English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "17 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 77 – 89 عن عالم الغيب ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    لو أن الآية : وغيب السماوات والأرض لله ، هذا شيء ، وأن يقول الله عز وجل :

شيء آخر .

في قوله تعالى :

قصرٌ ، أيْ : غيب السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله ، ما من إنسان على وجه الأرض يعلم ما سيكون ، الله سبحانه علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون .

    على مستوى بني البشر ، هذا المولود سيكون صالحاً أو طالحاً ؟ خيرِّاً أم شريراً ؟ طويل العمر ، أم قصير العمر ؟ صحيح الجسم ، أم مريض الجسم ؟ كيف يموت ؟ بأي أرض يموت ؟ هذه الأرض ما مصيرها ؟ هذا الجبل ما مصيره ؟ هذا النهر هل سيجف ؟ أم سيبقى .

    قال تعالى :

( سورة الجن : 26 )

وقال سبحانه :

 

( سورة الأعراف : 188 )

    لا تصدق أحداً من بني البشر أنه يعلم الغيب ، لا تصريحاً ، ولا تلميحاً ، ولا إشارة ، ولا بأي طريقة كانت .

فأنت إذاً علاقتك مع مَنْ ؟ مع من بيده غيب السماوات والأرض ، مع من بيده مقاليد السماوات والأرض ، مع من بيده الخير والشر ، مع من بيده الرزق ، مع من بيده الحياة والموت .

     مما يشقي البشر أنهم متعلقون بزيد أو عبيد ، وفلان وعلان ، وهم يحسبون أن هؤلاء ينفعونهم أو يضرونهم ، يرزقونهم أو يحرمونهم ، يرفعونهم أو يخفضونهم ، إنهم بشر  ضعفاء ، عبيد ، لا يستطيعون شيئاً .

    الذين كانوا في أوج نشاطهم ، وجاءهم مرض عضال فأودى بهم ، من كان يعلم ذلك ؟ ما من إنسان يموت هل يعلم أنه سيموت بعد ساعة ؟

    طبيب كريم ذكر لي قبل يومين أن شابًا في الواحدة والثلاثين يحلق لحيته في البيت  ، ويمزح مع زوجته ، فوقع في الحمام ، فإذا هو ميت ، من يعلم الغيب ؟ من يعلم أن هذا الشاب سيموت بعد ساعة ؟ أليس في ذهن الشاب آمال طويلة ؟ قد يرجو أن يغير بيته ، أن يغير عمله ، أن يترك وظيفته ، أن يعمل عملاً حراً ، أن يدير تجارة عريضة ، أن يذهب إلى البلاد الفلانية ، أن يمضي الصيف في المكان الفلانية ، أليس هذا في ذهنه ؟

    لذلك اتقِ من بيده غيب السماوات والأرض ، أطع من بيده غيب السماوات والأرض ، ارجُ من بيده غيب السماوات والأرض ، خف ممن بيده غيب السماوات والأرض ، يا موسى خف ثلاثاً ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخف من لا يخافني .

وكلام رسول الله في القرآن :

( سورة الأحقاف : 9 )

    الذي يسافر هل يرجع ؟ ذهب إنسان إلى بلد فتوفي في المطار ، عندما هبطت الطائرة ودخل إلى قاعة المسافرين ، وجلس على كرسي وقع فمات ، إذا سافرنا هل نعود ؟ وإذا خرجنا من بيوتنا هل نرجع ؟ وإذا نمنا هل نستيقظ ؟ وإذا استيقظنا هل ننام على هذا السرير ؟ وإذا عمّرنا هذا البيت هل نسكنه ؟ وإذا أخذنا هذه الشهادة هل نستخدمها ؟ وإذا خطبنا هل ندخل ؟ وإذا دخلنا هل ننجب ؟ وإذا أنجبنا هل نرى أبناءَنا كباراً ؟ وإذا رأيناهم كباراً هل نزوجهم ؟ وإذا زوجناهم هل نرى أولادهم ؟

لا نعلم شيئاً ، الله يعلم ، فلا بد لنا من علاقة طيبة مع الله .

( سورة هود : 55 ـ 56 )

    إذا كانت علاقتك بالله طيبة ، لا تخش في الناس لومة لائم ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .

    بشكل أو بآخر ؛ لو أنك تملك قطعة من الذهب ثمينة ، لو قال الناس عنها جميعاً : إنها حديد ، هل تصبح حديدا ، أم تبقى ذهباً ؟ الذهب ذهب ، والحديد حديد ، وإذا كان معك قطعة من المعدن الرخيص ، وأوهمت الناس أنها ذهب ، وصدقوك ، هل تصبح هذه ذهباً ؟ لا ، علاقتك مع نفسك ، وعلاقتك مع الله .

    (( وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ  )) .

[أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]

    عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : (( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ )) .

[أخرجه ابن ماجه]

    لا ندري بعد هذه الساعة ما سيكون ، ما من حادث غريب إلا كان غريباً على أصحابه ، ففوجئوا به .

    من خلال مجموعة قصص سمعتها من طبيب دهشت ؛ أن الإنسان بينه وبين الموت شعرة ، قال لي : كهرباء القلب ذا اضطربت يتوقف القلب ، في ثانية واحدة يصبح من أهل القبور ، وقد يكون تخطيطه جيداً ، ولا يشكو شيئاً ، وهو في أوج صحته ، وأوج قوته أجهزته ، كلها تعمل بانتظام ، وهو في ريعان الشباب ، تضطرب الكهرباء في القلب ، فيقف القلب ، فيموت الدماغ ، فتشخص عيناه ، وانتهى الأمر ، اقلب صفحة ، انتهى ، أصبح خبراً بعد أن كان رجلاَ ، كان رجلاً فصار خبرًا على الجدران .

    أمر ساعتك أيها الإنسان :

كن فيكون ، زُل فيزول ، ومن حِكم الله عز وجل أن هذا الإنسان الشديد ، العتيد القوي ، الجبار ، المتكبر ، حياته متوقفة على أسبابٍ تافهة جداً ، فلو أن نقطة من الدم تجمدت في شرايين الدماغ لمات ، يقولون : سكته دماغيه ، لو أن شريانًا في الدماغ فرعياً انفجر يموت الإنسان فوراً ، لو أن الشريان المغذي للقلب سُدَّ يضطرب القلب ، ويموت الإنسان .

    درس لنا كلنا ، درس بليغ ، بيننا وبين الموت شعرة ، ثانيةٌ ، وإذا شئتم فاسألوا ، إذا شئتم زوروا المستشفيات ، زوروا غرف العناية المشددة ، زوروا الأطباء ، اسألوهم عن الموت ، ثانية واحدة ، مريض في العناية المشددة ، دخل عليه صديقه ، جلس معه عشر دقائق ، تركه وخرج من الغرفة ، وهو يفتح باب الغرفة دخل زائر آخر ، قال له : كيف فلان ؟ قال له : والله بحالة جيدة ، وصل بعد أمتار فقال له : إنه ميت ، تعال انظر إليه ، قبل ثانية كان حياً .

    أنا لا أريد أن أخوفكم ، أنا خائف معكم ـ والله ـ لا أريد أن أعطيكم صورة قاتمة ، لكن هذا هو الواقع ، من أجل أن تستقيموا على أمر الله ، من أجل أن تقلعوا عن المعاصي ، عن المخالفات ، عن الشبهات ، عن كل شيء يبعدك عن الله عز وجل ، كن مستعداً للقاء الله ، فأنت بطل .

ليس من يقطع طرقاً بطلاً    إنمـا من يتقي الله البطل

***

أمد الله في حياتنا جميعاً ، ورزقنا أعمالاً طيبة نلقى الله بها .

    و في الحديث : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .

[من سنن الترمذي : عن " عبد الله بن بسر ]

    ولكنها الحقيقة ، بين الإنسان وبين الموت ثانية واحدة ، لا أريد أن أذكر أمثلة الأمثلة ؛ فهي كثيرة جداً .

إما أنها ساعتنا نحن بالذات ، أو أنها ساعة يوم القيامة ، على كل هي كلمح البصر ،

[ سورة الواقعة : 83 ـ 87 ]

هل تستطيعون أن ترجعوها ؟

    توجد آلات طباعة حديثة جداً ، وضخمة جداً ، قد يزيد طولها على طول هذا المسجد ، عملها كله على جهاز إلكتروني ، هناك منبع ضوئي ، وهناك مستقبل ضوئي ، فإذا جاءت ورقة فحجبت الضوء تتوقف الآلة كلها على ضخامتها ، أنت قد تستغرب ، كل هذه الضخامة ، وكل هذا الحجم ، وكل هذه العظمة تتوقف كلها فجأةً بانقطاع ضوء خفيف ؟ هكذا الإنسان ، مهما كان قوياً ، مهما كان كبيراً ، مهما كان عظيماً ، مهما كان مشهوراً، مهما كان له سمعة ، العلماء الكبار ، الأنبياء الكبار ، الأنبياء جميعاً .

( سورة الزمر : 30 )

( سورة آل عمران : 144)

إذاً الموت قاسم مشترك بين جميع الخلق .

    أحدث نظرية في علم نفس الطفولة تؤكد هذه الآية ، الإنسان لا يعلم شيئاً ، الإنسان مزود بمنعكس واحد ، هو منعكس المَصِّ ، لولا هذا المنعكس لمات جوعاً ، الآن أعطِ ولدًا إصبعا من أصابعك يحكم شفتيه حولها ، ويشفط الهواء من حولها ! ألقِمْه ثدي أمه يرضع ! غير هذا المنعكس ، الإنسان لا يعلم شيئاً ، علماء الذرة الكبار ، علماء الفيزياء ، علماء الكيمياء ، علماء الطبيعيات ، علماء التشريح ، علماء الطب ، علماء الفلك ، علماء الرياضيات ، علماء الجيولوجيا ، علماء التاريخ ، علماء الجغرافية ، علماء اللغة ، علماء الفلسفة ، قادة العالم الكبار ، علية القوم ، هؤلاء كانوا لا يعلمون شيئاً ، لحكمة بالغة .

    تروي بعض القصص أن شاباً عالماً درس في بغداد ، وتحلق حوله الناس ، وأعجبوا به ، واستفادوا من علمه ، فأثار هذا غيرة بعض العلماء ؛ فحسدوه ، أراد بعضهم أن يحضر مجلسه ليسفهه أمام تلاميذه ، فبعد أن انتهى الدرس وقف هذا العالم المشهور ، وقال : يا فتى من أين هذا العلم ؟ ما سمعنا به ، من أجل أن يصغره ، ويحجمه ، ويظهر للناس أن هذا الكلام بدعة ، من أين هذا العلم ؟ ما سمعنا به ؟ فما كان من هذا الشاب إلا أن قال لهذا العالم المشهور : وهل حصلت العلم كله ؟ سؤال ، فإذا قال : نعم ، وقع في غلط شنيع .

( سورة الإسراء : 85 )

   وربنا عز وجل يقول :

( سورة يوسف : 76 )

فاضطر هذا العالم إلى أن يقول : لا ، سأله : هل حصلت العلم كله ؟ قال له : لا ، قال له : إذاً هذا الذي تكلمت به للناس من الشطر الذي لا تعرفه ، إن كنت قد حصلتَ شطر العلم ، فهذا العلم من الشطر الذي لا تعلمه .

    فربنا عز وجل قال :

    الإنسان وخبراته ، وعلمه ، لو أن خللاً حصل في الدماغ لأخذه أهله إلى مستشفى الأمراض العقلية ، ولتوسطوا حتى يدخل بآلاف الوسائط ،  من أنت ؟ كلمة التوحيد ، أن تقول : لا إله إلا الله ، أنا من أنا .

إذا كنت في كل حال معي      فعن حمل زادي أنا في غنى

فأنتم هو الحق لا غيركـم      فيـا ليت شعري أنا من أنا

***

كن مع الله تر الله مـعك      واترك الكل وحـاذر طمعك

وإذا أعطاك من يمنـعه ؟     ثم من يعطي إذا ما مـنعك ؟

***

    كنت لا شيء فأصبحت به خير شيء ، انظر إلى سني طفولتك ، هل كنت تعرف شيئاً ؟ الآن صرت إنساناً تقول : أنا ، قل : الله تفضّل علي ، بعد أن تطور الأمر بك ، وتعلمت ، وتثقفت ، ونلت الشهادات العلية ، وجلست في مجالس العلم ، تقول : أنا ؟!

( سورة النور : 21 )

( سورة النساء : 113 )

    المحجوب عن الله عز وجل يرى نفسه ، يرى علمه ، والذي يرى فضل الله عليه لا يرى نفسه شيئاً .

    الفؤاد هنا فيه أوجه التفاسير ، المقصود به الدماغ ، أي : العقل ، يعني جعل لك سمعاً ، تسمع الأصوات ، لكنك بالدماغ تدرك معنى الأصوات ، جعل لك عيناً ترى بها الصور ؛ لكنك بالدماغ تدرك معنى هذه الصورة ، الطفل الصغير قد يرى حية ، يراها كما تراها أنت ، لا يخاف منها ، ولا يهرب منها ؛ لأنه لم يدرك ما خطورتها ، ولكنك إذا رأيت أفعى تقتلها ، أو تولي منها هارباً ؛ لأن الدماغ أدرك خطرها ؛ فالله سبحانه وتعالى قال :

    الإنسان من أجل أن يعرف نعمة الله عليه ليتصور أنه لا عينين له ، أو لا عين له ؛ الألوان لا معنى لها ، الأثاث بالبيت لا معنى له ،  جمال الأثاث لا قيمة له ، جمال الطبيعة لا قيمة له ، جمال الأزهار لا قيمة له ، جمال الأطفال لا قيمة له ، إذاً العين ، السمع ، والبصر  والفؤاد ، هذه من نعم الله الكبرى .

    هل درست عن الطير شيئاً ؟ قال بعض العلماء : إنَّ أرقى طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطير ! فالطائرة مثلاً يجب أن تؤدي جهداً كبيراً جداً بأقل وزنٍ ممكن ، هذا مبدأ الطائرة ؛ لذلك وقود الطائرة يزيد على مئة وخمسين طناً تستهلكها في خمس عشر ساعة ! وزن وقودها كوزنها بالضبط ! وزن الطائرة الكبيرة مئة وخمسون طناً ، ووزن وقودها كذلك ، إذاً فهي مهيأة أن تقوم بجهد كبير جداً ، في الوقت نفسه أخف وزن ممكن هو وزن الطائرة ، تنتقى من معادن متينة ، وخفيفة ، هذا هو الطائر ، عظامه كلها مفرغة من أجل خفة الوزن ، ولأنه يبذل جهداً عالياً فإن رئتي الطائر تصل إلى كل مكان في جسمه ، والهواء الذي يستنشقه الطائر يصل إلى كل مكانٍ في جسمه من أجل تبريد العضلات ، لأن الطائر يزيد على ست وثمانين ساعة طيراناً مستمراً ! قلب الطائر قلب عجيب ، يضخ للجناحين دماً يعادل دم جسم الطائر كله ، وبنية الطائر ، عضلات الطائر ، أجنحة الطائر ، رئة الطائر ، رأس الطائر ، أجهزته شيء يأخذ بالألباب .

   وأتمنى في درس قادم إن شاء الله أن أوسع لكم في بنية جسم الطائر .

    من زود الطائر بهذه الصفات ؟ هذا الريش ، من جعله بهذا الوزن الخفيف ، يقول لك : وزنه كالريشة ، كأنه لا وزن لها ! من جعل هذا الأنبوب في وسط الريشة مقاوماً ، وخفيفاً ؟ ومن جعل الأشعار حول هذا الأنبوب ملتصقة من أجل أن تشكل مقاومة للهواء ؟ من جعل للطائر قوادم طويلة وريشاً أقلّ ؟ ثم أقلّ ، من جعل الزغب حول جسم الطائر ؟ القوادم  والخوافي ، الخوافي قوةٌ للقوادم ، من أعطاه هذه الإمكانية على معرفة الطريق ؟ قد يطير الطائر سبعة عشر ألف كيلو متر ! يقطع الطائر رحلة الشتاء والصيف مسافة تزيد على سبعة عشر ألف كيلو متر ! من يهديه في ظلمات البر والبحر ، لو أن زاوية الطيران اختلفت درجة واحدة مثلاً ، عشّه في دمشق يأتي إلى بغداد ، أو إلى القاهرة ، الطيور التي تعشش في بيوت دمشق هذه الطيور تهاجر إلى إفريقيا ، وتعود في فصل الشتاء من أعطاها هذه القدرة على معرفة الطريق ؟ الله سبحانه وتعالى .

    العلماء وضعوا نظريات كلها باءت بالإخفاق ، ظنوا أن الطائر يهتدي بأشعة الشمس ، فإذا به يهتدي ليلاً إلى هدفه ، ظنوا أن الطائر يهتدي بتضاريس الأرض ، فلما طار فوق البحر اهتدى إلى هدفه ، ظنوا أن الطائر يهتدي بشيء مغناطيسي ، كلما طرحوا نظرية جاءت التجارب تؤكد عكسها ، ولا يزال اهتداء الطائر إلى عشه قاطعاً مسافات شاسعة لا يزال هذا لغزاً يحير العلماء !! بعضهم طرح نظرية ربما كانت أقرب ما تكون إلى الصواب ، أن الطائر يهتدي بالساحة المغناطيسية الأرضية ، لا الشمس ، ولا التضاريس ، ولا الضوء ، ولا شيء من هذا القبيل .

    البيت تسكن فيه ، ترتاح أعصابك ، ترتاح من عناء العمل  ومشقة كسب المال .

 

    من أجل أن تعرف قيمة السكن سافرْ إلى بلد ؛ فإذا كانت جميع الفنادق مشغولة ، وأنت تدور في الطرقات حتى ساعة متأخرة من الليل ، تريد أن تأوي إلى مكان ، ولا تهتدي إليه ، تعرف عندئذ قيمة المأوى ، لذلك عَنْ أَنَسٍ (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا ، وَسَقَانَا ، وَكَفَانَا ، وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ )) .

[مسلم]

    معك مفتاح بيت ، دخلت إلى البيت ، خلعت الثياب ، أخذت حماماً سريعاً ، استلقيت على فراشك ، نسيت تعب النهار ، هذا البيت من نعم الله الكبرى ، لك بيت خاص ، من أجل أن تعرف قيمة المأوى الخاص لو أنك اضطررت أن تسكن مع أناس أسبوعاً ، تضيق بهم ذرعاً ، تشعر أن حريتك مقيدة ، تريد أن تنام في الوقت الذي تشاء فلا تقدر ، الناس ساهرون  ، لا تعرف قيمة المأوى المستقل إلا إذا كان لك مأوى مستقل ، هذه نعمة كبرى ، إذا دخل الإنسان بيته فليقل : الحمد لله رب العالمين .

   هذه البيوت ؛ بيوت الشعر ، أو بيوت الجلد ، التي يستخدمها البدو في الصحراء ، يسكنونها ، وقد تكون هذه البيوت إذا أقيمت على أصولها بيوتاً منيعة .

أيْ : يوم سفركم .

أي تجدونها خفيفة  .

أيْ : يوم سفركم .

من أصواف الأنعام ،

    الجمل له وبر ، والماعز لها شعر ، والغنم لها صوف .

    قال لي شخص : توجد ألبسة داخلية شتوية ثمن القطعتين حوالي ألف ومئتي ليرة ! قلت له : لماذا هذا السعر المرتفع ؟ قال : لأنها من وبر الجمل ، لها نعومة تفوق نعومة الحرير ، تبث دفئاً يفوق حد التصور ! قطعتان من الألبسة الداخلية للشتاء .

أثاثاً ؛ الطنافس ، البسط ، الفرش ، الفراش من الصوف ، واللحاف ، والغطاء ، هذا كله من الأصواف والأشعار ومن الأوبار :

    متاعًا تتخذونها بضاعة تتاجرون بها ، المتاع هو البضاعة التي تنمو بالبيع والشراء .

العلماء قالوا : هذا الحين نوعان ، إما إلى حين أن تهترئ وتبلى ، وإما إلى أن يموت صاحبها ، متى تنقطع علاقتك بهذا الشيء ؟ إما أن يهترئ هذا الشيء ، وإما أن يموت صاحبه .

    إذا توفي شخص يفتحون خزانته ، فإذا فيها ثياب لم يلبسها ، يوزعونها حتى لا يتذكروه ، لا يتركون شيئاً ! كل شيء متعلق بالميت يوزعونه ، يخافون أن يتذكروه ، حتى لا يتذكروا أنفسهم ومصيرهم ، فالإنسان قد يشتري ، ولا يلبس .

    هذه الحين تقطع نياط القلب .

( سورة البقرة )

    تجد هذا البلد دافئاً فيه مصدٌّ كبير للرياح ، سلسة الجبال الغربية مصدّات للرياح ، المدن التي خلف سلسلة جبال لبنان الغربية والشرقية ، أما طقس حمص فطقس آخر ، رياح عاتية ، وهناك فتحة على البحر ، القنيطرة لها طقس خاص ، لأنها مفتوحة على البحر ، أما مدن الداخل التي تقع إلى جانب الجبال فتُعَدُّ هذه الجبال أكناناً ، اصعد إلى جبل قاسيون في أيام رياح عاتية ، انتقل من طرف إلى طرف فإنك ترى الطقس يختلف اختلافاً كبيراً ، إن كانت الرياح غربية ، وانتقلت إلى سفحه الشرقي فكأنه ليس هناك رياح إطلاقاً ، وإن كانت الرياح شرقية ، وانتقلت إلى سفحه الغربي فكأن الرياح معدومة ، إذاً :

    الأشجار من نعم الله الكبرى ، هناك أشجار خلقت خصيصى كي تؤمِّن لكم الظلال ، الآن طرقاتنا أكثرها مشجّرة ، هذه أشجار زينة لا تثمر ، لا يستفاد لا من ثمرها ، ولا من ورقها ، ولا من أزهارها ، ولا من جذوعها ، ولا من أخشابها ، يستفاد من ظلالها ، إذاً هذه خلقت خصيصى كي تمنحك الظل ، لذلك من حكمة الله عز وجل أن أكثر أشجار الزينة ذات أوراق دائمة الخضرة ، حجمها صغير تتراقص مع الرياح ، شكلها دائري ، منتظم ، كأنها مظلة .

    أحياناً يسير الإنسان في طريق كله شمس ، في أيام الصيف الحارة يصل إلى ظل شجرة فيجلس تحتها قليلاً ، النسمات تحرك أوراقها ، يقول لك : جلست تحتها جلسة لا أنساها ، هذه من فضل الله عز وجل ، جعل في الصحراء واحات ، في كل مكان توجد أشجار ، هذه تؤَمِّن لك الظل ، ومع الظل النسيم العليل ، ومع النسيم العليل المتعة ، والراحة ، والسكن ،

    هذه الثياب البيضاء ، القطنية ، هذه تعكس . والثياب الصوفية في الشتاء البارد تحس أنه لا شيء يعدل ثوباً صوفياً ، يقول لك : دفءٌ عظمي ، طبعاً ، من خلق هذا الصوف يبث الدفء ؟ ومن خلق القطن ؟ يمتص الرطوبة ؟ إنه الله سبحانه وتعالى .

    العلماء قالوا : ذكر الحر ، واستغنى به عن البرد ، فالبرد ملحوظ بالآية ، يعني هناك سرابيل تقيكم الحر ، وهناك سرابيل تقيكم البرد ، أو لأن الذين يخاطَبون يعيشون في الصحراء الحارة ، هم يحتاجون إلى ثياب يدفعون عنهم الحر أكثر مما هم محتاجون إلى ثياب يدفعون عنهم البرد .

    هذه الدروع ، تأتي ضربة سيف فتمنع الدرع من أن تقطع الجسم .

 

أنت مبلِّغٌ .

( سورة الكهف : 29)

( سورة الإنسان : 3 )

( سورة فصلت : 17)

    هذه النعم من ينكرها ؟ ماذا بقي عليك ؟ أن تشكرها ، أن تشكر الذي أنعم بها عليك ، أن تشكر الذي من بها عليك ، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي )) .

( الترمذي )

    هذا الذي بلغكم رسالات الله فيشهد عليكم ، ألم تبلغهم ؟ نعم يا رب قد بلَّغتُهم ،

( سورة المائدة : 116 )



 

      ماذا تقول ؟ الحجة قد أقيمت عليك ، الزم الصمت فهو أولى لك   .

    مثلاً ، هذا الذي ارتكب جريمة قتل ، وحكم عليه بالإعدام ، وصدِّق الحكم ، وسيق إلى حبل المشنقة ، هو يصعد درج المشنقة إن شاء أن يبكي فليبكِ ، وإن شاء أن يضحك فليضحك ، وإن شاء أن يتوسل فليتوسل ، وإن شاء أن يرجو فليرجُ ، وإن شاء أن يسكت فليسكت ، وإن شاء أن يستعطف فليستعطف ، لابد من تنفيذ الحكم فيه ، هذا انتهى أمره  ، هذا كله بعد فوات الأوان ، فكِّرْ قبل أن تقدم على الجريمة .

    انتهى الأمر ، قرار قطعي ، غير قابل للطعن ، وغير قابل للاستئناف ، ولا للتمييز ، ولا للنقض ، مصدق جاهز ، وبقي التنفيذ .

     يتوهم الكافر أنه إذا أشار إلى الشركاء الذين عبدهم من دون الله فإن هذا سيخفف عنه العذاب ، يا رب ، هؤلاء الذين عبدناهم من دونك ، عذِّبهم ، يقول : لا ، أنت لماذا عبدتهم ؟ أنت لماذا اتخذتهم شركاء ؟

يا رب ، هؤلاء كاذبون .

    أحياناً المجرم يستسلم ، يا ترى يعدمونه خلال أيام ؟ بعد أسبوعين ؟ بعد سنتين ؟ يا ترى أيحكمون عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة ؟ أشغال شاقة ثلاثين سنة ، أمره مستسلم ، ليس له قوة على أن يتكلَّم أي كلمة ، يصورونه يضع رأسه في الأرض ، مستسلم ، هذا حال صعب .

    أين هذه الأفكار التي كانوا يبثونها ؟ أين هذه المعتقدات الفاسدة التي كانوا يعتقدون بها ؟ أين هذه المبادئ المزيفة التي كانوا يؤمنون بها ؟ أين هذه الفلسفات ؟ أين هذه السخريات التي كانوا يسخرون من الدين ؟

ثم قال سبحانه :

    الذين كفروا يعذَّبون ، أما إذا صَدُّوا عن سبيل الله فيعذَّبون عذاباً آخر ، يعذَّبون لأنهم كفروا ، ويعذَّبون لأنهم صدوا غيرهم عن الدين .

بما كانوا يفسدون عقائد الناس ، يضللونهم ، يوقعونهم في متاهة .

    يخاطب الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام قائلاً له :