English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "15 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 66 – 70 عن فوائد المخلوقات ، أو فضل الله علينا أن خلق لنا المخلوقات ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس عشر من سورة النحل .

    في الدرس الماضي أشرت إلى أن الله سبحانه وتعالى وضع بين أيدينا آية دالة على عظمته ، أننا نعتمد في غذائنا في الدرجة الأولى على الألبان ومشتقاتها ، والألبان كما نرى بأعيننا نأخذها من الأبقار والأغنام ، والإبل ، في الدرجة الأولى من الأبقار والأغنام ، وأن هذه الألبان كما قال الله تعالى تخرج :

(سورة النحل : 66)

    فلو وقفنا عند تركيب الحليب لأخذتنا الدهشة ، إذ أن واحداً وتسعين في المئة من وزنه ماء ، وهذا الماء هو الوسط الذي تجول فيه المواد الغذائية ، والمعادن ، والفيتامينات ، وأشباه المعادن ، وما إلى ذلك .

    شيء آخر ، في الحليب مواد دسمة على شكل كريات صغيرة جداً عالقة في هذا الوسط ، وإن وزنها النوعي يجعلها تطفو على سطحه .

    وفي الحليب أيضاً مواد سكرية ، فإذا أردت أن تحلي كأساً من الحليب تحتاج إلى سكر قليل لا إلى كمية كبيرة ، وهذا دليل على وجود السكر الذي يعد من أرقى أنواع السكريات .

    وشيء آخر ، في الحليب مواد بروتينية ، وهذه المواد مرممة للخلية ، أربعة أو خمسة أنواع من المواد البروتينية موجودة في الحليب .

    وشيء ثالث ، هناك معادن ، وفي مقدمتها الكالسيوم والفوسفور ، ولا يخفى عليكم أن الكالسيوم يعني الكلس ، وهو مهم جداً في بناء العظام والأسنان ، لذلك ينصح للرضيع  والحوامل أن يشربن الحليب ، لعلاقته بترميم العظام .

    شيء آخر ، هناك فيتامينات مهمة جداً في الحليب ، فتامين ـ آ ـ ب ـ س ـ د ، وهناك غازات منحلة في الحليب ، غاز الكربون ، والأوكسجين ، والآزوت ، ويعد الحليب غذاءً كاملاً .

    أما الشيء الذي يحير الألباب فكيف يتحول الدم إلى حليب ، أولاً : ضرع البقرة الذي ترونه بأم أعينكم ، لو شرحناه لوجدنا في داخله غشاءً سميكاً يقسمه قسمين بالتساوي ، وكل قسم من هذين القسمين فيه غشاء عرضاني يقسمه قسمين ، فضرع البقرة مقسم إلى أربعة أقسام بالتساوي ، وكل قسم مُنْتَهٍ بحلمة مؤلفة من عضلات دائرية ملساء ، تغلق الفتحة إغلاقاً محكمة ، وبآلية عجيبة ، تفتح هذه الحلمة الطريق ليخرج اللبن إلى الوعاء الذي نحلب فيه ، ولكن السؤال الكبير كيف يصبح الدم حليباً ؟

    هذا الوعاء ، أو هذا الحوض الذي في ضرع البقرة في أعلاه غدد ثديية ، هذه الغدد مقسمة إلى فصوص ، وهذه الفصوص مقسمة إلى فصيفصات ، وهذه الفصيفصات مقسمة إلى كريات ، كل كرة اسمها سنخ ، هذا السنخ عبارة عن كرة محاطة بخلايا غشائية ، هذه الخلايا محاطة بشعريات دموية ، مهمة هذه الخلايا حتى هذه الساعة مجهولة تماماً ، خلية تأخذ من الشعريات الدموية ما تشاء ، وتفرز إلى حوض الكرة الحليب الذي يتجمع في أقنية تصب في ضرع البقرة ، سنأخذه مساءً عن طريق حلبها ، كيف يتم انتقال الدم إلى الحليب عند عقدة معقدة هي هذه الخلية الغشائية المتوضعة على غشاء السنخ ، ومجموعة الأسناخ تؤلف الفويصص ، ومجموعة الفوصيفصات ، تؤلف الفصوص ، ثم الغدة الثديية ؟ يا سبحان الله ! خلية غير عاقلة تستطيع أن تأخذ من الدم الفوسفور ، والكالسيوم ، والفيتامينات ، والسكريات  ، والبروتينات ، والمواد الدسمة ، وتخلطها مع بعضها خلطاً محكماً ، مع البكتريات والخمائر ، وتصبها في حوض السنخ ، وأحواض الأسناخ تتجمع في قناة تصب في حوض رباعي ، يعد ربع ضرع البقرة ، هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى .

    أما السؤال الذي يطرح نفسه : كم هي كمية الدم التي يصنع منها الحليب ؟ لو حلبت البقرة مثلاً لتراً من الحليب ، فكم لتراً في الشعريات من الدم حتى أنتج منه الضرع لتراً من الحليب ؟ قال العلماء : من ثلاثمئة حجم إلى أربعمئة حجم من الدم تستطيع أن تصنع منها حجماً واحداً من الحليب ، فإلى أن يمر ثلاثمئة لتر من الدم  في الشعريات المحيطة بالأسناخ حتى يصنع لترًا واحدًا من الحليب ، هذه آية كبرى من آيات الله .

    شيء آخر يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى ، حينما تولد البقرة ، من ستة أيام إلى عشرة أيام يكف الضرع عن صنع الحليب ، ويفرز الضرع مادة صفراء لزجة ذات قوام مر اسمها اللبأ ، هذه المادة فيها كمية من المصول ، واللقاحات ، والمناعات ، التي تملكها الأم  ، وفيها مواد دسمة ، ومكثفة ، وفيها مواد بروتينية ، من أجل أن تكون غذاء مكثفاً ، ووقائياً للعجل في أول عهده بالرضاعة ، فَيَدُ مَن التي أشرفت على صنع اللبأ ، وأوقفت صنع الحليب ؟ يقول العلماء : إن اللبأ يختلف في طبيعته وتركيبه الكيماوي اختلافاً كبيراً عن الحليب الطبيعي ، اللبأ له رائحة قوية ، وطعم يميل إلى المرارة ، ولون أصفر محمر خفيف ، ولزوجة عالية ، ويحتوي على نسبة عالية من بروتينات المناعة ، وبروتينات المصل ، والأملاح المعدنية ، بينما يكون الحليب الطبيعي سائلاً غير شفاف ، أبيض اللون ، أو ضاربًا إلى الصفرة ، لا رائحة له ، فاللبأ يناسب نمو الحيوان الرضيع ، ويكسبه مناعة ، وبعد الولادة بحوالي ستة أيام إلى عشرة تعود البقرة لإنتاج الحليب الطبيعي ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

    الذي أريد أن أقف عنده أن حجماً واحداً من الحليب يحتاج إلى ثلاثمئة حجم من الدم ، كل أربعمئة حجم ، أو ثلاثمئة حجم من الدم يصنع منها حجم واحد من الحليب ، فما هذا المصنع الذي أمام أعيننا ؟ وما عظمة الخالق جل جلاله شأنه في تقديم هذا اللبن السائغ للشاربين ؟ إنه آيه من آيات الله سبحانه وتعالى ، يقول بعض العلماء : تعد الغدة الثديية المتطورة للبقرة المعمل الحيوي الذي يقوم بتكوين وإفراز الحليب ، بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، ولذلك فالبقرة الآن يزيد ثمنها على سبعين أو ثمانين ألف ليرة ، لأنها تدر كل يوم من ثلاثين إلى أربعين كيلو غراماً من الحليب ، إنه معمل قائم بذاته ، تأكل الحشيش ، وتقدم الحليب ، والحليب وما أدراكم عن بنيته وتركيبه ، أملاح ، ومعادن ، وأشباه معادن ، وبروتينات ، وفيتامينات ، وغازات منحلة ، وسكر ، ودسم وماء ، هذا كله من تخطيط الله سبحانه وتعالى ، ومن خَلقه العجيب .

    فالشيء الذي لفت نظري في نشرة تمّ إعدادها في موضوع اللبن ، وكيف يصنع في ثدي البقرة ، يقول بعض العلماء : إن تحول الدم من مكوناته الأساسية ، ثم طرحه في تجويف السنخ ، ومنه إلى قنوات الحليب ، ثم إلى حوض الغدة ، ومنه إلى حوض الحلمة ، ثم إلى الخارج عن طريق فتحة الحلمة ، بطريقة ما غير معروفة تماماً ، فكيف أن هذه الخلية ، هنا شعريات دموية ، وهنا أقنية للحليب ، فكيف تأخذ من الحليب ما تشاء ؟ وكيف يتم تصنيع اللبن في هذه الخلية ؟ حتى الآن هذا غير معروف تماماً .

    أيها الإخوة الأكارم ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

( سورة عبس : 24 )

( سورة الطارق : 5 )

    انظر إلى خلقك ، وانظر إلى طعامك ، تعرف نعمة الإيجاد ، وتعرف نعمة الإمداد ، نحن مخلوقون ، ولكن مَن أمدّنا بهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، ألا ينبغي أن نطيعه ؟ ألا ينبغي أن نسجد له ؟ ألا ينبغي أن نحبه ؟ ألا ينبغي أن نخلص له ؟

    أيضاً موضوع النخيل موضوع قائم بذاته ، فهناك حقائق مذهلة عن النخيل ، إن النخلة قد تعمر ستة آلاف عام ، وإن ثمرة النخيل ، وهي التمر فيها ما يزيد على ثمانٍ وأربعين مادة غذائية ومعدنية  ، تكاد التمرة أن تكون صيدلية ، فمن مواد سكرية ، وفيتامينات ، ومعادن  وأشباه معادن ، وأملاح ، وما إلى ذلك ، وإن التمر بطبيعة تركيزه الشديدة فإنه لا يقبل التلوث ، فيه مواد مسكنة ، ومهدئة وقابضة ، وموسعة للشرايين ، وفيه مواد تعين على حركة الأمعاء ، ومواد تمنع النزيف ، لذلك لما ربنا عز وجل قال :

( سورة مريم )

    انتبه العلماء إلى أن الغذاء المثالي الذي ينتقل من فم المرأة التي توشك أن تضع إلى دمها في عشرين دقيقة ، من الفم إلى الدم ، مرت التمرة بالبلعوم ، والفم ، وبالمريء ، والمعدة ، والأمعاء الدقيقة ، وامتصها الدم في أقل من عشرين دقيقة ، وهذا التمر يعين على حركة الأمعاء ، ويلينها ، ويمنع النزيف ، ويعين على تقلصات الرحم ، ولذلك فربنا سبحانه وتعالى يقول :

(سورة النحل : 25 ـ26)

    بينت لكم في الدرس الماضي كيف أن كلمة سَكر تحتمل معنيين ، إما معنى الشراب المُسكر ، أو ما فسره بعض العلماء من أنه الخل ، أو أيّ شراب حلو الطعم والمذاق ، إذا ألقينا بضع تمرات ، أو عصير العنب في الماء وشربناه ، فهذا ما تعنيه الآية ، أما أن يكون مُسكراً فالآية منسوخة بقوله تعالى :

( سورة المائدة : 90)

    وإما أن هذه الآية فيها أول إشارة إلى أن الخمر ليس رزقاً حسناً.

    فحينما وصف الرزق بأنه حسن إذاً هذا السَكر هو رزق ليس بحسن ، فإذا حملنا معنى كلمة ( سكراً ) على أنه الشراب المسكر فالله سبحانه وتعالى جعل من هذه الآية إشارة أولية لطيفة إلى تحريم الخمر ، وفي آيات لاحقة ، إلى قوله تعالى :

( سورة النساء : 43)

    وفي التحريم النهائي :

( سورة المائدة : 90)

    أما أن نعد السكر هو الخل ، أو كل شراب حلو المذاق ، فهذا تفسير آخر مقبول ، ويرجح أن كلمة ( سكرًا ) هو الشراب الحلو المذاق الذي لا يسكر أن الله سبحانه وتعالى لا يمتن على عباده فيما حرم عليهم ،

    وإذا أردنا من معنى كلمة ( سكرًا ) الشراب المسكر ، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يخاطب المشركين ، أهل مكة ، وكانوا يشربون الخمر ليلفت نظرهم إلى ثمرات النخيل والأعناب ،

    ثم قال تعالى :

    فالوحي هنا ليس بمعنى الوحي المعروف للأنبياء ، إنما هو وحي الإلهام ،

    هذه ياء المؤنثة المخاطبة ، إذاً النحلات العاملات هن المعنيات في هذه الآية ، من يعرف ذلك ؟ من في عصر النبي عليه الصلاة والسلام يعرف أن من النحل ذكوراً ، ومن النحل إناثاً ، ومن النحل ملكةً ، وأن الملكة لها مهمة خاصة ، والذكور مهمتها تلقيح الملكة ، وأن النحلات الإناث هن المعنيات بهذا الخطاب ؟

    إما أن يتخذ النحل تجاويف الأشجار خلايا له ، أو كهوف الجبال خلايا له ، أو يتخذ له بيوتاً خاصة يصنعها الإنسان :

    وهذه هي خلايا النحل .

    والعلماء يقولون : إن النحل لا يبدأ بالبحث عن رحيق الأزهار إلا بعد أن يستقر في بيته ، ولذلك جاءت (ثم ) هنا بالترتيب على التراخي ، بعد أن يستقر النحل في خليته ، أو في تجاويف الأشجار ، أو في كهوف الجبال ، عندئذٍ ينطلق من هذه الأماكن ، ليبحث عن رحيق الأزهار ، إذاً :

    

    موضوعات عن النحل لطيفة ، وقد أحصاها العلماء ، ولكن لا سبيل إلى استقصائها في هذا الدرس ، والنحلة كما يقول بعض العلماء : هي الحشرة الوحيدة التي تستطيع تخزين رحيق الأزهار من أجل الغذاء ، فتنطلق النحلات العاملات من الخلايا ، وتجوب الحقول والبساتين ، من أجل أن تمتص رحيق الأزهار .

    وأول ملاحظة أن هذه النحلة لا تقع على زهرة قد امتُص رحيقها ، لأن النحلة التي امتصت رحيقها تترك أثراً أو علامة تشعر النحلة التالية أن هذه الزهرة قد امتص رحيقها ، من أجل توفير الوقت والجهد .

    شيء آخر قاله العلماء : لكي تحصل النحلة على قطرة واحدة من الرحيق فإنها تضطر أن تزور من 500 ، إلى 1100 زهرة من أجل قطرة واحدة من الرحيق ، وإذا أردنا أن نحصل على مئة غرام من الرحيق ، فتحتاج النحلة إلى أن تزور مليون زهرة ، أما من أجل أن نحصل على كيلو غرام واحد من العسل فتحتاج النحلة أن تطير مسافة تزيد على 400 ألف كيلو متر ، فمحيط الأرض كلها 40 ألف كيلو متر ، يجب أن تطير نحلة واحدة حول الأرض عشر مرات تبحث عن الأزهار من أجل أن تصنع لنا كيلو غرامًا واحداً من العسل ، والنحلة وهي  تطير منطلقة إلى البساتين والحقول سرعتها تزيد على خمسة وستين كيلو متراً في الساعة ، أما إذا عادت إلى الخلية محملة برحيق الأزهار عندئذٍ سرعتها لا تزيد على ثلاثين كيلو متراً ، من يصدق أنها في طريق العودة تصنع العسل ، وتفرز الخمائر من أحشائها ، على مستودعات الرحيق ، وتبدأ في صناعة العسل ، وهي في أثناء الطيران في رحلة العودة ؟

    والآن هناك بواخر تأخذ المواد الأولية من أستراليا ، وتصنّعها في الطريق ، وتتوجه البواخر إلى موانئ التصدير ، ويعد هذا ذكاء بارعاً في هذه الدول المصنعة ، أنها من أجل أن توفر الوقت والجهد ترسل معامل فوق البواخر ، فتأخذ المواد الأولية من قارة ، وتصنّعها في أثناء الطريق ، و تبيعها في موانئ التصدير ، أو موانئ الاستيراد .

    هذه النحلة تبدأ بصنع العسل في رحلة العودة ، من أجل توفير الوقت والجهد ، وإذا كان هناك موسم طيب ، فإن النحلة تدفع برحيقها عند باب الخلية إلى نحلة أخرى ، وتعود أدراجها إلى الحقل ، كي تستفيد من الوقت ، وفي الخلية نظام رائع جداً .

    أولاً : فيها ملكة مهمتها أن تبيض ، وبيضها في اليوم بالمئات ، بل بالألوف ، وهذه الملكة تذهب إلى مكان الذكور فتلد الذكور ، وتذهب إلى مكان العاملات الإناث فتلد الإناث ، وتذهب إلى مكان الملكات فتلد الملكات ، فمن أعلمها أن في بطنها ملكة ؟ أو أنثى ؟ أو ذكر ؟ هذا من الأشياء التي تدعو إلى التأمل العجيب .

    امرأة تحمل دكتوراه في الطب ، لو أنها تزوجت ، وحملت من زوجها ، فهل تعرف نوع جنينها بنفسها ؟ لا ، أما هذه النحلة الملكة فتعرف نوع المولود .

    شيء آخر ، للملكة حكمة ، وهي أداة دفاعية ، لا تستخدمها إلا في حالة واحدة ، إذا قامت ملكة أخرى تنافسها على ملكها ، ولا تلدغ الملكة الإنسان أبداً ، ولا تلدغ أي جهة أخرى ، لا تستخدم حمتها إلا في لدغ ملكة أخرى ، ولها وصيفات ، وقسم من النحلات العاملات موكل بخدمة الملكة ، إذ تذهب هذه النحلات إلى أماكن الأزهار ، فتأخذ غبار الطلع ، وغبار الطلع غذاء دسم جداً ، مفعم بالمواد البروتينية ، تصب عليه رحيق الأزهار ، وتعجنه ، وتقدمه طعاماً ملكياً ، نفيساً للملكة ، هذه النحلات الوصيفات ، وهناك نحلات حارسات لا تسمح لأية نحلة بدخول الخلية .

    ولكل خلية كلمة سر ، فلو أن في الحقول عشرة آلاف خلية نحل فلا يمكن أن تدخل نحلة إلى غير خليتها أبداً ، عن طريق النحلات الحارسات اللاتي لا يسمحن لأية نحلة بدخول الخلية إلا إذا كانت النحلة تعرف كلمة السر ، وهناك نحلات مهمتهن تجديد الهواء في الخلية ، فإذا كان الجو صيفاً وقفت النحلات على باب الخلية ، ورفرفت بأجنحتها ، فنشأ تيار يدخل إلى الخلية ، فيعدل من جوها ، وإذا كان الجو بارداً وفقت هذه النحلات الموكلات بجو الخلية فأغلقت النوافذ من أجل الحفاظ على الحرارة ، هناك نحلات منظفات ، أيّة نحلة عادت إلى الخلية قذرة تقتل ، فجزاء القذارة عنده النحل القتل ، وأيّة حشرة دخلت إلى الخلية تسحبها النحلات المنظفات إلى خارج الخلية ، فإذا كانت الحشرة كبيرة ، لا تستطيع النحلات سحبها إلى الخارج ، تحيطها بطبقة شمعية ، وتغلفها ، وتمنع فسادها ، وانتشار رائحتها الكريهة ، إنه عالم قائم بذاته ، فإذا عادت النحلة العاملة من حقل الأزهار ، وكان حقل الأزهار يبعد عن الخلية خمسين متراً ترقص رقصةً تعلم رفيقاتها بأن البعد لا يزيد على خمسين متراً ، ومسافة مئتي متر لها رقصة خاصة ، وكذا أربعمئة متر ، وستمئة متر ، فإذا كانت المسافة تزيد على خمسة كيلو مترات فهناك رقصة خاصة ، إنها أداة إعلامية رائعة جداً ، والنحلة الطليعية تذهب إلى الحقول ، وتكتشف بُعدها عن الخلية ، وعندما تعود ترقص رقصةً تحدد لبقية النحلات العاملات بُعْدَ حقول الأزهار عن الخلية .

    شيء آخر ، هناك نحلات مختصات ، مهندسات بصناعة البيت الشمعي ، مَن علم النحلة أن أنسب شكل هندسي هو الشكل السداسي ؟ فلو كان الشكل دائرياً لتركت الدوائر فيما بينها فراغات بينية ، ولو كان الشكل مستطيلاً ، أو مربعاً لما كان بقوة الشكل السداسي ، والشكل المربع والمستطيل يترك في أطراف الخلية مسافات كبيرة ، أما الشكل الذي لا يدع فراغات بينية ، ولا فراغات على أطراف الخلية فهو الشكل السداسي .

    والشيء الأعجب من ذلك أن النحلات المهندسات حينما يبنين البيت السداسي تبدأ كل فرقة من النحلات المهندسات ببناء القرص الشمعي من طرف ، أشكال مسدسة بالغة الدقة ، وتجتمع النحلات المهندسات فتلتقي على بيت سداسي نظامي ، فإذا كان هذا بإمكان الإنسان فأنا مستعد للمناقشة ، أيستطيع معلم كبير في البلاط أن يبدأ بلاط هذا المسجد من ذاك المكان ، ومعلم آخر يبدأ من هذا المكان ، ويلتقي المعلمان على بلاطة نظامية ، ذات أبعاد متساوية ؟ هذا مستحيل ، يبدآن من هنا فيقصان البلاط ، و يبدآن من هناك فيقصان البلاط ، أما أن يبدآ من هنا ، وبلاط من هنا ، ويجتمعان على بلاط نظامي فهذا شيء مستحيل ، وهكذا تفعل النحلات العاملات ، نحلات مهندسات ، نحلات ومنظفات ، ونحلات حارسات ، ونحلات لكلمة السر ، ونحلات للتهوية ، ونحلات لتكثيف الرحيق ، وهناك نحلات تأخذ الرحيق ، وتطير به في الجو فتكثفه ، لأن العسل يبقى محافظاً على قيمته ، وعلى قوامه سنوات طويلة  بفضل لزوجته ، فلو كانت الرطوبة أكثر من ذلك لفسد العسل .

    الآن النحلة مخيرة أن تأكل من كل الثمرات ، من كل أنواع الأزهار ، وتمتص رحيقها .

    هنا الآية .

    الآن طائرة تحتاج إلى أجهزة اتصال ، وإلى بوصلة ، وإحداثيات ، وأماكن بث ، ومحطات بث في الطريق ، هذه المحطات تعلمها في مكانها أجهزة بالغة التعقيد ، موجودة في الطائرة ، اتصالات لاسلكية مستمرة مع المطارات من أجل أن يحدد الطيار موقع الطائرة ، عنده خرائط ، وأجهزة ارتفاع ، وأجهزة مساحة  ، وبوصلة ، ولاسلكي ، واتصالات ، ومحطات بث ، وهو يحمل شهادات عليا ، أما هذه النحلة إذا غابت الشمس ، أو قبل أن تغيب ، إذا ابتعدت عن خليتها عدة كيلو مترات ، وكانت التضاريس منوعة ، كيف تهتدي إلى خليتها ؟ هذا يتم عن طريق هداية الله سبحانه وتعالى :

    فالله سبحانه وتعالى ذلل للنحلة طريق العودة ، اذهبي إلى حقول الأزهار ، وعودي إلى خليتك في أمان الله ،

    فهناك عسل أسود ، وعسل بني ، وعسل أصفر، وعسل قريب من اللون الأبيض ، وعسل ذو لون زهري ... وألوان ملونة ، لكن العلماء اكتشفوا أن كل لون من ألوان العسل سببه اختلاف تربة الأرض ، واختلاف رحيق الأزهار ، و ربما كان كل لون يفيد في نوع ما من الشفاء أكثر من غيره .

    هناك كتب كثيرة ألفت عن العسل شفاء ، حتى إن بعض العلماء قال : العسل صيدلية كاملة ، فالعسل قبل كل شيء وسط غير صالح لنمو الجراثيم ، والبكتريات ، والفطريات ، فهو يقتل الجراثيم  والفطريات ، والبكتريات ، لذلك جميع أمراض جهاز الهضم الإنتانية التي سببها الجراثيم ، والتلوث ، مثل الزحار ، الدزنتري ، وكل الأمراض المعوية الإنتانية علاجها بالعسل ، وعندي صور لأمعاء فيها جراثيم بأعداد كبيرة جداً ، وبعد يومين من تناول العسل اختفى معظمها ، ومات ، فالعسل بيئة قاتلة لكل الجراثيم ، والبكتريات ، والفطريات .

    شيء آخر ، العسل علاج لفقر الدم ، فقر الدم متعلق بنسبة الخضاب في الدم ، والإنسان الذي يشكو فقر الدم إذا تناول العسل ارتفعت نسبة الخضاب من سبع وخمسين بالمئة إلى ثمانين بالمئة ، والعسل علاج للجروح .

    حدثني طبيب جراح من كبار أطباء الجراحة قال لي : إذا جاءتني حالات عسرة من جروح متطورة ، أفتح الجرح وأنظفه ، وأضع فيه كمية من العسل ، وهكذا تعلم في بريطانيا ، أن الجروح المستعصية علاجها بالعسل ، وربنا عز وجل قال :

    العسل يعد شفاء لأمراض جهاز التنفس ، القسم العلوي ، وكل أنواع الحمى الراشحة  وضيق التنفس ، والربو  ، هذا كله يعالج بالعسل ، والعسل أيضاً علاج ناجع لأمراض الرئة ، وجهاز التنفس القسم العلوي ، الرغامى ، والحَنجرة ، وقسم سفلي ، الرئتان ، العسل يعد علاجاً فعالاً لأمراض جهاز التنفس ، ذات القسم العلوي ، وذات القسم السفلي ، ويعد العسل غذاءً ضرورياً لمرضى القلب ، لأن عضلة القلب غذاؤها الفعال هو العسل ، والمادة السكرية ذات الأداء العالي في الإنسان هي العسل ، لذلك مرضى القلب محتاجون إلى أن يتناولوا العسل كل يوم ، ويعد العسل علاجاً لأمراض المعدة والأمعاء ، فيستطيع من يشكو الحموضة العالية في أمعائه ، وفي جهازه الهضمي أن يأكل العسل ، فتعدل الحموضة ، وتمتص المواد المخرشة في جهاز الهضم ، ويعد العسل أيضاً علاجاً لأمراض الكبد ، يقي تشمع الكبد ، ويعد منشطاً من الطراز الأول لوظائف الكبد ، ويعد العسل علاجاً لأمراض الجهاز العصبي ، فيه مواد مسكنة ، ومن يشكو اختلاجات في أعضائه ، واضطرابات ، وتوتر عالٍ فالعسل فيه مواد مهدئة ، ومسكنة ، ويعد علاجاً لأمراض الجهاز العصبي ، وهذا الكلام كله مأخوذ من علماء أجانب ، لا يعرفون الله إطلاقاً ، ولم يقرؤوا هذا القرآن أبداً ، بل عن طريق التحليل ، والدرس ، والتجريب ، والبحث .

    شيء آخر ، يستعمل العسل كعلاج للأمراض الجلدية ، على شكل مراهم ، فبعض الدمامل ، وبعض البثور ، والتخرشات ، وبعض الأمراض الجلدية يستخدم لها العسل كضمادات ، ويعد العسل علاجاً فعالاً لأمراض العين ، ولاسيما التهاب القرنية ، وعلاجاً فعالاً لمرض السكر ، مع أنه حلو المذاق ، وفيه كمية سكر عالية جداً ، إلا أنه لا يزيد مرض السكر خطورة ، وعلاجاً فعالاً لاضطرابات طرح البول ، أي اضطرابات الكليتين ، وعلاجاً فعالاً للأرق ، وأمراض الجهاز العصبي .

    أما الشيء الغريب أنه لم يثبت وجود حالة سرطان واحدة في النحالين ، الذين يعملون في     المناحل ، وتفسير هذه الظاهرة عجيب ، كأن العسل أيضاً له علاقة بمرض السرطان الخبيث ، والعسل فوق كل ذلك علاج للأمراض النسائية ، ففي أول الحمل تمر فترة صعبة جداً على الحامل ، تقيؤ وغثيان ، وانحطاط قوى ، وتشاؤم ، وكآبة ، فيعد العسل في هذه المرحلة غذاءً فعالاً ، وعلاجاً للأمراض الطبيعية التي تنشأ عقب الحمل مباشرةً ، وهذا الكلام تفسير لطيف ، وسريع لقوله تعالى :

    ويبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام من كلمة ( شراب ) كان يحب شرب العسل على لعقه ، فكان يضع لعقة عسل في كأس ماء ، ويذيبه ، ثم يشربه ،

    وهناك علماء ربطوا بين اختلاف ألوان العسل والشفاء ، فبينوا أن العلم لا يزال قاصراً عن معرفة طبيعة كل لون في فعالية الشفاء ، وكل لون من العسل له خاصة دقيقة في الشفاء ، وهذا لا يزال رهن البحث ، وكلمة :

    لو أن الله سبحانه وتعالى قال : فيه الشفاء للناس ، معنى ذلك أي مرض علاجه العسل ، هذا كلام غير علمي ، فربنا عز وجل جعلها نكرة ، فقال :

    والشفاء نكرة لا تعني الشمول هنا ، بل تعني أن هناك أمراضاً كثيرة جداً يعد العسل علاجًا لها .

    موضوع النحل ، ومملكة النحل ، ونظام النحل ، وخلايا النحل ، وبيوت النحل ، وأنواع النحلات العاملات ، وطريقة جني الرحيق ، وطريقة صنع العسل ، وطريقة نظام الخلية ، هذه كلها آيات دالة على عظمة الله سبحانه وتعالى ، ألا ينبغي أن نفكر فيها ؟

    واللهِ الذي لا إله إلا هو ما تكلمت من موضوع العسل إلا النزر اليسير ، فأنا أعلم ، وعندي مراجع أوسع بكثير من هذا الذي قلته ، فطبيعة المقام لا تحتمل أكثر من هذه التفصيلات ، ولكن هناك كتب موسعة جداً إذا قرأتها تخر لله ساجداً ، ما هذا ؟ إنها من آيات الله الكبرى :

    ( ثم ) وحدها تعني أن النحل لا ينطلق إلى جني الرحيق قبل أن يستقر في خلية .

    وبعد ذلك :

    ولأنها تأكل من كل الثمرات يأتي العسل مختلف ألوانه .

    هذه آية كبرى ، كيف تهتدي النحلة إلى خليتها ؟ هذا ما يزال هذا سراً ، ولا يعرف علماء الحيوان كيف تهتدي هذه النحلة إلى خليتها ، وقد ابتعدت عنها عشرات الأميال ، وهناك حقائق تقول : قد تبتعد النحلة عن خليتها خمسة وعشرين كيلو متراً ، أو أكثر ، فكيف تهتدي إليها إنسان عاقل ؟ وقد يضيع الجغرافي في الطريق .

    تفكروا في هذه الآية ، اقرؤوا عن النحل ، سبحوا الله سبحانه وتعالى ، مجدوه ، عظموه ، خروا له ساجدين ، أطيعوه ، إذا فكرتم في النحل فقد حققتم الهدف من خلق النحل ، ولو لم تذوقوا العسل ، وإذا أكلتم العسل كل يوم ، ولم تفكروا في النحل لم تحققوا الهدف من خلق النحل ، في الدرجة الأولى يجب أن نعرف الله من خلال النحل ، لأن النحل آية كبرى من آيات الله .

    نعوذ بالله من أن ندرك أرذل العمر ، شيء لا يحتمل ، حينما يخرف الإنسان ، وتضعف قواه ، يصبح في الحياة الاجتماعية هامشياً ، ويسخر الناس منه ، وتسوء علاقته مع أهله ، ومع أولاده ، ومع زوجته ، وينبذه أهله ، يخرف ، ويتكلم كلاماً لا يحتمل .

    قال لي أحدهم : والله والدتي أضعها على سرير ، وأربط يديها نحو عنقها ، قلت له : لماذا ؟ قال : لئلا تأكل من فضلاتها ، هذا أرذل العمر ، أن يأكل الإنسان من نجسه .

    لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ، لأنه ضمانة من الخرف ، فأكبر ضمانة من الخرف أن تتعلم القرآن ، من أراد ألاّ يُرَدَّ إلى أرذل العمر فليتعلم القرآن ، وليحفظ الله في جوارحه .

    أحد العلماء عمر سبعة وتسعين عاماً ، وكان متمتعاً بقوته ، وسمعه ، وبصره ، وذاكرته  وأسنانه ، وقوامه ، فكلما سئل عن هذه الصحة يقول : حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً ، عاش قوياً ، ومن أجل ألاّ نُردَّ إلى أرذل العمر يجب أن نطيع الله طاعة تامة ، ومن أجل ألا نَخرف يجب أن نتعلم القرآن ، وأن نحفظه ، فمن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi