English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "05 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 16 – 23 عن الموازنة الدقيقة لمعرفة الحق ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

هذه وحدها دليل على رحمة الله سبحانه وتعالى جل شأنه ، فقد جعل لكل شيءٍ علامة ، فإن كان حريصاً على أن نهتدي بالعلامات إلى الأشياء التي نحن بحاجة إليها فحرصه على أن نهتدي إليه أشد ، حينما قال الله سبحانه وتعالى :

( سورة النحل : 9 )

    هو أخذ على نفسه أن يكون في الأرض طريق سالك إليه ، موصل مستقيم ، هنا :

     لكل شيءٍ جعل له علامة لكي تهتدي إليه ، فإن كان حريصاً على أن يهديك إلى الأشياء ؛ فحرصه على أن يهديك إلى ذاته من باب أولى ، حريص على أن تهتدي إليه ، وحريص على أن تهتدي لحاجاتك ، ينبوع الماء له علامة ، أماكن الفلزات لها علامة ، لو درست وسألت ، وتحققت لوجدت أن لكل ظاهرة في الكون علامة ، الأمراض لها علامة ، الحالات الصحية لها علامة ، المعادن لها علامة ، الفواكه لها علامة ؛ نضجها له علامة ، طعمها الحلو من طعمها المر له علامة ،

    وهذه الآية جامعة مانعة :

    إذاً هو حريص على أن يهدينا إلى الأشياء ، كما هو حريص على أن يهدينا إلى ذاته .

    هناك معنى دقيق أتمنى أن يكون واضحاً لديكم ، الإنسانُ اليومَ يوازي بين فرعين في الجامعة ، أيهما أولى ؟ أن أكون طبيباً أم مهندساً ، أم مختصاً بالتاريخ ، كلها فروع علمية ، ربنا عز وجل يقول :

    ليس هناك مجال للموازنة ، أن تكون عالماً أو أن تكون جاهلاً ، ليست الموازنة بين فرعين بالجامعة ، بين العلم والجهل ، بين السعادة والشقاء ، بين التوحيد والشرك ، بين التوفيق والتعسير ، بين السعادة الأبدية ، وبين الشقاء الأبدي ،

    إذا كنت مع الذي يخلق فأنت في حمايته ، وأنت في رعايته ، وأنت في توفيقه ، وأنت تسعد بقربه ، في الدنيا والآخرة . وإذا كنت مع من لا يخلق ماذا ينفعك ؟ ماذا يضرك ؟ ماذا يفيدك ؟ هل يدفع عنك ضيماً ؟ لا والله ، هل يجلب لك نفعاً ؟ لا يستطيع ،

    العلماء قالوا : هذه الآية فيها تشبيه معكوس مقلوب ، أساسها : أفمن لا يخلق كمن يخلق ، هؤلاء الشركاء الذين تزعمونهم من دون الله ، هؤلاء يوازنون مع خالق الكون ؟ يخيرك أحد بين نوعين من الطعام ، تختار الأطيب ، لكن بين أن تأكل طعاماً نفيساً ، وبين أن يأكل الإنسان سماً ناقعاً فرقٌ !! بهذا الطعام يزداد صحة وقوة ، وبهذا السم يهلك نفسه ،

    كيف يقبل الإنسان أن يكون مع مخلوق ؟ أن يهب حياته لمخلوق ؟ أن يهب ذكاءه وإمكاناته لمخلوق ؟ هذا المخلوق الذي يتوجه إليه هو في حدّ ذاته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، أيعقل أن يكون المخلوق مكان الخالق ؟ أيعقل أن يطاع المخلوق ويُعصى الخالق ؟! أيعقل أن نتجه إلى المخلوق ونعرض عن الخالق ؟! .  

    الفرق كبير جداً بين البياض والسواد ، الفرق حاد جداً ، وليس الفرق بالدرجة ، ليس الفرق بين لونيين أحمرين ، إنما بين الأبيض الناصع والأسود القاتم ، بين التوفيق والتعسير ، بين الأمل والإحباط ، بين السعادة والشقاء ، بين العلم والجهل ، بين أن تشعر بصحة نفسية ، وبين أن تشحن النفس بمئات الأمراض النفسية ،

    إن كنت مع من يخلق فأنت قد التجأت إلى ركن ركين ، وإن كنت مع من لا يخلق فقد عذت بضعيف فانٍ ، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي  أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق لم يكن شيئاً مذكوراً ، ضعيفٍ ، يجوع ، يعطش ، يصيبه البرد ، يغضب ، هذا يعتصم به ؟! وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً من تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء من بين يديه .

    أنتم الآن مدعوون إلى الخالق ، وهناك من يدعوكم إلى مخلوق ، إذا دعيت إلى إرضاء زوجتك ومعصية ربك فأنت آثرت المخلوق على الخالق  .

    إذا دعيت إلى طاعة شريك من أجل كسب المال الحرام فأنت قد آثرت مخلوقاً على خالق .

    هذه الآية يجب أن تقفوا عندها  :

    أيوازن ؟ أتزهد بالذي يخلق ؟ أتهمل أمره ؟ أتعرض عنه ؟ أتستخف بدينه ؟ ماذا قال الغزالي رحمه الله ؟ قال كلمة مخاطباً نفسه : " يا نفس ، لو أن طبيباً منعك من أكلة لذيذة ، ووعدك إن أكلتها بالمرض الشديد ـ وما من واحد منا يذهب إلى طبيب ، ويقول له : هذا الطعام دعه ، من أجل قلبك ، من أجل شرايينك ، من أجل الضغط يقول الطبيب : دع الملح كلياً ، والطعام بلا ملح لا يؤكل ولا طعم له ، لكن من أجل الحفاظ على صحتك ، وعلى شرايينك ، وعلى قلبك ، وعلى ضغطك ، تدع الملح كلياً ! ؛ طبيب يقول لك : دع الملح ، وإلا فالوضع خطير ، خالق الكون يقول لك : غض بصرك وإلا فالحساب عسير ، أتصدق طبيباً وتكذب خالقاً ؟! ـ هكذا أقنع الغزالي نفسه حين قال : " يا نفس ، أيكون الطبيب عندك أصدق من الله عز وجل ؟ إن كان كذلك فما أكفرك !! أم أن المرض أخوف عندك من نار جهنم ؟ إن كان كذلك فما أجهلك !! بالمنطق ، أيكون الطبيب أصدق من الله عز وجل ؟ أيكون إنسان يمنع شيئاً فينفذ أمره بحذافيره ؟ أيكون هذا الإنسان الذي منع شيئاً أصدق عندك من رب العالمين ؟ من رافع السماوات من غير عمد ؟! إن كنت كذلك ، إن كانت النفس كذلك فما أكفرها !! أو أن يكون المرض أخوف عندك من جهنم ؟ وإن كان الأمر كذلك ، هذه النفس التي تؤثر صحتها على حياتها الأبدية فما أجهلها !!.

    هنا نقطة دقيقة ؛ يا ترى أيهما يبدأ بالمحبة ؟ الإنسان يحب ربه أولاً ؟ أم أن الله سبحانه وتعالى يحب العبد أولاً ؟ بعضهم استنبط من قوله تعالى :

( سورة المائدة : 54 )

 أن محبة الله سبقت محبة العبد لربه .

    بعضهم يقول : الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ، أعطاه الحواس الخمس ، أعطاه الأجهزة الكاملة ، أعطاه أماً وأباً يحنوان عليه ، أعطاه الهواء ، أعطاه الماء ، أعطاه الغذاء ، أعطاه الطعام ، أعطاه الفكر ، أعطاه الذاكرة ، أعطاه التخيل ، هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ، بل إن النعمة الواحدة لا تحصى ، وإذا كنت عاجزاً عن إحصائها ، فأنت عن شكرها أعجز !! ألا يقتضي أن تحب خالق هذه النعم ؟ فهناك ألف سببٍ وسبب ، مليون سبب وسبب يدعوك لمحبة الله سبحانه وتعالى ، ولكن الله متى يحبك ؟ إذا رأى منك عفةً ، إذا رأى منك استقامةً ، إذا رأى منك انضباطاً ، إذا رأى منك طاعةً ، إذا رأى منك تقرباً ، إذا رأى منك عملاً طيباً ؛ فالمحبة ميلٌ مبني على المجانسة .

    قد يكون عند الأب أولاد عديدون ، يعطف عليهم جميعاً ، يطعمهم جميعاً ، يكسوهم جميعاً ؛ ولكن أحدهم لأخلاقه العالية ، ولبرّه ، وطاعته ، وأدبه ، أمالَ قلب الأب له ، فمحبة الله شيءٌ ثمين جداً ، لا يناله العبد إلا إذا دفع الثمن ، ثمن محبة الله أن تكون كاملاً ، وهذا الكمال لا يكون إلا باتصالك بصاحب الكمال ، ولا تتصل بصاحب الكمال إلا إذا كنت مستقيماً على أمره ، ولن تستقيم على أمره إلا إذا عرفته ، تعرفه ، فتستقيم على أمره ، فتقبل عليه ، فتشتق من كماله ؛ عندئذ يحبك .

    عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : (( أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي لأحِبُّكَ يَا مُعَاذُ ، فَقُلْتُ : وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلاةٍ : رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )) .

[أخرجه النسائي ]

    هل تعرفون معنى هذه الكلمة ؟ والله الذي لا إله إلا هو لو حاز سيدنا معاذ على أعلى شهادات في العالم ، لو أن الدنيا كلها بملكه ، لا يرقى إلى هذه المرتبة ، (( إِنِّي لأحِبُّكَ يَا مُعَاذُ )) ، فإذا شعر أحدنا أن الله يحبه فهذه أعلى مرتبة يبلغها إنسان على وجه الأرض ، خالق الكون يحبك ، لماذا يحبك ؟ لأنه رأى فيك كمالاً ، من أين جئت بهذا الكمال ؟ لأنك أقبلت عليه ، كيف أقبلت عليه ؟ لأنك استقمت على أمره ، كيف استقمت على أمره ؟ لأنك تفكرت في مخلوقاته فعرفته ، عرفته ، فخشيته ، فاستقمت على أمره ، فأقبلت عليه ، فتجلّى على قلبك بالكمال ؛ عندئذ يحبك .

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ : (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )) .

[أخرجه البخاري ]

    أيها الإخوة الأكارم ، دين من دون محبة جسدٌ ميت ، ثقافة  ، طقوس ، عبادات ، كهنوت ، ولكن المؤمن يخفق قلبه بمحبة الله سبحانه وتعالى ، كل إنسان لا بد له من أن يحب ، هذا الذي يحب الدرهم والدينار هو عبد له ، وهذا الذي يحب النساء إن كان منحرفاً ، أو زوجته إن كان مستقيماً ، فهو عبد لها ، وهذا يحب العلو في الأرض ، وهذا يحب المظهر الحسن ، وهذا يحب الأثاث الفاخر ، وهذا يحب التحف ، وهذا يحب الرحلات ، وهذا يحب الطوابع مثلاً ، وهذا هوايته الرياضة ، وهذا يلعب التنس ، والمؤمن يحب الله سبحانه وتعالى ،

فمـا مـقصودهم جنـات عــدن    و لا الحور الحسان ولا الخياما

ســوى نظر الحبيب فذا مناهـم     وهذا مــطلب القوم الكـراما

***

    الإنسان يحاسب نفسه ، هل نزلت من عينيك دمعة في يوم ما ؟ شوقاً لله عز وجل ، هل بكت عينك من خشية الله ؟ هل اقشعر جلدك من تعظيم الله ؟ هل تُليت عليك آية فازددت إيماناً ؟ هل وضعت رأسك على الوسادة فتفكرت في ملكوت السماوات والأرض ؟ هل استيقظت صباحاً والآخرة أكبر همك ؟ هل أنت قلق في الحياة الدنيا ، تخاف ألا تكون مرضياً عند الله عز وجل ؟ أين أنت ؟

( سورة الصافات : 154 ـ 155 )

    ما الذي يشغلكم عن الله سبحانه وتعالى ؟

إلى متى أنت باللذات مشــغول     وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

***

تعـصي الإله وأنت تظهر حبـه      ذاك لعـمري في المـقال بديع

لو كان حبـك صادقاً لأطـعـته      إن المحب لمن يحب  يطيــع

***

    ذكرت في الدرس الماضي إعجاز هذه الآية ، أن النعمة الواحدة لو أمضيت حياتك كلها في تعداد فوائدها ، لانقضت حياتك ، ولم تنقض فوائدها ، فإذا كنت عاجزاً عن إحصاء النعم فأنت عن شكرها أعجز ،

(سورة النحل)

غفور على ماذا ؟ على عجزكم عن إحصائها ، وعلى عجزكم عن شكرها .

    هذه الآية :

واضحة كالشمس ، لكن هناك معانٍ خلف السطور ، هناك استنباطات دقيقة ؛ الله سبحانه وتعالى يعلم الذي تعلنه للناس ، ويعلم الذي تخفيه في نفسك ، وإذا كان الله يعلم فمن باب أولى أنه يحاسب ، الذي يعلم يحاسب ، الإله إذا علم شيئاً حاسب عليه ، فأنت محاسبٌ على ما تُسِرُّ ، وعلى ما تعلن ، فإذا أعلنت لهذا الصانع أنك سوف تدخله في شركة هذا المحل فذهب هذا الصانع امتلأ قلبه فرحاً ، وحضوراً ، واطمأن إلى مستقبله فأنت أعلنت ذلك ، هل تعلم أن هذا الإعلان صار دَيناً عليك ؟ الله يعلم أنك أعلنت ذلك ، فكيف لا تفي بعهدك ؟

    أنت أعلنت حينما كنت في العمرة أنك لن تعصي الله عز وجل ، إذاً سوف يحاسبك على إعلانك ؛ هل كنت عند هذا العهد ؟ أم خنت هذا العهد ؟

    الشيء الذي تخفيه ، شاركت هذا الإنسان ، وفي نيتك أن تتعلم منه هذه الصنعة ، فإذا أتقنتها وضعته خارج المحل ، لذلك احتطت مسبقاً بأن تسجل المحل باسمك وحدك ، وقلت له وقتها : القضية شكلية جداً ، لا قيمة لها ، وأنت تضمر في نفسك أن تستقل بالمحل ،

    تزوجت هذه المرأة لما لها من أموال طائلة ، لكنها تكبرك سناً ، وفي نيتك أنك إذا حصلت من أموالها شيئاً ثميناً عندئذ تفتعل معها مشكلة ، وتفجر الوضع ، إلى أن تطلقها ، ويبدو الطلاق وقتها مبرراً ، وأنك لن تحتمل هذه الحياة ، وأنها ذات طباع سيئة ،

    هذا الذي يتزوج امرأة وفي نيته أن يطلقها لو أمضى معها ثلاثين عاماً ، فهذه الأعوام الثلاثون يمضيها معها زنىً ؟ لأن الزواج على التأبيد ، لا يصح عقد الزواج إلا على نية التأبيد ، قد تطلقها بعد يومين ، لكنك حينما قبلت ، حينما أجبت مأذون المحكمة بأنك قبلت هذا النكاح ؛ فيجب أن يكون على نية التأبيد ،

    لذلك المؤمن نفسه صافية كالشمس ، بيضاء نقية ، لماذا بيضاء نقية ؟ لأنه يعلم أن الله يراقبه ، وأن قلب الإنسان منظر الله عز وجل ؛ ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )) .

[رواه مسلم]

( سورة الشعراء : 88 ـ 89 )

    الله سبحانه وتعالى ناظر دائماً إلى قلبك ، هل فيه احتيال ؟ فيه مخادعة ؟ فيه غش ؟ فيه نوايا سيئة ؟ هل هناك موقف يعلن عنه ، وموقف خاص ضمني ؟ هل هناك ازدواجية في المواقف ؟ أيوجد تملق ؟  نفاق ؟ تدليس ؟ مخاتلة ؟ على الوجه ابتسامة صفراء ، وفي القلب حقد دفين ؟ كل هذا يعلمه الله عز وجل ، وسيحاسب عليه ، فافعل ما بدا لك ، قال تعالى :

(سورة فصلت : 40 )

    البر لا يبلى ، والذنب لا ينسى ، والديان لا يموت ، اعمل ما شئت كما تدين تدان ، لذلك قال بعضهم : " الله سبحانه وتعالى ربّ النوايا " .

    زار رجل بستانين على ضفة نهر واحد ، والذي زرع البستانين رجل واحد ، والخبرات واحدة ، والماء واحد ، وكل شيء فيه مشترك ، بستان يكاد القمح يزيد ارتفاعه على ارتفاع الإنسان ، والثاني لا يزيد طول سوق القمح على أربعين سنتيمتر ، فسأل هذا الرجل الزائر : ما السر في هذين البستانين ؟ بعد بحث وتدقيق ، وبعد اطلاعٍ واستحلافٍ ، وجد أن البستان الأول يملكه رجل له أولاد أخ أيتام ، في نيته أن يعطيهم نصف المحصول ، فأنبت الله له القمح مضاعفاً ـ الله رب النوايا ـ والبستان الثاني لرجل مرابٍ ، يقرض الناس ، ويبتز أموالهم ، فأتلف الله له المحصول ، الله رب النوايا ، أخطر شيء في الدين هذا القلب .

    عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) .

[أخرجه البخاري ]

    هذه الآية فيها تهديد :

وينجم عن علمه العقاب ، والحساب ، والجزاء ، والتوفيق ، والتعسير ، والهلاك .

    هؤلاء الأصنام إن كانوا أحجاراً ، وهؤلاء الأصنام إن كانوا من نوع آخر ، كل جهة تعبدها من دون الله فهي مما تنطوي تحت هذه الآية ، فإذا اتكأ الإنسان على إنسان له مكانته ، وظن أن هذا الإنسان يحميه من كل مكروه ، وأنه يرفعه إلى الأوج ، وأنه يجلب له المنافع ، وأنه يبعد عنه المضار ، فهو ممن ينطوي تحت هذه الآية :

( سورة النحل)

    أيعقل أن يكون الإله مخلوقاً ، من أولى لوازم الإله أن يكون خالقاً ، أتعبد مخلوقاً ؟ وتدع الخالق ؟!.

    ولهذه الآية معنيان :

الأول : أن هذه الأصنام التي تعبد من دون الله ميتة ، لا حياة فيها ، لا سمع ، لا بصر ، لا حركة ، لا تعاطف ، لا عقل ، ميتة ، حجر .

والمعنى الثاني : أن الذين يعبدون هذه الأصنام من دون الله ميتون ، ولو أن فيهم بقية حياة لكرهوها ، ولعافوها ، ولعافت نفسهم عبادتها ،

    وهذا وصف دقيق ، فكل من أعرض عن الله عز وجل فهو ميت .

ليس من مات فاستراح بميتٍ    إنـما المـيـت ميـت الأحيـاء

***

    أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة .

    فالموت والحياة يأخذ معنى آخر ، حياة القلب بمعرفة الرب ، وموته بجهله ، غذاء الروح  الاتصال بخالق الكون ، وموتها انقطاعها عنه ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال :

    هذه آية دقيقة ، زمام المبادرة ليس بأيديهم ، أنت تقول : أنا بعد عشر سنوات سأفعل كذا وكذا ، هذا كلام فيه غباء ، ليست الأمور بيدك ، ومن يضمن لك بعد هذه السنوات أن تبقى حياً ؟

    حينما يأتي الأجل يتعطل كل شيء .

إن الطـبيب له عـلم يدل به إن    كـان للنـاس فـي الآجـال تأخـير

حتى إذا ما انتهت أيام رحلتــه    حــار الطبيب وخــانته العقاقيـر

***

    من منا يضمن أن يعيش إلى ساعة قادمة ؟ أناس كثيرون كانوا معنا ـ بالعشرات ـ الآن تحت أطباق الثرى ، حينما كانوا معنا أكانوا يتوقعون أنه لن يمضِيَ هذا العام إلا وهم تحت أطباق الثرى ؟ لا والله ،

    جلست مع أناس كثيرين ، جاء أجلهم ، حينما كنت معهم حدثوني عن أعمال سوف يفعلونها بعد سنوات طويلة ، هم الآن تحت الثرى ، فموضوع الموت ـ لحكمة بالغة ـ أخفى الله ميعاده عن الإنسان ، لا يدري ، يا ترى هل يأتي عليه رمضان آخر ؟ هل يدرك عيد الفطر ؟ وعيد الأضحى ؟ هل يدرك الشتاء القادم ؟ هذا البيت الذي وَقَّعَ عقده على الخارطة هل يراه في الطابق الثالث ؟ أم يموت قبل أن يراه ؟ لا يعرف ، هذا الذي اشترى هذا البيت هل يسكن فيه ؟ لا ندري .

    هذه الزوجة التي عقد قِرانه عليها هل يُزَفَّ إليها ؟ لا أحد يعرف ، كم من إنسان مات قبل عرسه ، هذه الشهادة الدكتوراه التي حصلها في بلد أجنبي ، هل يتاح له أن يعود إلى بلده بعدها ، وينادى باسم دكتور ؟ قد يموت في الطائرة ، قد يموت هناك ، قد يموت قبل إعلان النتائج ،

    فالإنسان لا يعرف متى يموت ؛ هل يموت في هذا البيت ؟ إذا مات في هذا البيت أين يُغَسَّل ؟ هل يموت في بيته ؟ أم في الطريق ؟ هل يموت صباحاً ؟ أم مساء ؟ أم في منتصف الليل ؟ هل يموت فجأةً ؟ أو بعد مرض طويل ؟ وإذا مات أين يدفن ؟ في المقابر الجديدة ؟ أم في القديمة ؟ الله أعلم ،



 

    هذه الآية أيضاً دقيقة جداً ، الإله هو المسيِّر ، مسيِّر الأرض واحد .

    أوْضَحُ هذه الآية بمثل : أنت حينما تركب هذه السيارات العامة ، كان هناك جابٍ يقطع للركاب ، ثم حلت الآلة محل الجباة ، لو سافرت إلى محافظة نائية ، ووجدت النظام نفسه مطبقاً هناك ، معنى ذلك أن كل هذه الشركات ؛ شركات النقل ، تدار من العاصمة ، فهذا الذي وجدته في هذه المحافظة يشبه ما وجدته في دمشق ؛ إذاً ، هناك إدارة عامة مركزية تعمم هذه الأوامر .

    أحياناً يشعر الإنسان أن هذا الإجراء على مستوى القطر ، وأن الذي أمر به واحد ، فيجب أن تعلم علم اليقين أن كل شيء في الأرض في بلدنا وفي غير بلدنا ؛ الرياح ، الأمطار ، الثلوج ، الزلازل ، البراكين ، غزارة الأمطار ، غزارة النبات ، عوامل المرض ، الفيروسات ، كل شيء يدار بيد واحدة ، وإلهكم أيها البشر ، ومسيِّركم إله واحد ، حركة الأرض حول نفسها ، حول الشمس ، الليل والنهار ، الشمس والقمر ، الصيف والشتاء ، والخريف ، والربيع ، الأمطار ، الرياح ، العواصف ، الزلازل ، الصواعق ، إنبات النبات ، علاقتنا ببعضنا ؛ هذا أقوى من هذا ، هذا قوي على هذا ، هذا قهر هذا ،

قال تعالى في آية أخرى .

( سورة البقرة : 163)

    هذه الآية تبث في النفس الطمأنينة ، أمور الكون كلها ، صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها بيد واحدة ،

( سورة الفتح : 10)

( سورة الأنفال : 17)

( سورة هود : 123)

( سورة الزخرف : 84 )

( سورة الحديد : 4 )

( سورة فاطر : 2)

    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : (( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : يَا غُلامُ ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأقْلامُ ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )) .

[أخرجه الترمذي ]

       الأمر كله لله  .

( سورة آل عمران : 154)

( سورة غافر : 20)

( سورة الكهف : 26)

( سورة الرعد : 41 )

    كل شؤونك ؛ زوجتك ممتازة ، بفضل الله عز وجل ، مشاكسة بتقدير الله ، لهدف كبير ، عملك مريح ، بفضل الله ، متعب ، بتقدير الله ، دخلك كبير ، هو الرزاق ذو القوة المتين ، دخلك قليل لحكمة الله   .

( سورة الفجر : 15 ـ 16 )

    الرزق ، والصحة ، والمرض ، والحياة ، والموت ، والسعادة  والشقاء ، والانشراح الداخلي ، والانقباض ، والقوة ، والضعف ، والسعادة الزوجية ، والشقاء الزوجي ، أولاد أبرار ، أولاد مشاكسون ، جيران متعبون ، جيران مريحون ،

( سورة هود : 123)

أيها العباد ،  

كل شيء منه ، هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

    لذلك إذا قلت : فلان ؛ فهذا شرك ! عِلاّن ؛ شرك ! أعطاني ؛ شرك ! منعني ؛ شرك ! قهرني ؛ شرك ! ظلمني ؛ شرك ! (( لا يخاف العبد إلا ذنبه ، ولا يرجو إلا ربه )) .

[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، والبيهقي في شعب الإيمان من قول عليٍّ]

    إذا سقطت ورقة زيتون من على الشجرة يعلمها الله ، سِرْ في حقل زيتون في أيام الخريف ، وافتح ورقة ، واكتب كم ورقة زيتون تسقط ؟ ربنا عز وجل قال :

( سورة الأنعام : 59)

    فإذا كان سقوط ورقة يعلمها ، فمن باب أولى أنك إذا ضيق عليك هذا بعلمه ، وبتقديره ، وبرحمته .

    لم يؤمن بالآخرة ، أي لم يؤمن بيوم الحساب  وإن لم يؤمن بيوم الحساب فقد أنكر اسم الحق ، في الحياة قوي وضعيف ، عالم وغير عالم في الأرض ، في الحياة غني وفقير ، في الحياة صحيح ومريض ، لا بد من يوم يحق فيه الحق ؛ فإذا أنكرت هذا اليوم فقد أنكرت اسماً من أسماء الله سبحانه وتعالى ، فالذي ينكر يوم القيامة كأنه ينكر وجود الله عز وجل ، وإذا آمنت أن هناك إلهاً حقاً عدلاً  فلا بد من يوم يحاسب فيه الناس .

( سورة الفاتحة : 2 ـ 4 )

    من لوازم الإيمان بالله عز وجل الإيمان باليوم الآخر ، كيف تؤمن بالله ، ولا تؤمن باليوم الآخر ؟ إنك تلحد بأسمائه ، تلحد بعدالته ، تلحد بأنه سيجمع الناس ليوم لا ريب فيه ، تلحد بيوم الفصل ، بيوم الدين ، بيوم يقوم الناس لرب العالمين .

( سورة النبأ : 17 ـ 18 )

    فإذا أنكرت اليوم الآخر فقد أنكرت اسماً من أسماء الله ، فلذلك :

منكرة لهذا الكتاب ، ولهذا الحق، ولهذا الشرع ،

أخذتهم العزة بالآثم .

    هذه غيبيات ، الآن يعبِّرون عن الدين بالغيبيات ؛ غيبيات ، خرافات ، خزعبلات ، أوهام ، مظاهر ضعف الإنسان ،

    هذه المشاعر مشاعر التدين أساسها ضعف الإنسان أمام قوة الطبيعة ، فلما قهر الطبيعة ، وغزا الفضاء ليس بحاجة إلى هذه المشاعر ،

    هذا العصر عصر العلم ، لا يصلح فيه التدين . والعلم نفسه يؤكد وجود الله سبحانه وتعالى .

    أحد أكبر علماء الذرة  اكتشف نظرية لا يزال معظم العلماء يجهلونها ، يقول هذا العالم : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، عليمة هي أعلم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون فهو إنسان حي ، ولكنه ميت ،

    إذاً : إذا قلت فكرة مغلوطة ، إذا قلت الباطل ، وسمعك إنسان وصدقك ، كل أعماله التي يعملها وفق هذه المقولة يسجَّل وزرها في صحيفتك ، كل ضلالة تكتب على شخصين ؛ على قائلها ، وعلى سامعها ، فإياك أن تقول ضلالاً ، لأنك إذا فعلت ذلك سجل إثمه عليك ،

    لماذا لا يحب الله سبحانه وتعالى المستكبرين ؟ لأن المستكبر يعطي نفسه حجماً غير حجمه ، من ادعى أنه يحمل دكتوراه وهو لا يقرأ ولا يكتب ، أليس هذا جريمة ؟ لأنه لو كان يحمل هذه الشهادة ، وقال : إنه يحمل هذه الشهادة ، فلا مانع ، أما إذا ادعى أنه يحمل هذه الشهادة وهو لا يقرأ ولا يكتب فقد أجرم !!

    إذاً : الاستكبار ادعاء ، هذا الادعاء حجاب له عن الله عز وجل ، المستكبر محجوب ، حجبه كِبره واستكباره ، فلذلك من علامات المؤمن التواضع ، ومن علامات غير المؤمن التكبر ، فرب