English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "21 / 21"  والأخير من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 119 – 128   عن الموعظة الحسنة ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الحادي والعشرين والأخير إن شاء الله من سورة النحل .

    ربنا سبحانه وتعالى يطمئننا إلى أن الذي يعمل السوء بجهالة ، ويتوب من بعد عمل السوء ، ويصلح ، ومعنى يصلح ؛ أنه إذا كان الذنب بينك وبين العباد ؛ فهذه العلاقة مبنية على المشاححة ، أما العلاقة بين العبد وبين ربه فمبنية على المسامحة ، فالذنب الذي بينك وبين الله يغفره الله سبحانه وتعالى ، لكن الذي بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالإصلاح ، أي بالتصحيح ، برد الحقوق إلى أصحابها ، بالاعتذار ،  بطلب المسامحة ، بمحو السيئة بالحسنة ، بتقديم شيءٍ ينسي صاحب الحق حقه .

    ومعنى : عملوا السوء بجهالة ؛ أي : إن الإنسان قد يجهل النتائج الخطيرة التي تؤدي إليها المعصية ، لو أن الناس عرفوا إلامَ تنتهي بهم السيئات ما فعلوها ، والدليل أن الناس أحياناً يرون بأم أعينهم ما يحل بمن يخالف تعليمات إنسان ، لذلك يطبقون هذه التعليمات تطبيقاً حازماً ، بسبب أنهم رأوا نتيجة من خالف هذه التعليمات ، فكيف لو عرفت أن هذه التعليمات التي أمر الله بها سوف تشقي صاحبها في الدنيا والآخرة  ؟ لذلك لا يعصي ربه إلا جاهل ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... )) .

[متفق عليه]

لو أنه كان مؤمناً ـ أي مقبلاً ـ لاستنار قلبه بنور الله ، ورأى بهذا النور نتائج الزنى فكفَّ عنه .

    إذاً :

من بعد التوبة الصادقة ، ومن بعد إصلاح الخلل ، ورد الحقوق ، والاستسماح ،

    لذلك هذا الذي يطمع بمغفرة الله من دون ثمن ، أو من دون توبة ، أو من دون ندم ، أو من دون عزم أكيد على ترك الذنب ، أو من دون إصلاحٍ ، فهذا مغرورٌ ، واقع بالأوهام .

    على كلٍ ؛ هذا الذي يعلم أن هذه معصية ، وأنك إذا فعلتها وقعت في غضب الله عز وجل ، كلما ازداد علمك بأنها معصية ، وبأنها مهلكة ازداد الحجاب بينك وبين الله ، وقلَّتْ فرص التوبة ؛ لذلك فرص التوبة تزداد مع الجهل بالذنب ، وتقل مع العلم به ، فإذا كنت تعلم علم يقينياً أن هذه معصية تغضب الله عز وجل ، وفعلتها وأنت تعلم ! أغلب الظن أن فرص التوبة تقلّ ، وأن الحجب تكثر ، وأن القطيعة محققة ، هذا الحجب يحتاج لمراجعة.

    في موضوع التوبة تفصيلات دقيقة جداً ؛ العلماء ولا سيما الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه قال : للتوبة شروط ، أولها العلم والندم ، والعزيمة ، معنى العلم ؛ يجب أن تعلم أن هذا ذنب ، وأن هذه معصية ، وأن هذا العمل خلاف الشرع ، يجب أن تعلم أن هذه معصية ، وأن هذا يغضب الله ، وأن هذا يؤدي إلى عقاب في الدنيا قبل الآخرة .

    هناك بعض الأشخاص يتوهم أن الآخرة بعيدة ، وأن الله غفورٌ رحيم ، لكن يجب أن يعلم هؤلاء أن لكل سيئة عقاباً في الدنيا قبل الآخرة  والعقاب من نوع الذنب ؛ فالذي يأكل مالاً حراماً يعاقب بإتلاف ماله ، والذي يخالف أوامر الله في صحته يعاقب بالمرض ، والذي يخالف أوامر الله في زواجه يعاقب بالشقاق الزوجي ، والذي يخالف أوامر الله في تربية أبنائه يعاقب بعقوق الأولاد ، والذي يخالف أوامر الله في تجارته يعاقب بإتلافه ، وإن لكل سيئة عقاباً ، ولكل حسنة ثواباً ، فيجب أن نعلم علم اليقين أن السيئات ، والمعاصي ، والمخالفات لها عقاب في الدنيا قبل الآخرة ، وأن العقاب قد يكون أليماً ، وأن الثمن قد يكون باهظاً ، وأن الإنسان حينما يواجه العقاب ، أو يواجه الخسارة ، عندئذ يقول : ليتني لم أعص الله ، لأنه أصبح خاسراً ، والذي حصله في المعصية دفعه أضعافاً مضاعفة عند العقاب .

    كيف نفسر هذه الآية ؟ كيف يكون رجل واحد أمة ؟

بمعنى أن عنده في قلبه عزيمة على طاعة الله ، وفي قلبه معرفة ، وفي قلبه شكر ، وفي قلبه صبر ، وفي قلبه رحمة ، لو وزعت على أمة لوسعتها .

كان قوي العزيمة ، كان شديد الورع ، كان محباً لله ، كان قلبه ممتلئاً رحمة ؛  حيث إن الذي حصله من الحق جل وعلا ، لو وزع على أمة لكفاهم .

لو أن واحداً كان يملك أموال الدنيا ، نقول : هذا يملك أموال الدنيا ، لو وزع هذا المال على أبناء الأرض لكفاهم ؛ بهذا المعنى ، هذا أحد معاني :

لأنه دعا إلى الله وأراد هداية الخلق ، وإسعادهم ، أراد أن ينقذهم من الضلال إلى الهدى ، من الشقاء إلى السعادة ، من الضياع إلى الوجدان ، من التشتت إلى التجمع ؛ لأنه أراد ذلك فصار في قلب كل إنسان ، صار هذا النبي العظيم في قلوب أتباعه ، أحبوه ، واتبعوه ، وشكروه ، وأثنوا عليه ، وجعلوه قدوة لهم ح هذا المعنى الآخر .

    وهذا شيء ميسر لكل مؤمن ، حينما يخرج المؤمن من ذاته إلى هداية الآخرين ، إلى نصحهم ، إلى إكرامهم ، إلى إسعادهم ، إلى تقديم خدمة لهم ، حينما يعطف عليهم ، يرحمهم ، حينما يقلق لمصيبة ألمت بهم ، حينما يبذل وقته رخيصاً لأجلهم ؛ عندئذ يحبونه ، ويدخل قلوبهم ، ويصبح في قلوب كل من أحبه ؛ هذا المعنى الآخر ، فإذا أردت أن تسعد فاسعد الآخرين .

    بين أن تكون فرداً ، وبين أن تكون أمة ؟ قد ترى جنازة لا يتبعها إلا رجلان أو ثلاثة ! وقد تسمع بجنازة تبعها مئة ألف شخص ، طواعية ، معنى ذلك أن هذا الميت ترك في نفس هؤلاء الذين تبعوه أثراً بليغاً ، ومحبة صادقة ، وإكباراً ، وشكراً وامتناناً .

    أحياناً على مستوى الأسرة ، يكون هناك كبير الأسرة ، يحل مشكلاتها ، يوفق بين المتخاصمين فيها ، يقدم المعونة لفقرائها ، هذا الشخص على مستوى أسرته يصبح في قلوب كل أفراد الأسرة ، يقولون : عميد أسرتهم ؛ لأنه قدم خدمات لهم ، لأنه رعى مصالحهم ، وفق بين متخاصميهم ، لأنه وفق بين زوجين متباعدين ، وفق بين شريكين ، وفق بين أخوين ، قدم المساعدة ، عطف عليهم ، كان رؤوفاً بهم ، إذاً هو عميد أسرتهم ، وهذا شيء ميسر للمؤمن ، أن يكون في قلوب الآخرين ، أن يخرج من ذاته لخدمة الخلق ؛ لأنه إذا خدم الخلق أحبه الحق ، والخَلقٌ كلّهم عيالُ الله ، وأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعِياله ، وما من طريقة تتقرب بها إلى الحق كخدمة الخلق ، لذلك :

( سورة العصر  )

( سورة الكهف : 110 )

    طريق التقرب إلى الحق خدمة الخلق .

بصفاته الفضلى ، بإيمانه ، بكبر قلبه ، برحمته ، بتوبته ، بطهره  بورعه ، باستقامته ، بحبه للخير ، كان فيه من الصفات ما يسع أمة ، وكان أمة في قلب كل تابع من أتباعه ، هل تستطيع أن تدخل إلى قلوب الناس قسراً ؟ لا والله ! ليس هناك قوة ، لو ملكت قوى الأرض كلها على أن تدخل في قلوب الآخرين ، لا تستطيع إلا بالإحسان ! يا داود ذكر عبادي بإنعامي عليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها ..

(سورة الأنفال : 63 )

    لو أن أباً قسَا على أولاده وضايقهم ، وحرمهم ، وقال لهم : أحبوني ، ورددوا ألفاظ المحبة ، وأسمعوني كلمات المحبة ، وقوموا لي إذا مررت بكم ؛ لو أنهم فعلوا ما أمرهم به هل يحبونه ؟ لا ، لن تستطيع أن تدخل إلى قلب إنسان إلا بالعمل الصالح ، إلا بتواضعك ، إلا بخدمتك ، إلا بعلمك ، إلا برحمتك ، إلا بعطفك ، إلا بحنانك ، بهذا تدخل في قلوبهم ، قد يفعلون ما تريد منهم قد يفعلون ما تأمرهم به قسراً وكرهاً ، ولكنك تبقى بعيداً عنهم ، ما الذي جعل أتباع النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وأربعمئة عام يقدمون إلى قبره الشريف ، يقفون مزدحمين ، تنهمر دموعهم ، كيف ؟ ما رأوه ، ما سمعوا كلامه ، ما تلقوا منه خدمة معينة ؛ لكنهم سمعوا عن فضائله ، وعن خلقه العظيم ، وعن رحمته ، وعن عطفه ، وعن تواضعه ، وعن تواصله ، وعن كرمه ، وعن حبه للناس ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع ، فعشت واحداً بين الجميع ، يا أيها النبي e ، يا أيها الأب ، يا أيها الأخ ، أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الظلمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد ، لماذا تقرأ سيرته فتبكي ؟ لماذا إذا حدثناكم عن ساعات وفاته كلكم تبكون ! لماذا ؟ تبكون محبة له ، لأنه جاء إلى الدنيا ، وخرج منها ولم يجمع منها درهماً ولا مالاً ، لكنه ترك الهدى ، ترك السعادة ، ترك الفضيلة ، ترك الرحمة بين الناس .. (( إنما أنا رحمة مهداة  )) .

( من الجامع الصغير : عن " ابن سعد )

لذلك تستطيع أن تدخل إلى قلوب الناس بأعمالك الطيبة ، برحمتك ، بتواضعك ،

    يا أخي الكريم لا تكن فرداً ، لا تكن واحداً كن أمة ، اخرج من ذاتك ، معظم الناس سعيهم ليلاً ونهاراً ، سراً وعلانية ، جهدهم ، طاقتهم ، بذلهم كله من أجل أنفسهم ، وعلى أحسن الأحوال من أجل أسرتهم ، وانتهى الأمر ، لا يزيد اهتمامهم على أمر أسرتهم ، أما جاره ، قريبه ، يقول لك : لهم رب ، أنا لست كافل العباد ، لو شاء الله لأطعمهم ، إذاً أنت لست أمة ، أنت واحدٌ ، وتأتي يوم القيامة واحداً ، لكنك لو عملت الصالحات ، وخدمت العباد ، لا حباً من أن تعلو عليهم ، لا حباً بأن يلتفت الناس إليك ، لا حباً بأن تصرف وجوه الناس إليك ، لا ، بل حباً بخالقهم ، تخدمهم ، تقرباً للذي خلقهم ، هذا هو جوهر الدين ، أن تحسن إلى الخلق محبة بالحق .

(سورة الإنسان : 9 )

    هذا هو سر الدين ، لذلك المؤمن تلقاه خَيِّراً ، معطاًء ، متواضعاً، يضحي ، يبذل الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، يقول لك : حتى يرضى الله عني ، كيف يرضى الله عني وأنا أؤذي خلقه ؟ لا بد من أن أتسامح معهم ، لا بد من أن أعفو عنهم ، لا بد من أن أقدر حاجاتهم ، لابد من أن أقبل أعذارهم ، لا بد من أن أقبل تنصلاتهم ؛ من أجل أن يحبني الله عز وجل

المعنى الأول : أن فيه من الكمال ما لو وزع على أمة لكفاهم ، هذا أول معنى .

المعنى الثاني : بإحسانه في قلب كل الناس ؛ إذاً هو في قلب أمة ؛ إذاً حجمه كحجم الأمة .

المعنى الثالث : أنه إمام يُقتدى به ، يأتمّ به الناس ، لذلك إذا كنت أباً فأنت إمام لأبنائك ، فإذا عصيت الله يعصونه أمامك ، إذا عصيت الله يقتدون بك .

( سورة الأحزاب : 30ـ32 )

    إذا عصى القدوة اقتدى الناس به ، فتحمل إثم المعصية ، وإثم كل من عصى الله اقتداء به ، لذلك قيل : (( التوبة حسن ، لكن في الشباب أحسن ، والسخاء حسن ، لكن في الأغنياء أحسن ، والحياء حسن ، لكن في النساء أحسن ، والصبر حسن ، لكن في الفقراء أحسن ، والعدل حسن ، لكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن ، لكن في العلماء أحسن )) .

( من كنز العمال : عن " علي )

    ثمة قصة تناسب هذا المقام ، يروى أن ملكاً أكره الناس على أكل لحم الخنزير ـ قصة قد تكون رمزية ـ فجيء برجل عالم ليأكل لحم الخنزير قسراً وإلا قتل ، فالحاجب يعرف مقامه ، ذبح له شاة خِفية ، وقدمها إليه ، وقال له : هذه شاة يا سيدي ، كلها ولا تخف ، فلما دخل قرب الناس ليأكلها فأبى أن يأكلها ، قيل له : لمَ لمْ تأكلها ؟ قال له : الناس لا يعرفون ذلك ، يعرفون أنه لحم خنزير ، فإذا أكلته أمامهم اقتدوا بي ، فالذي يتصدر لتعليم الناس له حساب خاص ، حركاته ، سكناته ، تصرفاته ، أقواله  أفعاله ، أحواله ، كله مسجل عليه ، إن عمل سيئة اقتدى الناس به ، فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، لذلك ؛ أندم الناس يوم القيامة رجل دخل الناس بعلمه الجنة ، ودخل هو بعلمه النار !!!

    مما يروى ؛ أنه يوم القيامة يفاجأ أهل النار برجل في النار كان من أهل العلم في الدنيا ، وكان ذا صيت كبير ، كان نجمه متألقاً في سماء العلم ، كان له شهرة كبيرة يقولون ، متعجبين : أأنت فلان ؟ يقول : نعم ؟ أنت فلان ؟ يقول : نعم ، يقولون : من الذي جاء بك إلى هنا ؟  ـ الحديث طويل ، فعَنْ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ ... : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى ، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ : يَا فُلَانُ مَا لَكَ ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى ، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ ، وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ )) .

[البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم]

      المعلم قدوة ، إذا دخن أمام طلابه عدَّ الطلاب الدخان شيئاً عظيماً من صفات الرجولة ، والاكتمال ، فعليه إثم هذا العمل ، وإثم من عمله من طلابه .

    المعلم قدوة ، الأب قدوة ، الأم في البيت قدوة ؛ لو أنها تساهلت في فتح الباب ، وفي الحديث مع الغرباء أمام ابنتها ، لقد زرعت فيها أن هذا العمل لا بأس به ، شيء مقبول .

    الأم قدوة ، والأب قدوة ، والمعلم قدوة ، وكل من يلي على أشخاص يحاسب حساب القدوة ! لذلك ؛ كان سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصته وقال : " إني قد أمرت الناس بكذا ، ونهيتم عن كذا ، والناس كالطير ، إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وايم الله ، لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه ، إلا ضاعفت له العقوبة لمكانته مني " ؛ فصارت القرابة من عمر مصيبة !!

    أنت أبًا قدوة ، أو أنك أخٌ أكبر ، عندك أربعة أخوات ، أنت قدوة لهم ؛ إذا تأخرت إلى منتصف الليل يقلدونك ، إذا علا صوتك على صوت أمك يقلدونك ، إذا أخذت ما ليس لك يقلدونك ، إذا تساهلت في البيع والشراء يقلدونك ، إذاً :

     كان في قلبه من الكمال ما يسع أتباعه جميعاً ، فحجم كماله كحجم كمال أمة ، لذلك :

في قلوب أتباعه .

 كان قدوة لهم ، كان إماماً لهم .

( سورة البقرة : 124)

ما هو الثمن ؟ أنه أتم أوامر الله عز وجل .

( سورة السجدة : 24 )

( سورة الأحزاب : 39 )

( سورة يس : 20 ـ 21 )

أي : دائماً على طاعته ، منقطعاً لعبادته ، لا تشغله الدنيا عن ذكر الله ، سيدنا سعد رَضِي اللَّه عَنْه قال : في ثلاثةٍ أنا رجل ، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، يعني أجوع ، كغيري من الناس ، أشعر بالحر في أيام الحر كغيري من الناس ، أغضب إذا استغضبت كغيري من الناس ، لكن في ثلاثةٍ أنا فيهن رجل ، " ما سمعت حديثاً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله تعالى ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، ولا دخلت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها " ، كان بطلاً في هذه الثلاثة .

مائلاً إلى الله ، تغلب محبة الله عليه .

    خبيب بن عدي رَضِي اللَّه عَنْه كان من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقع في أسر قريش ، وكان بإمكانه أن ينطق بكلمة الكفر ليفتدي نفسه منهم ، لأنهم خيروه بين أن يصلبوه ، وبين أن يكفر بمحمد  لشدة حبه لله ورسوله ، جاءه أبو سفيان عرض عليه الموت ، أو أن يكفر بمحمد ، ثم قال له : أتحب أن تكون معافىً في أهلك وولدك ، وعندك عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة ؟ أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ قال : وَاللَّهِ لا أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة !! هل تحب أنت أهل الحق هكذا ؟ هل تحب رسول الله ؟.

تعصي الله وأنت تظهر حبه ؟!      ذاك لعمـري في المقال بديع

لـو كان حبك صادقاً لأطعتـه      إن المحـب لمن يحب مطيع

***

حنيفاً يعني مال قلبه إلى الله عز وجل ، يحب الله ، ولا يحب أحداً سواه .

معنى قانتاً ؛ أي : منقطعاً في عبادته إلى الله عز وجل  ومعنى حنيفاً ؛ مائلاً قلبه إلى الله في كل أحواله ، هذا القلب ، والله لا ينبغي أن يحب غير الله ، أن تحب زوجتك ؟ لا بد من أن تتركها ، أو تتركك ، أبداً ، لا بد من ذلك إما أن يموت الإنسان قبلها ، أو أن تموت قبله . أتحب أولادك ؟ لا بد من أن تفارقهم ، أتحب هذا الصديق ؟ ..

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت ، فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به )) .

( الطبراني في الأوسط ، والحاكم في المستدرك عن سهل بن سعد)

    أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، يَعْنِي الْمَوْتَ )) .

[الترمذي ، النسائي ، ابن ماجه ، أحمد]

لذلك لا ينبغي لهذا القلب أن يحب غير الله .

رابعة العدوية تقول  :

فليتك تحلو والحياة مريـــرة     وليتـك ترضى والأنـام غضاب

ولـيت الذي بيني وبينك عامـر    وبيني وبين العالمين خـــراب

***

    كلام سهل جداً ، امتحنْ قلبك هل تحبه ؟ هل تغض بصرك عن امرأة حسناء خوفاً منه ؟ لا أحد يراك ، لا أحد يحاسبك ، لا أحد في الأرض يحاسب على هذا ، بالعكس ، شيء طبيعي ، من الذي يحاسب على أنك نظرت إلى النساء ؟ هل تغض بصرك عن محاسن امرأة ، لا تغضه إلا لله ؟ هل تعطي فلاناً ، لا تعطيه إلا لله ؟ هل تمنعه ، لا تمنعه إلا لله ؟ هل تواليه لا تواليه إلا لله ؟ هل تعاديه لا تعاديه إلا لله ؛ إذا كنت كذلك فالله يحبك ، وأنت تحبه .

    والشرك كما تعلمون أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على شيء من الجور ، وأن تبغض على شيء من العدل ، هذا من الشرك ، طبعاً هناك شرك أكبر ، وشرك أصغر ، وشرك خفي .

(سورة يوسف : 106 )

    إذا اعتقدت أن هذا الطبيب هو الذي شفى ابنك ، معه بورد ، وصف له دواء ثلاثة ، في أيام كان صحيحاً ، هذا شرك ، هذا لو لم يأذن الله له ، لو لم يلهمه الصواب ، لو لم يلهمه تشخيص الداء لكنت في متاهة ، ذهب شخص إلى أشهر الأطباء ، شعر بشيء غير طبيعي ، شخصوا له أنه مرض خبيث ، كاد هذا المرض أن يسحقه ! والتشخيص غلط كله ؛ هذا ممكن ، فلا تعزُ الأشياء إلى غير الله ، هذا شرك ، من علامات الشرك أن تغضب إذا حرمك الناس ، وأن تفرح إذا أعطوك ، مع أن ما عند الله لا يجلبه لك حرص حريص ، ولا يرده عندك كراهة كاره .

    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : (( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : يَا غُلامُ ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ  )) .

( أخرجه الترمذي : عن " ابن عباس )

( سورة فاطر : 2)

    إن الله تعالى قطع العباد عن الآجال ، وعن الأرزاق ، فكلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، تأكد أن رزقك بيد الله ، وأن أجلك بيد الله ، وأن هذا لا يملكه أحد إلا الله ، من هنا تأتي شجاعتك ،  من هنا تأتي طمأنينتك ، من هنا تأتي عزتك ، من هنا تأتي كرامتك ، لو اعتقدت أن الرزق بيد فلان لتذللت إليه ، ولخضعت إليه ، وانبطحت أمامه ، وقبلت الأقدام ، وتذللت ، ونافقت ، ولخنعت له ، لو اعتقدت أن الرزق بيده أما إذا اعتقدت أن هذا الذي خلق الفرد خلق له الطعام  والشراب .

(سورة الذاريات : 22 ـ 23 )

    ما دام هذا الفم يتحرك فله عند الله رزق ، لكن هذا الرزق قد يأتي صاحبَه بطريق غير مشروع .

    أنا أضرب مثلاً مشهوراً فأقول : هذه التفاحة التي خلقت في المكان الفلاني ، في البستان الفلاني على الشجرة الفلانية ، في الغصن الفلاني ، ترتيبها رقم أربعة ، حجمها وزنها ، لونها ، هذه لفلان ، اسم فلان عليها ، قد يأخذها شراء ، وقد يأخذها ضيافة ، وقد يأخذها هدية ، وقد يأخذها تسولاً ، وقد يأخذها سرقة ، وقد يأخذها غصباً ، طريقة وصولها إليك باختياره ، أما هي له ، طريقة وصولها إليه بحسب استقامته ، وغفلته ، وتقصيره ، وانحرافه ، وبعده وقربه ، أما هي ـ أي التفاحة ـ له ، فمسكين هذا الذي يسرق رزقه ، لو أنه صبر عليه لأكله حلالاً ، اصبر على الحرام يأتك الحلال ، إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص ، ولا يرده عنك كراهة كاره ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَيُّهَا النَّاسُ ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ  )) .

( أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله )

    اطمئن ، لك عند الله عز وجل 890 أكلة مثلاً بالعدد ؛ يمكن لشخص أن يقوم بإحصاء طريف ، أنا كم بيضة أكلت في حياتي ، وكم بيضة متوقع أن آكلها قبل الوفاة ؟ لو فرضنا 8000 بيضة ، 80000 ، لا أعرف كم العدد ، لك عند الله هذا العدد ، لا ينقص ولا واحدة ! اطمئن ، توجد أزمات ، لا توجد أزمات ، لك عنده هذا العدد ! كم تفاحة ، كم بيضة ، كم  من رغيف سوف تأكل ، كله مسجل .

(( أَيُّهَا النَّاسُ ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ )) .

      انتقِ مهنة راقية ، شريفة ، فيها خدمة للناس ، فيها نفع للناس ، قد يقول قائل : يا أخي لا أستطيع ، لا يوجد غير هذا العمل ! لا هذا غير صحيح ، إذا كان العمل أساسه إيقاع الأذى بالناس دعه ، ولا تأسف عليه ، مهما كان الدخل كبيراً ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، (( فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ )) ، ابحث عن عمل شريف فيه خدمة للآخرين ، ولا ترض بعملٍ فيه معصية لله ، ولا ترضَ بضاعة محرمة عند الله ، ولا ترضَ عملاً فيه إيقاع الأذى بالناس ..

    يا رب كيف أشكرك ؟ قال : يا موسى ، إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني ، اذكرني ولا تنسني ، إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني ، يا ترى ؛ هل تذكر الله كل يوم ؟ كل أسبوع ؟ كل ساعة ؟ كل فترة ؟ صباحاً ؟ مساء ؟ إذا أكلت هل تقول : الحمد لله ؟ هل دخلت إلى بيتك ؟ هل تذكر فضله ؟ إذا وقعت عينك على أبنائك وهم في صحة جيدة ، هل تذكر فضله ؟ لو كان أحدهم مشوهاً تحس بانقباض لا يوصف ، إذا دخلت إلى البيت ، وفي البيت ماء زلال ، وطعام ، وشراب ، وفراش وثير ، ودفء في الشتاء ، وجو معتدل في الصيف ، هل تذكر الله عز وجل ؟ هل تشكره ؟ كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقّت .

اختاره ، وهداه إلى صراط مستقيم ، إذا كان الشخص على صراط مستقيم فهذه أكبر نعمة ، سيدنا عمر إذا أصابته مصيبة كان يقول : " الحمد لله إذ لم تكن في ديني " ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ـ لو كشف الغطاء كان الذي على صراط مستقيم ، هو أسعد الناس قاطبة ، أعظمهم عند الله شأناً أكرمهم على الله ، أسعدهم في الدنيا والآخرة الذي على الصراط المستقيم ، تقول في الفاتحة كل يوم .

[ سورة الفاتحة : 6ـ7]

في الدنيا حسنة .

( سورة المائدة : 18 )

    الإمام الشافعي رَضِي اللَّه عَنْه استنبط أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه .

سمعة طيبة ، راحة بال طمأنينة ، أمنًا ، اطمئنانًا بذكر الله ، إياكم أن تفهموا مني من أجل أن تكون هذه الآية مطبقة يجب أن تكون غنياً ، صحيحاً ، ذا زواج ناجح ، لا ، هذا ليس شرطاً ، يجب أن تكون راضياً عن الله ، فأنت أسعد الناس ، قد تكون راضياً عنه وأنت مريض ! فأنت أسعد من الصحيح ، وقد تكون راضياً عنه وأنت فقير ، فأنت أسعد من الغني ! العبرة أن تكون راضياً عن الله ، قال رجل من الصالحين : يا رب ، هل أنت راضٍ عني ؟! وكان يطوف حول الكعبة ، ووراءه الإمام الشافعي رَضِي اللَّه عَنْه ، قال له : يا هذا ، هل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك ؟ فالتفت وقال : سبحان الله ‍‍! كيف أرضى عنه ، وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له : إذا رضيت عنه في مر القضاء ، إذا كان سرورك بمر القضاء فأنت راضٍ عن الله ، فلذلك :

المؤمن سعيد وكفى ، سعيد وهو فقير ـ كلامي واضح ـ سعيد وهو غني ، سعيد وهو مريض ، سعيد وهو معافى ، سعيد وعنده زوجة صالحة ، سعيد وعنده زوجة سيئة ، سعيد وعنده أولاد ذكور ، سعيد وعنده أولاد إناث ، سعيد وهو عقيم ، سعيد وعنده أولاد مشاكسون ، قلبه سعيد ، عرف الله فأحبه ، وانتهى الأمر ، ليس شرطاً أن تتوافر كل الشروط حتى يكون سعيداً ، وإذا كان الشخص اسمه " سعيد " فلا يكن شقياً ، يشتد حزنه يوم القيامة ، وإذا كان الواحد اسمه " كامل " فلا يكن ناقصاً ، وإذا كان عبد الله فلا يكن عبداً لئيماً ، اسمه " عبد الله " فيكون عبداً للئيم ؟ وإذا كان " عبد الرحمن " فلا يكن قاسياً ، وإذا كان "عبد الغني" فلا يكن فقيراً ، فقيراً للدنيا ، شهوانياً ، كيف أخشى الفقر ، وأنا عبد الغني ؟!

كان هذا النبي العظيم أبا الأنبياء .

 

    يوم السبت جُعِلَ يوم عطلة رسمية لليهود ، وقد يتوهم البعض منه عطلة رسمية ؛ يعني ليغتسل ، يغسل ، يقمُّ ، يريد أن ينظف ، أن ينظم مكتبته ، يستيقظ الساعة الحادية عشرة ، اليوم جمعة ، أيوجد عندنا دوام ؟! يوم السبت يوم عطلة عند اليهود ، يعني يجب أن يكون هذا اليوم خاصاً لله عز وجل ، يجب أن تتفرغ في كل سبعة أيام يوماً لعبادة الله ، وذكره ومعرفته ، طبعاً نحن المسلمين يوم عيدنا الأسبوعي يوم الجمعة ، فهذا اليوم يوم معرفة الله ، وحضور خطبة الجمعة فرضٌ .

    قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ )) .

[أخرجه ابن ماجه : عن " عبد الله بن قتادة ]

    هذا يوم ليس لقضاء الحوائج ، تنظيم البيت ، والاستيقاظ الساعة الثانية عشرة ، والمشاحنة أحياناً ، وبعض الأكلات الخاصة ، الجمعة صباحاً أكلة حمص ، وعند الظهر لحم مشوي ـ سابقاً طبعاً ـ لا ، ليس هذا هو القصد ، القصد أن هذا اليوم من أجل أن تعرف الله عز وجل .

    أنا أتمنى على كل أخ أن يهيئ أموره الخميس ، ويبقي هذا اليوم فراغاً لطاعة الله عز وجل ، لسماع خطبة الجمعة ، لحضور مجلس العلم .

    بعض اليهود احتالوا على الله عز وجل ، حفروا حفراً على شاطئ البحار ، وأغروا السمك لدخولها ، بعد أن دخلت سدوا ، يوم الأحد صادوا السمك ؛ هذه حيلة شرعية ، أول من احتالوا حيلة شرعية هم اليهود ، يوم عطلة ! عطلة من أجل معرفة الله ! من أجل العبادة ، من أجل التأمل ! من أجل الذكر ! من أجل تلاوة الكتاب المقدس ؛ من أجل التفكر في ملكوت السماوات والأرض ، هذا كله يجب أن يكون يوم العطلة الرسمية ! ماذا فعلوا ؟ احتالوا على الله عز وجل ، جعلوا حيتانهم تأتيهم شرعاً يوم سبتهم ، الحيتان مطمئنة ؛ هؤلاء يهود ، والسبت معطلون ، دخلت إلى هذه البرك ، فلما دخلت سدوا عليها طريق الخروج يوم الأحد اصطادوها ، فوبخهم الله عز وجل ، وقرعهم ، لأنهم بدل أن يكون هذا اليوم يوم عبادة ، وتفكر ، وذكر ، وتلاوة ، وعمل صالح ، استخدموه لتحقيق مصالحهم الدنيوية ، فإذا أجبر واحد صانعه على عمل يوم الجمعة يكون آثماً واللهِ ، يقول : يا أخي عندنا موسم الآن ! أي موسم هذا ؟ كذلك في الآخرة موسم ، هذا يوم موسم للآخرة ، أجبر صانعه على البقاء في المحل ، وإذا منعه أن يصلي الجمعة ؟ فإثمه أكبر !!

        دخل أحدهم على أمير فقال : " إنني سأعظك بغلظة ، كان الأمير أفقه منه ، قال له : ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ إن الله أرسل من هو خير منك ، إلى من هو شر مني ، أرسل موسى إلى فرعون ، فقال له :

 ( سورة طه : 44 )

    من معاني الحكمة الكلام المحكم ، كلام صحيح ، كلام غير صحيح خرافة ، قصة غير صحيحة ، تفسير فيه شطحة مثلاً ، حديث ضعيف ، حديث موضوع ، قصة سمعناها ليس لها أصل ، فيها خرق لآيات القرآن الكريم ، هذا ليس حكمة ، أنت تدعو إلى الله ، فيجب أن تدعو إليه بالحكمة ، من معاني بالحكمة الكلام المحكم ، القطعي الثبوت ، القطعي الدلالة ، كلام محكم ، آية محكمة ، هذا تفسيرها ، أجمع العلماء على هذا التفسير ، هذا تفسير الجمهور ، حديث صحيح من الكتب الصحيحة ، هذا تفسيره ، قصة وردت في القرآن ، قصة محكمة ، آية كونية أشار إليها القرآن ، محكمة ، لا تحدِّث بكلام خرافات ، أحاديث ضعيفة ، موضوعة ، قصصاً غير صحيحة ، لا تنقل شيئاً غير متأكد منه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) .

( أخرجه مسلم عن خبيب بن عبد الرحمن )

    لأنه توجد قصة غير صحيحة ، هذه فيها طعن بآية قرآنية ، هذه القصة خرافة ، هذه القصة تعطل همة الإنسان .

أي : بالقول الحكيم ، المسدد ، الصحيح ، القطعي ، هذا معنى .

    ومعنى بالحكمة ؛ يعني اختر الوقت المناسب ، أضاع أحدهم غرضاً مهماً قال : انظر آية !! يقول لك : الآن اذهب عني أي آية ، انتق الوقت المناسب ، عندما يكون صافياً ، مرتاحاً ، شبعان ، نائماً ، قل له كلمة ، لكنه مشغول ، عنده فحص ، عنده عمل ، مهموم بقضية ، انصحه الآن ، يقول لك : لست فارغاً الآن يا أخي ، اختر الوقت المناسب ، اختر العبارة اللطيفة ، أخي أنت بهذا العمل كافر ، أتدري معنى كافر ؟ من كفَّر إنساناً فقد كفر ، من أنت حتى تكفره ؟ يا أخي هذا العمل غلط ، قل له : غلط ، لا تقل له : كافر ، قل له : هذا العمل خلاف القرآن الكريم ، أنت رجل مسلم ، ذكره بأنه مسلم ، والمسلم يطيع الله عز وجل ، أنت من أسرة راقية ، هناك آخرة ، هناك حساب ، هناك إله يحاسب ، ادع بالحكمة ، اختر العبارة المناسبة ، اختر الوقت المناسب ، اختر المكان المناسب ، رأيته قاعدًا في مكان عام وسيارات عامة وازدحام ، انصحه ؛ المكان لا يناسب ، هناك أماكن غير مناسبة للدعوة إلى الله عز وجل ، اختر مكاناً مناسباً ، وقتاً مناسباً ، عبارة مناسبة ، لا تكن قاسياً .

( سورة آل عمران : 159 )

    لا تقل له : كذاب ، قل له : أعتقد هذا الكلام غير صحيح ، أنا لي قناعات أخرى ، يا أخي كذاب ! هذه ليست حكمة ، لا تعطه كل أخطائه ، يقول لك : لم أعد أريد هذا الدين ، أنت غلطان في هذه وتلك ، وهذه معصية ، وهذه كبيرة ، لا تعطه قائمة ، أعطه واحدة فقط ، اتركه الآن ، حدثه عن الله عز وجل ، ثم لا تحدثه بشيء فوق مستواه ، (( حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؟ )) .

[أخرجه البخاري عن : "علي ]

    أترى هذا الكأس ؟ هذه ذرات تدور ! يقول له : ما هذا الكلام ؟ فهو غير دارس ، هل أنت مجنون ؟ هي فعلاً ذرات تدور ، نترونات ، وبرتونات ، وكهارب ، ومدارات ، شيء لا يصدق !! قل هذا الكلام لمن معه بكالوريا ، معه كفاءة ، سمع ما هي الذرة ، أما غير المتعلم فيُمنع إطلاقاً ، حتى لا يكذبك ، ويقول : إن كلامك غير معقول .

اختر الكلام المناسب ، المستوى المناسب ، الوقت المناسب ، العبارة المناسبة ، المكان المناسب ، الزمان المناسب ، لا تكن قاسياً ، لا تكِّفر الناس ، لا تقل له : أنت غارق في المعاصي ، أنت ليس فيك أمل ، إلى جهنم ، دفعة واحدة ، لا ، هذا ليس كلاماً حكيماً ، أنت هدفك أن تحطمه ؟ أم هدفك أن تهديه إلى الله عز وجل ؟ خذ بيده ، تلطف به ، ورد أنه : إذا قال العبد : يا رب وهو راكع ، قال الله : لبيك يا عبدي ، وإذا قال : يا رب وهو ساجد ، قال لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو عاصٍ قال : لبيك ثم لبيك ثم لبيك .

    عن أنس بن مالك قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (( يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )) .

[أخرجه الترمذي  ]

     ما معنى غفور رحيم ؟ لكن بشرط التوبة ، بشرط الاستقامة  بشرط الإقلاع عن الذنب ، والندم عليه .

    أحياناً تجد مخالفة بسيطة جداً ، كطفل جالس في الصلاة ، ما نصب قدمه اليمنى ، ينهره أحدهم ، الصلاة ليست هكذا ! هذا جاء إلى الجامع حديثًا ، أيحتاج إلى أن تنهره من أجل خطأ بسيط ؟ أهكذا الحكمة ؟ تلطف به ، أعطه هدية ، أكرمه ، أثن على صلاته ،  صلِّ أمامه ، قل له : سوف أصلي أمامك يا بني ، صلِّ أمامه ، إذا صلى طفل إلى جانبك فلا تقل له : ارجع إلى الوراء ، دعه يصلي أول صف ، ماذا في الأمر ؟ هذا طفل ، الأطفال أحباب الله ، اجعل الجامع شيئاً محبباً له ، محبباً جداً ، دعه معززاً مكرماً ، أكرمه .

    قال لي شخص دخل المسجد ليصلي ، وهو طفل صغير ، ضاع حذاءه فبكى ، سمعه رجل فأخذه للسوق ، واشترى له حذاءً جديداً ، لقيه بعد عشرين سنة ، قال له : يا عم أنت سبب صلاتي طوال حياتي ، من بعد ما قدمت لي الحذاء ما قطعت الصلاة ، هكذا الإنسان ، أما أن تقول : الحق عليك ، لِمَ لمْ تضعها جنبك ؟ لِمَ ولِمَ ؟ ضاعت ، وانتهى الأمر ، فلذلك :