English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "18 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآية  : 90  عن عالم الغيب ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    أيها الإخوة المؤمنون ، قيمة الأمر من قيمة الآمر ، فكلما كان الذي يأمرك عظيم الشأن ، رفيع القدر ، قوياً ، غنياً ، كان أمره كذلك  لذلك هذه الآية مصدرة بلفظ الجلالة :

انتبه ، الأمر أمر الله ، والله صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى ، خالق الأكوان    ، رافع السماوات بغير عمد ، مَنْ إليه المصير ؟ من بيده مقاليد كل شيء هو ذاته يأمرك ،  لذلك قال بعضهم : لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت ، فقد تكون المعصية طفيفة ، ولكنك اجترأت بها  على الله عز وجل ، فخطورة المعصية لا لأنها صغيرة ، ولكنك عصيت بها خالقك ، ومربيك ، ومن خلقك من قبل ، ولم تكن شيئاً ، فربنا عز وجل يقول :

    والأمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وقد يتوهم بعض الناس أن أوامر الله سبحانه وتعالى هي الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، هذه أركان الإسلام ، ولكن كل أمر في كتاب الله عز وجل يقتضي الوجوب ، على وجه الإلزام ، ولا خيار لك في ذلك .

( سورة الأحزاب : 36)

    ما هو العدل ؟ العدل من المعادلة ، والعِدل : المساوي ، ومعنى العَدل ؛ أن تعطي الناس حقوقهم ، أن يأخذ الإنسان حقه ، أن يأخذ أجراً يساوي جهده ، أن تعامل الزوجة معاملة تساوي مهمتها ومكانتها ، العدل من المساواة ، والعدل ضد الظلم ، والعدل أن تعطي ذي كل حقٍ حقه ، لا تصلح الحياة من دون العدل ، لن تستمر المجتمعات إلا بالعدل ، لن يستقر البناء إلا بالعدل ، لن تستمر العلاقة بين الزوجين إلا بالعدل ، لن تستمر العلاقة بين الشريكين إلا بالعدل ، لن يسود السلام الأرض إلا بالعدل ، لن تطمئن إلا بالعدل ، العدل يسع الجميع ، وأساس بناء المجتمع .

    فلذلك الزوج له حقوق ، والزوجة لها حقوق ، والعدل يقتضي أن تعطي الزوجة زوجها حقوقه ، وأن يعطي الزوج زوجته حقوقها : أن يطعمها مما يأكل ، أن يلبسها مما يلبس ، ألا يضرب الوجه ، ولا يهجر في الفراش ، من حق الزوج على زوجته ، أن تحفظه إذا غاب عنها ، وأن تنفذ أمره إذا أمرها ، وألا تمتنع عنه ، وأن لا تخرج إلا بإذنه ، وأن تحفظ ماله ، هذا هو العدل ، من حق الابن على أبيه ؛ أن يحسن تربيته ، وأن يوفر له حاجاته ـ ضمن إمكانات الأب ـ ومن حق الأب على ابنه ؛ أن يرد الجميل بالجميل ، أن لا يناديه باسمه ، أن لا يمشي أمامه ، أن لا يستسبه ـ أن يسبب له السباب ـ هذا من حق الأب على ابنه .

    فالحياة لن تقوم إلا بالعدل ، وأي مجتمع مهما كان قوياً حينما يلقي عرض الطريق بقيم العدل ، هذا المجتمع لابدَّ من أن ينهار ، بقاء المجتمعات مرهون بالعدل ، بقاء الأفراد مرهون بالعدل ، صحة العلاقة بين اثنين أساسها العدل ، حق الأخ الأكبر على إخوته الصغار كحق الأب على أبنائه ، هذا هو العدل ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ : جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا )) .

[الترمذي وأحمد]

    حق المتعلم على المعلم أن يصبر عليه ، وأن يتواضع له ، وأن يكون رحيماً به ، وأن يأخذ بيده كلما عثر ، حق الأجير على صاحب العمل ؛ أن يقبض أجره قبل أن يجف عرقه ، أن يأخذ ما يستحق ، ألاّ تكلفه مالا يطيق ، حق صاحب العمل على الأجير ، أن يكون أميناً ، صادقاً ، ألاّ يؤذيه بالعمل ، ألاّ يهمل ، ألاّ يقصر ، ألاّ يعتدي ، حق الجار على جاره ؛ إن استقرضك أقرضته ، وإن استنصرك نصرته ، وإن مرض عدته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابته مصيبة عزيته ، وإن مات شَيعّته ، ولا تستطل عليه بالبناء ، فتحجب عنه الرياح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فاهدِ إليه منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك   ليغيظ ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك ، إلا أن تغرف له منها ، والأربعون دارًا كلهم جيران ؛ شرقاً ، وغرباً ، وشمالاً وجنوباً ، وارتفاعاً ..

    حق الصديق على صديقه ، حق الأخ المؤمن على أخيه ، ألاّ يغتابه ، ألاّ يذكر عورته ، ألاّ يشهر به ، ألاّ يسرع بالحكم عليه .

( سورة الحجرات : 6)

    حق الأخ على أخيه ؛ ألاّ يحقره ، ألاّ يغشه ، ألاّ يحتال عليه ، أن يحفظ ماله ، أن يحفظ عرضه ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَحَاسَدُوا ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لَا يَظْلِمُهُ ، وَلَا يَخْذُلُهُ ، وَلَا يَحْقِرُهُ ، التَّقْوَى هَاهُنَا ، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ ، وَمَالُهُ ، وَعِرْضُهُ )) .

[متفق عليه]

    حق الأخ على أخيه ؛ أن تعامله كما تعامل نفسك ، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ،  هذا هو العدل ، كل مشكلاتنا ، كل متاعبنا ، كل مآسينا بسبب ترك مبدأ العدل ، لو أن الزوج عَدَلَ مع زوجته ، وعدلت هي مع زوجها .

(( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله )) ، أي : الجهاد في سبيل الله .

( من كنز العمال : عن " أسماء بنت يزيد الأنصارية)

( سورة الأحزاب : 33 )

(( أيما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها كانت في سخط الله تعالى حتى ترجع إلى بيتها ، أو يرضى عنها زوجها )) .

[من الجامع الصغير : عن : أنس ]

    هذا هو العدل ..

حق الأمير على رعيته أن يطيعوه في غير معصية الله عز وجل  .

     وحق الرعية على أميرهم ، قال سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه يمتحن أحد الولاة : " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال : أقطع يده ، قال : إذاً من جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل ، فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه ، لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً ، التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة ، قبل أن تشغلك بالمعصية " .

    أيها الأب : أيها العم ، صهرك له عليك حق ؛ أن تترفق به ، ألاّ تكلفه مالا يطيق ، أن تأمر ابنتك أن تطيعه ، لا أن تحرضها على أن تعصيه ، أن تمنعها من مغادرة بيتها من غير إذنه ، لا أن تجلبها إلى البيت لتغيظه ، أيها الصهر ، واجبك تجاه والد زوجتك أن تعرف قدره ، وأن تقدر جميلة ، ربى ابنته ، حتى إذا بلغت أشدها قدمها إليك هدية لطيفة ، هل تعرف قدره ؟ هذا هو الحق .

    حق المالك في ملكه ؛ ألاّ يتعسف في استعمال هذا الحق ، ألاّ يضيق على الناس ، ألاّ يحملهم على أن يحتالوا عليه ، أن يترأف بهم ، حق المالك على من في ملكه ، حق الشريك على شريكه ، ألاّ يقطع أمراً دونه ، أن يستشيره ، أن يبذل جهداً مكافئاً لجهده ، ألاّ يستأثر بشيء له ، أن لا ينافسه في عمله  ، في العمل نفسه .

    حق المقرض على من أقرضه ؛ أن يؤدي له القرض بالتمام والكمال في الوقت المحدد ، لا أن يماطل ، حق المقترض على من اقترض منه ، ألاّ يحمله مالا يطيق ، ألاّ يكلفه ، أن يدفعه أن يدفع فائدة مرتبة ، إن هذا ليس من العدل .

    حق الشريك المضارب ؛ ألاّ يدخر وسعاً في بذل كل الجهد ، كي يحقق لرأس المال ربحاً جيداً ، وحق صاحب المال ألاّ يستبد بما أتاه الله به ، يجعله مبذولاً بين الناس ، كي ينتفوا به وينفعوه .

    حق المشتري ؛ أن يدع مجالاً ليربح منه البائع ، كيف يعيش إذاً ؟ لا تزال تضيّق ، وتفاصل ، وتمحّص ، إلى أن يضجر فيبيعك برأس ماله ، وحق المشتري على البائع ألاّ يغشه ، وألاّ يربح عليه أضعافاً كثيرة ، لو كشف رأس المال هل يرضى هذا المشتري ؟ البيع الشرعي ما كان عن تراضٍ بين المتبايعين ، هذا هو العدل .

    حق المقتول خطأ أن تدفع له الدية .

    حق الزوج التي خطبتها ، وعقدت عليها ، وبقيت تزور أهلها أشهراً ثلاثة ؛ أن تعطيها نصف المهر ، لا أن تبلغ أهلها ، أنه يجب أن تسامحوني بكل شيء ، وأن تعطوني كل ما قدمته من هدايا حتى أطلقها ، هذا هو الظلم ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع سيدنا عمر الحق في أن يقول : " ليت أم عمر لم تلد عمر " ، ليتها كانت عقيمة ؛ وَمعه الحق أن يقول : " ليتني أقدم على الله لا ليّ ولا عليّ " ، وَمعه الحق أن يقول : " وَاللَّهِ لو أن بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها ، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ " .

    وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هو ؛ لو تأملتم بالحقوق المترتبة عليكم ، وأنا معكم لوجدتموها شيئًا يقصم الظهر ، هل أديت حقك تجاه زوجتك ؟ هل كنت متعسفاً في استعمال حق الزوج ؟ هل دللتها على الله عز وجل ؟ أم استمتعت بها وكفى ؟ هل عرفتها بخالقها ؟ لها حق عليك ، خدمتك ، وحبست نفسها من أجلك ، أفلا ينبغي أن تعرفها بربها ؟ أفلا ينبغي أن تقودها إلى الجنة هل أديت حق أولادك ؟

    الحقوق شيء مخيف يوم القيامة ؛ يوم تقف بين يدي الله عز وجل ، ماذا فعلت في حق أمك ؟ هل عاملتها ؟ هل كافأتها بإحسانها إحساناً ؟ أم التفتت إلى زوجتك ونسيتها ؟ ورأيتها عبئاً ثقيلاً ؛ شيئاً قديماً ؟ ليتها تموت ونرتاح منها ! أهذا حقها عليك ؟! هل عرفت حق أبيك ؟ تأكل ما لذَّ وطاب ، وأبوك محتاج إلى الدرهم والدينار ، ولا تزوره إلا أياماً قليلة بالشهر أو بالعام ؟ تقول له : أنا مشغول ، أنسيت يوم كنت صغيراً ؟ محتاجاً إليه ؟

    امرأة جاءت إلى رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشكو زوجها ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : (( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلَ شَبَابِي ، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي ، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي ، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ : ] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [ )) .

[ابن ماجه ، النسائي]

     مرة عمر رَضِي اللَّه عَنْه وهو راكب بغلته مر بهذه المرأة فنزل عن دابته تأدباً معها ، ووقف معها طويلاً تكلمه ، فقيل له : أتكلم امرأة ضعيفة ؟ فقال : كيف لا أكلمها ؟ وكيف لا أستمع لها ، وقد استمع لها الله من فوق سبع سماوات ؟ .

    عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ : اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ )) .

[متفق عليه]

    وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هو ؛ لو ظلمت مجوسياً ، لو ظلمت ملحداً ، لحاسبك الله حساباً عسيراً ، أليس هو عبداً لله ؟ الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، من قال لك : إنه يباح لك أن تفعل ما تفعل مع من لم يكن من دينك ؟ أهذا هو الدين ؟ المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، ليس منا من غش إطلاقاً ، ولو غششت أي إنسان ، هذا هو العدل  .

في بيتك ، مع أولادك ، مع جيرانك ، مع من هم أعلى منك ، مع من هم أدنى منك ، مع أمك ، مع أبيك ، مع أقاربك ، مع شريكك ، مع كل من هو له علاقة معك ، هذا هو العدل ، والعدل قسري ، بمعنى أنه ليس لك اختيار فيه ، إما أن تفعله فتنجو ، وإما أن تقصر فيه فتهلك .

    فإن ضاق العدل اتسع الإحسان ، اشترى منك البضاعة ، اشترى منك هذه السلعة ، ولم يفتحها ، ولم يجرِ فيها أي تعديل ، وأصابه ندم على شرائها ، وكان البيع صحيحاً مئة بالمئة ، السعر معتدل ، وتم الإيجاب والقبول ، وتم التسلم والتسليم ، ثم جاءك يرجوك أن تقيله من بيعته .

أنت مأمور بالإحسان ، كما أنك مأمور بالعدل .

    رجل من عامة الناس يسكن أحد أحياء دمشق القديمة ـ هذه القصة قديمة جداً ـ له جار إمام مسجد ، معروف بالتقى والصلاح ، هذا الإمام رأى رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام ، قال : يا فلان ، بلغ جارك فلانًا أنه رفيقي في الجنة ، من هو هذا الشخص ؟ شخص من عامة الناس ، لا يؤبه له ، إن حضر لم يعرف ، وإن غاب لم يفتقد ، فذهب إليه ليبلغه البشرى ، دخل إلى بيته ، وقال : لك عندي بشرى من رسول الله e ، والذي نفس محمد بيده لا ألقيها على مسامعك حتى تقول لي ماذا فعلت مع ربك حتى بشرك النبي عليه الصلاة والسلام أنك رفيقه في الجنة ؟ فأبى ، ثم أبى ، فلما ألح عليه قال : وَاللَّهِ تزوجت امرأة ، وفي الشهر الخامس من الزواج كانت في شهرها التاسع من الحمل ، فكان بإمكاني أن أطلقها ، وبإمكاني أن أسحقها ، وبإمكاني أن أفضحها ، جئت بقابلة سراً وولدتها ، وحملت المولود تحت عباءتي ، وذهبت به إلى المسجد ، وانتظرت حتى ينوي الإمام ، دخلت ، ولم يرني أحد ، وضعت المولود خلف الباب ، ونويت الصلاة ، فلما انتهت الصلاة بكى المولود ، تحلق الرجال حوله ، دخلت بينهم ، وكأن الأمر لا يعنيني ، قلت : ما هذا ؟ قالوا : تعال انظر ، لقيط وضع هنا ، قال : هاتوه ، أنا أكفله ، فأخذه ، وأعاده إلى أمه ، وسترها ، فقال عليه الصلاة والسلام في الرؤيا : أبلغ جارك فلانًا أنه رفيقي في الجنة ، هذا إحسان ، وليس عدلاً ، العدل أن تطلقها .

    الإحسان أنت مأمور به ، مأمور به تماماً ، أقمت دعوة إخلاء على المستأجر ، وصدر قرار بالإخلاء ، والمستأجر لا يقوى أن يستأجر بيتاً آخر ، ليس له الحق أن يأخذ منك شيئاً ، أعطيته مبلغاً من المال كي يدبر أمره به ؛ هذا إحسان .

    باب الإحسان واسع جداً ، لا يحصى في كلمات ، لا يعرف في ساعات ، الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة العنكبوت : 69 )

الله عز وجل بعظمته ، بقوته ، بكماله مع المحسن ..

( سورة الأعراف : 56)

[سورة النحل : 128]

(سورة المائدة : 8 )

    الإحسان مع الزوجة ؛ لا أن تعطيها حقها ، أن تحتمل الأذى منها ؛ قيل لرجل من الصالحين ، وكانت له زوجة سيئة الخلق : طلقها يا فلان ، قال : وَاللَّهِ لا أطلقها فأغشّ بها المسلمين ! هذا إحسان ، بإمكانك أن تطلقها ، ولكني لا أطلقها فأكسرها ، لأن كسر المرأة طلاقها ، وما عُبِدَ اللهُ في الأرض بأفضل من جبر الخواطر ، لا أطلقها ، لا أفرق بين اثنين ، لا بين أخوين ، أو شريكين ، أو قريبين ، أو جارين .

 

    اسأل نفسك ، هل أنت محسن في البيت ؟ علامة إحسانك ؛ أن من حولك يتمنون دوام حياتك ، وعلامة الإساءة أن أقرب الناس إليك يتمنى أن ترحل عنهم ، فإذا جاء الطبيب ليفحص الأب ، وقال الطبيب : حالته طفيفة ، يتألم الأهل ألماً شديداً ، ليته قال : حالته خطيرة ، يتوقعون أنه يموت في هذا المَرض ، سيعيش أيضاً ؟ معنى ذلك أن هذا الأب غير محسن ، كن محسناً تر الناس جميعاً مقبلين عليك ، لا تبنِ مجدك على أنقاضهم ، لا تأخذ مالهم ، لا تعتدِ عليهم ، لا ترتفع ، ويُخفَضون ، لا تغتنِ ليفتقروا ، لا تسعد ليشقوا ، كن محسناً ، بث فيهم السلام .

    من الإحسان إيتاء ذي القربى ، فلماذا ذكرها الله عز وجل ؟ من الإحسان أن تؤتي ذوي القربى حقهم ، أو المعونة لهم ، قال العلماء : لقد خصت بالذكر لعظم شأنها ، لا انطلاقاً من العصبية العائلية ، لا ، ولكن انطلاقاً من مبدأ التكافل الاجتماعي ، فذا عرف كل إنسانٍ حق قريبه انتهى الأمر ، كل إنسان له قريب ، لو رعى كل قريب قريبه رعاية مادية ، ومعنوية ، واجتماعية ، وإصلاحية ، ودينية ، لحلت مشكلات الأمة ، لماذا خصّ الله سبحانه وتعالى بالذكر أولي القربى ؟ لأن تحقيق هذا المبدأ يعني تحقيق التكافل الاجتماعي ، لا ترى في المجتمع جائعاً ، ولا فقيراً ، ولا عرياناً ولا مضطهداً ، ولا محروماً .

    لذلك إذا أزمع الإنسان أن يدفع زكاة ماله فعليه قبل كل شيء أن يبحث عن أقربائه ، عن رحِمِهِ ، لعلهم محتاجون ، أدرى الناس بهم أنت .

    أن تؤتي ذوي القربى ، لك أخت بحاجة إلى مساعدة ، لك عمة أرملة ، لك خالة بائسة  في حي بعيد ، تجشم المشاق ، واذهب إليها ، تفقد أحوالها ، أعطها من مالك ، أو من زكاة مالك .

    الفحشاء ؛ العمل الشنيع الذي تفوح منه رائحة نتنة ، من يزني بحليلة جاره ، من يغرر بفتاة ، من يعتدي على أعرض الناس .

    من يجعل بينهم هوة كبيرة ، من العداوة والبغضاء ، الفحشاء كل شيء تمجه الفطرة السليمة ، كل شيء ينكره المجتمع الإنساني ، في أي زمان ومكان ، قيمة مطلقة ، أي إنسان ، من أي لون ، أو أي عرق ، أو أي دين ، يأبى ذلك ، من يقابل الإحسان بالإساءة ، هذه فحشاء ، من يسيء إلى أمه وأبيه ، هذه فحشاء ، من يخون زوجته هذا فحشاء ، العمل الفاحش ؛ الذي تمجه الطبيعة البشرية ، وتسري أنباؤه في الناس باشمئزاز شديد ، واحتقار كبير ، وترفع بليغ .

    المنكر ما أنكره الشرع ، قد تطمس الفطرة ، قد يشيع بين الناس أكل الربا ، فإذا أكلت الربا لا أحد ينتقدك ، لكن الربا أنكره الشرع ، الفحشاء ؛ ما تعارف الناس عليه ، والمنكر ما أباه الشرع ، في عهود الازدهار الديني تتطابق أعراف الناس مع قواعد الشرع ، وفي عهود التخلف الديني يصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ، يصبح الخير شراً ، والشر خيراً ، يأمر الناس بالمنكر ، وينهون عن المعروف ، يصبح الكذب ظرفاً ، والخيلاء تيهاً ، يصبح الأمر بالمعروف حمقاً ، والنهي عن المنكر وقاحة ، يصبح النفاق لباقة ، والكذب ذكاءً ، والعدوان على الأعراض دماً خفيفاً ! تنعكس القيم ! إذا كنا في عصر انقلبت فيه القيم عندئذٍ المنكر ما أنكره الشرع ، أن يدخل الإنسان في مجتمع مليء بالكاسيات العاريات ، المائلات ، المميلات ، ويسمى إنساناً لبقاً ، لطيفاً ، مهذباً ، يمتع عينيه بهن ؟! يعتدي عليهن اعتداء معنوياً ، ويسمى لطيفاً ، مهذباً ، لبقاً ، حضارياً ، مثقفاً ! المنكر ما أنكره الشرع .

 

( سورة النور : 30 )

    فالفحشاء تدور مع الأعراف ، والتقاليد ، والعادات ، ولكن المنكر يدور مع أحكام الشرع .

 

( سورة البقرة : 276 )

    البغي العدوان ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ ـ أي الزنا ـ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ )) .

[ابن ماجه]

    قبل أيام قرأت أن كل عشرة مصابين بمرض الإيدز في العالم الغربي ، منهم تسعة شاذون أخلاقياً ، وواحد موزع بين النساء العاهرات ومدمني المخدرات ، متى ظهرت الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ؟ هذا مرض جديد لم يكن في الأسلاف ، يهدد العالم الغربي الآن ، يعد في العالم الغربي العدو الأول ، هكذا قالت بعضُ سياساتهم ، مرض الإيدز العدو الأول ، ما أسبابه ؟ الفحشاء ، أما دقة الحديث : (( حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا )) ، تابعت قراءة الخبر ، قال : وفي أمريكا وحدها مليونان ونصف مليون شاذ شذوذًا أخلاقيًّا ، تعرفونهم من هم ، مسجلون في نوادٍ رسمية ! والمسجل من معهم بطاقات ، لذلك فشا فيهم مرض الإيدز ، ولقد أعلن قبل شهر أو أكثر أن كل المساعي ، وكل البحوث العلمية ، وكل الإمكانات باءت بالإخفاق ، إن كل هذه الأدوية لم تستطع أن تقف في وجهه الرقم الأخير ، أن هناك مليونين يحملون هذا المرض ، مئات الألوف فتك بهم ، والأمر يتفاقم باستمرار ! ربما انتقل المرض إلى اليابان  وإلى أوربة الغربية ، وإلى بعض البلاد النامية التي فيها فاحشة ، (( وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ )) ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ ـ أي الزنا ـ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ـ أي شدة الفقر ـ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))  .

    قال تعالى :

( سورة النحل : 112)

( سورة النحل : 90)

    البغي العدوان ، أن تأخذ ما في أيدي الناس ، أن تأخذ أموالهم بالباطل ، إما أن تأخذها بقوتك ، أو بحيلتك ، قد يكون الرجل ذكياً وضعيفاً ، فيسلب أموال الناس لا بقوته بل بحيلته ، وقد يكون غبياً قوياً ، فيأخذ أموالهم بقوته ، هذا كله عدوان وبغي .

    أيّ معصية تفوح رائحتها النتنة بين الناس ينهى الله عنها ، فإذا طمست فطرة الناس هناك مقياس الشرع ، أي شيء ينهى عنه الشرع فهو محرم ، والبغي ؛ هو أن تعتدي على أموال الناس ، وعلى أعراضهم ، وعلى ممتلكاتهم .

    أيها الإخوة المؤمنون ،  ـ دققوا في هذا الحديث ـ النبي عليه الصلاة والسلام حديثه كما يصفه علماء الأصول وحي غير متلو ، لقوله تعالى :

 

( سورة النجم : 3  ـ 4)

    لذلك أمرُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام يقتضي التطبيق ، والوجوب .

( سورة الحشر : 7 )

    عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ ، وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ ، وَاعْتَدَى ، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا ، وَلَهَا ، وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا ، وَطَغَى ، وَنَسِيَ الْمُبْتَدَا وَالْمُنْتَهَى ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبُهَاتِ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ )) .

[الترمذي]

    تخيل نفسه عظيماً ، واختال على الناس

    النبي الكريم مر على أحد الأشخاص يضرب غلامه ، أحياناً الإنسان يتجبر على غلام عنده ، على صانع ، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ : (( كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي ، فَقَالَ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا )) .

[مسلم]

(( بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ ، وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ ، وَاعْتَدَى ، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا ، وَلَهَا ، وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا ، وَطَغَى ، وَنَسِيَ الْمُبْتَدَا وَالْمُنْتَهَى ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبُهَاتِ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ ))

[الترمذي]

    شيء مخيف أن تنطبق إحدى فقرات هذا الحديث على واحد منا ، (( بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ ، وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ ))  .

    أيها الإخوة المؤمنون ، لا زلنا في آية :

لعلكم تذكرون مهمتكم في الدنيا ، لعلكم تذكرون شرع الله ، لعلكم تذكرون يوم الحساب .

 

( سورة المطففين : 6 )

    يوم تقف البنت يوم القيامة تقول : يا رب ، لا أدخل النار حتى تدخل أبي قبلي ، لأنه أطلقني هكذا ، لأنه لم يرعَ حقي ، لم يعلمني ،  أطلقني على سجيتي ، أنا جاهلة ، فجئت إلى هذا المكان لأحاسب عن أعمالي كلها ، وكان أبي هو السبب ، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي .

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi