English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "19 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 91 – 94   عن الوفاء بالعهد ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع عشر من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    عهد الله ، العهد الذي عاهده الإنسان في عالم الأزل ، يوم قال الله عز وجل للخلائق :

( سورة الأعراف : 172 )

    وإذا عاهدت ربك في الدنيا على الطاعة ، وعلى العمل الطيب فهذا هو العهد المعني في هذه الآية ، وإذا عاهدت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو من ينوب في مكانه في تبليغ العلم ، إذا عاهدت رسول الله عليه الصلاة والسلام على السير في طريق الإيمان ، وعلى الالتزام بأوامر الدين ، وعلى الاستقامة على أمر الله ، وعلى فعل الخيرات ، وترك المنكرات فهذا هو العهد المعني في هذه الآية .

    إذا عاهدت النبي عليه الصلاة والسلام ، أو من ينوب منابه في تبليغ العلم ، فهذا العهد مَعْنِيُّ في هذه الآية الكريمة :

[سورة النحل : 91]

    وإذا اتفقت مع مسلم على بيع ، أو شراء ، أو أجار ، أو استئجار ، أو هبة ، أو وديعة ، أو أمانة ، أي عقد عقدته مع مسلم وِفق الدين ، يجب أن تلتزم به ، لحديث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ )) .

[البخاري]

    طبعاً فيما لا يتعارض مع أوامر الدين ؛ لو أنك أبرمت عقداً مع إنسانٍ على أن تعصي الله فهذا العهد لا ينبغي أن تفي به ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ )) .

[البخاري]

    فعهد الله عز وجل الذي يجب عليك أن توفيه هو العهد الذي قطعته على نفسك حينما خلقت في عالم الأزل ، حينما قال الله عز وجل :

[سورة الأعراف : 172]

أو إذا عاهدته في الدنيا على التوبة .

(سورة الصف : 2  ـ 3 )

وقال سبحانه :

 

(سورة التوبة : 38)

    الإنسان أحياناً في ساعات الشدة ، في ساعات الضيق ، في أوان المصائب ، قد يتوجه إلى الله عز وجل ، ويقول له : يا رب ، أعاهدك على الطاعة ، أعاهدك ألا أعصيك ، ثم الله عز وجل بكرمِه ، ولطفه ، ورحمته ، وحكمته ، يرفع هذه الشدة ؛ فإذا رفع عنك الشدة إياك أن تنقض عهد الله عز وجل ، إن ساق الله لك شدة ، وكبرت عليك ، وطلبت من الله عز وجل أن تستقيم على أمره على أن يرفعها عنك ، ورفعها ، إياك أن تنقض عهد الله عز وجل ، إنك إذا فعلت ذلك كالمستهزئ بربه .

 

    شابان في عهد عمر رَضِي اللَّه عَنْه دخلا عليه وهما يسوقان رجلاً قتل أباهما ، فعقد هذا الخليفة العظيم مجلساً للحكم في هذه الجريمة ، عقد مجلساً لمحاكمته ، وبعد سماع أقوال الشهود ، وإقرار القاتل ، حكم عليه بأن يقتل .

 

 (سورة البقرة : 179 )

    القتل أنفى للقتل ، إذا علم القاتل أنه لابد من أن يقتل يحجم عن القتل ، فيحقن دمه ودم المقتول ، إذاً :

    هذه من الآيات البليغة .

    فسيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه حكم على هذا القاتل بعد أن اعترف وأقر ، والقصة طويلة ، أن يقتل ، لكن المحكوم عليه بالقتل طلب مهلة ثلاثة أيام ، كي يذهب إلى أهله ، ليعطيهم مالاً كان قد خبأه لهم ، وليودع أولاده ، وليكتب وصيته ، فقال له عمر : ومن يضمنك ؟ نظر إلى من حوله ، بقي الجميع ساكتين ، لا أحد يعرفه ، ليس من المدينة ، فلم يتكلم أحد ، لأن أحداً لا يعرفه ، فما كان من أبي ذر رَضِي اللَّه عَنْه إلا أن قال : أنا أكفله يا أمير المؤمنين ، والكفيل قد ينفذ فيه حكم القتل ، ومضت الأيام الثلاثة ، وحضر الشابان ليشهدا مقتل قاتل أبيهما ، لكن الرجل لم يحضر ، إلى أن كادت الشمس أن تغيب ، ثم غابت ، وكاد سيدنا عمر ينفذ حكم القتل في أبي ذر ، لأنه الكفيل ، ثم لاح بالأفق شبح بعيد ، انتظروا ، فإذا الرجل الذي عاهد الله أن يعود ليقتل ، وهاهو ذا قد عاد ، قبيل تنفيذ حكم الإعدام ، سأله عمر : يا هذا ، لِمَ وفيت بوعدك وأنت تعلم أنه القتل ؟ فقال هذا الرجل : إنما جئت ووفيت بوعدي لئلا يقال : إن الوفاء قد مات .

    عندئذ التفت سيدنا عمر إلى أبي ذر رَضِي اللَّه عَنْه وقال : يا أبا ذر لِمَ ضمنته ، وأنت لا تعرفه ؟ فقال سيدنا أبو ذر : إنما ضمنته وأنا لا أعرفه لئلا يقال : إن المروءة ماتت ، وعندئذ قال الشابان : ونحن عفونا عنه ، فقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه : لمَ عفوتما عنه ؟ فقالا : لئلا يقال : إن السماحة ماتت .

     وفاء ، ومروءة ، وسماحة ؛ وفاء بالذي ذهب ، وعاد ليقتل ، ومروءة بهذا الصحابي الجليل الذي ضمنه ، وسماحة من هذين الشابين ، لأنهما ما أرادا أن يكون الرجلان أكثر سماحة ووفاء ومروءة منهما !!!

     أيها الإخوة الأكارم ... لو أخذ الناس بهذه الثلاثة ؛ بالوفاء والمروءة والسماحة ، ما كان بينهم جائع ، ولا عريان ، ولا مغبون ، ولا مهضوم ، ولأقفرت الجفون من المدامع ، ولاطمأنت الجنوب في المضاجع ، ولمحت الرحمة الشقاء ، كما يمحو نور الصبح الظلام .

    لماذا أمرنا الله عز وجل أن نفي بعهد الله إذا عاهدنا ؟

    لأن المجتمع الإنساني لا يستقيم ، بل لا يقوم إلا على الثقة ، إذا حذفت الثقة من مجتمعنا انهار المجتمع ، لن يقوم عمل ، لن تقوم تجارة ، لن تقوم زراعة ، لن تقوم صناعة ، لن تقوم علاقة ، إلا على الثقة بين البشر ، فإذا محيت هذه الثقة ، إذا نزعت هذه الثقة فقد انهار المجتمع .

    يروى أن رجلاً كان يقطع رمال الصحراء المحرقة على فرس له ، رأى في الطريق رجلاً بائساً فقيراً يمشي حافي القدمين ، ويكاد الرمل لشدة حره يحرق رجليه ، فحنَّ له ، وعطف عليه ، ودعاه إلى ركوب الفرس ، ما إن ركب الفرس هذا الذي دعي لركوبها حتى ألقى صاحبها أرضاً ، وعدا بها لا يلوي على شيء ، فقال له صاحب الفرس : يا هذا ، لقد وهبت لك الفرس ، ولن أسأل عنها بعد اليوم ، ولكن إياك أن يشيع الخبر في الصحراء ، فتذهب منها المروءة ، وبذهابها يذهب أجمل ما فيها .

    في الزواج لو فقدت الثقة أصبح البيت جحيماً ، لو أن الزوجة تفقد ثقتها بزوجها ، أو أن الزوج يفقد ثقته بزوجته ، لأصبح الزواج جحيماً لا يطاق ، لا يقوم الزواج إلا على الثقة ، يذهب إلى عمله ، وهو واثقٌ أن زوجته عفيفة ، حَصَاْن ، شريفة ، كريمة ، تحفظه في نفسها وماله .

    لولا الثقة لم تقمْ علاقة بين شريكين ، ما الذي يمنع أحد الشريكين أن ينافس شريكه في العمل نفسه ، وأن يربح من وراء ظهره ؟ الثقة والعهد الذي قطعاه على أنفسهما في الزواج ، في الجوار ، في التجارة ، في أي عمل ، حينما يأتي المريض إلى الطبيب ، بماذا يأتي ؟ يأتي بثقة يمنحها إياه ، يصف له الدواء الصحيح ، ولا يكلفه ما لا يطيق .

    إذا أتى الإنسان إلى محامٍ ؛ ما الشيء الثمين بينهما ؟ الثقة ، أنه لا يعمل عملاً من وراء ظهره ، لا يخونه في قضيته ، لا يأخذ من خصمه ، وينكل معه .

     فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

    آية واسعة ، عهد الله في الأجل ، إلى عهده في الدنيا ، إذا عاهدته على الطاعة في الدنيا ، إلى أنك إذا عاهدت رسوله على الاستقامة على أمره ، وعلى العمل بموجب كتاب الله ، وسنة رسوله ، إلى العقد الذي توقعه ، إلى الوعد الذي تقطعه ، إلى أية علاقة تقوم بين اثنين هي في أساسها علاقة مبنية على عهد الله .

    الأيمان جمع يمين ، فالذي يحلف بالله أن يفعل كذا ولا يفعل فقد حنث ، والذي يحلف بالله ألا يفعل وقد فعل ، فقد حنث ، لذلك قسم العلماء اليمين إلى أقسام ثلاثة ؛ هناك يمين لغوٌ ، كقولك : إي والله ، لا والله ، وأنت لا تنوي حلف اليمين ، إنما سبق لسان ، أو عادة كلامية سيئة تجري على ألسنة الناس في كل حالاتهم ، وفي بيعهم وشرائهم ووعودهم ؛ هذه اليمين يمين لاغية ، قال الله عز وجل :

( سورة المائدة : 89 )

    إذا قلت : واللهِ ، وأنت تنوي حلف اليمين ، وأنت تقصد حلف اليمين فهذه اليمين منعقدة ، إذا حنثت بها فعليها كفارة ، وكفارة اليمين عتق رقبة ، أو إطعام عشرة مساكين ، أو صوم ثلاثة أيام ، العتق والإطعام على الخيار ، ولكن الإطعام والصوم على الترتيب .

     فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

     ومن العلماء من استنبط أن العهد بحد ذاته يمين ، لأن الله عز وجل  يقول :

    يعني : ولا تنقضوا عهد الله ، فعهد الله نوع من أنواع اليمين ؛ لكن الفرق بين العهد وبين اليمين أن اليمين لها كفارة ، ولكن العهد إذا نقض لا كفارة له ، بل إنه يخرج صاحبه من الإسلام ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ : (( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ )) .

[أخرجه أحمد في مسنده ]

     سبحان الله ! ما لهؤلاء الناس فصلوا بين الإيمان وبين الخُلُقِ ، مع أن الإيمان والخُلُق شيئان متلازمان ، قال عليه الصلاة والسلام : (( الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً ، فإذا رفع أحدهما رفعا جميعاً )) .

[الحاكم في المستدرك عن ابن عمر]

 

( سورة الماعون : 1 ـ 2 )

(( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ )) .

[أحمد]

    هناك أحاديث كثيرة ؛ ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ، فالبخيل ليس من أمة سيدنا محمد e ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ )) .

[أبو داود ، أحمد]

   عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ )) .

[أبو داود]

    عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا )) .

[الترمذي وابن ماجه]

أو أشار بالنهب أو السلب .

    هناك أحاديث كثيرة مطلعها ليس منا ، معنى ذلك أن هناك تلازمًا ضروريًّا ، أو ترابطًا وجوديًّا بين التدين الصحيح والخلق القويم  .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) .

[مسلم]

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا ، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ )) .

[أحمد]

الفرض فقط ، الخمسة فروض ، من دون صلاة الضحى وقيام ليل ، والزكاة فقط ، ورمضان فقط ، (( وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ )) .

    أحسن المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا )) .

[الترمذي وأحمد]

فكيف فصل الناس بين الإيمان الصحيح وبين الخلق القويم ؟ أمر إلهي :

    عاهدت الله ، أوفِ بعهدك ، عاهدت رسول الله أوفِ بعهدك ، عاهدت من ينوب عن رسول الله بإلقاء العلم ، عاهدته على الطاعة لله ورسوله أوفِ بعهدك ، وقعت عقد بيع أوفِ بعهدك ، الأسعار ارتفعت ، أنت قبضت ثمن البيت كاملاً ! في الوقت الذي كان السعر نفسه !! البيع تم من أربع سنوات ، وقبضت المبلغ بأكمله ، وبقي الإفراغ ! تقول : لا أفرغ لك إلا بمئة ألف ؟ أنت حر ، أين العهد ؟ صار هدف الناس الكسب غير المشروع .

    العرب في الجاهلية كانوا يقولون : المنية ولا الدنية ، قد يأتي زمان يختار الإنسانُ الدنية لا المنية ، فهو مستعد أن ينقض عهده في هذا البيع ، ويجعل سمعته في الوحل من أجل أن يكسب مئة ألف ليرة زيادة .

في البيع ، في الشراء ، في كل شيء تَعِدُ به ، أو تصدر وعداً للناس .

    قال بعض العلماء : توكيد الأيمان أن تعيدها مرتين ، تقول : وَاللَّهِ ، وَاللَّهِ ، هذا هو التوكيد ، أو أن تعقد العزم على أن تفعل هكذا كما قلت ، فإذا لم تفعل فقد نقضت هذا اليمين ، إذا صممت على ألاّ تفعل ، وفعلت فقد نقضت اليمين .

    عامة الناس في البيع والشراء يقولون : الله وكيلك ، لو عرف الناس معنى هذه الكلمة لارتعدت فرائصهم ، الله وكيلك ، خالق الكون الذي يعلم السر وأخفى ! تجعله وكيلاً لهذا الشخص ؟! ثم تغشه ؟! ثم تكذب عليه ؟! اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ، ممحقة للبركة ، ومعنى ( كفيلا ) ؛ أيْ حافظاً ، وضامناً ، وشهيداً  .

    أجدادنا السلف الصالح كانوا بخير ، لأن الكلمة كانت صادقة ؛ إذا وعد وفى ، وإذا أؤتمن لم يخن ، إن أفضل الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته .

    المؤمن إذا قرأ هذه الآية ، واستشعر أن الله سبحانه وتعالى ـ الذي خلقه ـ يأمره أمراً قطعياً بأن يفي بعهد الله ، وعهد الله ؛ أي عهد تقطعه على نفسك ، أيّ اتفاق بين مسلمين ، أيّ وعد جرى بين مسلمين ، فضلاً عن عهدك لرسول الله أن تطيعه ، فضلاً عن عهدك لله أن تستقيم على أمره ، فضلاً عن العهد الذي قطع عليك في عالم الأزل ، حينما قال الله عز وجل :

( سورة الأعراف : 172 )

    لكنه ـ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ـ إذا بدا لك أنك نقضت العهد ، كسبت مئة ألف ليرة ـ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ـ إنك إذا كسبتها كسباً غير مشروع ، لسوف تدفع أضعافها في طريق غير مشروع ؛ لأن هذا الكسب حرام ، يعني آلاف العقود التي نقضت ؛ عقود البيع لا لشيء ، إلا لأن الأسعار قد ارتفعت ، والمشتري لن يتمكن من هذا البيت ، أو من هذه الدكان ، أو من هذه الأرض ، أين العهد ؟ إلا إذا كان هناك لم يدفع الثمن ، تم العقد ، ولم يدفع الثمن ، وارتفع السعر ، فهذا موضوع خلاف ، لم أقصد هذا الموضوع ، أما إذا دفع الثمن بكامله عداً ونقداً ، بالتمام والكمال ، وبعد سنوات جاء وقت الإفراغ ، ثم تقول له : أنا لا أفرغ لك إلا بمبلغ من المال ، ما السبب ؟ أين العهد ؟ وأنت وقعت .

    كان السلف الصالح الواحد منهم بألف ، و صار الناس في زمنٍ ، الألف منهم بأف .

    يعلم خبايا أعمالكم ، خبايا نواياكم ، أحياناً يأتي النقض بشكل آخر ، أنه وَاللَّهِ هذا البيت ليس لي ؛ وصاحبه لم يوافق على السعر ، أنا معي وكالة فيه ، يعطيك كلاماً فيه نقض للعهد ؛ لذلك :

    هذا الذي تقوله حينما تزمع نقض العهد ؛ هذا الذي تقوله إن كان مطابقاً للحقيقة أو غير مطابق ، الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ذلك .

 

    امرأة حمقاء تغزل الخيوط ، وبعد أن تنتهي من غزلها ، تنقضها لتعود كما كانت ! ما الذي حدث ؟ جهد ضائع ! جهد كبير ذهب أدراج الرياح ! عمل عظيم صار هباءً منثوراً ! فهذه التي

    أحياناً الإنسان يعاهد ، يبرم اتفاقاً ، أو يعقد عقداً ، أو يعاهد عهداً ، يلوح له بعد حين ، زيادة أو ربحاً فينتهز الفرصة .

    مثلاً باع البيت ، بعد أيام وقَّع عقداً ، وقبض دفعة أولى ، وانتهى كل شيء ، جاءه رجل ، وقال له : أنا أشتريه منك بمئة ألف زيادة ، ما الذي جعله ينقض العهد ؟ هذا الإغراء ، فربنا عز وجل يقول :     

معنى دخلاً ؛ دغلاً ، والدغل هو الغش والخديعة ، يعني حلفت ، وعقَّدت اليمين ، وعزمت على تنفيذ ما قلت ، لاح لك مكسب مادي ، فنقضت العهد!!

    طبعاً من أسباب نزول هذه الآية أن بعض القبائل عاهدوا رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما رأوا قريشاً أكثر عدداً ، وأكثر عدةً وأقوى جمعاً ، ندموا على عهدهم ، فنقضوا عهدهم مع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وتفاوضوا مع قريش ، وانضموا إليها ، فليس المقصود ـ وإن كان لهذه الآية أسباب نزول ـ ليس المقصود خصوص السبب ؛ بل المقصود عموم اللفظ ، فأي مغنم يلوح لك ، وكنت قد أبرمت عهداً ووثقته ، لا ينبغي أن تنقضه لمكسب مادي لاح لك سريعاً

    لذلك قالوا : اليمين على نية المستحلِف ؛ لا على نية الحالف ، إنسان استحلفك يميناً ؛ هذه اليمين على نية المستحلِف ؛ لو أنها على نية الحالف بطل مفعول اليمين ، تحلف بالله العظيم ، وتنوي شيئاً مغايراً لهذا الذي استحلفت من أجله ، لذلك قالوا : اليمين على نية المستحلف ، لا على نية الحالف .

    طبعاً الله عز وجل قال :

( سورة العنكبوت : 2 ـ3)

    الله عز وجل لحكمة بالغة يضعك في ظرف صعب ؛ تبرم عقداً ، بعد العقد يأتي إنسان يقول لك : أنا أشتري منك هذا الشيء بأغلى من ذلك ، هذا امتحان من الله عز وجل ، امتحان من الله بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، ابتلاء ، فلذلك يقول المؤمن : لا ، أنا بعت ، وانتهى الأمر ، وَاللَّهِ سبحانه وتعالى يعوضني خيراً من هذا ، ومن ظن بالله هذا الظن الحسن فالله سبحانه وتعالى لا يخيب ظنه .

    أعرف أسرة خطبت ابنتهم لشاب دَيِّن ، مستقيم ، له دخل جيد ، يقيم في قطر عربي ، جاءهم بعد أن تم العقد ، وسافر الخطيب إلى بلده ، ليمهد لاستقدام خطيبته ، جاءهم خطيب أغنى ، فنقضوا عهدهم معه ، وانقطعوا عن مراسلته ، وأعلموه أنه لابد من الفراق والمخالعة ! وكان من نتيجة ذلك أن الثاني طلقها ، ثم خطبت لثالث ، والثالث طلقها ، والآن مطلقة من رجلين ، ومخلوعة من رجل هو الأول ، هذه خيانة ، صار هناك عقد ، ورضيت بهذا الخطيب زوجاً لابنتك ، وهو جيد ودين ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) .

[الترمذي ، ابن ماجه]

    جاء خطيب غني ، طمع الأهل في غناه ، فنقضوا عهدهم مع الأول ، فكان من جراء ذلك أن الله سبحانه وتعالى عاقبهم بأن الثاني طلق ابنتهم ، زُوّجت من ثالث طلقها الثالث ، وهي الآن مطلقة ؛ هذا هو عقاب نقض العهد ، ةإذا تصورت أنك بنقض العهد سوف تحصل مالاً كبيراً ، هذا هو عين الخطأ ، المال يذهب ، ويبقى نقض العهد ، فإذا توكلت على الله ، وأبرمت العقد ، فالذي فاتك من حفاظك على العهد سيأتيك أضعافاً مضاعفة من طريق آخر .

    فالإنسان في كل علاقاته ، في علاقاته الشخصية ، وعلاقاته التجارية ، وعلاقاته مع الناس ، إذا عاهد عهداً يجب أن يوفيه ؛ وهذا من خلق المؤمن ، ولا ينقض العهد إلا منافق ،  نقض العهد خصلة من خصال المنافق :

    امتحان ، هذا الامتحان ؛ إما أن تنجح ، وإما أن ترسب ، فإذا رسبت فهذه هي الطامة الكبرى ، لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه ، أهون من أن يسقط من عين الله ! الذي ينقض عهده مع ربه يسقط من عين الله ! لا شأن له عند الله .

( سورة الكهف : 105)

( سورة الأنعام : من آية " 124)

    الحقيقة أن الناس خلقوا في الدنيا ليحاسبوا عن أعمالهم كلها ؛ صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها ، ما قولك أن يقف الإنسان يوم القيامة بين يدي الله عز وجل ليحاسبه عن أعماله كلها ؟ لماذا نقضت العهد معه ؟ ألم تعلم أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ ربنا عز وجل أوقف رجلين من أهل الغنى ، فقال لأحدهما : عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ فقال : يا رب ، لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فقال الله عز وجل ألم تعلم بأنني :

( سورة الذاريات : 85 )

    إن الذي خشيته على أولادك من بعدك ، قد أنزلته بهم .

    وسأل عبداً آخر ، قال : يا عبدي ، أعطيتك مالاً فماذا صنع فيه ؟ قال : يا رب ، أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي أنك خيرٌ حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، فقال : يا عبدي ، أنا الحافظ لأولادك من بعدك .

    تعاهد الله عز وجل ! تعاهد خالق الكون ! رافع السماء بلا عمد ، تعاهد الديان ، تعاهد الحي الذي لا يموت ، تعاهد الذي مصيرنا إليه جميعاً.

( سورة الغاشية : 25 ـ 26)

    كلمة واحدة ليس لها جواب : لماذا نقضت عهدك يا عبدي مع فلان ؟ ما الذي فعله حتى نقضت عهدك معه ؟ ينسحب على هذا ؛ أن  الذي يتزوج يجب أن تكون نية الزواج على التأبيد ؛ فلو أن الزوج أضمر في نفسه أنه بعد كذا من السنين يطلقها ، فهو زانٍ في كل مدة قضاها معها ، هذا عهد أيضاً ! هذه الفتاة التي خطبتها من بيت أهلها  كانت في دعة ، وراحة ، وطمأنينة ، غررت بها كي تجعلها بعد أيام مطلقة ، أو بعد أشهر، أو بعد سنوات .

 

     مثل هذه الآيات في القرآن الكريم تعني أن الإنسان مخير ، لولا أنه مخير ، لكان الناس أمة واحدة ، متشابهين ، كمعمل يصنع بضاعة ، يصنع مئة ألف قطعة ، مئتي ألف قطعة ، متشابهة ، كلها على شكل واحد ، ومن نمط واحد ، لكن الإنسان مخير ، لولا اختياره لكان الإنسان أمة واحدة ، لكن الإنسان ما الذي يرفعه عند الله عز وجل ؟ أنه مكلف .

( سورة الأحزاب : 2 7)

    الإنسان مكلف أن يعرف الله عز وجل ، وأن يستقيم على أمره ، في الإسلام عقيدة ، وفي الإسلام شريعة ؛ العقيدة يجب أن تؤمن بها  بعد بحث ودرس ، لأنه كما قال علماء الأصول : لا يُقبَلُ التقليد في العقيدة ، وهناك شريعة ؛ يعني تنظيمات دقيقة جداُ ؛ في حياتك الشخصية ، وفي زواجك ، مع جيرانك ، في بيعك ، في شرائك ، في تجارتك ، في صناعتك ، في زراعتك ، في الزكاة ، مع الفقراء ، علاقات دقيقة الإسلام عقيدة وشريعة .

    الإسلام إيمان وعمل صالح ، وربنا عز وجل قرن بين الإيمان والعمل الصالح في أكثر آيات القرآن الكريم " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " لولا أنكم مخيرون لكنتم أمة واحدة ، لولا أنكم تتفاوتون في اختياركم لكنتم أمة واحدة ، ولو أنكم أمة واحدة لما استحققتم هذا العطاء الكبير ، طالما أنه لا اختيار معنى ذلك أنه لا رقي .

    ما الذي يرفع الناس في الجنة ؟ أنهم جاؤوه مختارين ، لو أن الله عز وجل أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أنه أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، و لو أنه تركهم هملاً لكان هذا عجزاً منه ، لم يتركهم هملاً ، و لم يجبرهم على طاعته ، ولا على معصيته ، بل جعلهم مكلفين ، ومعنى مكلفين أيْ مخيَّرين .

    أنت في المناقشة إذا قلت لصانع عندك في المحل : تعال باكراً ، بربك قل لي : أليس معنى قولك لهذا الصانع : تعال باكراً ؛ أنه يستطيع أن يأتي متأخراً ؟ لماذا قلت له : تعال باكراً ؟ لأنه مخير ، لأنه بإمكانه أن يأتي باكراً ، أو أن يأتي متأخراً ، فهذا الأمر منك يقتضي أنه مخير ، لأنك أمرته فهو مخير ، وإذا قلت لصانعك : لا تفعل كذا ، لا تعمل كذا ، أليس بإمكانه أن يعمل كذا ؟ بمجرد أنك نهيته عن هذا العمل ؛ هذا النهي عن العمل يقتضي أنه يستطيع أن يفعل ضده ، فالإنسان مخير ، ما دام أنه أمر ونهي موجودين ، إذاً هناك تخيير .

    ذلك :

غير مخيرين ، وإذا كنتم غير مخيرين فأنتم لا تسعدون في الجنة بهذا المستوى الرفيع الذي أعده الله لكم .

    هذه الآية لها معانٍ عدة ، أبسط معانيها ، هناك ضلال ابتدائي من اختيار الإنسان ، وهناك ضلال جزائي ، يعني لو أصر الابن أن لا يدرس ، بعد محاولات يائسة من الأب ، أصر على عدم الدراسة ، عندئذٍ يخرجه الأب من المدرسة ، ويدفعه إلى عمل معين ، هل نقول : إنّ الأب جنى عليه فأخرجه ؟ لا ، إخراج الأب لابنه من المدرسة جزاء إصراره على عدم الدراسة ، فهذا الضلال الذي في هذه الآية ، ضلال جزائي سبقه ضلال ابتدائي اختياري ، اختار العبد الضلال ، فأضله الله عز وجل .

    وقد تُحمَلُ على أن الذي يشاء الضلال ، هناك طريق للضلال ، ومن يشاء الهدى ، هناك طريق  للهدى .

(سورة الإنسان : 3 )

هذه الأعمال سوف نحاسب عليها حساباً دقيقاً .

(سورة الحجر : 92   ـ 93)

 

(سورة الأنبياء : 47 )

 

( سورة الزلزلة : 7 ـ 8)

يا رسول الله ، عظني وأوجز ، قال :

 

قال : قد كفيت . فقال عليه الصلاة والسلام : فقه الرجل .

    عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : قُلْتُ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ بَعْدَكَ قَالَ : قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) .

( سورة النحل : من الآية " 93 )

أنت مخير :

أنتم لستم كذلك ، لأنكم مخيرون اختلفتم ؛ هذا آمن ، وهذا كفر ، وهذا أحسن وهذا أساء ، وهذا شكر ، وهذا لم يشكر ، هذا كان أميناً ، وهذا كان خائناً ، وهذا كان صادقاً ، وهذا كان كاذباً ، لأنكم مخيرون اختلفتم ؛ لو أنكم غير مخيرين لما اختلفتم .

    الاختيار يقتضي المسؤولية والتبعة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يَعصَ مغلوباً ، ولم يُطعْ مكرهاً .

   جيء برجل شارب خمر إلى سيدنا عمر فقال : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ! مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله !

    لذلك يقول الله عز وجل :

(سورة القيامة : 36 )

هو مخير ، ومكلف ، وسوف يحاسب .

(سورة القيامة : 37 ـ 40 )

 

(سورة المؤمنون : 115 )

    هذه الآية تعني أن الإنسان مخير ، وسوف يحاسب على اختياره ، لِمَ فعلت كذا ؟ ولِمَ لمْ تفعل ؟          

    الإنسان يحلف يميناً كاذبة ، العلماء قالوا : هناك اليمين الغموس ؛ واليمين الغموس هي اليمين التي تحلف بها لتقتطع حق امرئ مسلم ، أحياناً قد تدعي في القضاء على إنسان أن لك عنده مئة ألف ليرة ، ولا تملك إيصالاً ، أو سنداً ، أو وثيقة ، فحينما يدعى هذا المدين إلى القضاء ، وليس عليه دليل مادي ، يدعوه القاضي لحلف اليمين ؛ هذه اليمين تسمى اليمن الحاسمة ، فإذا حلفها انتهى كل شيء ، لا شيء عليه ، فإن لم يحلفها يعد عدم حلفه لها دليلاً على ثبوت هذا المبلغ ، فلذلك الإنسان ، قيل للكذاب : أتحلف اليمين ، قال : جاء الفرج ، نعم أحلف اليمين !!

   زلة القدم ؛ أن تقع في المعصية ، لذلك اليمين الغموس لا كفارة لها ، لماذا ؟ لأنها تغمس صاحبها في النار ، قولاً واحداً ، لكن هناك ملاحظات ، هناك من يحلف يميناً غموساً ، وتمضي الشهور والسنوات ، ولا يحدث له شيء ! وهناك من يحلف يميناً غموساً ، ولا يغادر قاعة المحكمة إلا وقد أصيب ، كلتا الحالتين مذكورتان في القرآن الكريم ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

(سورة الأنعام : 11 )