English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "04 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 10 – 18 عن التفكر في نعم الله،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    ثم جاءت الآيات الكونية بعد هذه الآية تترى ؛ أي تتابع ، فقال تعالى :


سؤال : الآن هل من علاقة بين قوله تعالى :

(سورة النحل )

وبين هذه الآيات الكونية المتتابعة ، قال تعالى يصف كتابه الكريم :

( سورة هود : 1  (

معنى أحكمت ؛ أي ترابطت ، فالذي يتأمل في آيات القرآن الكريم لا شك أنه يؤمن أن بين الآيات التي تبدو منقطعة عن بعضها ، لا بد أن يكون بين هذه الآيات ارتباط بنوع أو بآخر ، فما هي العلاقة بين هذه الآيات وبين قوله تعالى :

(سورة النحل )

     أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى حينما قال : عليّ يا عبادي أن أبين لكم الطريق إليّ ، عليّ دائماً وأبداً ، في كل مكان ، وفي كل زمان ، وفي كل وقت ، وفي كل عصر ، وفي كل مصر ، وفي كل حين ، لا بد من أن يكون الطريق سالكاً إليّ ، لا بد من أن يكون الطريق مستقيماً ، وموصلاً إليّ ، لا بد من طريقٍ إلى الله واضح المعالم ، مستقيم الوجهة ، واضح الهدف ، يفضي إلى الله سبحانه وتعالى .

( سورة المزمل : 19 )

    من معالم هذه الطريق كما بينت لكم في الدرس الماضي ، من معالم الطريق إنزال الكتب ، من معالم الطريق إرسال الأنبياء ، من معالم الطريق نصب هذه الآيات الكونية الدالة على عظمته ، من معالم الطريق الشدائد التي يسوقها الله سبحانه وتعالى للناس في بعض الأحيان ،  من معالم الطريق هذه الآيات الدالة على عظمته .

    إذاً ؛ حينما قال الله سبحانه وتعالى :

(سورة النحل )

    هذه هي معالم الطريق ، معالم الطريق أن تتأمل في هذه الآيات التي ما خلقها الله سبحانه وتعالى إلا لتكون دليلاً عليه ، ما خلق ذلك إلا بالحق ، كيف أن كلمة الحق تعني أنه هناك هدفًا مستقرًّا ، هناك هدف مستقر وراء خلق السماوات والأرض ،

    إنك إذا أردت أن تفكر في آيات الله ، خذ هذه الآيات التي ذكرها الله في كتابه ، أولاً هو ما ذكر التفصيلات ، ربنا سبحانه وتعالى قال :

    ترك لك أن تفكر في الليل والنهار ، ثم قال :

    ترك لك أن تفكر في الشمس والقمر ، هذه عنوانات للآيات يطول البحث فيها ، كما يطول الحديث عنها ، هذه تركت لك أيها الأخ الكريم .

    فربنا عز وجل قال :

لا أدري ما إذا كان هناك من يتذوق كلمة ( هو ) ، قد تقرأ أن منخفضاً جوياً يتجه نحو البلاد ، هل ترى أنه ( هو ) الذي ساقه إلينا ؟ قد تقرأ أن نسب الأمطار في الأربع والعشرين ساعة الماضية بلغت سبعين ميليمتراً في المكان الفلاني ، هل تشعر أنه ( هو ) خالق الكون الذي ساق هذا المنخفَض ، وجعله ينزل في هذا المكان بالذات ؟

    في آيات أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :

( سورة الأنبياء : 30)

    حياة البشر ، وحياة النبات ، وحياة الحيوان بهذا الماء الذي أنزله الله علينا من السماء ،

    ولا بد من أن تتذوق أيضاً كلمة ( لكم ) ، لم تستفد منه عرضاً ، لم ينزل لغيرك فاستفدت منه ، صمم الماء خصِّيصى لك أيها الإنسان ،

    هذه اللام في اللغة العربية للاختصاص ، تقول : هذا الكتاب لي ، أي لي وحدي ، فربنا عز وجل قال :

( سورة النحل : 10)

في معرض تبيان فوائد المياه ، قال :

    لماذا لم يقل : أنزل من السماء ماء منه شراب لكم ؟ الماء كله لكم ، ولو سقى النبات فهو لكم ، ولو شرب منه الحيوان فهو لكم ، لأنك ستأكل الحيوان الذي يأكل النبات ، فالماء الذي ينبت النبات ، والنبات الذي يأكله الحيوان ، هو في النهاية لك ، إذاً الماء كله ، ولو سقى الأرض ، ولو نبت به الزرع ، ولو نبت به الكلأ ، لو شربه الحيوان ، في المحصلة والنهاية الماء لكم .

    إن هذا الماء العذب الفرات ، من هيّأه لنا لنشربه ؟ البحار كلها ماء ملح أجاج ، وكم من قصة قرأناها أو سمعناها عن أناس غرقت سفينتهم فاستخدموا قارباً للنجاة ، وماتوا عطشاً ، وهم على سطح البحر ، لو أن الماء كان ملحاً أجاجاً ، كيف نشربه ؟ كيف قطر الله لنا هذا الماء بلا مقابل ؟ هذا الماء :

    أغلب العلماء في هذه الآية على أنها تعني مطلق النبات ، أو الكلأ ، أو النبات الذي تأكله الأنعام ،

 

تسيمون أي ترعون ، إنكم ترعون أنعامكم بالكلأ الذي ينبت بسبب الماء ، علاقة مركبة ، من أجل أن تأكل الأنعام لا بد من أن تأكل الأنعام كلأ ، ومن أجل أن ينبت الكلأ لا بد من أن تسقى الأرض بماء المطر ، إذاً ماء المطر الذي أنبت الكلأ الذي أكله الحيوان ، الذي أكلته أنت ، هذه النعم كلها لك .

    شيء آخر  :

    بدأ ربنا عز وجل بالأنعام التي تأكل الكلأ ، وهذه في رأس قائمة الغذاء ، الفقهاء حينما تحدثوا عن الأغذية الأساسية التي ينبغي أن تكون متوافرة تحدثوا عن اللحم ، فالله سبحانه وتعالى بدأ بالأنعام التي هي قوام غذائنا ،

 

    الزرع ، المحاصيل كالقمح ، والشعير ،  والحمص ، والعدس ، والبازلاء ، والفاصولياء ، والفول ، هذه كلها محاصيل تعد غذاءً أساساً ، وقد يستطيع الإنسان تحصيل نصيبه من البروتين عن طريق هذه المحاصيل ،

    المقصود بالزرع المحاصيل ،

هو الإدام ، لأن الزيت أيضاً قوام الغذاء .

    عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ )) .

[أخرجه الترمذي ]

    ثم ينتقل الله سبحانه وتعالى إلى ما يؤكل كحلوى ، النخيل يعد غذاءً أساساً ، ويعد حلوى ، إذا أكلته بعد الغذاء فهو حلوى ، إذا اكتفيت به فهو غذاء .

    حلوى فقط ، زرع المحاصيل والإدام ، ثم شجر تؤكل ثمارُه غذاء ، وتؤكل كحلوى ، ثم الأشجار التي يتفكه الإنسان بثمارها كالأعناب ، ثم يطلق الله سبحانه وتعالى الأمر على أوسع أبواب هذه النعم فيقول :

    كلما وقعت عينك على ثمرة ، اشتريتها ، أو أكلتها ، أو قدمت لك ، أو نظرت إليها وهي عند البائع ، اعرف معرفة يقينية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تفضل وأنبتها ،

    قد يسألني سائل : إذا كانت هذه الآيات معالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ، كيف نفكر فيها ؟ هكذا قد يسألني سائل : كأنك تقول فكروا في هذه الآيات ، تأملوا بها ، كيف نفكر فيها ؟ كيف نتأمل بها ؟ بعضهم قال : من منهج التفكير في هذه الآيات أن تفكر في الشيء وعدمه ، لو لم يكن موجوداً ، وأن تفكر في الشيء وأصله ، وأن تفكر في الشيء وخلاف ما هو عليه ، إذا اتخذت هذا المنهج يبدو لك التفكير أمراً يسيراً ، فهذا الماء أصله من أين ؟ هذا الماء الذي نشربه الذي أنزله الله من السماء ، أصله من البحار ، البحار مالحة ، كيف تمت تصفيته ؟ كيف سلط الله أشعة الشمس على البحر ؟ كيف أعطي الماء إمكانية التبخر بدرجات اعتيادية ؟ كيف أمكن للهواء أن يحمل ذرات بخار الماء ؟ كيف سلطت الشمس على البحار ؟ كيف تبخر الماء بدرجات دنيا ؟ كيف أمكن للهواء أن يحمل ذرات الماء ؟ كيف أمكن لبخار الماء أن يتصاعد للسماء ؟ كيف تشكل سحباً ؟ كيف تحركت هذه السحب ؟ كيف شحنت بعض السحب شحنات سلبية ، وبعضها شحنات إيجابية ؟ كيف حصل الاحتكاك ؟ ثم كيف عصرت هذه السحب؟ قال تعالى :

( سورة النبأ : 14 )

    إذا فكرت في أصل الماء ، وإذا فكرت في حياتنا من دون ماء ، وإذا فكرت في صفاتٍ للماء غير الصفات التي هي عليه ، لو أن للماء طعماً ، لو أن له رائحة ، لو أن له لُزوجة ، لو أن سريانه في المسام ضعيف ، لو أنه تبخر بدرجة مئة ، لا بالدرجة أربع عشرة ، لو أن الماء لا يتمدد إذا تبرد ، من منا يصدق أن حياة البشر ، وحياة الحيوان ، وحياة النبات  متوقفة على خاصة واحدة للماء ؟ إذا كان الماء يغلي ، ثم بردته فإنه ينكمش ، وينكمش ، وينكمش ، إلى الدرجة زائد أربع ، عندها يزداد حجمه ، وتقل كثافته ، لولا هذه الصفة لما كنا نحن في هذا المسجد ، لولا أن الماء إذا بردته زاد حجمه ، وقلَّت كثافته لما كنا في هذا المسجد ، لماذا ؟ لأن طبقات البحار العليا إذا تجمدت ، لو أنها انكمشت وزادت كثافتها لغرقت في الماء ، فكلما غرقت طبقة متجمدة تجمدت طبقة أعلى منها ، إلى أن تصبح البحار كلها متجمدة ، عندئذ ينعدم التبخر ، وبانعدام التبخر تنعدم الأمطار ، وبانعدام الأمطار ينعدم النبات ، وبانعدام النبات ينعدم الحيوان  وبانعدام الحيوان يموت الإنسان ، فإذا فكرت في الماء ففكِّرْ في أصله ، وفكِّر في حياةٍ من دون ماء ، وفكِّر في خلاف ما هو عليه الماء .

    أتمنى عليكم أن تأخذوا بعض الموضوعات الكبرى للتفكر ، الماء موضوع كبير ، الهواء موضوع كبير ، مبدأ النبات ، أن تنبت الأرض نباتاً ، هذه البذرة تأتيها رطوبة ، يشق غلافها ، ينمو رشيمها منها ، لها سويق ، وينمو لها وريقة ، وتتغذى على ما في البذرة من مواد   إلى أن تنضب البذرة ، عندئذ يأخذ هذا النبات حظه من الغذاء عن طريق التربة ، النبات ظاهرة تلفت النظر ، أي أنواع النبات ، الحشائش ، والمراعي ، والمزروعات ، والمحاصيل ، والبساتين ، والأشجار المثمرة ، والخضراوات ، والغابات الكبيرة ، والأشجار العملاقة ، وأشجار الزينة والورود ، والرياحين ، والحشائش الطبية ، كل أنواع النباتات آية كبرى على عظمته ، تصور حياة بلا نبات ، ماذا نأكل ؟ تصور نباتًا لا ينتج بذوراً ، كيف نعيد زراعته ؟ تصور الحياة من دون هذا الشيء ، تصور الشيء على خلاف ما هو عليه ، تصور أصل الشيء ، من منكم أكل التين ؟ كم بذرة في هذه الثمرة ، شعورك أنه يوجد طعم خشن ، هذه كلها بذور ، لا يعلم إلا الله كم في ثمرة التين من بذور ، كل بذرة من هذه البذور يمكن أن تكون شجرة للتين .

    إذاً :

    إذا أردت التفكر في آيات الله فهذه هي الموضوعات ، وهذا هو المنهج ، اتبع المنهج وتفكر في هذه الموضوعات ، موضوع الماء ، موضوع النبات ، موضوع المراعي .

( سورة الأعلى : 1 ـ 4 )

    يقول قائل : لقد رخص الجبن ، ما السبب ؟ السبب أن الموسم طيِّب في البادية ، توالَدَ الغنم وكثر ، وكثر بالتالي الحليب ، من الذي جعل الأسعار تنخفض ؟ طبعاً هناك حديث شريف يقول عن التسعير ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : (( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَعِّرْ لَنَا ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ ، الرَّزَّاقُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ )) .

 (الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد)

     بمعنى أن الله سبحانه وتعالى إذا تفضل علينا بسنة خصيبة ، ومرعى خصيب ، تزداد الأغنام ، ويزداد نتاجها ، وتنخفض الأسعار ، إذاً ربنا سبحانه وتعالى أرادنا أن نفكر في هذه الآيات :

( سورة النحل : 11)

    ويتابع الله سبحانه وتعالى بقية الآيات .

( سورة النحل : 12)

    هناك علاقة بين إنبات النبات والليل والنهار ، هذه العلاقة لا يتسع هذا الدرس إلى بسطها ، وهناك علاقة بين إنبات النبات والشمس والقمر ، قد يسأل سائل : كيف جاءت آية الليل والنهار والشمس والقمر بين آيات الزرع ، والزيتون ، والنخيل ، والأعناب ومن كل الثمرات ، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ، نحن في الأرض ، لماذا انتقلنا إلى السماء ، نحن في الأرض :

    نظام الليل والنهار أن تكون الأرض كرة ، وأن تكون بالحجم المناسب ، وأن تدور حول نفسها ، وأن يكون محورها مائلاً ، من ميل المحور تنشأ الفصول ، ومن دورانها على محورٍ شبه متعامد مع مستوى دورانها حول الشمس ينشأ الليل والنهار متعاقبين .

 

( سورة فصلت : 37 )

    لو أن محورها متوازٍ مع مستوى دورانها لكان هناك ليل ونهار ، ولكنهما ثابتان ، ليل إلى الأبد ، ونهار إلى الأبد .

( سورة القصص : 71)

    لو أن الأرض وقفت ، ولم تَدُرْ حول نفسها لكان هناك ليل ونهار ، ولكن ليل سرمدي ، ونهار سرمدي ، أو أن الإنسان اضطر أن يهاجر في كل عام مرتين ، من نصف الكرة إلى نصف الكرة ، وفي هذا مشقة كبيرة ، لو أن الأرض وقفت ، لو أنها دارت على محور متوازٍ مع مستوى دورانها حول الشمس ، دارت هكذا ، والشمس من هنا ، لكان هناك ليل ونهار ، ولكن هذا الليل سرمدي والنهار سرمدي  .

( سورة يونس : 6 )

    الآية في الليل والنهار وفي اختلافهما ، ومعنى اختلاف الليل والنهار أي : إن النهار يعقب الليل ، والليل يعقب النهار ، وهذه آية كبرى ، وأنت في بلدك يأتيك النهار ، ثم يأتيك الليل  في الليل ، فتستريح ، وفي النهار تعمل ، لو أن دورة الأرض حول نفسها كانت سريعة جداً  لكان الليل ساعة والنهار ساعة ، ما تفعل بهذه الساعة ؟ تستيقظ لتأكل طعام الصباح ، وتنتقل إلى العمل ، جاء الليل ، ماذا تفعل ؟ تعود إلى البيت من أجل أن تأخذ قسطاً من الراحة ، يأتي الصباح ! لكن سرعة دوران الأرض حول نفسها سرعة معقولة ، اثنتا عشرة ساعة ، تأكل ، وتنتقل إلى عملك ، وتبذل جهداً يستنفذ طاقتك ، وتعود بعدها إلى البيت ، عندئذ تغيب الشمس ، إذاً الليل والنهار آية ، دورة الأرض حول نفسها ، دورتها حول محور شبه عمودي مع مستوى الدوران ، دورتها حول محور مائل ، لو لم يكن هذا المحور مائلاً لكانت هذه المنطقة صيفاً سرمدياً ، وهذه المنطقة شتاء سرمدياً ، وهذه المنطقة ربيعاً سرمدياً ، لكن ميل المحور حينما تدور الأرض حول الشمس ، بمحور مائل تنتقل عاموديه الشمس من منطقة إلى أخرى ، تختلف أوضاع الأرض بالنسبة للشمس ، عندئذ يكون الصيف والشتاء .

    فمن أجل أن تستطيع التأمل والتفكر في هذه الآيات تصور حياتنا من دون ليل أبداً ، نهار سرمدي ، أو تخيل أن حياتنا على وجه الأرض ليل سرمدي ، ماذا تفعل ؟ الآن تصور الشيء وعدمَه ، تصور الشيء وخلافَ ما هو عليه ، النهار ساعة ، الليل ساعة ، النهار ستة أشهر ، كما هي الحال في القطب ، ستة أشهر ، إذا طال على إنسان الليل لا يأتي الصباح إلا بشق الأنفس ، فإذا كان الليل ستة أشهر ماذا نفعل ؟

    والشمس هذا المصباح المنير ينير كل الأرض ، هذه المدفأة المثالية لكل الأرض ، هذا الدواء الناجح لكل الأرض ، هذه الساعة اليومية لكل الأرض ، مصباح ، ومدفأة ، ودواء ، وساعة لكل الأرض ، تخيل الحياة من دون الشمس ، تنقلب الأرض إلى قبر جليدي ، تهبط فيه الحرارة إلى ثلاثمئة وخمسين درجة تحت الصفر .

( سورة فصلت : 37 )

    مَن جعل الشمس مناراً ؟ من ؟ من نصبها ديناراً ؟ من علقها بالجو ساعة ؟ يدب عقربها إلى قيام الساعة  من ؟

    عندنا تقويم يومي ، القمر تقويم شهري ، والشمس ساعة يومية ، والبروج تقويم سنوي ، في كل شهر تمر الأرض على برج في السماء ، في شهر كانون الثاني البرج الفلاني ، شباط البرج الفلاني ، قال تعالى  :

(سورة البروج : 1 )

    إنه تقويم يكلِّف آلاف المجرات ، مجرات كلها من أجل أن يكون لك تقويم ، الشمس ساعة يومية ، والقمر تقويم شهري  .

    مسار الأرض حول الشمس تقويم سنوي ، تعرف في كل وقت أين أنت من السنة ،

(سورة البروج : 1 )

    والإنسان في الليل كيف يهتدي إلى طريقه ؟ عن طريق النجم ، مَن جعل هذا النجم نجم القطب في مكانه ثابتاً ؟ دائماً نحو الشمال ، حيثما رأيته ، واتجهت إلى سَمْته فأنت باتجاه الشمال ، نجم القطب والدب الأكبر ، والدب الأصغر ، وما إلى ذلك .

    بقي سؤال : لماذا في القسم الأول :

وفي القسم الثاني :

    المرتبة الأولى : مرتبة التفكر ، مرتبة التفكر محصلتها قناعة أن هذا الكون لا بد له من خالق .

    المرتبة الثانية : مرتبة العقل ، هذه المرتبة تعني أنك إذا تابعت التفكير ، وأطلت أمده ، وتعمقت فيه تنقلب هذه الحقائق من مستوى الفكر إلى مستوى القلب ، قال تعالى :

( سورة الأعراف )

    فالقلب مكان المشاهدة ، الرؤية القلبية ، بعد الرؤية لا كفر ولا زيغ ، ولا انحراف ، ولا نكسة ، فلذلك مرتبة العقل أعلى من مرتبة الفكر ، تفكر فتعقل .

    سبحان الله ! هذه الآية قَلَّ مَنْ يعرف قدْرها :

    نعمة اللون لا يعرفها الناس إلا إذا فقدوها ، لو أن لون الثمرة بلون الورقة ، لو أن التفاح مثلاً لونه كلون أوراقه تماماً ، تقطف نصف الثمر ، ويبقى نصف الثمر الآخر على أمه ، ولا تراه ، ولكن اختلاف اللون ، أصفر فاقع ، والورق أخضر داكن ، تهتدي إلى التفاح من لونه ، وهذه تفاحة ذات طعم معين ، لأن لونها أصفر ، وهذه ذات طعم آخر ، لأن لها لون أحمر ، فقال العلماء : اختلاف الألوان دليلٌ على اختلاف الأنواع ، الحديد له لون ، النحاس له لون ، القصدير له لون ، الرصاص له لون ، الكبريت له لون ، اختلاف الألوان تهتدي به إلى اختلاف الأنواع ، حتى الحديد له ألوان عديدة ، له ألوان بعدد أنواعه ، وبعدد مصادره ، الحديد ليس نظامياً ، ما هو الدليل ؟ مِن لونه ، الذي تصنع المؤسسة له لون خاص ، من مصدر ، من دولة ، وهذا له لون خاص ، إذاً باللون تعرف كل شيء ، تعرف صحة الإنسان من لونه أحياناً ، تعرف نضج الفاكهة من لونها ، تعرف أن هذه الثمرة يانعة من لونها ، اللون علامة النضج .

(سورة الأنعام : 141 )

    متى يثمر ؟ متى ينضج ؟ من غيَّر لونه ؟ إذاً :

     معنى ما ذرأ لكم ؛ أي ما خلق لكم ،

    الأزهار كم من لون ؟ هذا النوع من الزهر منه أبيض ، ومنه أحمر داكن ، ومنه زهر ، ومنه أصفر ، كل إنسان يميل إلى شيء ، الوردة الواحدة ألوان ، اللون الواحد أنواع ، النوع الواحد درجات ، العين الإنسانية تفرق بين 800 ألف لون أخضر ، فإذا أمكن أن ندرج اللون الأخضر 800 ألف درجة فالعين البشرية السليمة الصحيحة المدربة تستطيع أن تفرق بين لونين من هذه الألوان 800 ألف !

    ونحن لو التقطت لنا صورة لَظَهَرْنَاْ في الصورة جميعاً بلون واحد ، لأن آلة التصوير عاجزة عن إعطاء الفروق الدقيقة بين الألوان ، ولكن العين المجردة إذا نظرت إلى طلاب في صف ، أو إلى أناس مجتمعين في مكان لوجدت أن هناك ألواناً تعلو جباههم بعددهم ، كل إنسان له لون ، وهذا من فضل الله على الإنسان ، والإنسان فرد لا يتعدد .

    الخشب ألوان ، لون الخشب المشمش لون جميل ، يشبه لون اللحم ، لو وضعت اللحم على خشب جوز لما كان هناك قابلية لتناوله ، لون خشب المشمش له لون جميل ، خشب التوت له لون ، خشب الزان له لون ، خشب الشوح له لون ، السنديان له لون ، خشب كل شجرة لون .

    كل فاكهة لها لون ، الفاكهة الواحدة ألوان ، العنب كم من لون ؟ عنب أسود ، وعنب بلدي أصفر ، وعنب أخضر ، وعنب متطاول ، ألوان وأشكال ، وطعوم ، ونكهات ، فصار اللون دليلاً اختلاف الأنواع ، واختلاف الدرجات ، واختلاف النضج

    هذا الذي فكر ، ثم عقل ، كلما وقعت عينه على شيء تذكّر بالمعرفة التي حصّلها ، دائماً هو ذاكر .

( سورة الأحزاب : 41 )

    التذكر درجة عالية ، باعتبار فكرٍ سابق وعقل ، كلما وقعت عينه على شيء تذكَّرَ فضل الله ، تذكّر رحمة الله ، تذكّر حكمة الله ، تذكّر لطف الله :

    الآن أكثر التحاليل الطبية عن طريق اللون ، يعطي مادة لهذا المفرز مثلاً ، يتغير لونها ، إذاً يوجد معه سكر .

    حتى علم الفلك مبني على اللون ، أبعاد النجوم كلها عن طريق التحليل الضوئي ، الطيف ، طيف الشمس ، نعرف من طيف الشمس مكوناتها ، ومعادنها ، وبعدها عنا ، وحركتها ، وسرعتها ، علم قائم بذاته عن طريق اللون ، فكلما تعمقت في اللون وجدت أن اللون نعمة من نعم الله الكبرى ، لذلك الصورة الملونة أجمل بكثير من الصورة غير الملونة ، ولا يعرف هذا إلا من يعمل في المطابع ، يقول لك : فرز الألوان عملية معقدة جداً ، ثم تحميض الصورة ، ثم صنع لوائح لكل لون ، فإذا انزلق اللون قليلاً شوهت الصورة ، شيء دقيق جداً .

    هذا البحر أربعة أخماس اليابسة ، عمقه في خليج مريانة في المحيط الهادي اثنا عشر ألف متر ،  بعض العلماء قال : لو أن كرة قطرها متر ، وأردنا أن نمثل عليها أعلى ارتفاع على سطح الأرض ، وأعلى انخفاض بالبحر ، لما أمكننا أن يكون هذا التمثيل بسنتمتر واحد ، أعلى منطقة بالأرض تشكل نصف سنتيمتر ، وأعمق نقطة بالبحر تشكل نصف سنتيمتر آخر ، إذا أخذنا كرة قطرها متر لنمثل عليها أعلى نقطة ، وأقل نقطة ،

    لكن البحر مسخر لنا ، لو أنه هاج وماج لقضى علينا . 

    لو أن الكتلة الثلجية في القطبيين ذابت ، لو أن انفجاراً حصل في الشمس فأذاب الكتل الجليدية في القطب الشمالي والجنوبي لارتفع البحر تسعين متراً ، فغمر معظم المدن الساحلية ، وكثيراً من المدن الجبلية ! تصور إذا ارتفع البحر تسعين متراً ، إلى أين يصل ؟ يأكل مجموعة كبيرة من القرى والمدن على ساحل البحر ، فربنا عز وجل سخره لنا ، إلا إذا كان الذين يركبونه في ضلال مبين ، عندئذ يريهم الله آياته عن طريق موج البحر ، موج كالجبال .

    هنا العلماء استنبطوا أن لحم السمك طري ، إذا يجب أن يؤكل فوراً ، لذلك هناك فرق كبير بين سعر السمك المثلج والسمك الطازج ، وقد يسأل سائل : لِمَ هذا الفرق الكبير ؟ سبحان الله ! أكلُ السمك بعد أمد طويل من صيده لا طعم له ، أما إذا أُكِل طازجاً فإن له طعماً عجيباً ، من هنا أشارت هذه الآية إلى ذلك ، لأنه طري ، يجب أن يؤكل فوراً ، أما كيف يؤكل طرياً ؟ هذا موضوع آخر .

    ما هو اللؤلؤ ؟ هذا المحار يوجد في داخله حيوان ، إذا دخل إلى المحار جسم غريب  كيف يدافع المحار عن  نفسه ؟ يفرز مادة كلسيه فسفورية ، إلى أن تصبح هذه المادة على شكل كرة ، هذه الكرة هي حبة اللؤلؤ ، لكن هذا التفسير يبعدنا عن روح القرآن الكريم ، الحيوان لم يفرز هذه المادة ليدافع بها عن نفسه ، بل فرزها مسخرة من قبل الله عز وجل كي تكون لؤلؤة نتزين بها ، فهذا الحيوان مسخر ، لذلك صيادو اللؤلؤ يغوصون في أعماق البحار  ، ويستخرجون هذه المحارات ، ويفتحونها ، من كل مئة محارة يجدون لؤلؤة واحدة ، لهذا السبب اللؤلؤ غالي الثمن ، فهذا الحبل مثلاً ثمنه ثلاثون ألفاً ، بعض المختصين باستخراج اللؤلؤ خطر لهم خاطر ، أن يأخذوا المحارات ويفتحوها ، ويضعون فيها حبة من الرمل الصغيرة جداً ، ثم يعيدونها إلى البحار ، عن طريق صناديق ، لها فتحات كبيرة ، وهذه الصناديق مربوطة بحبال إلى السفن ، يحركها من مكان إلى مكان ، وبعد حين من الزمن ، يستخرجون هذه الصناديق ، فيفتحون المحارات فإذا بها لؤلؤة ، لكن هذه اللؤلؤة سموها : " لؤلؤاً مزروعاً " ، اللؤلؤ المصنوع غير المزروع ، غير الطبيعي ، الطبيعي إذا أخذوا محاراً من قاع البحر ، وعثروا فيه على لؤلؤة ، فهذا أغلى أنواع اللؤلؤ ، أما إذا وضعوا بالمحارة حبة رمل ، هذا اللؤلؤ أقل ثمناً بكثير من الطبيعي ، لأن فيه سواداً ، لأن اللؤلؤ شفاف تقريباً ، لونه صدفي فسفوري شفاف ، أما المزروع ففيه نقطة سوداء ، هذه التي تخفض من ثمنه ، أما اللؤلؤ المطبوخ طبخاً فهذا ثمن الحبة رخيص جداً ( بلاتين ) .

    هناك سؤال : من يلبس الحلي ؟ النساء أم الرجال ؟ في الآية الرجال ، هل رأيتم إنساناً وضع حبلَ لؤلؤ ؟ ذهب إلى عمله وهو واضع حبل لؤلؤ على صدره ؟ ليس هذا وارداً ، فلمَ لمْ يقل الله عز وجل : وتستخرجوا منه حلية تُلبسونها نساءكم ، أو تستخرجوا حلية لنسائكم تلبسنها ؟ قال تعالى :

    أكثر المفسرين في هذه الآية على أن هذا الحلي التي تستخرج من البحار ، وتتزين بها النساء من أجل الرجال ، فالفائدة في النهاية تعود للرجال ، فبعضهم قال : لشدة المخالطة بين الرجال والنساء ، يعني أقرب إنسان للرجل زوجته ، لشدة المخالطة ، وكأنه هو يرتدي هذا الحلي ، أو كأن الفائدة تعود إليه بهذه الزينة .

    وهناك رأي آخر ، لأن الله عز وجل أمر النساء بالحجاب ، فلا ينبغي أن يذكر النساء في القرآن الكريم وهن متحليات باللؤلؤ ، هذا يتنافى مع منطوق كتاب الله ، فأخفى موضوع النساء ، وقال :

    وهناك شيء آخر ،  

هذه دافعة أرخميدس ، إياكم أن تظنوا أن أرخميدس له الفضل فيها ، الفضل لله عز وجل ، اكتشف أرخميدس أن في الماء قوة نحو الأعلى ، جربها ؛  املأْ دلواً من الماء ، إذا كان عندك بحرة بالبيت ، ثم اغمس هذا الدلو المملوء ماء في هذه البحرة ، تحس أنه ذهب نصف وزنه ، أين ذهب وزنه ؟ في الماء قوة نحو الأعلى ، لولا هذه القوة لما أمكن أن يكون البحر طريقاً دولياً بين القارات ، أن تكون على البحر سفينة من خشب ، أو من حديد ، الآن أحدث باخرة مليون طن ! ألف أَلف !! كنت أسمع ثلاثمئة ألف طن ، أربعمئة ألف طن ، بالسبعينيات سبعمئة ألف طن ، بالثمانينيات مليون طن ، مليون طن من البترول تمخر عباب البحر !! لو أردنا أن نعمل طريقاً بين أمريكا وبين اليابان كم يكلف الطريق ؟ سمعت عن جسر ، طريق بري بين دولتين عربيتين ، إحداهما في البحر ، البحرين والسعودية ، سمعت أنه كلف ثلاثة آلاف مليون ريال أو دولار !! مبلغ ضخم .

    هذه الطرق الممهدة في البحار ، كل المحيطات طرق بين الدول ،

    وترى الفلك مواخر فيه يعني أن يكون البحر مسخَّراً ، أن يستخدم طريقاً بين القارات ، وبين الدول ، وبين الشعوب ، لذلك يعد الشحن البحري أرخص أنواع النقل للشحن ، أما الطرق البرية فتكلِّف كثيرا ، يكلف شقّها ، وتعبيدها ، وصيانتها ، ربنا عز وجل جعل البحر أداة اتصال بين القارات لا تكلف شيئاً ، وجعل المراكب تتسع لأعلى نسب في الحمولات .

     أي في التجارة ، لنقل البضائع ، وبيعها وشرائها ، واستيرادها وتصديرها ،

    أنت تشرب الشاي رغم أننا لا نزرعه ، هذا مستورد ، نُقِلَ عن طريق البحر ، وأكثر المواد الأساسية ، الحديد ، الخشب ، المواد الغذائية ، الصناعية ، المواد الأولية ، كلها تصلنا عن طريق البحر ، إذاً البحر من فضل الله سبحانه وتعالى .

     الآن بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن نعمة الماء ، ونعمة النبات ، ونعمة الحيوان ، البر والبحر ، وعرض في أثناء الحديث عن هذه النعم بالليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم ، تحدث عن الجبال فقال :

    الأرض في أثناء الدوران لابد من مراكز ثِقَل عليها من أجل ألا تضطرب في أثناء الدوران ، وهذا يعرفه جيداً من عنده عجلة ، العجلات أثناء الدوران السريع تضطرب ، لابد من وزنها ، وضبطها بقطعة من رصاص صغيرة من أجل أن تبقى مستقرة في دورانها ، فربنا عز وجل جعل الجبال رواسي للأرض :

<