English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "02 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 4 – 8 عن خلق الله،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    بعد أن بيّن الله لنا سبحانه وتعالى أنّ أمر الله قد أتى ، بمعنى أنه قد دنا واقترب ، وأنه سيحاسب الإنسان عن أعماله كلها ، والله سبحانه وتعالى أنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم كتاباً بمنزلة الروح لنا ، حياتنا من دون هذا المنهج لا معنى لها ، هذا الكتاب روح النفس ، وروح العقل ، وروح المجتمع ، وروح الأمة ، وروح الأسرة ،

(سرة النحل )

    والعلماء قالوا : نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى ، يعني فحوى كتاب الله سبحانه وتعالى :

    طريق معرفة الله ، الطريق الموصلة إلى أن تؤمن أنه لا إله إلا الله ، ما دامت كلمة التوحيد نهاية العلم ، وما دامت التقوى نهاية العمل ، فما الطريق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، وأنه لا إله إلا هو ؟ الطريق التي إذا سلكناها وصلنا إلى الإيمان بأنه لا إله إلا الله  ، وأنه لا مسير لهذا الكون إلا الله ، ولا معبود بحق إلا الله ، ولا رافع ولا خافض ، ولا معز ، ولا مذل ، ولا معطيَ ولا مانع إلا الله طريق الإيمان بـ ( لا إله إلا الله ) ، كما قال المفسرون : نهاية العلم التفكر في هذه الآيات التي سوف يوردها الله سبحانه وتعالى :

    وقد بينت لكم في الدرس الماضي والذي قبله أيضاً كيف أن الحق تعني نقيض الباطل ، وكيف أن الحق يعني نقيض اللعب ، فاللعب هو العمل غير الهادف ، والباطل هو الشيء الزائل ، فالحق هو الشيء الثابت المستقر الهادف ، الحكمة الثابتة ، فالله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض ، والسماوات والأرض لفظ يرد في القرآن كثيراً ، ويعني الكون ،

    أي لحكمة ثابتة ، ولهدف كبير ، من أجل أن تعرفه ، فإذا عرفته عبدته ، وإذا عبدته سعدت بقربه إلى الأبد .

    إذاً العلة الأولى والأخيرة أن يسعدك بهذا الخَلق ، خلقك ليسعدك ، طريق السعادة العبادة ، طريق العبادة المعرفة ، طريق المعرفة خلق السماوات والأرض ،

ما الذي يناقض التوحيد ؟ الشرك ، إما أن تكون موحداً ، وإما أن تكون مشركاً ، إذا قلت : فلان وعلان ، فلان بيده أمري ، فلان بيده نفعي ، فلان بيده ضري ، فهذا هو الشرك .

( سورة يوسف : 106 )

    أكثر الذين يدَّعون الإيمان واقعون في الشرك وهم لا يدرون ، فلذلك :

 لهدف كبِيرٍ كبيرٍ ، هو أن تعرفه ، فتعبده ، فتسعد به ، إذاً لم يخلق السماوات والأرض عبثاً ، بلا هدف ، ولم يخلق السماوات والأرض لعباً ، ولم يخلق السماوات والأرض باطلاً ، لا باطلاً ، ولا لعباً ، بل خلقها إلى الأبد ، وخلقها لهدف كبير .

    فيا أيها الإنسان الكريم : أنت مكرم عند الله ،

( سورة الإسراء : 70 )

    لا تظن كما يظن معظم الناس أن حياتك تنتهي بالموت ، لا والله ، إنها تبدأ بالموت ،

( سورة الفجر : 24 ـ 26 )

    لو أن حياة الإنسان تنتهي بالموت لكانت هذه الفكرة مبعث ألمٍ شديدٍ جداً ، ومبعث قلق شديد ، ومبعث حيرة ، كل هذا الكون من أجل سنوات محدودة معدودة ، مشحونة بالمتاعب ، والضيق والأخطار ، والمُقلقات ، والفقر أحياناً ، والخوف أحياناً ، أهكذا خَلْقُ الله عز وجل ؟ أليس الذي خلق السماوات والأرض بقادرٍ على أن يخلقنا من دون أن يزعجنا ، من دون أن يخيفنا ، من دون أن يفقرنا ، من دون أن يتخذ بعضنا بعضاً سخريًّا ؟ لولا الإيمان باليوم الآخر لكان خلق السماوات والأرض عبثاً ، ولعباً ، وباطلاً ،

   مخلوقة لهدف نبيل ، أتظن أن إنشاء مَخبرٍ ضخمٍ للتسلية ، أم لهدف نبيل ؟ أن يحلل ما يَرِدُ إليه من حالات مَرَضية ، هذا يحتاج إلى تحليل ، إنشاء المنصات ، إنشاء القوارير ، تأمين الأجهزة ، أليس هناك هدف نبيل ؟

(سورة يس)

   يا الله لهذه الآية !

    هذه البداية ، أما النهاية فهو شخصية مهمة ، متبحرة في العلوم ، تثبت عن طريق المحاضرات ، أو عن طريق التأليف أنه ليس هناك خالق ،

يخاصم الذي خلقه

( سورة المرسلات : 20 )

    بعد أن صار إنساناً سوياً ، له فكر ، وله حواس ، وله أجهزة  ، وله إدراك ، وله مكانة ، وله شأن ، صار يخاصم الله سبحانه وتعالى ، إنها مفارقة عجيبة ،

( سورة القيامة : 36 ـ 37 )

    الله سبحانه وتعالى سماه ماءً مهيناً ، أيْ محتقرًا ، فإذا ظهر على ثوب الإنسان يستحي منه ،

    الإنسان في اللقاء الزوجي يخرج منه أكثر من ثلاثمئة مليون حيوان منوي ، بعض الكتب تقول : يخرج منه مئتان وخمسون مليون حيوان منوي ، بعضها ثلاثمئة مليون حيوان منوي ، الثابت أن النطفة شيء ، والمني شيء آخر ،

يعني من خلية ، ما هذه الخلية ؟ والله الذي لا إله إلا هو هناك حقائق اكتشفها العلماء لولا أن هناك أدلة قاطعة عليها ، ولولا أن هناك صوراً التقطتها مجاهر إلكترونية لكانت هذه الحقائق فوق حد التصور ، يقولون : إن الإنسان يتألف جسمه من مئة مليون خلية ، ما الخلية ؟ قالوا : كرة محاطة بغشاء رقيق ، وهذا الغشاء الرقيق يحتوي سائلاً لزجاً ، وسط هذا السائل كرية ، أي كرة صغيرة أصغر من الأولى وأكثر كثافة ، أبعاد هذه الخلية 2% من الميليمتر ، الميليمتر قسمه إلى مئة جزء ، أبعاد الخلية 2% من الميليمتر ، كائن حي ، بعضهم قال : الخلية ليست أصغر جزءٍ في الإنسان ، بل هي أصغر وحدةٍ وظيفية ، بمعنى أن الخلية أيضاً مقسمة إلى أجزاء ، وعالم الخلية عالم قائم بذاته ، والعلماء في أرقى الجامعات لم يصلوا إلى نهاية البحث في الخلية ، هذه هي الخلية ، إذاً هي تتألف من غشاء وسائل وكرية ، الكرية اسمها النواة ، الكرية تحتوي على أشياء اسمها كرموزومات ، هذه الكروموزومات عبارة عن خيوط على شكل مِسبحة ، عليها شيءٌ اسمه الجينات ، على كل كروموزوم ثلاثة وعشرون زوجًا من الجينات ، الجينات هي المورّثات ، قالوا : هذه المورثات ، هنا السؤال ؟ كنت قد سمعت هذا الرقم شفهياً ، وكنت أتهيب أن ألقيه في درس ، إلى أن وصلت إلى بحث علمي يؤكد هذا الرقم ، هذه الجينات المورثات تحتوي على معلومات ، أو أوامر ، أو تعليمات مبرمجة ، لو أردنا كتابتها في كتاب لاحتجنا إلى مليون صفحة ، يعني إلى ألف مجلد ، من مساحة دوائر المعارف ، مجلدات دوائر المعارف بحجم كبير ، على هذه الجينة أوامر ، أو تعليمات مبرمجة ، لو أردنا أن نفرغها في مجلد لاحتجنا إلى مليون صفحة ، الرقم الذي سمعته من سنوات طويلة ، سمعته من محاضر يقول : خمسة آلاف مليون معلومة ، يعني خمسة آلاف مليون أمر في هذه الخلية ، التي لا تزيد أبعادها على 2% من الميليمتر ، وقد تكون أصغر من ذلك ، والمحاطة بغشاء رقيق ، وبعد الغشاء هناك سائل لزج ، الهيولى هي داخل هذا السائل ، كرية صغيرة أكثف وأصغر وأشد صلابة اسمها النواة ، فيها كرموزومات على أحد هذه الجينات ، في الجينة الواحدة ألف مجلد معلومات أو أوامر ، أو تعليمات على شكل شفرات مبرمجة ، يزيد حجمها لو كتبت على ألف مجلد أو مليون مَليون صفحة ، أو خمسة آلاف مليون معلومة ، لولا أن هناك صورًا عندي في البيت التقطتها مجاهر إلكترونية تكبر آلاف المرات لهذه الجينات لكان هذا الشيء أبعد من الخيال .

    البحوث بالنطفة لا تنتهي في ساعة أو ساعتين ، تدرس في سنوات ، بحوث البويضة ، بحوث النطفة ، بحوث الحيوان المنوي ، بحوث الخلية ،

    الحيوان المنوي ثلاثمئة مليون في كل لقاء ، يصل من هذه الحيوانات إلى عنق الرحم بضع مئات ، من ثلاثمائة مليون إلى بضع مئات ، معنى ذلك أنه لا يصل إلا الأقوى ، والأجدر ، والبويضة تختار حيواناً منوياً واحداً ، كيف تختاره ؟ هذا الحيوان المنوي له رأس مدبب ، وله عنق ، وله ذيل ، إذا وصل إلى البويضة ارتطامه بها يمزق غشاءً رقيقاً جداً في قمة رأسه ، هذا الغشاء يحتوي على سائل ، هذا السائل يذيب جدار البويضة ، ويدخل هذا الحيوان إلى البويضة ، ويتم التلقيح ، هذا السائل قال لي بعض الأطباء : إنه يتغذى من الزبيب ، ليس من العنب ، ومن اللفت ،

    هذه بعض المعلومات ، ولو أردت أن أعرض عليكم معلومات الأطباء العاديين لما اكتفينا بجلسات ،

    خمسة آلاف مليون أمر على الجينة الواحدة ، المؤلَّف منها الكروموزوم في النواة ، في الهيولى ، الخلية ، وتقول من الخالق ! من خَلقنا ! .

( سورة المؤمنون)

( سورة القيامة : 36 ـ 37 )

    هذا عن الرجل ، فماذا عن المرأة ؟ العلماء قالوا : إن الطفلة ، وهي في بطن أمها يوجد في مبيضيها ستة ملايين بويضة ، إذا ولدت هذه الطفلة ، وبلغت سن الحيض يبقى في مبيضها ثلاثون ألف بويضة ، فإذا اكتمل نضجها لا يبقى في مبيضها إلا أربعمئة بويضة ، هذه البويضات تخرج كل شهر ، حكمة بالغة ، الله سبحانه وتعالى ينضج ثلاثًا أو أربعًا في كل شهر ، ويرسل واحدة إلى الرحم ، فإذا التقت بالحيوان المنوي في الطريق كان التلقيح ، وكان الحمل ، وإلا ستذهب هذه البويضة إلى الرحم فتحدث الدورة الشهرية ، قال عليه الصلاة والسلام : (( إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله مَلكاً فقال : يا رب : مُخَلَّقة ؟ أم غيرُ مُخَلَّقة ؟ فإذا قال : غيرُ مخلَّقة مجَّتها الأرحامُ دَماً )) .

(تفسير الطبري عن ابن مسعود ، وانظر فتح الباري)

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام .

    ويتفق كلامه مع أحدث النظريات الطبية في شأن الحمل والتلقيح ، 87% من حالات التلقيح يتم سقوطها من دون أن تدري المرأة في ذلك ، قد يكون السقوط من دون أن تشعر المرأة في ذلك ، لذلك قال تعالى :

( سورة آل عمران : 6 )

    ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .

( سورة الشورى : 49 )

    المقدر كائن لا محالة ، هذه الحيوانات المنوية ، أو هذه النطفة يتم تصنيعها في الخصيتين ، من منكم يصدق أن هذا الماء الذي خرج في اللقاء الزوجي مضى على تصنيعه أربعة أشهر ؟ أربعة أشهر والأنابيب تعمل ، والخلايا ، والأجهزة الدقيقة في الخصيتين على تخليق هذا الحيوان المنوي ، فإذا تم خلقه يوضع في التخزين ، وقد قال لي طبيب : وفي أثناء التخزين تجري عليه تحسينات كثيرة ، إلى أن يخرج مع سائل تفرزه البروستاتة على شكل مني .

(سورة الواقعة : 59 )

 الله سبحانه وتعالى قال :

( سورة النحل )

    هذا الكافر ، هذا الملحد ، هذا الفاجر ، هذا العاصي ، هذا المتكبر ، هذا الذي يقول : ليس هناك إله ، أو يقول : الدين لا قيمة له في الحياة ، أو هذا القرآن ليس كلام الله ، إنه كلام هذا العبقري محمد ـ e ـ كما يقول هو  ،

    شيء آخر ، العلماء انتهوا إلى أنَّ الذي يحدد نوع الجنين ذكراً أو أنثى هو الحيوان المنوي ، وليس البويضة ، فهذا الذي يغضب من زوجته إن أنجبت بنتاً فهو كتلة من الجهل .

( سورة النجم : 45 ـ 46 )

    الزوجان الذكر والأنثى مخلوقان من نطفة ، لا من بويضة ، من نطفة إذا تمنى ، رجل في الجاهلية ولدت له زوجته بنتاً فغضب على زوجته وهجرها ، وكانت شاعرة فقالت :

ما لأبي حمزة لا يـأتينا     يظل في  البيت الذي يلينا

غضبان أن لا نلد البنينا      تالله مـا ذلك في أيـدينا

و إنما نأخذ ما أعطيـنا      ونحن كالأرض لزارعينا

ننبت ما قد زرعوه فينا

***

إذاً :

    ألا يكفي خَلقُ الإنسان ؟ لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس كلهم دفعة واحدة ما عرفنا كيف خَلقنا ؟ لكن الله عز وجل لحكمة بالغة عرَّفك بخَلقك عن طريق ابنك ، قد تقول أنت : أنا لا أعرف كيف خلقت ، أنا حينما أدركت الحياة كنت شاباً ، أو كنت طفلاً ، والله لا أعرف كيف خَلقني الله في بطن أمي ؟ شيء جميل ، ألا تعرف ابنك وما أصله ؟ هذا الذي أمامك ، هذا الذي هو أطول منك الآن ، ألم يكن نطفة من ماء مهين ؟ مَن خَلقه في بطن أمه ؟

( سورة الواقعة : 59 )

    من شَكَّله ؟ من جعل له السمع والأبصار والأفئدة ؟ من جعل له الدماغ ؟ والجمجمة ؟ والعمود الفقري ؟ والنخاع الشوكي ؟ والعظام والعضلات ، والأوردة ، والشرايين ، والغدد الصماء ، والكبد والبنكرياس ، والكظر ، والنخامية ، والدرقية ، جهاز التناسل ، جهاز التنفس ، وجهاز الدوران ، وجهاز طرح الفضلات ، وجهاز البول ، والمثانة ، والكليتين ، من ؟ 

إذا تعامى الإنسان عن هذه الآية الكبرى .

    الأنعام كما قال العلماء : هي الجمال ، الإبل ، والبقر ، والغنم  والماعز ، هذه هي الأنعام ، كلها خيرات ،

لكم يعني خُلِقت لكم خصيصى ، ذكرت كلمة ( لكم ) في كلام الله كثيرا .

( سورة يس : 72 )

    لو أن الله سبحانه وتعالى ركَّب في الأنعام أخلاق الضباع ، أو أخلاق الوحوش ، أو أخلاق السباع ، أو ركب بها سمًّا قاتلاً كالأفاعي والعقارب ، أو جعلها متوحشة ، كيف نستخدمها ؟ كيف نعتني بها ؟ كيف نذبحها ؟ كيف نأكلها ؟

    يعني خُلِقتْ خصيصى لكم ، لا يقل أحدكم : إن الله خلق هذه الحيوانات حتى نستأنس بها ، لا من يستطيع أن يستأنس حيواناً متوحشاً حتى الآن ؟ المتوحش متوحش ، والأليف أليف ، شيء مهمٌ جداً ، هذه الأغنام مثلاً لحمها طعامٌ طيب ، سيد أنواع الطعام ، جلدها له فوائد جمّةٌ ، صوفها له فوائد جمّةٌ ، شيءٌ لا يرى بالعين ، طباعها أن الغنم يعيش على شكل قطعان  ، والكلاب تعيش فرادى ، لو أن الله عز وجل ركب طباع الكلاب في الغنم كيف ترعاها ؟ كيف تجمعها في قطيع ؟ الكلاب متفرقة ، من أعطى الغنم حب التجمع ، إذا نظرت إلى قطيع غنم ، ورأيته كتلة واحدة ، رؤوس بعضه في داخل بعض ، تفزع الغنمة إذا اكتشفت أنها وحيدة ، تركض إلى قطيعها بشكل مخيف ، من جعل بها هذه الصفة ؟ وهذا الطبع ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، من جعلها مذللة ؟ الطفل يألفها ، يلمسها ، يداعبها ، يمسكها ، يحملها ، لا يخاف منها ، بينما عقرب صغير إن رآه رجل كبير قفز على الأرض خوفاً منها ، لماذا نقفز عن الأرض من عقربٍ  أو من أفعى ، ونألف هذه الغنمة ، والإبل ، والناقة ، والبقر ، والماعز ، والغنم ؟

    هل فكرتم فيها ؟ إذا تجاهلتم خَلقكم ، إذا تجاهلتم أنكم خلقتم من نطفة من ماء مهين ، ألا تأكلون كل يوم ؟ ألا يذهب أحدنا إلى القصاب ؟ ألا يرى هذا الغنم ؛ عضلات ، وعظامًا ، وأوردة ، وشرايين ، وأحشاء ، وأمعاء ، وجمجمة ، ورأسًا ، ودماغًا ، وعينين ، وأنفًا ، ولسانًا ، وأذين ، وقوائم ، وجهازًا هضميًّا ، وقلبًا ، وكلية ، وأمعاء دقيقة ، وأمعاء غليظة ؟  ألا يُرى هذا أمامنا جميعاً ؟ ما الحكمة التي جعل الله بها بنية الحيوان الذي نأكله كبنية الإنسان تماماً ؟ إذا ذهبت إلى أخ كريم يبيعك اللحم فأنت أمام درسٍ في التشريح ، في تشريح جسمك  ، هكذا جسمك ، عضلات ، وأوردة ، وشرايين ، وعظام ، ولوح الكتف ، والعمود الفقري ، تقول : أخي أريد مثله ، أي العمود الفقري ، اللحم المحيط بالعمود الفقري ، هذا كله درس أمامنا ،

لك أن تقف عند كلمة لكم ،

 

    السجادة التي تجلس عليها لا تقدَّر بثمن ، إنها تمنع عنك الرطوبة ، وتمنع عنك البرد ، هل بإمكانك أن تعيش في غرفة في الشتاء بلا سجادة ؟ بلا بساط ؟ بلا شيء صوفي ؟

    وقد ترتدي ثياباً صوفية تحس أنك في دفء شديد ، قد ترتدي ثياباً داخلية صوفية ، هذه من وبر الجمل ، غالية جداً ، وهذا من نوع رقيق ناعم من الصوف ، غالي الثمن ، وقد ترتدي ثوباً أو معطفاً صوفياً ، وقد ترتدي فروةً ، في بعض أنحاء الريف ، مهما كان البرد شديداً ، إذا ارتديت هذه الفروة فكأنك في غرفة دافئة 

    السجاد ، الألبسة الخارجية والداخلية ، الخيام من وبر الجمل

    المسابل التي نضعها علينا في النوم ، الدثر الصوفية ،

    من نعيم الدنيا أن تنام في الشتاء وفوقك دثار صوفي ، هذا نعيم ، تحس بالدفء مهما كانت الغرفة باردة ، لو أنها غير مدفئة ، هذا الدثار الصوفي يبعث في جسمك الدفء

    الآن الخيوط الصوفية لا تقلَّد ، هناك خيوط صناعية يحاول صانعوها أن ترقى إلى مستوى الخيوط الصوفية ، الطريق مسدود ، ثمن القطعة الصوفية عشرة أمثال ، أو خمسة أمثال ثمن القطعة ذات الخيوط الصناعية ، هذه إذا غسلتها تتسع ، تتسع إلى مثلي حجمها ، أما الصوف الصحيح الحقيقي فترتدي هذا المعطف سنوات طويلة وهي كما هي ، من أعطى هذا الصوف خاصية أنها مفرغة من الهواء ؟ كيف تحجز هذا الهواء الساخن ، ما هذا السر ؟         اجلسْ على الجلد في أبرد أيام الشتاء ، تحس أن هذا الجلد يبعث الدفء في قدميك

    هل تشكر الله عليها ؟ إذا ارتدى أحدنا معطف صوف هل يخطر بباله أنه الحمد لله الذي خُلقت لنا هذه المادة ، نتدفأ بها في الشتاء

    وجدت في غرفتك سجادة صوف ، في أثناء الصلاة مريحة ، ترتاح في الصلاة عليها  ، تمشي عليها دون أن تحس بالبرد ، تمنع عنك رطوبة الغرفة ، هل تحس أن هذه النعمة من نعم الله سبحانه وتعالى ، أم أنك اشتريتها بمالك ، وحصلتها بجهدك ، وانتقيتها بذوقك ؟

    ما هي المنافع ؟ المنافع أن هذه الدابة تأتيك بدابة أخرى كل سنة ، ما أحد سمع أنه اشترى سيارة ، وبعد سنة وجد واحدة أصغر منها على الباب واقفة ، نبيع الكبيرة وتبقى الصغيرة عندنا

    لها نسل ، عندك بقرة لها نسل ، عندك غنمة لها نسل ، الغنم يلد مرتين في العام ، هذا عطاء الله ، فالمنافع هي النسل ، والمنافع هي الركوب ، والمنافع هي الحمل ، والمنافع هي الألبان ، والسَّمن ، والحليب ، والقشدة ، والجبن ، هذا كله من هذه الألبان المباركة ، ألبان ، وأجبان ، وحليب ، وركوب ، وتحميل أثقال ، ونسل

    فإذا ذبحتها تأكلها كلها ، لا بل :

    وصفُ ربِّنا دقيقٌ جداً ، وصفٌ يأخذ بالألباب

    طبعاً هذه الصورة منتزعة من البيئة التي نزل فيها القرآن ، الغنم والمعز ، والبقر ، والإبل ، هي الأنعام ، والأنعام المال الذي يرعى كما عرفه بعض العلماء ، المال الذي يرعى ، هذه أنعام

    منظرها يبعث في النفس السرور ، الله عز وجل يحقق أهدافاً كثيرة في خلق واحد .  

    الصوف ثمين جداً ، فالقماش الصوفي الخالص أغلى أنواع الأقمشة ، لأن له ميزات لا تعدلها أيُّ ميزات أخرى ، سواء كان القماش بالذات ، وإن كان ألبسة داخلية ، وإن كان ألبسة عادية ، وإن كان معاطف ، شيء ثمين جداً ، كي يعرف أحدنا قيمة الجلد الذي خلقه الله لنا ، يشتري حذاء من البلاستيك لا ليلبسه ، لكن ليعرف قيمة الجلد الذي خلقه الله لنا ، فهناك أمراض تنتج عن استخدام هذه الأحذية ، لأنه يوجد في الجلد مسام ، فيه تنفس ومتانة ، فيه مرونة ، فيه راحة ، إذاً الجلد مفيد ، واللحم مفيد ، والعظام تصنع منها السمن الآن ، كلها من عظام الحيوانات ، ولها استخدامات كثيرة جداً ، حتى الأمعاء لها استخدامات ، كل شيء في الغنم يستعمل ، فهي خير كلها ، حتى أن بَعر الغنم هو أغلى أنواع السماد ، قال لي أحدُهم : إني سمَّدتُ بستاناً حوالي خمس دنمات ، قال لي : كلفني عشرة آلاف ليرة ، كيف ؟! قال لي : والله جئت بالغنم ، قلت : سبحان الله ! كل شيء يأتي من الأنعام خير ، كل شيء فيها من دون استثناء

 الإنسان يجب أن يفكر إذا أكل قطعة جبن

شرب كأس الحليب صباحاً

أكل زبدةً مع عسل

 دُعي إلى وليمة ، فوضعوا له عصافير

 أكل الحلوى

 أكل لحماً مشوياً

 اشترى علبة سمن

لبس معطف صوف

عنده سجادة في البيت

وضع غطاء صوف تحته فشعر بالدفء

هكذا المؤمن ، كيفما تحرك ، لاحظ نفسك بالنهار ، كم مرة يجب أن تتلو هذه الآية  :

   أي حين تعودون بها إلى الإسطبل ، أو الحظيرة ،

سرح بالغنم أخذُها ليرعاها ، وأراحها أعادها إلى حظيرتها ،

  هذه الأحاسيس لا نعرفها نحن ، يعرفها أبناء الريف ، حينما يرى أن غنمه قد عادت إلى حظيرتها ، ولها صوت ، ولها ضجيج ، ولها حركة يحس أن قلبه قد أفعم سروراً بهذا المال ، كل غنمة ثمنها ألفي ليرة ،

    العلماء قالوا : لماذا قدّم الله تريحون على تسرحون ؟ مع أن الترتيب المنطقي تسرحون وتريحون ، قال : لأنك حينما تراها عائدة وقد امتلأت ضروعها حليباً ، وامتلأت بطونها كلأ ، تفرح أكثر ، والعشب يبعث هذا المنظر السرور في نفسك ، لذلك قدم رواحها على سراحها     

 

    ثم قال تعالى :

    يعني الجمل يحمل حجرَ الطاحونة ، قطر الحجر متر ، من أثقل أنواع الأحجار يحملها ،

 الجمل عالٍ ، لو أن الله عز وجل لم يجعل له هذه الثفينات ، لو أنه يستريح على شق له ، كيف تحمله ؟ مستحيل ، إذا حملته وهو واقف يحتاج سلم ، إذا انزلق هلكت أنت وهو ، لكنه يجلس هذا الجمل جلسة نظامية ، له ثفينة في بطنه ، وثفينات على رجليه ،  تحمله وأنت مستريح ، تضع هنا شجرة وهنا شجرة ، تربطها بحبلين ، تأمره بالوقوف فيقف

    طبعاً هي مناظر ، وقد كان في الشام منظر الجِمال محملة بالتبن الحاجات والأشجار  منظرًا مألوفًا ، الآن هذه المناظر قَّلت جداً .

    الخيل لها وظيفة ، والبغل له وظيفة ، هناك أماكن جبلية وعرة لا يصلح لها إلا البغال ، حتى إن بعض الجيوش إلى الآن تستخدم البغال ، لو أن جيشاً مقيماً بمنطقة جبلية وعرة ، لا سيارة ، ولا مدرعة يستطيع استعمالها ، لابد من بغال ، يركبها الإنسان فتسير به عبر الأخاديد في الجبال ، البغل له صفات خاصة ، وله ميزات ، والحمير صبورة ، إذا أراد صاحب البستان أن يبيع محصوله ، فالحمار صبور ، يقف ساعات طويلة من دون أن يتشكى ، أو أن يتأفف ، وظهره منخفض ، والتعامل معه سهل ، لو كان على بغل عالٍ ، يأتي الواحد يسأل البائع : ماذا ؟ عندك فاصولياء ؟ الحمار مستواه منخفض ، وصبور ، وله ميزات كثيرة ، يفتقر لها بعض الناس

    عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) .

(متفق عليه)

    حدثني رجل قال : عنده خيل ، وكانت ابنته على ظهر هذه الفرس ، وكان قد أوقفها إلى جانب الطريق العام ، وكانت هناك حافلات كهربائية ، فلما جاءت حافلة اضطربت الخيل ، وخافت ، وأرادت أن تهرب ، تذكرت أن على ظهرها ابنة صاحبها ، ما كان منها إلا أن أناخت إلى الأرض ، ودفعت بحركة هذه البنت عن ظهرها ، وولت هاربة ، من عنده خيل أو فرس يتعامل معها وكأنها صديق ، هناك أناس كثيرون يقولون : إذا نام صاحبها على ظهرها ، ورأت رجلا تنبّهه ، ألم يقل عنترة يصف خيله :

فازور من وقع القنا بــلبانــه      و شـكا إلي بعبرة وتحمحم

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى      ولو كان علم الكـلام مكلِّمي

    التعامل مع الخيل سهل ، هو صديق ، إذا ركب رجل سيارة ، ونام هل تقول له السيارة : انتبهْ نمت ؟ بل يطيح ، وكذلك هل تنبهه إذا رأت عدواً أو حدث خطر ؟! أنا كنت ألمح على طريق درعا قوافل محملة بالتبن والمحاصيل ، أصحابها نائمون على ظهر العربة ، والبغال تمشي وحدها في الطريق ، فالحيوان كائن حي له مشاعر ، له إدراك ،

 &