English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "16 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 70 – 78 عن قدرة الله ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي ، أو في الدرس قبل الماضي إلى قوله تعالى :

    الله سبحانه وتعالى يقول :

    خُلقنا على هذا الشرط ، خُلقنا على هذه الدنيا ، ولابد من أن نموت ، فالموت هو مصير كل حي ، فالعاقل هو الذي يعد للموت عدته ، والأحمق الذي هو ينسى هذه الساعة التي وعدنا الله بها .

    متى يطغى الإنسان ؟ ومتى يتجاوز الحدود ؟ ومتى يأخذ ما ليس له ؟ ومتى يستعلي على عباد الله ؟ حين ينسى هذه الساعة ، حينما ينسى ساعة الوفاة ، فتأخذه العزة بالإثم ، حينما ينسى أنه لابد من أن يقف بين يدي الله عز وجل ، ليحاسب عن كل صغيرة وكبيرة ، حينما ينسى يطغى ، بئس العبد عبد سها ولها ، ونسي المبتدى والمنتهى ، نسي كيف كان نطفة ، خرج من عورة ، ونسي كيف كان مخلوقاً ضعيفاً لا يعلم شيئاً ، وكيف أن الله عز وجل أكرمه بأبيه وأمه ، ولولا هذا النظام لما عاش مخلوق ، بئس العبد عبد طغى ، وبغى ، ونسي المبتدى والمنتهى ، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ، ثم يتوفانا ، فالوفاة لابد منها ، قال تعالى :

( سورة الزمر : 30)

وقال سبحانه :

( سورة آل عمران : 144)

    فالنبي يموت ، والرسول يموت ، والغني يموت ، والفقير يموت ، والقوي يموت ، والضعيف يموت ، والصحيح يموت ، والمريض يموت ، وكل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

الليـــل مـهما طــــال      فلابــــد مــن طلــوع الفجر

والعمـر مـهما طـــــال      فلابــــد مــن نـــزول القبر

***

كل ابن أنثى و إن طالت سلامتـه      يوماً على آلةِ حدباءَ محــمولُ

فإذا حملت إلى القبـور جنــازة      فاعلم بأنـك بـعدها مـحمـولُ

***

    هذه الساعة فكر فيها ، وأنا أضمن لك الاستقامة ؛ لأنك إذا فكرت في ساعة رهيبة تترك كل شيء ، وتوضع تحت التراب ، تحت الثرى ، ويأتي الملكان ليسألانك : مَنْ ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ وماذا فعلت ؟ لِمَ فعلت ؟ ولِمَ لم تفعل ؟

    عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ )) .

[ أخرجه الترمذي والدارمي ]

( سورة الحجر : 92 ـ 93)

    لذلك :

    الوفاة حق ، والموت حق ، والبرزخ حق ، وعذاب القبر حق ، وأن يكون القبر روضة من رياض الجنة حق ، والصراط حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والبعث حق ؛ بعث الناس يوم القيامة حق .

    أيْ : بعضكم :

    نعوذ بالله من أرذل العمر ، ينحني ظهره ، ويضعف بصره ، تضعف قواه ، وتضعف ملكاته ، ينسى علمه ، ينسى خبرته ، يرتد إلى عقلية الأطفال ، يعيد القصة آلاف المرات ،  يحشر أنفه في كل شيء ، يذم كل الناس ، يغتابهم ، يصبح عبئاً ثقيلاً عليهم ، ينبذه أهله ، يتأفف منه محبّوه ، يتمنى الناس موته  .

    قد يخرج من بيته ولا يستطيع أن يعود إليه ؛ يضيع كالطفل الصغير ، قد لا يستطيع أن يبقى نظيفاً ، فيزعج أهله ، فيوبخونه ، ويقرعونه ، ويتمنون من أعماقهم أن يخفف الله عنه ، يصبح عبئاً ثقيلاً في البيت .

    وقد تتطاول عليه زوجته ، وقد يتطاول عليه ابنه ، أو جيرانه ، أو من حوله ، أو قد يموت في بيت ، وهو وحيد ، فتفوح رائحته .

    قال لي أحد الإخوة الأكارم ، وقد دخل على رجل توفي في بيت ، ومضى عليه أيام عدة : ما من رائحة على وجه الأرض أنتن ، ولا أبشع من رائحة الإنسان إذا مضى عليه أيام ولم يوسد في الثرى .

    كلمة ( مِنْ ) هنا للتبعيض ، ومعنى كلمة التبعيض أنّ بعض الناس يردون إلى أرذل العمر ، لكن مَن عرف الله في شبابه متعه الله في خريف عمره ، من حفظ الله في صغره حفظه الله في كبره ، من عاش تقياً ، عاش قوياً ؛ متعه الله بعقله ، وبسمعه ، وببصره ، وبقوته ، وبصحته ، وبأجهزته  الهضمية ، والإفرازية

    سئل أحد الصالحين : ما هذه الصحة يا سيدي ؟ قال : يا بني ، حفظناها في الصغر ، فحفظها الله لنا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً .

    من خلال تجاربي الشخصية ؛ ألتقي أحياناً بعض الأشخاص ، قال لي أحدهم : عمره خمسة وتسعون عاماً ، أجرى فحوصاً شاملة على كل أجهزته ، فكانت جميع الفحوص جيدة ، قال لي : وَاللَّهِ لا أعرف الحرام في حياتي ؛ لا عرفت الحرام من طرف النساء ، ولا من طرف المال ، ما كسبت درهماً حراماً ، ولا أعرف غير زوجتي ، خمس وتسعون سنة أجريت له الفحوص ، وأولاده ميسَّر حالهم ، فحوصه كلها جيدة ، وفي الدعاء الشريف عن النبي e : (( وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا ، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا )) .

[الترمذي عن ابن عمرٍ]

    الأعمال الصالحة ، الصدقات ، غض البصر ، إنفاق المال ، حضور مجالس العلم ، أن تجلس على ركبتيك ساعة أو أكثر ابتغاء وجه الله ، لا تبتغي من مجيئك إلى هنا لا درهماً ، ولا ديناراً ، ولا وظيفة ، ولا شيئاً ، ولا بيتاً ، ولا مكانة ، ولا شيئاً ، لا تبتغي شيئاً من الدنيا إطلاقاً ، تبتغي وجه الله فقط ، بذل هذا الجهد ، والحرص على طاعة الله ، أتكون كغيرك من الناس ؟ لذلك ربنا عز وجل قال :

    حدثني أخ كريم قال لي : له قريبة من سنوات أصيبت بشلل كامل ، ثم ضعف تفكيرها ، وخرفت ، قال لي : نضعها على السرير ، ونربطها بالحبال ، قلت له : لماذا ؟ قال : لكي لا تأكل من نجسها  .

    الإنسان لا يتجاوز الحدود ، ولا يعتدَّ بقوته وهو شاب ، لا يتجاوزْ حقوق الله عز وجل ، لا يستعلِ على الناس .

    قبل ثلاثين أو أربعين عاماً حدثني رجل فقال : إن شخصاً وصل إلى مراتب علية ، خرج من بيته ، ولم يعد ، فاتصلت زوجته بأقسام الشرطة ، عثر عليه في أحد أحياء دمشق الجنوبية  تائهاً ، ضائعاً ، كالطفل الصغير .

    بالمناسبة أنا أضمن لكم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام هكذا قال ؛ قال : (( مَن جمَع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت )) .

[الجامع الصغير عن أنس ، وفيه رشدين ، قال يحيى بن معين : رشدين ليس بشيء ، وقال النسائي : متروك ، انظر العلل المتناهية لابن الجوزي]

    إذا أردت أن تتمتع بعقلك كاملاً ، أن تبقى إلى آخر ثانية في حياتك ، وأنت قوي الشخصية ، مرغوبَ الجانب معززاً ، مكرماً ، مبجلاً ، محترماً من كل الناس ، فتعلم القرآن الآن ، فمن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ، ولا يحزن قارئ القرآن .

    ينسى الطبيب أنه كان طبيباً ، ينسى أنه كان يحمل شهادة عالية ، ينسى أن كان له كتُب ، وقد كان لي قريب وصل إلى أعلى مستوى ، بقي قبل موته محجوزاً في غرفة سبع سنوات ، لم يُسمح لأحد أن يدخل عليه ، لأن منظره لا يطاق .

    انظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض في الدنيا ، فهذا إنسان له رزق محدود ، قد يكون أقل من حاجته بكثير ، قد يكون أقل من حاجته بقليل ، قد يكون مساوياً لحاجته ، قد يزيد على حاجته قليلاً ، قد يزيد عن حاجته كثيراً ، قد يأتيه رزق لا يستطيع أن يحصيه ، إن قارون كان غنيا ، وهو من قوم موسى ، فإياكم أن تظنوا أن هذه مَكرُمة ..

( سورة القصص : 76 ـ 77 )

    المفاتيح فقط ؛ سبعة رجال أشداء لا يستطيعون رفع مفاتيح خزائنه .

    إذاً :

    لكن هذا التفضيل وفق حكمة بالغة ، " إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه " .

( سورة الفجر : 15 )

    في الدنيا يقول بسذاجة ، بجهل ، بعد علم ، يقول :

 لا ، ليس هذا إكراماً ؛ لأن الدنيا منقطعة ، الدنيا تنتهي بالموت ، فيستوي فيها الغني والفقير ، والقوي والضعيف ، والصحيح والمريض ، ليس هذا إكراماً ! هو يقول ذلك ، معظم الناس يقول لك : الله عز وجل أكرمني ، الله امتحنك ، وما أكرمك ، امتحنك بالمال ، إذا أنفقته في طاعة الله ؛ عندئذٍ ينقلب المال إكراماً .

ضاق دخله ، يشعر أنه مهان ، لا .

    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا ، فَقُلْتُ : لَا يَا رَبِّ ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا ، وَأَجُوعُ يَوْمًا ، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ )) .

[الترمذي وأحمد]

    من رحمة الله بنا ؛ أنه يقلّبنا بين الغنى والحاجة ، بين الصحة والمرض ، بين الراحة والتعب ، بين الطمأنينة والقلق ، بين الخوف وعدم الجزع ، كلما غفلنا جاءت المنذرات ، لذلك : " كلا ليس عطائي إكراماً ، ولا حرماني امتهاناً ، إن عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء " ، إياك أن تظن أن العطاء إكرام ، إلا في حالة واحدة ، إذا أنفقت هذا المال في طاعته ، كان المال ابتلاءً ، فصار إكراماً .

هؤلاء الذين أُعطوا من رزق الله ، هل يعطون أموالهم لعبيدهم :

    أيساوون أنفسهم مع عبيدهم ؟ لا ، فكيف أنتم أيها العباد تجعلون من عدة أصنام آلهة ، وتسوونها برب العالمين ، أيرضى الله ذلك ؟ أيرضى أن يكون مخلوقه شريكاً له في الملك ؟ لو أن أحدكم له محل له قيمة كبيرة جداً ، وعنده موظف يعطيه أجراً محدوداً أيقول : هذا المحل بيني وبينك مناصفة ؟ من يفعل هذا ؟

    أنت لا ترضى أن تشرك خادمك ، أو عبداً لك مملوكاً بمالك ، فكيف ترضى أيها الإنسان أن تجعل لله شركاء من مخلوقاته ؟ إن كنت أنت لا ترضى فلا تعتقد هذا الاعتقاد .

    الله عز وجل ضرب مثلاً يستنكره الإنسان ، الإنسان يستنكر أن يكون عبده شريكاً له في ماله ، فكيف ترضى لله أن يكون مخلوق له شريكاً له في ملكه ؟ إن كنت أنت لا ترضى ، فكيف ترضى لله ذلك ؟        

    هذه نعمة كبرى من نعم الله ، هذه الزوجة التي هي أم أولادك من بني البشر ، إنك تفكر ، وهي تفكر ، وهي تحس ،  وهي تدرك ،  لك عاطفة ، ولها عاطفة ، لك حاجات ، ولها حاجات  .

    لو أن الله عز وجل جعل الزوجة من طبيعة دنيا ، يضعون في المحلات التجارية هياكل لبيع الأقمشة ، هل ترضى أن تكون لك زوجة من هذا النوع ؟ شمع ، بلاستيك ، هل ترضى ؟ تكلمها لا تكلمك ، تسلم عليها تبقى صامته ، تسألها لا تجيب ، تأمرها لا تطيع ، أليس هذا إكراماً من الله عز وجل ؟ أن جعل لك الزوجة من طبيعتك ، تسألها فتجيب ، تحسن إليها فتشكر ،  تفكر ، تشاركك مشكلاتك في الحياة ، تبثها همك ، تنقل لها طموحاتك ، تعينك على متاعب الحياة ، تنسيك متاعب النهار ، أليس هذا من نعم الله عز وجل ؟ الإنسان المؤمن إذا دخل إلى البيت ، ورأى زوجته لا يسعه إلا أن يشكر الله عز وجل على أن أكرمه بزوجة ،  وكم من البشر لا يستطيع أن يتزوج ، إما لعلة فيه ، أو لضيق ذات يدٍ ، أو لعدم وجود بيتٍ ، فأسأل الله جل جلاله أن يهب لكل أعزب بيتاً ، وزوجة صالحة ، تسره إن نظر إليها ، وتطيعه إن أمرها ، وتحفظه إن غاب عنها ، فلا تتكبر كثيرًا ، هذه نعمة وقد تفقدها ، أو قد تصاب الزوجة بمرض ، إلى من تشتكي ؟ حينما خطبتها كانت سليمة من كل عيب ، ومرضت عندك .

    قال لي رجل : منذ خمسة عشرة عاماً لا أستطيع أن أنام الليل ، لنوبات حادةٍ تصيب زوجتي ، أصبح وزنها عشرات الكيلو غرامات من شدة الآلام ، ماذا يفعل بها ؟ فإذا كانت لك زوجة معافاة فلا تقل : أنا ربكم الأعلى .

    وقد روي : (( خَيرُكم خيرُكم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ، ما أكرم النساء إلا كريم ، ولا أهانهنّ إلا لئيم )) .

[السيوطي في الجامع الصغير عن علي ، وهذا الحديث لا يصح ]

      هذه نعمة قد تفتقدها ، إذا كفر الإنسان بنعمة الزوجة قد يجد نفسه في بعض الساعات يرتكب حماقة ما بعدها حماقة ، يطلقها ! وتذهب إلى بيت أهلها ، وتدع له خمسة أولاد في البيت ، يضيق بهم ذرعاً ، يحتاجون إلى طعام ، إلى تنظيف ، إلى حمام ، إلى إعداد طعام ، وهي عند بيت أهلها ، ناعمة ، مطمئنة ، وأتاها خطيب فتزوجها ، وأنت والأولاد في ضيق ما بعده ضيق ، فإذا كفر الإنسان بنعمة الزوجة الصالحة ، وحملها مالا تطيق ، واستعلى عليها وتجبر ، فقد يضعه الله في مأزق حرج ، يغضب غضباً شديداً فيطلقها ، وعندئذٍ تملك حريتها ، وتأبى أن تعود ، ويبحث عن بديل لها فلا يجد ، أو قد يأتي البديل فيريه النجوم في الظهر ، هذا البديل ليأخذ حق الأولى ، فإذا كان عند الإنسان زوجة صالحة ليشكر الله على هذه نعمة .

(( إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها ؛ دخلت الجنة )) .

[ من الجامع الصغير : عن " أنس ]

    لا تحملها مالا تطيق ، لا تحملها ذنباً لم تفعله ، لا تحملها أخطاء أهلها ، لا ذنب لها ، لا تجعل بيتك صاخباً ، لا تجعل حياتك ضنكاً ، الله عز وجل قال  :

( سورة النساء : 19 )

    ومعنى المعاشرة بالمعروف لا أن تمتنع عن الإيقاع الأذى بها ، بل أن تحتمل الأذى منها ، وكان أحد الصالحين له زوجة سيئة جداً ، فلما قيل له : طلقها ، واسترح منها ، قال : وَاللَّهِ لا أطلقها فأغشّ بها المسلمين .

    تصور وجود زوجة مثالية ؛ لا يوجد زوجة مثالية ! أحد الصحابة الكرام له زوجة أتعبته كثيراً ، فتوجه إلى سيدنا عمر ، وكان أمير المؤمنين ، فطرق بابه ، فسمع صياحاً في البيت ، و خصاماً بينه وبين أهله ، فولى مدبراً ولم يعقب ، سمع عمر الباب يقرع ، فتح الباب فلم يجد أحداً ، نظر فوجد رجلاً ولى هارباً ، فناداه بأعلى صوته ، فأقبل ، قال له : لِمَ جئت إليّ ؟ فسكت ، قال له : قل ، فتبسم الرجل ، قال له : قل ، فقال : وَاللَّهِ جئتك أشكو مما أنت منه تشكو ، فعندئذٍ قال عمر : يا أخي هذه زوجتي ، أم أولادي ، تكنس الدار ، تطبخ الطعام ، تغسل الثياب ، ألا نتحملها ؟ أعباؤها ثقيلة ، أتحب أن تعرف قيمتها ؟

    أعطها إجازة إلى بيت أهلها مدة أسبوع ، واعمل بدلاً منها ، اغسل الصحون ، اطبخ ، وامسح البيت ، اكوِ الملابس ، حتى تعرف قيمتها ، أعطها إجازة مدة أسبوع لتعرف قيمتها ، فربنا عز وجل قال :

هذه من نعمة الله عز وجل .

    يمكن أن تطلب من ابنك في اليوم مئة مرة أن يجلب لك غرضاً ؛ هات كأس ماء ، هات الدواء ، هات الكتاب ، لو كنت أنت وزوجتك وحدكما قد لا تتحمل الزوجة ! تقول لك : أخادمة أنا عندك ؟ لكن ابنك صغير خفيف ، حركته خفيفة ، يحبك ، وتحبه ، تكلفه بالنهار بعشرين حاجة ، أو ابنتك الصغيرة ، هذه من نعم الله عز وجل .

    العلماء قالوا : البنين الأولاد ، والحفدة أولاد الأولاد ، وبعضهم قال : الأولاد والأعوان ، أحيانا الإنسان له أعمال طيبة ، له إيمان عالٍ ، ليس عنده أولاد ، يسخر الله له أصدقاء ،  إخواناً أكارم ، يقدمون له خدمات تفوق خدمات الأولاد ، لا يعترض أحد على حكم الله عز وجل أن أعطاه البنات فقط ، هذه الحكمة البالغة ، لو أن أحداً عنده أولاد ذكور يعاني منهم ما يعاني ، وسمع عن أخٍ عنده بنات فقط ، لكنه مرتاح معهن ، يتمنى لو كان أبناؤه إناثاً ، فلو أعطاك الله بنات فقط فقل : الحمد لله ، وإذا لم يهبك شيئاً فقل : الحمد لله ، الحمد لله على كل حال .

    الولد منك ، لكن بعد أن استقر في رحم الأم ، وانفصل منها ، فجاءت الآية هكذا ، بدقة بالغة ، أساس الولد من الزوج ، لكن هذه النطفة استقرت في الرحم ، ونما في الرحم ، ثم ولد من الأم .

    ولم يكتفِ بخلقك أنت وزوجتك وأولادك دون أكل ، بل رزقكم من الطيبات ، تجد عندك الحبوب ، عندك الخضار ، عندك الفواكه ، في آخر الشتاء ، وأول الصيف الوقت صعب ، فالمقياس ليس في هذه الأيام ، لكن تجد في الصيف أن الفواكه منتشرة ، والخضار مبذولة ، كأس الماء نعمة كبيرة ! كأس الماء هذا لم يعرف أحد له قيمة ، كنا قبل أعوام مهددين بكأس الماء ، جفت الينابيع ، يبس النبات ، لولا فضل الله علينا في هذا بهذه الأمطار الغزيرة التي فجرت الينابيع لهلكنا ، الماء موفور والحمد لله ، أن تجد في البيت كأس ماء تشربه هذه نعمة كبرى لا يعرفها إلا من  فقدها .

    لذلك النبي الكريم عودنا ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ )) .

[ الترمذي ، وابن ماجه]

    النبي عليه الصلاة والسلام ، سيد الخلق ، وحبيب الحق ، دخل إلى بيته لا يجد أحيانا ما يأكله ، فعَنْ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : (( دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقُلْنَا : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ )) .

[مسلم]

    يقول لك أحدهم اليوم : ليس عندنا شيء ، وعنده أكل يكفيه ثمانية أشهر ! اجمع المؤونة التي عندك ، أيجب أن تأكل طبخاً كل يوم ؟ لا تقل : ليس عندنا شيء ، هذه الكلمة فيها سوء أدب مع الله عز وجل ، إذا توفر لك الظهر قطعة جبن مع كأس من الشاي فهذه نعمة ، عندك رغيف خبز وكأس من الشاي ، وقطعة جبن فهذه نعمة ، (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ )) .

[ الترمذي ، وابن ماجه]

    تعود شخص على المصروف الكبير ، كشر عن وجهه ، وقال : أنا لا يكفيني ثلاثمئة ألف ليرة مصروف السنة ، فأصيب بمرض عضال ، زاره رجل ، وَاللَّهِ يكفيه ألف ليرة بالشهر بهذه الظروف الصعبة ، يتمنى أن يعود إلى صحته ، وينفق ألف ليرة فقط بالشهر ، يتمنى ذلك ، فالإنسان إذا كانت أجهزته كلها سليمة ، لا يلزمك تخطيط ، ولا تحليلات ، ولا ذهاب إلى بلاد أجنبية ، ولا زرع كلية ، ولا استئصال كبد ، إذا كان الواحد منا لا يلزمه شيء ، وعنده قوت يومه ، مهما كان القوت متواضعاً ، مهما كان خشناً ، ولم يكن عالقاً بمشكلة ، أو ورطة كبيرة ليس لها حل ، قد يباع بيته ، أو تباع سيارته ، أو يباع محله التجاري ، ليدفع المصالحة ، إذا لم يكن واقعاً بورطة ، أو عالقاً مع إنسان لا يرحمه ، وصحته طيبة ، وعنده قوت يومه ، ليقبْل الأرض ، ويشكر المولى جل وعلا ، هكذا المؤمن متواضع ، المؤمن أخلاقه متواضعة ، يعرف حجم النعمة ، النبي الكريم كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت ،  شرب كأس ماء ، الحمد لله الذي أعانني على شربه ، وأعانني على أن أطرحه ، إذا لم يطرح معا صرنا بحاجة إلى تخدير ، شيء لا يحتمل ، آلام حصر البول لا تحتمل .

    أحياناً الإنسان يجد شدة في حياته ، فيعيش في ضيق ، ضيق ذات يد في عمله ، دخله قليل ، حاجاته غير موجودة ، فلا يتبرم كثيراً ، بل ليكن راضياً ، لأن ربنا عز وجل يلون الحياة ، لا تعرف النعم إلا بافتقادها ، لا تعرف قيمة الحاجات إلا إذا قلَّتْ ، ليلزم الإنسان الصبر ، وليلزم الشكر ، وبالشكر تدوم النعم ، يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله ، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود  .

    وَاللَّهِ إذا أكل الإنسان صحن حمص ، وكانت صحته طيبة يستمتع به أضعاف مضاعفة عن أنفس طعام وصحته عليلة .

    أحد الأشخاص كان عند بعض الملوك ، فأكل الملك طعاماً فأعجبه ، قال : هذا الطعام طيب ، قال : يا أمير المؤمنين طيبته العافية ، الإنسان يأكل أحياناً أكلاً متواضعاً جداً ، رخيصاً جداً ، يشتهي أن يأكل أكلة شعبية ، ما دامت الصحة موفورة فهناك استمتاع بالغ في هذا الطعام .

     يروى على زمان العثمانيين دخل على والي الشام موظف كبير ، كان مقر الوالي بمنزله في المرجة ، دخل الموظف الكبير فوجد الوالي يطل من نافذة مكتبه على صحن المنزل ، مكان بائعي حلويات اليوم ، وكان هناك سجن قديماً ، فبقي فترةً طويلة ، يلقي النظر إلى صحن البناء ، انتظر الموظف إلى أن شعر هذا الوالي بحركة ، فالتفت ، وقال له : أنت هنا منذ وقت ؟ قال له : نعم ، رأى على خده دمعة ، قال له : خيرًا إن شاء الله ، قال له : تعال انظر ، أب وأم جاءا ليتفقدا ابنهما في السجن فلم يُسْمَحْ لهما ، فجلسا على الأرض ، وفتحا زوادةً ، وأخرجا رغيفاً  وبصلاً فقط ، كسراه وأكلاه ، قال : وَاللَّهِ أتمنى أن أتخلى عن كل ما حولي ، وأن أستطيع أكل هذا الطعام بشهيتهما ، يوجد معه علل بجسمه لا يقدر على الأكل ، إذا أكل الإنسان أكلة شعبية ، وكانت صحته طيبة فهذه نعمة ، فالإنسان دائماً عليه أن يتذكر أن الشكر يزيد النعم ، وبالشكر تدوم النعم .

( سورة إبراهيم : 7 )

    انظر هناك نقطتان ، دوام زيادة ، بالشكر دوام للنعم ، وبالشكر زيادة في النعم .

( سورة إبراهيم : 7 )

 بالأوثان ؟ بالأصنام ؟ بالشركاء ؟ بهؤلاء الذين اتخذوهم أولياء من دون الله ، بهؤلاء تؤمنون ؟ وبنعمة الله يكفرون !

أهذا هو المنطق ؟

 

يعبدونه ، يخضعون له ، يعصون الله من أجله ، يضعون كل إمكاناتهم من أجل هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله .

    لو أن السماء أقلعت عن إنزال المطر فأيّ جهة في الأرض تستطيع أن تتخذ قراراً بإنزال المطر ؟ في الأرض كلها ؟ هل الدول العظيمة بكل إمكاناتها لو أن السماء أقلعت عن المطر أن تنزله ؟ أي جهة على وجه الأرض مهما قويت تستطيع أن تأمر السماء بالمطر ؟ مَنْ ؟

    أمطار بالسماء موجودة ، الحب ما أنبت ، من خلق الرشيم ؟ يعني القمح ؛ من جعله ينبت ؟ الرشيم كائن حي ، والذي يجعل القمح على ما هي عليه حياة الرشيم ، فإذا مات الرشيم تعفنت البذرة فوراً ، البذور تتعفن عند موت الرشيم ، فالرشيم كائن حي ، ثم هو طويل العمر ، البذور يحفظوها في أماكن باردة بظروف دقيقة ، تعيش خمس أو ست سنوات ، وهذا الرشيم كائن حي بانتظار خدمتك ، تضعه في التربة فينبت ، صُنْع مَنْ ؟ عندك فاصولياء هذه  فيها حياة ، كل شيء تأكله إذا أمكن أن تزرعه فينبت من أن فيه حياة  ، لولا حياة الرشيم لما نبتت بذرة على وجه الأرض ، من الذي أحيا الرشيم ؟ أعطاه الحياة ؟ لو كان الرشيم حياته ساعة ، أو شهر ، الآن القمح حصدناه ، إذا ما زُرع القمح بعد شهر يموت ، لم يبقَ زراعة ،  لا يمكن أن يحيا سنتين ، ثلاثًا ، أربعًا ، خمسًا ، هذه حكمة بالغة ، لو أن حبة القمح تعطي حبة قمح أخرى ، لا تزرع ، فليس من مصلحة ، أن تضع مداً ، وتضع مقابله مداً ، لا تضع شيئاً ، نبقى بلا أكل ، لو أن نسب الإنبات بحجم نسب الزراعة ، بينما تزرع غرامًا من الطماطم يعطك طناً ، مليون ضعف ! تزرع طناً بذرة خيار تعطك أربعين كيلو غرامًا ، أربعون كيلو غرامًا من الخيار من بذرة وحدة ، لو كان البذرة تعطيك كيلو غراما ، أو نصف كيلو ، أو خيارة واحدة ، لما أكل الناس  ، هذه البذرة ثمنها مبلغ ، لذلك ربنا عز وجل قال :

السماء تمطر ، والأرض تنبت ، توجد خصائص ، وبكتريات .

    مرة تكلمت عن البكتريات ، الأرقام فوق التصور ، في السنتيمتر المربع أو الميليمتر المربع ألوف البلايين من كائنات دقيقة جداً ، لولاها لما نبت النبات ! في اليابان في المكان الذي ألقوا عليه قبلة ذرية الأرض لا تنبت ؛ لأن الكائنات الدقيقة ماتت ، التربة فيها بكتريات فيها ديدان ، فيها آلاف المخلوقات ، خلقت من أجلك ، مسخرة لك .

يعني أصم ، أبكم ، إمكاناته محدودة ، لا يملك شيئاً .

    هذا مثل دقيق جداً ، والخطاب موجَّه لمشرك ، أنت تعبد صنماً ، أبكمَ ، أصمّ ، هل ينفعك ؟ هل يضرك ؟ هل يسمعك ؟ هل يستجيب لك ؟ أما الله سبحانه وتعالى فحاضر ، ناظر ، رحيم غفور ، سميع بصير ، بيده كل شيء ، غني ، قوي ، عطوف ، توابٌ رحيمٌ ، كل هذه الدنيا من رزقه ، تَدَعُ الإله وتعبد ما لا يضرك ولا ينفعك ؟

    هذا مثل ضربه الله لنا :

 

    كيف كان العرب يقفون أمام الأصنام ، ويعبدونها من دون الله ؟ وكيف الآن تتكئ على قريب لك ؟ تعتمد عليه ؟ تعبده من دون الله ؟  ترضيه وتعصي الله ؟ كيف ؟ هذا عبد عاجز ، ضعيف ، فقير ، قد يموت ، قد لا يستطيع أن يقدم لك شيئاً ؛ قد يستطيع ، ولا يقدم لك شيئاً  بدافع من لؤمه ! أتعبده من دون الله ؟

     هذا العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ، هذا يستوي مع عبد آخر رزقناه منا رزقا حسنا  فهو ينفق منه سراَ وجهراً ؟ هل يستوون عندكم ؟ فكيف تسوون أيها البشر بين الأصنام وبين خالق السماوات والأرض ؟


 

    أوصاف دقيقة جداً ، هذا الذي تعبده من دون الله :

    في بلاد اليابان عندهم عقائد وثنية حتى الآن ، أو الآن بلا عقائد ، وعندهم ما يسمى الميكادو ، هذا يعتبرونه إلهاً عندهم ، طبيب هناك أسلم ، لماذا أسلم ؟ لأنه صار في جسم هذا الإله مليون علة ، ليس فيه جهاز إلا ويحتاج إلى معالجة ! فكيف يعد هذا إلهاً ؟ فهذا الطبيب الذي يعالج الميكادو أسلم ؛ لأنه رأى أن هذا الذي يعتقده الناس إلهاً هو عبد ضعيف ، فقير ، يحتاج إلى أدوية ، يحتاج إلى علاج .

    فلذلك الإنسان يجب أن يضع كل ثقته بالله عز وجل ، وأن يضع كل رغبته ، وكل إمكاناته في طاعة الله ، حتى ينجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

    الإنسان أحياناً يعد له الطعام ليأكله فلا يأكله ، يموت قبل أن يأكله .

    أول يوم من أيام العيد أسرة هيأت نفسها للسفر إلى مَصيف على البحر ، واستأجروا البيت ، وبقوا يومين أو ثلاثة يعدون الأغراض ، وكل أنواع الحاجات ، والملبوسات ، وُضِعَتْ المحافظ بالسيارة ، والزوجة نزلت ، والأولاد نزلوا ، والزوج لم يستطع مغادرة المنزل بسبب بسيط هو أن الله توفاه ، الموت قريب جداً ، كل شيء جاهز .

    العام الماضي كان عندنا أخ كريم من إخواننا ، وكنا مدعوين معه إلى نزهة ، فما تمكنا إلا أن ندفنه قبل أن نذهب إلى النزهة ! الموت قريب جداً ، والإنسان يقول : أنا ـ إن شاء الله على أول الصيف أغير الأثاث ، هل أنت ضامن أن تصل إلى أول الصيف ؟ فمن عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت   .

    قال لي رجل : أنا أريد أن أترك التعليم ، كان مدير ثانوية خاصة ، وسوف أبحث عن طريقة أعير نفسي إلى دولة عربية ، ذكر لي اسم الجزائر ، قال لي : هناك قرب أوربة ، وفي الصيف لا آتي إلى بلدي ، أُمضي أول صيفية في فرنسا ، أنظر معالمها ، وأماكنها السياحية ، ومتاحفها ، وفي الصيفية الثانية في إنجلترا ، والصيفية الثالثة في إيطاليا ، والرابعة في سويسرا ، ذكر لي خمس سنوات إعارة ، قال لي : أعود ويكون معي رأسمالي ، آخذ محلاً تجارياً ، ويكون أولادي قد كبروا ، أبيع فيه بالتحف ، وهكذا خفيف نظيف ، أجلس وأتقاعد ، وكفى ، والله الذي لا إله إلا هو من فمه إلى أذني ، كنت عنده ، وكان عندي ساعة فراغ ، جلست عنده ، فقال لي ذلك ، الظهر انتهت ساعاتي فذهبت إلى البيت ، لي عمل في المدينة مساء ، وأنا في طريقي إلى البيت مشياً على الأقدام وجدت نعوته على الجدران ، أول سنة في فرنسا ، الثانية بإنجلترا ، الثالثة بإيطاليا ، الرابعة بسويسرا ... ومساء كان من أهل الآخرة .

    قالوا : من جاوز الأربعين فقد دخل في أسواق الآخرة ، إذا ذهب واحد إلى نزهة خمسة أيام ، أول يوم في غاية السرور ، ثاني يوم ، ثالث يوم ، رابع يوم ، يفكر في الرجعة ، بجمع الأغراض يؤمِّن المواصلات ، أليس كذلك ؟ فاليومان الآخران يتجه التفكير فيعما إلى العودة ، إلى تأمين الركوب ، إلى تأمين الحاجات ، إلى تأمين جمع الأغراض ، إلى إجراء الحساب ، هذه في الأيام الأخيرة ، فنحن إذا دخل أحدنا في الأربعين كأنه دخل في أسواق الآخرة ، فيجب أن يكون أكبر همه الآخرة ، كيف يعد العدة للقاء الله عز وجل ، فربنا قال :

    أحدث كتاب في علم نفس الطفولة ، أن الطفل لا يعلم إلا منعكساً غريزياً واحداً ؛ وهو مص الإصبع ، ليلتقم ثدي أمه فيعيش ، لو أن الله عز وجل جرده من هذا المنعكس لمات ؛ لأن التقام ثدي الأم عملية معقدة تحتاج إلى إحكام ، وتحتاج إلى سحب هواء ، حتى يعيش زود الله سبحانه وتعالى المولود بمنعكس المص ، اسمه بالعلم منعكس المَصّ .

لا أطوال ، ولا حجوم ، ولا ألوان ، لا أصوات ، ولا خبرات .

كل الذي تعرفه الآن هو مكتسب من تعاملك مع محيطك الخارجي .

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi