English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "20 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 97 – 112   عن العمل الصالح ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العشرين من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

 

    العمل الصالح ؛ هو العمل بما جاء به القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، هو العمل بشرع الله سبحانه وتعالى ، هو الانصياع لأمر الله سبحانه وتعالى ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى ذكر العمل الصالح مع الإيمان في أكثر آيات القرآن ، مبيناً أن العمل الصالح من دون إيمان لا يكون ، وأن الإيمان من دون عمل جنون ، وأن العمل الصالح والإيمان متكاملان .

    فلذلك قال الله تعالى :

    كلمة ( مَنْ ) تعني الذكر والأنثى ، لو أن الله سبحانه وتعالى قال : من عمل صالحاً وهو مؤمن ، معنى ذلك : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى ، لماذا ذكر الله الذكر والأنثى ؟ ليؤكد لنا أن المرأة والرجل متساويان في أشياء كثيرة ، متساويان في التكليف ، متساويان في التشريف ، أما في الطبيعة فللمرأة طبيعة ، وللرجل طبيعة ، هنا يختلفان ، لا ينبغي أن يوضع الرجل مكان المرأة ، ولا أن توضع المرأة مكان الرجل .

    امرأة جاءت النبي عليه الصلاة والسلام تشكو إلى الله ، وتستفتي النبي عليه أتم الصلاة والتسليم ، فعَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ : (( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلَ شَبَابِي ، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي ، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي ، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ : ] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [ )) .

[ابن ماجه]

    أريد من هذه القصة أربع كلمات ؛ ولي منه أولاد ، إن تركَتْهم إليه ضاعوا ، وإن ضمَّتهُم إليها جاعوا ، معنى ذلك أن الرجل مكلف بكسب الرزق ،  والمرأة مكلفة بتربية الأولاد ، مكانه الطبيعي خارج المنزل ، لكسب الرزق ، ومكانها الطبيعي تربية الأولاد ، لو أن الأولاد ترِكوا إليه لضاعوا ، لأنه مشغول بكسب الرزق عن تربيتهم ، ولو أن الأولاد ضُموا إليها لجاعوا ، لأنها مشغولة بتربية الأولاد عن كسب الرزق .

    إذاً هناك مساواة في البدايات ، وهناك مساواة في النهايات ، هناك مساواة في التكليف ، وهناك مساواة في التشريف ، لكن المرأة امرأة ، والرجل رجل ، ولعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال ، وللرجل مجال حيوي ، وحقل للعمل لا تستطيع المرأة أن تنافسه فيه ، وللمرأة مجال حيوي وحقل للعمل لا يستطيع الرجل أن ينافسها فيه ، فإذا نافست المرأة الرجل خسرت مرتين ؛ خسرت السباق ، وخسرت أنوثتها .

    فربنا سبحانه وتعالى قال :

    كان يكفي أن يقول : من عمل صالحاً فلنحيينه حياة طيبة ، ولكنه قال :

أي : إن الذكر مكلف بمعرفة الله معرفة يقينية ، وبطاعته طاعة تامة مخلصة ، وإن المرأة مكلفة بمعرفة الله معرفة يقينية ، وبطاعتها لربها طاعة تامة مخلصة ، متساويان في التكليف ، ومتساويان في التشريف ، من حيث الكرامة الإنسانية ؛ المرأة كالرجل ، إنسان يتمتع بكامل حقوقه ، لكن لها وظيفة ، ولزوجها وظيفة ، والقيادة للزوج .

( سورة البقرة : 228 )

    لهن حقوق كما عليهن واجبات  .

درجة واحدة ، فهذا معنى قوله تعالى :

أما :

فحينما تكون الفطرة سليمة كل واحد منا يعرف العمل الصالح من الطالح ؛ بفطرته ، بحسه ، بإحساسه ، بحدسه ، بضميره ، يعرف أن هذا العمل صالح ، وأن هذا العمل طالح ، هذا معروف ، وهذا منكر ، هذا عمل جميل ، وهذا عمل قبيح ، هذا عمل حق ، وهذا عمل باطل ، هذا عمل خيّر ، وهذا عمل شرير ،  بالفطرة ؛ لكن إذا انطمست الفطرة تأتي الشريعة ، هذا العمل له ميزان دقيق هو الشريعة ، هناك آيات القرآن الكريم ، ما كان منها محكماً ، وما كان منها متشابهاً ، وهناك السنة المطهرة ، وهناك إجماع الأمة وهناك القياس ؛ هذه مصادر التشريع في الإسلام .

    إن هذه المصادر يتفرع منها أحكام تفصيلية لا حدود لها ، تغطي كل نشاطات الإنسان ؛ في بيته ، وفي عمله ، في حله وترحاله ، في سلمه، وفي حربه ، وفي كل نشاطاته ، لذلك ؛ إذا انطمست الفطرة فهناك الشريعة ، استفت هذا العمل أيوافق عليه الشرع أم لا يوافق ؟ ما حكم هذا العمل ؟ ما من تصرف يقوم به إنسان على وجه الأرض إلا ويجب أن يكون منطوياً تحت خمسة أحكام ؛ إما أن يكون واجباً ، وإما إن يكون مندوباً ، وإما إن يكون مباحاً ، وإما إن يكون مكروهاً ، وإما إن يكون محرماً .

    الأصل في الأشياء الإباحة ، هناك واجب يعاقب تاركه ، وهناك حرام يعاقب فاعله ، وهناك مندوب يثاب فاعله ، وهناك مكروه يؤاخذ فاعله ، وهناك مباح يستوي فيه الفعل والترك ، ما من حركة ، ولا سكنة ، ولا كلمة ، ولا تصرف ، ولا عمل صغير أو كبير ، سري أو علني ، إلا وينطوي تحت هذه الأحكام الخمسة ، فالعمل الصالح هو ما جاء به القرآن الكريم .

( سورة البقرة : 83 )

( رة آل عمران : 32 )

( رة النساء : 36 )

( سورة النساء : 148 )

( سورة النحل : 128 )

    آيات القرآن الكريم ، وأحاديث النبي العظيم مقياس دقيق للعمل الصالح .

    عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأسَدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ : (( جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ ، وَقَالَ : اسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ ، ثَلاثًا ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )) .

[أخرجه الدارمي ]

    عندك مُفتٍ ينطق بالحق ، (( وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ )) ، وكرهت أن يطلع عليه الناس ، و : (( الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ )) ، تستطيع أن تخدع الناس كلهم بعض الوقت ! وتستطيع أن تخدع بعض الناس طول الوقت ! ولكنك لن تستطيع أن تخدع نفسك ولا ربك ، ولا ثانية من الوقت ، ولا ثانية واحدة .

( سورة القيامة : 14ـ 15)

    قد يقول لك قائلٌ : أخي أنا عملي طيب ، القضية ليست بالصوم والصلاة ! ولا بالإيمان ! ولا بحضور مجالس العلم ؛ القضية بالصدق ، وبالوعد ، والعهد ، أنا خيّر ، وهذا الذي يصلي يكذب ، أنا لا أصلي ، لئلا أكون مثله ، هذه مقولة الشيطان .

    العمل الصالح لا يقبل منك إلا إذا كنت مؤمناً بالله ، لأنك إذا كنت غير مؤمن ؛ فهذا العمل نوع من التصرف الذكي ، نوع من التكيف مع البيئة ، نوع من تحقيق الأهداف الدنيوية بأيسر السبل ، يجب أن يكون العمل الصالح مبنياً على أساس من الإيمان ، ومعرفة الله عز وجل ، ومعرفة التكليف ، ومعرفة العبادة ، لذلك :

القرآن على إطلاقه .

    ما الحياة الطيبة ؟ أهي في وفرة المال ؟ أم في تمام الصحة ؟ أم في وجود الزوجة المطواعة ؟ أم في وجود الأولاد الأبرار ؟ أم في وجود المنزل الواسع ؟ أم في وجود المركب الهين ؟ وفي بعض الأحاديث عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْجَارُ الصَّالِحُ ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ )) .

[أحمد في المسند]

     يا ترى أهذه هي الحياة الطيبة ؟ ألا ترون مؤمناً معسراً في المال ؟ ألا ترون مؤمناً سقيماً في الصحة ؟ يعني لو أننا حصرنا الحياة الطيبة ، بالبحبوحة ، والصحة ، ورفعة الشأن ، والزوجة الصالحة ، والأولاد الأبرار ، لأخرجنا من الإيمان من كان يعاني بعض المشكلات ، من كان ضَيَّق ذات اليد ، من كان في مشكلة ، في مصيبة ، في ابتلاء ، في امتحان .

    لذلك ، ذهب بعض المفسرين إلى أن الحياة الطيبة هي اللذة التي لا توصف ، حينما يحصلها الإنسان من طاعته لله عز وجل ، ومن عمله الصالح .

    إن السعادة التي يجنيها المؤمن حينما يشعر أنه مستقيم على أمر الله، وأن الله راضٍ عنه ، وأن خالق الأكوان ممتن منه ، وأن الله عز وجل يجعل له وُدّاً ، وأنه يدافع عن الذين آمنوا ، إن هذا الشعور بصرف النظر عن طبيعة الحياة ، عن كونها قاسية أو رغيدة ، حلوة أو مرة ، إن شعور الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه ، لعمري تلك هي الحياة الطيبة                      

فليتك تحلو والحياة مريــرة       وليتك ترضى والأنام غضابُ

و ليت الذي بيني وبينك عامر       وبيني وبين العالمين خـرابُ

***

    الإمام الشافعي رَضِي اللَّه عَنْه استنبط من قوله تعالى :

( سورة المائدة : 18 )

استنبط الإمام الشافعي رَضِي اللَّه عَنهْ أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه ، قد يمتحنهم ، وقد يبتليهم ، وقد يضيق عليهم لبعض الوقت ، ولكن لا لطول الوقت ، فحياتهم تستقر على الإكرام ، تستقر على الإحسان ، فالحياة الطيبة لك أن تفهمها حياة مادية ، وفرة في الدخل ، صحة في الجسم ، زواج سعيد ، أولاد أبرار ، رزق في البلد نفسها ، ولك أن توسع المعنى ، فتفهم الحياة الطيبة ؛ أنها الأنسُ بالله ، الإقبالُ على الله ، أن يكون القلب مهبطاً لتجليات الله ، أن تشعر أنك أعظم الناس ، وأسعد الناس ، بأنك عرفت ربك ، وعملت بطاعته .

    فلذلك ؛ الذين يطيعون الله عز وجل ، ويعملون الصالحات تقرباً له ، تتأتى على قلوبهم سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها ، ولا ينكرها إلا من حرمها .

    هذه الآية فوق المكان والزمان ، يعني في أي مكان أنت ؛ الآية مطبقة ، أما أن تطبق هذه الآية في مكان دون مكان ؛ مستحيل ؟! في بلد دون بلد ؟ مستحيل ! في زمان دون زمان ؟ مستحيل ! في ظرف دون ظرف ؟ مستحيل ! في بيئة دون بيئة ؟ مستحيل ! كلام رب العالمين مطلق ، لا يحده شيء ، و الآية ليست مقيدة ، في أي بلد كنت ، وفي أي زمان وجدت ، وفي أي بيئة عشت ، وفي أي ظرف تعاني ، إنك إذا كنت مؤمناً يجب أن تحيى حياةً طيبة ، ويجب أن تقول ، ويا ليتك تقول : ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ؛ هذا مقياس إيمانك :

تطيب بها النفس .

    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .

[الترمذي وأحمد]

    سمعة طيبة ، تنتزع ثقة الناس ، ثقة الناس لا تقدر بثمن ، الناس جميعاً يثقون بك ، يحبونك ، يصدقونك ، لست عندهم بكاذب ، يأتمنونك على أموالهم ، وعلى أعراضهم ، هذه ثروة كبيرة ، لا يعرفها إلا من ذاقها .

    لذلك يموت المؤمن بعرق الجبين ، وما عرق الجبين ؟ حينما يأتيه ملك الموت ، ويطلعه على مقامه في الجنة ، يخجل ، لأن كل عمله مجتمعاً لا يعدل هذا المقام الرفيع في الجنة .

    ثم قال عزوجل :

    قبل أن ننتقل لهذه الآية هناك آية أخرى ، حينما تُذكر هذه الآية ؛

يجب أن نذكر تلك الآية :

 

( سورة طه : 124 ـ 126 )

    بعض المفسرين تساءل : كيف يعيش الغني معيشة ضنكاً ؟ والمال بين يديه كالتراب ، يستطيع أن يأكل ما يشتهي ، وأن يلبس ما يشتهي ، وأن يسكن في أي مكان يشاء ، وأن يذهب حيث الجمال ، وحيث الرفاه ، فأيّ عيشة ضنك يعيشها هذا الغني ؟

    أجاب المفسرون رَضِي اللَّه عَنْهم بأن المعيشة الضنك هي ضيق القلب ، في قلب المعرض عن الله عز وجل ضيق لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، يضاف إلى هذا الضيق المعاناة المادية ، إنك إذا قرأت القرآن قد يأتي الشيطان ليوسوس لك ، قد يأتي الشيطان ليحول بينك وبين فهم كتاب الله ، وبين العمل به ، ليحول بينك وبين تدبره ، تأتيك الوساوس وأنت تقرأ القرآن ، لذلك :

    استنبط العلماء أن هذه الآية مطلقة في أحكامها ، حتى لو وقفت في الصلاة ، أول شيء تقوله بعد دعاء الثناء ، ثم الاستعاذة :

    يقول تعالى بعد هذه الآية :

    كلام واضح كالشمس ، كلام لا يحتاج إلى تفسير ، كلام مفَّسر .

أي : الشيطان

    لذلك هذا الذي يقول : لعن الله الشيطان ، ليلعن نفسه ! لأن الشيطان ليس عليه سلطان .

    هذا الذي يتولى الشيطان ، معنى يتولى الشيطان أيْ : يطيعه ، يستجيب لوسوسته ، لا تصلِّ لئلا يؤخذ عنك فكرة ما ، فلا يصلي ، أفطِرْ في رمضان لتثبت لهم أنك كذا وكذا ، فيفطر ، هذا الذي قبل واستجاب لأمر الشيطان الآن أصبح للشيطان عليه سلطان ، يسيره حيث يشاء ، إذا رأيت إنساناً قد علق على حبل المشنقة ، قل : هذا من عمل الشيطان ، تولاه ، فتسلط عليه ـ تولاه الإنسان بمعنى أطاعه ـ فتسلط عليه فأهلكه في الدنيا ، وأشقاه في الآخرة .

( سورة البقرة : 268 )

وقال سبحانه :

( سورة آل عمران : 175 )

يعني يشركونه مع الله ، يعزون إليه الفعل ، يصدقون أنه بيده شيئاً يفعله .

(سورة إبراهيم : 22)

ثم قال عزوجل :

    المفسرون حملوا هذه الآية على النسخ في القرآن الكريم ، في القرآن الكريم آيات نسخت ، وبقي لفظها ، لحكمة بالغة أرادها الله ، مرحلة معينة ، تقتضي هذه الآية ، هذه الآية استنفذت وظيفتها ، فنسخت وحل محلها تشريع آخر ، فحينما ذكرت ، ذكرت لتنسخ ، بمعنى ذكرت لينتهي حكمها ، ويأتي حكم آخر ، الله سبحانه وتعالى حرم الزواج بالكتابية ، في وقت معين ، ولحكمة بالغة ، ثم سمح الزواج بالكتابية ، والقبلة كانت نحو بيت المقدس ، ثم حولت إلى الكعبة المشرفة ، لحكمة بالغة ، لو كان هناك وقت لبحث هذا الموضوع بالتفصيل لبحثناه ؛ فما من آية ذكرت ثم نسخت إلا وهناك حكمة من نسخها ، وحكمة من بقاء ذكرها .

    قد يقول قائل : ما دامت قد نسخت لِمَ لمْ تمحَ ؟ هناك حكمة من ذكرها أولاً ، وحكمة من نسخها ، وحكمة من بقاء لفظها ، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة .

    بعض العلماء قالوا : لماذا كانت آية رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الكتاب ؟ ولماذا كانت آية موسى أن تكون عصاه ثعباناً مبيناً ؟ وأن يشق البحر له ؟ لماذا بدل الله الآيات المتعلقة بخرق قوانين الأرض ؟ لماذا جاء محلها آيات متعلقة بالإعجاز البلاغي والتشريعي ؟ كأن هناك من يعترض ، لِمَ لم يكن مع رسول الله معجزات كمعجزات موسى ؟ لِمَ لم يكن مع رسول الله معجزات كمعجزات عيسى عليه السلام ؟ هذا المعنى الآخر للآية .

    هذه الآية الرد :      

هو الحكيم ، هو الإله القدير ، لا نحيط بعلمه ، ولا نرقى إلى حكمته .

هذه من عندك ، ما جاءت في كلام الله ، أنت الذي نسختها ، أنت الذي حورتها  .

( سورة يونس : 15 )

    مستحيل ! شيء لا يمكن أن يقع ! أنا نبي مكلف برسالة ، ليس في صلاحيتي أن أبدل آية مكان آية ،

    ثم يتابع تعالى الآيات فيقول :

    القدس الشيء الطاهر ، أو كأن تقول : الروح المقدسُ ، والمقصود بروح القدس سيدنا جبريل عليه والسلام ، إنه سيد الملائكة  .

لم يقل : مِن الله عز وجل ؛ لأن مناط الربوبية تربية الإنسان ، وتوضيح الحقائق له ، وتقديم التشريع له ، والأخذ بيده ، ومعالجته ، هذا كله من صفات الربوبية .

 

    حينما يكون هذا الكلام من عند الله عز وجل وفيه حقائق ؛ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، يهدي للتي هي أقوم ، قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة ، غنىً لا فقر بعده ، ولا غنىً دونه حينما يكون الكتاب كذلك ، فيه قواعد ثابتة ، فيه قوانين حتمية ، فيه طريق إلى الله عز وجل ، فيه ذكر الحلال والحرام ، والخير والشر ، والحق والباطل ، فيه منهج الإنسان إلى دار السلام ، حينما يكون القرآن كذلك فإنه :

    من الأشياء المضحكة أن كفار قريش أرادوا أن يثيروا الشكوك برسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، هناك غلام نصراني يتقن اللغات الفارسية ، والرومية ، كان مقيماً بمكة ، يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام لقيه ، فقالوا : عرفنا السر ، إن هذا الغلام هو الذي يعلم رسول الله  صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذًا هذا القرآن قد أخذه من عند هذا الغلام ، شيء مضحك ، تهمة لا تقف على قدميها .

    أبى القرآن أن يذكر اسم هذا الغلام ؛ لأن الغلام ليس مقصوداً ، لا يمكن لبشر كائناً من كان أن يعلم النبي العدنان e ، ليس المقصود هذا الغلام بالذات ، لا يمكن لبشر أن يعلم هذا النبي e ، هذا النبي e جعله الله أمياً ليقطعه عن ثقافة البشر ، وليجعل كلامه كله من وحي الله عز وجل .

( سورة النجم : 3 )

    لذلك كل ما أقره النبي عليه الصلاة والسلام فهو تشريع .

    كان e عند أحد أصحابه ، وقد توفي ، اسمه أبو السائب ، فعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : (( طَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ ، فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ ، قَالَ : وَمَا يُدْرِيكِ ؟ قُلْتُ : لَا أَدْرِي وَاللَّهِ ، قَالَ : أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ، قَالَتْ : أُمُّ الْعَلَاءِ : فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ ، قَالَتْ : وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ )) .

[البخاري]

لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لكان هذا الكلام صحيحاً ، لكنه صاحب التشريع قال : (( وَمَا يُدْرِيكِ )) ، بأن الله أكرمه ؟ (( إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ ... أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ )).

 

( سورة الحجر : 99)

(( وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ )) .

    إنّ كل أقواله ، وإن كل أفعاله ، وإن كل إقراراته وحي غير متلو ، لقوله تعالى :

( سورة النجم : 3 )

    هذا الغلام أعجمي ، لا يعرف العربية ، ولا بيانها ، ولا بلاغتها ، ولا إعجازها ،

 

ألا يكفي ذلك ؟

    هذه الآية خطيرة جداً ، تبين أن الطريق الوحيد إلى الله عز وجل ، تبين أن الطريق الوحيد إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، التفكر في آياته الكونية ، أو تدبر آياته القرآنية .

    هناك الآيات الكونية ، الشمس والقمر ، والليل والنهار ، والنبات والحيوان ، والسهل والجبل ، والأسماك والأطيار ، وخلق الإنسان ، وما في الكون من آيات دالات على عظمته ، أو آيات القرآن الكريم ، مَنْ لم يؤمن بآيات الله الكونية بالتفكر ، ومن لم يؤمن بآيات القرآن الكريم بالتدبر ، فإن الله سبحانه وتعالى لا يهديه الطريق مسدود .

    طريق معرفة الله الكون ، وهذا الكتاب ، إن لله في أرضه كتابين ، الكون ، والقرآن ، فالكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، و يمكن أن تضيف باباً ثالثاً لمعرفة الله عز وجل ، ألا وهي آيات الحوادث ، إنما يجري في الحياة من إكرام المستقيم ، ومن معاقبة اللئيم ،  ومن إكرام الشاكر ، ومن محق الكافر ، من توفيق المصدق ، وتعسير المكذب ، إن الحياة طافحة بالدروس والعبر .

 

( سورة النمل : 69 )

( سورة الأنعام : 11 )

    عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، وإذا قال العظيم : إن العذاب أليم ، فيجب أن تعرفوا ماذا تعني كلمة أليم ، العظيم يقول عن هذا العذاب : إنه عذاب أليم ، يعني حينما يقطع عصب الضرس حين قلعه تعرف ما هو العذاب الأليم ، لو قلع الضرس من دون مخدر ، ألم الضرس وحده ، ألم الرمال في الكليتين ، ألم الاضطراب في الأمعاء ، ألم الأورام الخبيثة ، نعوذ بالله منها ، هناك آلام لا تحتمل ! هذا عذاب أليم في الدنيا ، فكيف الآخرة ؟! .

 

    ليس النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يفتري الكذب ، حاش لله ! 

    الكذاب هو الكافر ، لأنه بنى حياته على الكذب ، بنى حياته على أفكار غير صحيحة ، حينما انطلق إلى الدنيا وحدها ، وقال : هي كل شيء ؛ فهذا كذب ، حينما ظن أن الله لا يحاسبه فهذا كذب ، حينما ظن أن الله يسوي بينه وبين المؤمن ، فهذا كذب ، حينما ظن أنه ليس في الأرض حق ، كل إنسان يقول : أنا على حق ، الأمور فوضى ، لا‍ .

 

( سورة البقرة : 30 )

فلابد من أن يكون في الأرض من هو على حق .

( سورة العنكبوت : 69 )

    هذه مقولات الكفار ؛ هي الكذب ، الذي يبني حياته على الكذب ، وعلى أفكار كاذبة ؛ هو الكذاب ، إذا بنيت حياة الكافر على الكذب فأقواله كذب ، إن قال لك : الدنيا هي كل شيء ،  اقتنص كل اللذات قبل أن يأتي الموت ؛ هذا كذب ؛ لأنه عد الموت نهاية الحياة ، الموت بداية وليس نهاية ، إذا قال لك : إن لم تملك المبلغ الضخم فلا قيمة لك ، هذه هو الكذب ، هذه فكرة ساذجة ، هناك مصائب لا ينفعها المال .

    إن شعور المؤمن بطاعة الله عز وجل يفوق شعور الغني بالغنى ، ليس الغنى عن كثرة العَرَض ، ولكن الغنى غنى النفس .

    من بنى حياته على الكفر ، وعلى الكذب ، وعلى معتقدات زائغة ، وضالة ، وغير صحيحة ؛ هو الكذاب المبين .

     الإسلام والأديان ـ الإسلام بشكل خاص ، والأديان بشكل عام ـ جاءت لتحفظ خمسة أشياء ؛ لتحفظ الدين ، وتحفظ العقل ، وتحفظ النفس ، وتحفظ المال ، وتحفظ العِرض ، فمن اعتدى على الدين بالارتداد ، ومن اعتدى على المال بالسرقة ، ومن اعتدى على العرض بالزنى ، ومن اعتدى على النفس بالقتل ، ومن اعتدى على العقل بالخمر ، فللخمر حد ، وللزنى حد ، وللسرقة حد ، وللقتل حد ، وللارتداد حد .

    من كان كافراً ولم يؤمن شيء ، ومن كفر بعد الإيمان شيء آخر ، من كفر بعد الإيمان فهذا اعتداء على الإيمان ، اعتداء على الشريعة ، اعتداء على الدين .

( سورة الفاتحة : 7 )

    لكن دخل في الدين ثم خرج منه ، هذا عدوان .

    إذا هُدِّدت حياة الإنسان ، إذا خاف الإنسان على حياته خوفاً حقيقياً ، لا خوفاً واهماً ! إذا كان الذي يهددك في حياتك من الذين يفعلون ما يقولون ، إذا غلب على ظنك أن حياتك مهددة بالقتل ، أو أن أحد أعضائك مفقود ، أو أن مالك كله مستباح ، أجاز لك الشرع أن تنطق بكلمة الكفر ! ـ لكن الكلام دقيق ـ إذا غلب على ظنك أن حياتك مهددة بالقتل ، وأن أحد أعضائك مهددة بالبتر ، أو مالك كله ، هذه الشروط الثلاثة ، غلب على يقينك ، والذي تخاف منه يفعل ما يقول ، عندئذ أجاز لك الشرع أن تنطق بكلمة الكفر ! أو ما دونها ، مثل أن تأكل لحم الخنزير .

( سورة البقرة : 173 )

لم يأكل زيادة عن الحد المطلوب ، حفظ نفسه من الموت .<