English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "03 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 9 – 14 عن نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الإرشاد -  ألزم الله نفسه بهداية البشر  .،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    في هذه السورة بين الله لنا سبحانه وتعالى ثلاث نعمٍ كبرى امتن بها علينا .

    النعمة الأولى : هي نعمة  الإيجاد :

    النعمة الثانية : هي نعمة الإمداد :

نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد .

    والنعمة الكبرى الثالثة : نعمة الإرشاد :

    هذا أول شيءٍ في هذه الآية ، أنها جاءت بعد نعمتين ، نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، وفي هذه الآية بيان لنعمة الإرشاد .

    شيءٌ آخر ، هو أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حينما يذكر الأشياء المادية يعقب عليها بالأشياء المعنوية ، فحينما قال الله عز وجل :

( سورة البقرة : 197 )

    انتقلنا من الزاد المادي إلى الزاد المعنوي .

( سورة الأعراف : 26 )

    الانتقال من المحسوسات إلى المجردات ، من الماديات إلى المعنويات ، من الحقيقة إلى المجاز ، والآن هذه الخيل والبغال والحمير تركبوها وزينة ، وهذه تسلك طرائق لحاجاتكم وأهدافكم ،

    تركيب هذه الآية دقيق ، والآية أصلٌ في العقيدة الإسلامية ،

السبيل هي الطريق .

    سيدنا الصديق رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الهجرة ، وكانا متخفِّيَيْن خشية المطاردين ، فإذا رجل في الطريق يسأل سيدنا الصديق ، يقول له : من هذا الرجل ؟ ويشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال هذا الصديق الكريم الفطِن : هو رجل يهديني السبيل ، أي يرشدني إلى الطريق ، فتوهم السائل أنه دليل طريق ، وهو عنى به أنه يهديه السبيل إلى الله سبحانه وتعالى ، فالسبيل في اللغة هي الطريق ، والسبيل تُذكَّر وتؤنث .

    ما معنى قصد السبيل ؟ القصد مصدر مِن فعلِ قصد ، قصدت دمشق ؛ أي أردتها ، قصدت حلب ؛ أي أردتها ، اسم الفاعل منه قاصد ، والمصدر قصد ، فكلمة قصد السبيل أساسها سبيل قاصد ، ومعنى سبيل قاصد ، أي طريق مستقيمة موصل ، كلمة قاصد فيها معنيان :

    المعنى الأول : أنه سبيل مستقيم ، طريق مستقيم .

    والمعنى الثاني : أنه موصل ، يعني نافذ ، طريقة مستقيمٌ نافذة موصلة إلى الهدف ،

    هذه ( على ) تفيد معنى الإلزام ، مثلاً قال  تعالى :

 

 

( سورة هود : 6  )

    ما من دابة ، الدابة نكرة تفيد الشمول ، من دابة ، ( مِن ) لاستغراق أفراد كل نوع ، ما من ، وإلا تفيد القصر ، لكن لو أن الله عز وجل قال : ما من دابة إلا الله يرزقها ، ما الفرق الدقيق بين قوله تعالى :

وبين قوله : وما من دابة إلا الله يرزقها ، فرقٌ كبير جداً ، ما من دابة إلا الله يرزقها لا على وجه الإلزام ، يرزقها أو لا يرزقها ، لكن ما من دابة إلا على الله رزقها على وجه الإلزام ، لا حاكم إلا الله في الكون ، من يلزمه ؟ لا أحد ، إنما ألزم نفسه ، كما قال الله عز وجل على لسان سيدنا هود :

( سورة هود : 55 ـ 56 )

    ربنا سبحانه وتعالى ألزم نفسه أن يكون على صراط مستقيم ، وربنا سبحانه وتعالى ألزم نفسه أن يرزق العباد ،

    لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي ، لم أخالفك في رزقك ، إلزام ذاتي ، الله سبحانه وتعالى ألزم نفسه بالصراط المستقيم :

وألزم نفسه برزق العباد :

وألزم نفسه في هذه الآية أن يهدي عباده الطريق الموصل إليه ، هذا عليه ،

 

يعني على الله أن يجعل للعباد طريقاً موصلاً إليه ، طريقاً مستقيماً ، وطريقاً سالكة ، وطريقاً نافذةً ، وطريقاً موصلةً ، وطريقاً تحقق الهدف لمن يسلكها على الله ، هذه على الله ، أين هي هذه السبيل التي جعلها الله عز وجل ؟

    العلماء قالوا : خلق في الإنسان هذا العقل ، وقالوا : نصب في الكون هذه الآيات ، أي شيءٍ تقع عينك عليه آية دلالة على الله عز وجل ، النجوم ، الشمس والقمر ، الليل والنهار ، الجبال والسهول ، الوديان والأنهار والبحار ، أنواع النباتات ، أنواع الأطيار ، أنواع الحيوانات ، أنواع المخلوقات ، أنواع الأسماك ، السبيل إلى الله ، هذه الآيات التي بثها الله في الكون ، وبثها الله في السماوات والأرض ، وبثها الله في الأرض بالذات .

( سورة الذاريات : 20 )

    هذه الآيات التي بثها الله في جسمك كيف خلقت ؟ كما تكلمنا في الدرس الماضي ، الحيوان المنوي الواحد عبارة عن خلية لها غلاف ، ولها سائل أسمه ، ولها نوية ، وعليها الجينات ، وعلى الجينات خمسة آلاف مليون أمر ، هذه تكتب في ألف مجلد ، أو في مليون صحيفة ، سمعك ، بصرك ، عضلاتك ، شرايينك ، أوردتك ، هذه العين ترى بها الصور الدقيقة الواضحة ، لأن خلاياها شفافة ، من أين تستمد الغذاء ؟ العين وحدها تسمد الغذاء عن طريق الحلول ، أول خلية في القرنية تأخذ غذاءها وغذاء جارتها ، وينتقل الغذاء عبر الخلايا القرنية لشيء واحد لكي تكون الرؤية صافية ، هذا الشعر الذي جعله الله في رأسك ، مئتان وخمسون ألف شعرة ، لكل شعرة شريان ووريد وعصب ، وغدة دهنيه ، وغدة صبغية ، وعضلة ، السبيل التي جعلها الله إليه أنه أعطاك الفكر ، والسبيل التي جعلها الله إليه أنه بث في الكون هذه الآيات ، والسبيل التي جعلها الله إليه أنه أنزل الكتب السماوية ، وأنه أرسل الرسل ، وأنه ساق الحجج ، وضيق على عباده ، وأبرز شيءٍ في الكون أن السبيل إلى الله واضحة ، وسالكة ، وهي أهم ما في الكون

    هذا على الله ، على الله أن يجعل طريقاً مُفْضِيةً إليه ، الآيات ، والعقول ، والكتب ، والرسل والدعاة ، والمصائب ، والمضايقات ، هذه كلها سبيل إلى الله عز وجل ،

    لكن لمَ لم يقل : وعلى الله السبيل القاصدة ؟ لمَ جاءت كلمة قصد مكان قاصد ؟ أكثر المفسرين يقولون :

أي : وعلى الله السبيل القاصدة ، لماذا قال قصد مكانَ قاصد ؟ لأن هذه هي السبيل إلى الله ، لو أن معالمها اضطربت يوضحها الله عز وجل ، لو أن هذه السبيل إلى الله انحرفت لبعث الله في هذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها ، كلما ضاعت معالم الطريق ، وكلما انحرفت الطريق يسخر الله لهذا الدين من يجدده ، ومن يصحح مسيرته ،

    شيءٌ آخر ، أن الله عز وجل قال :

( سورة الليل : 12 )

    تبيان الطريق ، وتوضيحه ، ونصب الآيات ، هذه من اختصاص الله سبحانه وتعالى ، كيف أن الجهات المعنية تشق الطريق ، وتضع عليه الإشارات ، هناك منعطف خطر ، هناك جسر ضيق ، هناك طريق فرعية ، هناك صعود شديد ، هناك خطر الانزلاق ، كلها إشارات  رحمة بالسائقين ، إذاً :

صار معنى القصد أنه لا بد من أن يكون في كل زمان ، وفي كل مكان طريق إلى الله سالكة إليه ، قد يكون هذا الطريق نبيًّا كريمًا ، أو داعية مخلصًا ، أو كتابًا واضحًا ، أو آيات بينات ، أو آيات طارئات بينات ، يبغي هؤلاء فيدمرهم الله سبحانه وتعالى ، هذه آية من آيات الله ، على مستوى جماعي ، على مستوى فردي ، هذا يطغى فيمحق الله له مالَه ، هذا يتجاوز الحدود فيؤدب تأديباً شديداً ، هذه كلها سبل إلى الله عز وجل ،

    يعني سبيل الله سالكة ، وسبيل الله مستقيمة ، وسبيل الله هادفة ، وسبيل الله موصلة إلى الهدف ، وهذه السبيل دائماً وأبداً كلما ضاعت معالمها ، وكلما انحرفت وضحها الله عز وجل ، وأعادها إلى الطريق الصحيح ،

     لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ )) .

[ أخرجه أحمد ]

    لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .

ما معنى جائر ؟ أي منحرف ، جار بمعنى انحرف ، وجانَبَ الطريقَ ، ربنا عز وجل يبين ، كما أن هناك طريقًا إلى الله عز وجل سالكة ، نافذة ، مستقيمة ، موصلة ، هناك طرق أخرى  منحرفة ، هذه الطريق المنحرفة مسدودة ، ومُشقية ، ومهلكة .

    مثلاً طريق كسب المال ، من ظن أن الدنيا هي المال ، وكسب المال أذكى عمل ، والغني هو الفالح ، والناجح ، والفائز ، هذا الطريق يفاجئ عندما يأتي ملك الموت أن المال كله لا قيمة له ، في هذه الساعة الحرجة ، وأن كل الذي حصله في الدنيا تركه في البيت ، وأنه أمام حفرة سيبقى فيها إلى يوم القيامة ، وبعد يوم القيامة إما أن يكون إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفذ عذابها ، عندئذ يقول :

( سورة الفجر : 24)

( سورة الفرقان : 28 )

    عندئذ يفزع ، عندئذ يكتشف أن هذه السبيل التي سلكها كانت جائرة ، يعني كانت منحرفة ، ومسدودة ، انتهت عند الموت ، فإذا توهم الإنسان أن طريق جمع المال ، وجمع الثروات ، والانغماس في الدنيا ليصبح غنياً ، فهذا الطريق جائر ، أول شيء منحرف عن طريق الحق  والشيء الثاني أنه مسدود ، ليس نافذاً ، ليس مفضياً إلى السعادة ، عندئذ حينما يوضع الإنسان في النعش ، وتمشي جنازته ، يقول : يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي ،

    لذلك ربنا عز وجل قال :

(سورة الأنعام : 153 )

    في الآية إشارة دقيقة ، هناك طريقٌ لله واحد ، طريق الحق واحد لا يتكرر ، ولا يتعدد ، ولا يختلف ، بين نقطتين لا يمر إلا خط مستقيم واحد ،

    القضية خطيرة جداً ، على أي طريق هو ؟ أهو على الطريق الذي رسمها الله إليه ؟ أهو في الطريق التي سنها الله ، التي جعلها الله سالكة إليه ، مستقيمة إلى جنابه ، أم هو على طريقة جائرة ؟ في طريق جمع الدرهم والدينار ، أم في طريق اقتناص اللذات المحرمة ، أم في طريق العلو في الأرض ، أم في طريق اللهاث وراء الشهرة ، على أي طريق هو ؟ وما منا واحد إلا ويعلم علم اليقين في أي طريق هو .

    هذه الآية خطيرة جداً ، بل إنها أصل في العقيدة الإسلامية ،

    لكل عصر واحد يسمو به ، كما قال لشيخ محي الدين رضي الله عنه ، لكل واحد عصر يسمو به  ، وأنا لهذا العصر ، ذاك الأوحد ، ربنا عز وجل قال :

( سورة البقرة : 30 )

    لا بد من رجل لكل زمان ، ينطق بالحق ، وينقل لك الحق مشهوراً كان أو مغموراً ، لا بد من رجل على حق ،

    في أي طريق أنت ؟ الإنسان يمتحن نفسه ، يصحح سيره ، إن كان في طريقٍ جائر ، فلَيعُد إلى الطريق المستقيم .

( سورة فصلت : 30 ـ 32 )

( سورة البقرة : 38 )

( سورة طه : 123 )

    انتهى الأمر .

    لكن في الآية دقة ، ربنا عز وجل قال :

    ليس على الله أن ينصب طريقاً جائرة ، الطريق الصحيحة على الله نصبها ، وعلى الله جعْلها ، وعلى الله شقّها ، أما الطريق الجائرة فلم تنسب إليه تعالى ، إذًا ما السبب ؟ هناك سبب وجيه جداً ، بعض المفسرين قال : تأدباً مع الله عز وجل ، يعني ربنا عز وجل جعل طريقاً مهلكة ، لكن تأدباً مع ذاته العلية لم تنسب إلى ذاته ، والحقيقة أن الطريق المفضية إليه ، السالكة إليه ، الموصلة إليه مَن خلَقها ؟ هو خلقها

    يعني على الله أن يرسم لكم طريقاً إليه ، أما الطريق الجائرة فلا تحتاج إلى من يوجدها ، الدليل :

    تقول : إنسان راكب سيارته فسار في طريق الهاوية ، هل المعنيون بالموصلات عبَّدوا طريقاً إلى الهاوية ، لا ، أبداً ، حينما خرج عن الطريق المستقيم ، عن الطريق المعبد ، ونزل في الوادي ، نقول : سار في طريق الهاوية ، هذه الطريق التي سلكها ، وتحطمت سيارته ، لا يسمى طريقاً إلا مجازاً ، خروجه عن الطريق هو الجائر ، يعني الباطل ، الفساد ، والانحراف ، والضلال لا يحتاج إلى خالق ، لأنه سلبي ، ليس إيجابياً ، هناك طريق معبد مستقيم ، حينما يخرج قائد المركبة عن هذا الطريق يهوي في الوادي ، هل هويه في الوادي طريق ؟ لا ، لا يسمى طريقاً ، فربنا قال :

    الطريق المعبد يحتاج إلى نفقات ، إلى من يشقها ، لكن وقوع المركبة في الوادي ، هذا السير إلى الوادي لا يحتاج إلى من يشق هذا الطريق ، مجرد الخروج من طريق الحق هو طريق الهلاك ، فربنا عز وجل قال :

    أما الطريق الجائر :

    وإذا خرج الإنسان من هذه الطريق يصبح في طريقٍ منحرفة ، مهلكة ، مفضية إلى الدمار والهلاك ،

    يعني على الله عز وجل أن يشق الطريق ، وعلينا أن نسير في الطريق ،

    الفكرة مهمة جداً ، إنسان يتوهم أحياناً ،

    لمَ لمْ يهدِنا إليه تعلقت مشيئته بنصب هذا الطريق ، ولم تتعلق مشيئته بهدايتنا أجمعين ، فلماذا ؟ أكثر المفسرون قالوا كلاماً طيباً ، وكلاماً مقنعاً ، وكلاماً عميقاً ، قالوا : لو أن الحكمة تقتضي أن يهدينا جميعاً لهدانا إليه ، ولكن الله يفعل ما يشاء ، أما أن يشاء لنا الهداية جميعاً فهذا الشيء يتنافى مع حكمته . 

    الله عز وجل لو هدانا إليه جميعاً هداية قسرية لأُلغِيَتْ الأمانة التي كلفنا بها ، ولأُلغِيَتْ هويتنا كَبَشر ، ويلغى عندئذ التكليف ، ويلغى الاختيار ، ويلغى الثواب ، ويلغى العقاب ، حيثما أُجبر الإنسان على طاعة الله عز وجل بطل الثواب ، وحيثما أجبر على معصيته بطل العقاب ، وحيثما أُجبر على طريق معينة بطلت حرية الاختيار ، وحيثما بطلت حرية الاختيار بطل التكليف ، وإذا بطل التكليف بطل الابتلاء ، فلا ثواب ، ولا عقاب ، ولا اختيار ، ولا تكليف ، ولا ابتلاء .

    حينما توزع الجامعة على طلابها وهم في الامتحان أوراق الأسئلة مع أوراق الإجابة ، مطبوعة بالإجابات الكاملة التامة ، يكلف الطالب عندئذ بكتابة اسمه ورقمه فقط ، وينال العلامة التامة ، إذا فعلت الجامعة هذا ألغي الامتحان ، لا معنى لهذا الامتحان ، لا معنى للدراسة عندئذ ، لا معنى للتنافس ، لا معنى لحرية الاختيار ، لا معنى للتكليف ، إذا أيقن الطالب أنه في نهاية العام حينما يدخل إلى قاعة الامتحان سيوزع عليه ورقة السؤال ، وورقة الإجابة مطبوعة كاملة ، وما عليه إلا أن يكتب اسمه ورقمه ، هل لهذا النجاح قيمة ؟ لا والله ، هل لهذا النجاح قيمة عند الطلاب ؟ لا والله ، هل لهذا النجاح قيمة عند الأساتذة ؟ لا والله ، هل لهذا النجاح قيمة عند الأهل ؟ لا والله ، فالجامعة طبعاً لو تشاء مثلاً لوزعت مع أوراق الأسئلة أوراق الإجابة ، ولنجح جميع الطلاب ، ولكن هذا العمل ليس حكيماً ، وليس مُجدياً ، وليس له معنى ، ولا جدوى منه ، بل هو عمل غير حكيم ، يعمل على تعطيل حرية التنافس بين الطلاب ، يعطل فيهم الدافع إلى الدراسة ، يعطل فيهم الدافع إلى طلب العلم ، يعطل فيهم التنافس ، يعطل فيهم تأكيد ذواتهم ، هذه المعاني الدقيقة ، تأكيد الذات ، حرية الاختيار ، التنافس ، قيمة تحصيل العلم بدافع شخصي ، هذا كله يعطل لو شاءت إدارة الجامعة أن تنجح جميع الطلاب عن طريق توزيع أوراق الإجابة مع أوراق الأسئلة ، هذا المعنى ليس كما توهم بعض الناس الذين يسيئون الظن بالله عز وجل ، ويقولون : لو شاء الله هداكم ، لكن لا يريد أن يهدينا ، كلا ليس هذا المعنى ، ليس من الحكمة أن يهدينا جميعاً هداية قسرية من عنده .

    لو أن أباً يعمل في تدريس الرياضيات ، وله ابن عنده في الصف ، ألا يستطيع هذا الأب أن يعطيه قبل الامتحان بيوم الأسئلة ، ويأخذ في اليوم التالي علامة كاملة ؟ يستطيع ضمن إمكانه ، لو فعل ذلك لحطم ابنه ، لو قال له في أول العام : لا تقلق يا بني ، أنت ابني ، وأنا أحبك ، وسوف أعطيك السؤال قبل بداية الامتحان بساعة ، عطل فيه الدافع نحو الدراسة ، فالإنسان أولاً مخير ، فلو هدانا أجمعين لتعطل اختيارنا ، الإنسان مكلف ، لو هدانا أجمعين لتعطل التكليف ، الإنسان مبتلى ، لو هدانا أجمعين لتعطل الابتلاء ، الإنسان حمل الأمانة ، لو تعطل التكليف لأُلغيت هويته ، مَن الإنسان ؟ مخلوق .

    حينما قال الله عز وجل :

( سورة الأحزاب : 72 )

    هذا هو الإنسان ، حمل الأمانة ، وجُعِلت نفسه أمانة بين يديه .

( سورة الشمس : 9 ـ 10 )

    جُعل مخيراً ، جُعل مريداً ، أُودعت فيه شهوات ، دعي إلى الحق ، فلا قيمة للهدى إلا إذا كان بدافع شخصي ، بدافع من حرية الاختيار ، أما لو ألزم الإنسان على الهدى لفقد الهدى قيمته ، هذا معنى قوله تعالى :

    هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع كثيراً ما يبحث عنه بعض الإخوة المؤمنين ، كيف نفسر قوله تعالى ؟

( سورة النحل : 93 )

    بعضهم قال : إن الله عز وجل إذا أضل عباده فإنه يضلهم عن شركائهم ، كما لو أن الإنسان رأى أن ابنه يتلهى بلعبة ، وأخفاها عنه ، أضله عنها ، يتلهى بها عن نجاح مهمّ يتعلق به مستقبله ، حينما يضل الله عبده يضله عن شركائه ، لا عن ذاته ، يهدَى إلى ذاته ، ويضل عن شركائه ، هذا المعنى الأول ، الذي يليق بالله سبحانه وتعالى :

( سورة الأعراف : 180 )

    وبعضهم قال : إذا أضل الله عبده ، فمعنى ذلك أن هناك إضلالا جزائيًّا ، وليس ابتدائيًّا ، كيف ؟ الإنسان اختار الضلال ، فجزاه الله عز وجل بالإضلال .

( سورة الصف : 5 )

( سورة فصلت : 17 )

    الضلال بمعنى آخر ، أن الإنسان حينما يرفض طريق الحق يضلّ ، فلو أن إنساناً ماشياً في طريق ، ووصل إلى مفترق طرق ، وعلى المفرق شخص دليل واقف ، حريص على رواد الطريق ، وقال هذا الدليل : الطريق من هنا ، فقال له سائق المركبة : أنت إنسان كذاب ، أنت إنسان جاهل ، هل يعقل أن يضيف إليه معلومات جديدة ، رفض دعوته كلياً ، قال له : اذهبْ أينما تريد ، فالإنسان حينما يرفض هداية الله عز وجل يقع في الضلال وقوعاً حُكمياً ، إذا رفضتَ طريق النجاة وقعت في طريق الهلاك ، إذا رفضت طريق الحق سرتَ في طريق الباطل ، فهذا هو المعنى الذي يستفاد من قوله تعالى :

( سورة النحل : 93)

    شيءٌ آخر ، أن الله عز وجل يقول :

    الهداية لا قيمة لها إلا إذا انطلقت من إنسان مختار ، بدافع من حرية الاختيار ، هذه الآية  آية أساسية في العقيدة ، ودائماً الله سبحانه وتعالى تكفل لعباده على مدى الأيام والحقب ، والسنوات ، والدهور ، أن يجعل طريقاً مستقيمة موصلة إليه ، وهذه الطريق قد تكون بالكتب ، وبالأنبياء ، وبالآيات ، وبالمصائب ، وبالدعاة

    وكلما انحرفت هذه الطريق ، كلما ضاعت معالمها ، يبعث الله سبحانه وتعالى من يجدد لهذا الدين طريقه إليه ، لكن هناك طريق جائرة منحرفة

    فنعوذ بالله أن نكون في الطريق الجائرة ، كل إنسان يجب أن يعرف على أيّ طريق هو

    لو أن من الحكمة أن يهديكم جميعاً لهداكم ، ولكن ليس هذا من الحكمة ، لو فعل ذلك لتعطل الاختيار ، والتكليف ، وحمْل الأمانة ، والابتلاء ، ولتعطلت هوية الإنسان ، ولأصبح الإنسان مخلوقاً آخر غير الذي هو عليه ، ثم يقول الله عز وجل :

     أعَرَفْتَه ؟ هذا الذي أنزل من السماء ماء ، فإذا قرأت في الصحيفة اليومية نِسَب الأمطار في المحافظات هل تشعر أن الله هو الذي منَّ علينا بهذه الأمطار ، يقول لك : في المكان الفلاني سبعون ميليمترً ، والمكان الفلاني أربعة عشر ، المجموع ألف ومئة ، هناك أماكن المجموع فوق الألف ، هل تحس حينما تقرأ هذه النشرة الجوية أن هذا من الله عز وجل ، ومن فضل الله ، وأن هذه الأمطار التي هطلت لا تقدر بثمن ، وأنها تحي الأرض بعد موتها ، وأن رزقنا معلق بها .

( سورة النحل : 65 )

    إن رأيت الأنهار قد ارتفعت نسب الماء فيها بماذا تشعر ؟ هل تحس أن هذا فضل من الله عز وجل

    لكم ، خصِّيصى لكم ، هذه السحب ، وهذه المنخفضات الجوية المتمركزة فوق قبرص ، كما تسمعون ، وهذه السحب الملبدة بالغيوم ، وهذا بخار الماء العالق في الجو ، وهذه الرياح التي تسوق السحاب ، وهذه العملية المعقدة حينما تصدم سحابة مكهربة بسحابة أخرى ينعقد ماء السماء ذرات لطيفة ، هذا هو ،

كيف قال قبل قليل ؟

( سورة النحل : 5 )

     كيف قال سابقا ؟

"

( سورة لقمان : 20 )

    كيف قال :

 

( سورة الجاثية : 13 )

    كيف قال :

( سورة يس : 72 )

( سورة الشورى : 11 )

وهذه مثلها :

    نشرب منه ، بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنِع عنك ، سؤال سُئل عنه بعض الملوك ، قال : بنصف ملكي ، قال : فإذا مُنِع إخراجه ، قال : بنصف ملكي الآخر ، هذا هو الماء ، لو أن الماء نزل ملحاً أجاجاً ، كل لتر منه يكلف في بعض البلاد النفطية ما يعادل أربعاً وعشرين ليرة سورية ، فهذه الأمتار المكعبة في كل ثانية عشرون متراً مكعباً ، كم يكلف تحليتها ؟ لو أنك كُلفت أن تحليها عن طريق التكنولوجيا ، كيف ؟

    هذا الماء معدني ، يحتاج الإنسان إلى نسب من الفلور قليلة جداً للحفاظ على أسنانه ، فيه فلور ، فيه كالسيوم فيه يود ، فيه مغنيزيوم ، لذلك ماء التحلية المقطر لا يصلح للشرب ، لا بد من خلطه بمياه الآبار ، هذا الماء مدروس ، جزء منه يفيد الغدة الدرقية ، وجزء يفيد الأسنان ، وجزء يفيد العظام ، مدروس

    جعله شفافاً لا لون له ، لو كان لونه أحمر كل شيء في الأرض يصبح أحمر ، الشجر أحمر ، الطبخ أحمر ، الصوف ، الخيوط ، فهو لا لون له ، و لا طعم له ، لو كان طعمه بطعم ماء الزهر دائماً فسوف تعاف من ماء الزهر مع الزمن ؛ في الشاي ماء زهر ، في الطبخ ماء زهر ، لا لون له ، ولا طعم له ، ولا رائحة له ، ثم إن تبخره بدرجات دنيا ، يتبخر بأربع عشرة درجة مئوية ، تنظف البيت فيجفّ بسرعة ، تضع ثيابك المبتلة على حبل فسرعان ما تجف ، من فضل الله علينا أنه يغلي بدرجة مئة ، ويثبت ، لو كان مثل الزيت ترتفع درجة غليانه ، ومن الصعب أن نستخدمه في الطبخ ، لأن الطعام يحترق ، لكن درجته ثابتة ، غليانه في مئة درجة ، يبقى غليانه في هذه الدرجة ثابتا .

    هنا معنى الشجر ، مطلق النبات ، الكلأ شجر

    عندما يكون المرعى جيداً يكون موسم الغنم طيبًا ، يقال : الحليب رخص سعره ،  والجبن نزل سعره ، لأن المرعى جيد ، فمهمّ كثيراً أن يكون المرعى جيداً ، إذا كان الموسم في البادية جيداً فهذا يسهم هذا في انخفاض الأسعار ، إذاً :

    معنى تسيمون ؛ أي ترعون أغنامكم ، وأبقاركم ، ومواشيكم ، وأنعامكم ، لذلك يُعد المرعى مهمًّا جداً للحياة .