويكسب مالاً حراماً ما قرأ القرآن ، لأنه :

    والآن تتوالى الآيات البينات التي توضح ، وتذكرنا ببعض النعم الجليلة التي أنعم الله بها علينا ، قال تعالى :

    فكلمة : واللهُ أنزل ، لو قال الله عز وجل : وأنزل الله من السماء ماء ماذا تفيد ؟ تفيد أن الله أنزل من السماء ماء ، ولكن تقديم لفظ الجلالة على الفعل ليبرز أهمية النعمة ، فهذا المطر الذي تتنعمون به ، والذي أنبت لكم الزرع والزيتون ، وأنبت لكم من كل الثمرات ، وجعل الأرض مزدهرة بعد أن كانت هامدة  :

    هذا الغيث ليس مُنخَفضاً جوياً متمركزاً فوق قبرص ، وهو يتجه نحو سوريا ، لا ،  بل هو مجرد سبب ،

    هل رأيت هذه الحقيقة ؟ تقديم لفظ الجلالة ليفيد التركيز على أن هذا الفعل من قِبَل الله عز وجل ، من قِبَل الله وحده ، تقديم الفاعل ( الله ) على الفعل ( أنزل ) ، وليس هناك جهة أخرى تستطيع أن تفعل هذا الفعل .

   الأرض اليابسة ، والأرض القاحلة ، والأرض المقفرة ، والنبات على وشك اليَبْس على وشك أن يموت ، والحيوان محتاج إلى علف ، والعلف متعلق بماء السماء ، فكل الحياة متوقفة على هطول المطر ، والمطر ينبت الكلأ ، والكلأ طعام للماشية ، والماشية طعام للإنسان ، فحياتك متعلقة بالمطر ، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الرزق كله في المطر ،

    ولذلك حينما تنزل أمطار السماء تنزل معها دموع الفلاح فرحاً ، لأنه ـ كما يقولون ـ حصّل على موسم طيب ، والتاجر حينما تنزل أمطار السماء يفرح ، لأن هناك قوة شرائية سوف تعود عليه بالنفع العميم .

    بعضهم قال : إلا المرابي ، هذا الذي له ربح ثابت يظن نفسه مستغنياً عن رحمة السماء ، لذلك هو مقطوع عن رحمة السماء .

    فهي إشارة إلى أن السماع طريق من طرق الهداية ، إما أن تفكر ، وإما أن تعقل ، وإما أن تسمع .

( سورة ق : 37 )

فأحد مظانّ المعرفة أن تحضر مجالس العلم ، وأحد الطرائق إلى قلبك أن تلقي السمع ، فالسماع باب واسع من أبواب الهدى ، والتأمل والتفكر ، وأن تعقل ، وأن تدرس ، ولكن السماع باب واسع من أبواب الهدى ، لذلك قال الله تعالى :

 

( سورة الأنبياء : 7 )

   لو فكرت بأن هذا المطر الذي ينزله الله من السماء هو إبداع ، فكيف نسقي قطراً بأكمله ؟ قد يأتي منخفض جوي يغطي سماء القطر بأكمله ، وتنقلب هذه السحب إلى أمطار غزيرة كأفواه القرب ، قد تسافر من أقصى البلاد إلى أقصاها ، والأمطار تنهمر انهمارا ، ما هذا الإبداع في الخلق ؟ إن أرضاً يابسةً جافةً يأتي فوقها سحاب ينقلب إلى ماء غزير يحيي هذا العشب وهذا الزرع وهذه الأشجار المثمرة ، واللهِ هذا من تصميم الله عز وجل ، هذا من تخطيط الله عز وجل .

الأنعام المقصود بها الجمال ، والأغنام ، والشياه ، والأبقار ، هذه الأنعام الله سبحانه وتعالى سخرها لنا ، نستفيد من كل شيء فيها  ، هذه من نعم الله ، الجلود ، واللحم ، والعظم ، والشحم، والدهن ، والأمعاء ، والجمجمة وما فيها ، والأحشاء وما إليها ، والأصواف  والأوبار ، كل هذا نستفيد منه .

     شيء آخر ، أن هذه الأنعام كيف هي مسخرة لكم ، مذللة لكم ، مطواعة لكم ، تقدم لكم كل ما عندها ، وأن هذا الإنسان الذي سخرت له هذه الأنعام يعصي الله ، ويأبى أن ينفذ أمره ، ويستنكف أن يطيعه ، ما هذه المفارقة الحادة ؟!

    أي : كونوا كالأنعام ، طيعين لله عز وجل ، كونوا في مستواها ، بانقيادها إلى الله عز وجل ، فتأبى نفسه أن يطيع الله ، تأخذه العزة بالإثم ، هذه الغنمة أشرف منك أيها المعرض ، أيها الكافر ، أيها الفاجر ، أيها المنافق ، أيها العاصي :

    هناك آيات أخرى تتحدث عن الأنعام ، قال تعالى :

( سورة يس : 72 )

أخلاق الأنعام محببة ، تبعث الأنس في البيت ، لا تخيف ، لو أن أخلاق الضبع ركبت في الغنمة ، فكيف تأكلها ؟ وكيف تذبحها ، وأنت تخاف منها ؟ عندئذ تهرب منها ، بدل أن تمسكها لتذبحها وتأكلها تولِّي هارباً منها ، لو أنها اقتربت منك ، لو أن أخلاق الوحوش الضارية ركبت في هذه الأنعام كيف تأكل لحمها ؟ وكيف تسخرها ؟ وكيف تنتفع منها ؟

هذا عطاء الله ، لو أن لكل خمسة آلاف إنسان رأسًا من الغنم كل يوم ، وهناك في الأرض ما يزيد على ستة آلاف مليون من البشر ، لكان هناك أعداد من الغنم تفوق حد التصور ، هذه كلها تذبح كل يوم ، من سخرها ؟ من جعلها تتوالد بهذه الطريقة العجيبة ؟ من جعل كل ما فيها خيراً لنا ، أصوافها ، وأوبارها  وجلودها ، وعظامها ، ولحومها ، وألبانها ، وأحشاؤها ، وجمجمتها ، وكل شيء فيها ، حتى ما تطرحه من فضلات يعد أسمدة من الطراز الأول .

    وهذه من آيات الله المعجزة ، وهذا الطعام الذي يأكله الخروف مثلاً ، يأكل هذا الحشيش ، أنت تعلم أن هذا الحشيش يهضم في المعدة ، أو في الأحشاء ، وهناك نظام الاجترار ، لأنه  يهضم ، وينقلب إلى سائل ، والأشعار الماصة التي في الأمعاء الدقيقة تمتصه فيصبح دماً ، هل تستطيع أن تأكل الدم ؟ حاش لله ، والذي يبقى يصبح فرثاً .

    الذي يخرج منه طيب ، من أين جاء اللبن ؟

    لا تستطيع أن تأكل الدم ، ولا أن تنظر إلى الفرث ، ويسقيك الله سبحانه وتعالى

ناصعاً في بياضه ، لم يأخذ حمرة الدم ، ولا دكنة الروث ، ناصعاً في بياضه ، طيباً مذاقه  ، عظيماً نفعه ، إما أن تشربه حليباً ، وإما أن تجعله لبناً ، وإما أن تجعله جبناً ، أو زبداً ، أو تجعله سمناً ، أو تجعل منه ألواناً منوعة من الأطعمة والأشربة من هذا اللبن الخالص ، خلص من حمرة الدم ، ومن دكنة الروث ، هذا اللبن الخالص نعمة عظيمة أنعم الله بها علينا ، هل تستطيع جهة في الأرض أن تأخذ الحشيش ، وتصنع منه الحليب ؟ القضية واضحة كالشمس ، هذه البقرة التي أمامك ، تأكل الحشيش ، وتعطي الحليب ، إنها معمل صامت ، يعمل بصمت ، لا يزعجك ، لا يثقل عليك ، ولا يحتاج إلى عمال ، أو إلى أي شيء من هذا القبيل ، تأكل الحشيش فتعطي الحليب ، وبعض الأبقار تعطي في اليوم ما يزيد على أربعين كيلو غرامًا من الحليب ، أما وليدتها فلا تحتاج إلى أكثر من اثنين كيلو من الحليب .

    يعد الحليب الغذاء الأكمل للإنسان ، فالإنسان يستطيع أن يبقى على شرب الحليب طوال حياته ، فيه من كل المعادن ، ومن كل المواد الأساسية ، البروتينية ، والدهنية ، والفيتامينات ، والمعادن ، وأشباه المعادن ، كله في الحليب الذي يخرج :

    فلما يشرب الإنسان كأس حليب ، أو يتناول لبناً ، أو جبناً ، أو سمناً ، أو زبدهً ، أو قشدةً ، يجب عليه أن يفكر في طعامه ، لا أن يأكله كالبهيمة .

( سورة محمد : 12)

    ثم تأتي الآيات الأخرى لتحدثنا عن ثمرات النخيل ، والأعناب ، وما في النخيل من بلح وتمر ، وما شاكل ذلك ، والأعناب وأنواعها المنوعة التي تزيد على ثلاثمئة نوع ،

    أما كلمة سكر ، أولاً : هذه الآية تعد أول آية فيها إشارة إلى أن الخمرة شراب ليس حسناً ، أول إشارة ، بعدئذ قال الله تعالى :

( سورة النساء : الآية 43)

ثم قال الله تعالى :

( سورة المائدة : 90 )

لذلك جاء تحريم الخمر تدريجياً .

    أول آية فيها إشارة إلى أن السَكر ، كأن تقول : رشد ، السُكر والسَكر ، الرشُد والرشَد ، رشُدٌ ورشَد ، سكرٌ وسَكر ، فالسَكر هو السُكر ، والسُكر هو الخمرُ ، فكان الناس يتخذون من الأعناب ومن ثمرات النخيل خمراً يشربونها ، بعض العلماء قال : إن هذه الآية منسوخة بآية:

 

( سورة المائدة : 90 )

    وبعضهم قال : لا ، هناك من عدّها آية محكمة ليست منسوخة ، حينما قال : السَكر يعني الشراب الحلو ، فأنت إذا وضعت حبات التمر في وعاء فيه ماء ، وشربته صباحاً فهذا شراب سكري ، حتى إنه في بعض التفاسير ورد الخشافات ، قد تصنع من هذه الثمرات الحلوة طبخاً لذيذاً طيب الطعم ، حلو المذاق ، فإذا عددت هذه الآية محكمة ، فالسكر هو الطعام الطيب ، وهو شراب طيب ، أصله من ثمرات النخيل والأعناب ، بعضهم قال : السكر على لغة أهل الحبشة هو الخل ، والخل له فوائد جمة ، وبعض الأطباء قالوا : يجب ألا تخلو حياة الإنسان يومياً من الخل ، ومن البصل ، ومن التفاح ، لأن هذه المواد تذيب كل ترسبات دهنيه في شرايين الإنسان ، وبعضهم يقول : عمر الإنسان من عمر شرايينه ، فهناك من يفسر السَكر هو الخل ، وهناك من يفسر السَكر هو الشراب الطيب الطعم ، الحلو المذاق ، أو الطبخ ، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يضع بعض حبات التمر في وعاء ماء ، ويشربه صباحاً ، وكان عليه الصلاة والسلام يشرب العسل شربا لا لعقًا ، إذ يذيب ملعقة عسل في كأس ماء ، ويشربه صباحاً ، يأتي ممدَّدًا لطيفاً ، هيناً هضمه ، ووقعه على المعدة خفيف ، فكان عليه الصلاة والسلام يحب شربة العسل ، فشربة العسل إن لم يكن شربة عسل فشربة من نقيع التمر أو نقيع العنب ، فالشراب المصنوع من العنب ، أو من التمر ، أو الطبخ الحلو المذاق ، أو الخل ، هذه المعاني كلها مستنبطة من كلمة ( سَكراً ) على أن الآية محكمة ، فإذا كانت إشارة إلى الخمر فالآية منسوخة بالآيتين الأخريين ، وهي قوله تعالى :

( سورة النساء : الآية 43)

المرحلة الثالثة :

    وبعضهم قال : الآية موجهة إلى المشركين ، أنتم أيها المشركون تتخذون من ثمرات النخيل والأعناب سَكراً ، شراباً تشربونه يذهب عقولكم .

    والقرآن كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه حمَّالُ أوجُهٍ ، أي كل هذه المعاني مستفادة من كلمة سكراً ، لكن أوجه التفسيرات :

    معنى ذلك أن السَكر ليس رزقا حسناً ، مما يرجح أن تكون الآية تعني بالسَكر الخمر أنها ليست رزقاً حسناً .

    إذاً أيها المؤمنون ، كلوا من ثمرات النخيل والأعناب ، ولا تتخذوا منها سكراً ، طبعاً في الآيات اللاحقة يتضح هذا المعنى :

ثم قال تعالى :

 

    أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في الدرس القادم إلى توضيح مملكة النحل ، وما فيها من عجائب ، فمملكة النحل يصح أن نسميها مملكة ، لأن فيها نظاماً عجيباً يعجز عنه البشر ، ويعجز البشر أن يطبقوه على نفوسهم ، إنه نظام عجيب ، وآيات محكمة ، ودلائل باهرة على عظمة الله سبحانه وتعالى ، فهذه النحلة أين تعلمت ؟ وفي الهندسة أشكالاً ، منها شكل المربع ، والمخمس ، والمسدس ، والسباعي   والثماني ، والتساعي ، كل هذه الأشكال إذا ضممتها إلى بعضها يبقى فيما بينها فراغات بينيه ، إلا الشكل المسدس ، فإذا ضممته إلى بعضه صار قطعة واحدة ، فالشكل المسدس هو الشكل الهندسي الوحيد الذي إذا جمعته إلى بعضه بعضا لا يبقى فيما بينه أي فراغ بين ، فمن علم النحلة بيوت عسلها على شكل مسدس ؟ من ؟ الحديث عن الشمع ، وعن الخلية وعن الملكة ، وعن الذكور ، وعن النحلات العاملات ، والنحلات الحارسات ، والنحلات الوصيفات ، والنحلات اللاتي يأخذن كلمة السر ، وعن النحلات المنظفات ، ورحلة النحلة ، وطريقة مصها لرحيق الأزهار ، ورقص النحل ، وعن نوع العسل ، وعن اختلاف ألوانه ، وعن أنواع شفائه ، فإنه موضوع شيق جداً ، وفيه أدلة واضحة على عظمة الله عز وجل ، يكفي أن أذكر لكم أن كيلو غراماً من العسل هو حصيلة طيران طوله أربعمئة ألف كيلومتر ، فلو أننا كلفنا نحلة واحدة أن تصنع لنا كيلو غرامًا من العسل لوجب أن تطير حول الأرض في خط الاستواء عشر دورات .

   أيها الإخوة الأكارم ، العسل إلى أن يكون دواء أقرب منه إلى يكون غذاء ، بل إن العسل كما وصفه بعض العلماء صيدلية كاملة ، ألم يقل الله عز وجل :

    هناك تفصيلات ، وإشارات ، وتوضيحات أسمعكم إياها في الدرس القادم فيما يتعلق بموضوع النحل والعسل ، وليست العبرة أن نشتري العسل ونأكله ، بل إن تفكرك في النحل ، وفي طريقة صنع العسل هو وحده يقدم لك أكبر برهان على عظمة الله ، وإذا فكرت في النحل ، فقد حققت الهدف من خلقه من دون أن تأكله ، فإذا أكلته كان نعمة يلزمك أن تشكر الله عليها ، فأكل العسل شيء ، والتفكر في عظمة خلق الله عز وجل شيء آخر .

    كما عودتكم في الدرس الماضي ، هناك إخوة أكارم اقترحوا علي أن أعود إلى طريقتي السابقة في معالجة موضوع علمي في نهاية الدرس ، ألزمت نفسي أن أعالج إن شاء الله تعالى في كل درس موضوعاً علمياً أذكره بشكل موجز في نهاية الخطبة في جامع النابلسي .

    موضوع اليوم كان عن الكرية الحمراء ، من منا لم ير الدم ، الدم معروف ، وكل الحاضرين فيهم دم طبعاً ، هذا الدم مؤلف من كريات ، ففي الإنسان خمسة وعشرون مليون مليُون كرية حمراء ، وفي الميليمتر المكعب ما يزيد على خمسة ملايين كرية حمراء ، وقطر الكرية الحمراء سبع ميكرونات ، وهذه الخلية الحمراء تصنع في مجموعة معامل ، أبرزها نقي العظام ، فحينما تشتري عظماً بلحمه ، وتطبخ هذا العظم مع اللحم ، ويأتي ابنك الصغير ليأكل لباب العظم ، هذه الأسطوانة السوداء التي ينعم بها ابنك حينما يأكلها هي نقي العظام ، هنا تصنع كريات الدم الحمر، وهذا المصنع يصنع في الثانية الواحدة اثنين ونصف مليون كرية ، وهذه الكرية الحمراء تعمِّر مئة وعشرين يوماً ، وبعدها تموت ، وتجري مراسم الدفن في الطحال ، فالطحال مقبرة للكريات الحمر ، وفي كل يوم تجول ألف وخمسمئة جولة في الدم ، تقطع في عمرها ألفاً ومئة وخمسين كيلومتراً ، فالكرية الحمراء ، التي قطرها سبع ميكرونات ، والتي تعيش مئة وعشرين يوماً ، تقطع في حياتها طريقاً طوله ألف ومئة وخمسون كيلومتراً ، وتنقل للأنسجة ستمئة لتر من الأوكسجين ، أحياناً الإنسان يشعر أن يده نملت ، أو تخدرت ، يكون الدم قد قلّ وروده إلى الأنسجة ، فيأتي الدم الذي يحمل الأوكسجين إلى الأنسجة والخلايا والأعضاء والأجهزة ، وكل مكان في الجسم ، وتأخذ هذه الكرية من ناتج الاحتراق غاز الفحم ، وتعيده إلى الرئة ليخرج في الزفير ، هذه العملية نقل الأوكسجين ، وأخذ غاز الفحم ، ولذلك سمى العلماء كرية الدم الحمراء حمالاً لا يعرف التعب أبداً ، منذ أن تلد إلى أن تموت .

    الشيء الذي يلفت النظر أنه يتم صنعها من ثلاثة إلى خمسة أيام ، فيها يجري تصنيع الكرية الحمراء ، وكما قلت قبل قليل : مصانع الكريات الحمر في نقي العظام تنتج في كل ثانية واحدة اثنين ونصف مليون كُرية ، وأنشط المراكز العمود الفقري ، وبعدها ريش الصدر ، وبعدها عظم القص ، وبعدها تأتي عظام الأطراف ، لكن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة جعل لهذه المعامل معامل احتياطية ، فلو أنها توقفت عن العمل يعود الطحال والكبد ليصنع كريات الدم الحمر ، وفي أثناء عمل نقي العظام يصبح الطحال والكبد مستودعاً لكريات الدم الحمر ، فإذا تلقى الكبد أمراً من الكظر بطرح كميات من الكريات في الدم ، يأخذ من مخزونه ، ويطرح في الدم ، أما إذا توقفت المعامل عن العمل فينقلب الكبد والطحال إلى معملين يصنعان كريات الدم الحمر .

    والشيء العجيب أن الإنسان فيه كمية دم محددة ، فلو فرضنا أنه احتجم في هذه الأيام ، أو أنه تبرع بالدم ، خلال أربع وعشرين ساعة يعود الدم إلى حجمه الطبيعي ، فأيّ آلية حصلت ؟ وهناك مركز بالغ الحساسية يعمل على مراقبة الدم باستمرار ، وهذا المركز موجود في الكليتين ، فإذا نقصت كمية الدم عن حجمها الدقيق أرسل هذا المركز أمراً هرمونياً إلى معامل كريات الدم الحمر يحثها فيه على مضاعفة الإنتاج ، وإذا زادت كمية الدم عن حدها الطبيعي ، وارتفع الضغط ، وكان الإنسان في حالة خطرة يصدر هذا المركز أمراً إلى معامل كريات الدم الحمر بتقليل الإنتاج ، ولذلك أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نحتجم ، لماذا ؟ هناك أسباب كثيرة تحدثت عنها في خطبة سابقة .

    موضوع الشقيقة ، وموضوع آلام الرأس ، وموضوع تميع الدم ، وازدياد حجم الدم ، وفي الحديث : (( مَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَلاَ يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ )) .

[ابن ماجه عن أنس ]

    التبيّغ ثوران الدم ، لكن السبب الرئيسي هو أنه كلما قلَّت كمية الدم في الشرايين تنشطت المعامل ، معامل الكريات الحمر ، وهناك مرض خطير اسمه فقر الدم اللامصنع ، وذلك أن الكليتين تتوقفان كلياً عن العمل ، ويسمى هبوطًا مفاجئًا في وظائف الكليتين ، كذلك يتوقف نقي العظام فجأة عن تصنيع الكريات من دون سبب ، والعلماء إلى الآن لا يعرفون السبب ، يقولون : هذا المرض مجهول السبب ، فقر الدم اللامصنع ، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، أمرنا أن نحجتم في كل عام مرة أو مرتين ، لأن نقص الدم في الشرايين يدعو مركز تعير الدم في الكليتين إلى تنبيه المعامل لزيادة إنتاجها ، وفي هذا تنشيط لها ، وصيانة لها من الموت المفاجئ ، ففي الحجامة صيانة ، وتنشيط لمعامل نقي الدم ، وهذا الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( مَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَلاَ يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ )) .

[ابن ماجه عن أنس ]

    والشيء الأساسي هو أن العلاقة واضحة بين الكلية وبين ضغط الدم ، يُقال : ارتفع معه الضغط فجأة ، لأنه معه التهاب كلوي ، فما علاقة التهاب الكلية بارتفاع ضغط الدم ؟ لأن مركز تعير الدم موجود في الكليتين .

( سورة لقمان : 11 )

ماذا فعلوا .

( سورة النمل : 88 )

    والله سبحانه وتعالى أمرنا أن ننظر في هذه الآيات فقال سبحانه :

( سورة الذاريات : 21 )

    مرة وقفت أمام مكتبة فوجدت كتاباً يزيد حجمه على ألف صفحة ، مكتوب عليه : أمراض الدم ، قلت : سبحان الله ! اختصاص كامل يعطى الإنسان أعلى درجة علمية ، لأنه عرف طرفاً من أمراض الدم .

وتحسب أنك جرم صغير      وفيك انطوى العالم الأكبر

***