English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "08 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 35 – 36 عن القضاء والقدر ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

    أيها الإخوة المؤمنين ، هذه الآية تمس العقيدة ، بل إنها أصل من أصول العقيدة ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

 لو أن الله عز وجل ، الحديث عن الكفار ، هل ينظرون فأصابهم سيئات ما عملوا ، لو أنه قال : وقالوا لو شاء الله ما عبدنا ، لماذا في هذه الآية سماهم ربنا بأنهم مشركون ،

إذاً : هذا القول لا يقوله إلا مشرك ، بل هي عقيدة المشركين ،

    فمن اعتقد بهذا القول فهو مشرك ، فمن قال هذا القول ، فهو مشرك ، فمن أضمر هذه العقيدة فهو مشرك ،

   هو قدّر علينا أن نعبد غيره ، هو قدّر علينا أن نعصيه ، هو قدّر علينا أن نخرج عن أمره ، هو قدّر علينا الشقاء قبل أن نولد ، هذا تقديره ، ونحن ما فعلنا إلا أن نفذنا قضاءه "

    أما كلمة ( لو شاء الله ) يجب أن نقف عندها وقفة ، لأن كلمة المشيئة خطيرة جداً ، إذا ظن الإنسان أن الله عز وجل شاء للكافر أن يكون كافراً فلمَ أمرَه أن يؤمن ؟ ولمَ أمَره أن  يطيعه .

    من الآيات الموضحة لمشيئة الله قوله تعالى :

 

 

(سورة المزمل : 19 )

( سورة التكوير : 29)

    المعنى الأول للمشيئة : في هذه الآية مشيئة العبد ومشيئة الرب ، مشيئة العبد مشيئة اختيار ، الإنسان مخير  في دائرة كبيرة ، في حياته هو مخير ، ربما قال قائل : إنه ليس مخيراً في أشياء ، وهذا صحيح ، لماذا ولد من هذا الأب ومن هذه الأم ؟ وفي هذا الزمان وفي هذه المدينة ؟ المكان والزمان والأب والأم هذا لا علاقة له به ، لا دخل لاختياره فيه ، لكن علماء التوحيد يؤكدون أن القدر والقضاء الذي يقع عليك ، والذي لا دخل لإرادتك فيه هو لصالحك ، الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، كل شيءٍ يقع على العبد من دون أن تكون له جريرة به ؛ أي غير مختار بتحقيقه هو لمصلحته ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة آل عمران : 26 )

    العطاء خير ، والمنع خير ، والعز خير ، والذل خير ،

من أبسط معاني القضاء والقدر ، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نخوض في القضاء والقدر ، وفي بعض الأحاديث الشريفة أن هذا الموضوع تُرِك لشرار أمتي ، نهانا عن أن نخوض فيه ، هو سر من أسرار الله سبحانه وتعالى ، سيأتي يومٌ هو يوم القيامة يُكشَف للإنسان سر القضاء والقدر ، ولو كُشِف الغطاء لاخترتم الواقع .

 

( سورة ق : 22 )

( سورة يونس : 10 )

فالقضاء هو الحكم ، والقدر هو التقدير ، فالطبيب إذا حكم على هذا المريض أن في معدته التهاب ، يمنع عنه الطعام المخرش ، فالقضاء حكم ، والقدر تقدير ، القضاء حكم ، والقدر إجراء ، معالجة ، وتشجيع مبنيٌ على هذا القضاء ، فربنا سبحانه وتعالى ناظر إلينا ، فمن وجد فيه خيراً شجّعه ، ومن وجد في نفسه سوءًا حذّره ، ونبهه ، وعالجه ، وقدّر عليه بعض المصائب ، ليرده إليه .

 

( سورة السجدة : 21 )

آية واضحة وضوح الشمس :

 كل عذاب الدنيا ، العذاب المادي ، الأمراض ، الفقر ، القهر ، كل أنواع العذاب في الدنيا ، عذاب سماه الله عز وجل :

    وهو عذاب الخلود في النار ،

    فإذا رجعت إلى الله عز وجل طواعية ، بمبادرة منك ، فلماذا العذاب ؟ قال تعالى :

 

(سورة النساء : 147 )

    فالقضاء هو الحكم ، والقدر هو التقدير ، نظر الطبيب إلى حالة المريض ، فرأى في المعدة التهاب حاد ، هذا هو القضاء ، أما القدر فهو أمر الطبيب مَن في المستشفى أن يمنعوا عنه كل طعامٍ مُخرِّش ، أعطى تعليمات للممرضة أن تطعمه الطعام الفلاني ، فالقضاء حُكم ، والقدر معالجة ، الذي يقول لو شاء الله ما عبدنا ، لله مشيئة ، وللعبد مشيئة  ، مشيئة العبد مشيئة اختيار ، ومشيئة الحق جل وعلا مشيئة فحص واختبار .

    بأبسط مثل ، لو أن طالباً نال علامات دنيا ، وقدّم طلباً إلى رئاسة الجامعة كي يدخل كلية الطب ، هذا الطالب اختار هذه الكلية ، شاء أن يكون طبيباً ، ولكن إدارة الجامعة عندها أُسس ، لا بد لكلية الطب من مجموع عالٍ ، لأن الذي يطمح لهذه المهنة يجب أن يكون ذا قدرات عالية في الرياضيات ، والفيزياء ، والكيمياء ، وذا مجموع مرتفع  فإرادة الجامعة لها مشيئة ، لكنها ليست مشيئة اعتباطية ، ليست مشيئة مزاجية ، إنما هي مشيئة العلم ، ومشيئة الحكمة ، فهذا الطالب المقصر لا تشاء له إدارة الجامعة أن يدخل كلية الطب .

    مشيئة الإنسان مشيئة حرية واختيار ، ومشيئة الحق جل وعلا مشيئة فحص واختبار ،

( سورة المزمل : 19)

( سورة التكوير : 29)

    الله عز وجل ينظر ، هذا الذي يطلب الجنة هل استقام على أمر الله ؟ إن استقام على أمر الله يشاء له الجنة ، هذا الذي طلب الجنة هل حرر دخله من الحرام ؟ إن فعل ذلك شاء له الجنة ، هذا المعنى الأول ، فمشيئة العبد مشيئة مختارة ، ومشيئة الرب مشيئة فاحصة ، من أجل أن تعطي كل ذي حق حقه ، هذا المعنى  الأول .

المعنى الثاني للمشيئة : الله سبحانه وتعالى قد يشاء شيئاً ، ولا يرضاه ، فالأب مثلاً  حينما تلتهب الزائدة عند ابنه يشاء الأب أن يأخذه إلى المستشفى ، وأن يأتي الطبيب الجراح ، ويُعمِل مبضعه في جلد ابنه ، ويفتح البطن ، وينشر الدم ، ويمزق الأنسجة ، ليصل إلى الزائدة كي يستأصلها ، هل يريد الأب أن يرى ابنه في غرفة العمليات ، وقد فُتِح بطنه ، وخرج الدم غزيراً من شرايينه ، ومزقت عضلاته ؟ لا والله ، لا يشاء ذلك ، ولكن حكمته تقتضي ذلك ، الله سبحانه وتعالى قد يشاء شيئاً ، ولا يرضاه ، ولا يرضى لعباده الكفر ، لكن حكمته اقتضت هذه المشيئة ، شاء ولم يرض .

أول فكرة : مشيئة العبد مشيئة حرية واختيار ، ولكن مشيئة الرب مشيئة فحص واختبار .

الفكرة الثانية : إن الله سبحانه وتعالى قد تتعلق حكمته بأن يسوق لهذا الإنسان مصيبة ، فيشاء له المصيبة ، ولكنه لا يرضاها له ، لأنه خلقه ليسعده ، خلقه ليهتدي إليه ،

( سورة السجدة : 21)

    مِن بُعْدِ الناس عن ربهم ، وانحرافهم عن طريق هدايتهم ، وبُعدِهم عن طريق الجنة ، وانغماسهم في المحرمات والشهوات يسوق الله لهم من الشدائد ، هذه الشدائد تعلقت بها حكمته ، لكنه لم يَرْضَها لعباده ، لكن انحرافهم ، وغفلتهم ، وتقصيرهم ، ومعاصيهم اقتضت هذه المعالجات كلها ، وفي الأثر : " أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم " ، هذه مشيئة الرب ، شاء ولم يرد ، شاء ولم يرض ، أما إذا كان هناك إكرام فشاء ورضي ، إذا عرفته ، واستقمت على أمره ، وأقبلت عليه ، وسعدت بقربه شاء لك الإكرام ، ورضيه له ، إذا ابتعدت عنه ، وانحرفت أعمالك ، وانحطت ميولك ، وسفلت أهدافك ، وطغيت ، وبغيت ، شاء الله عز وجل لهذا العبد المنحرف المصائب والتضييق ، والأمراض ، والقهر كي يرده إليه ، شاء ولم يرض ، وشاء ورضي ، هذا هو المعنى الثاني .

المعنى الثالث : أن مشيئة الله مشيئة تنفيذية ، لكن مشيئة العبد مشيئة اختياريه ، فمجرد أن يختار العبد طريق الحق ، يشاء الله له ذلك , وكما قيل : لله رجال إذا أرادوا أراد ، والمثل واضح جداً .

أب عالم كل آماله في الحياة أن يكون ابنه مثله ، فبمجرد أن يتفوه ابنه بكلمة واحدة تعبر عن رغبته في طلب العلم ، فالأب بكل إمكاناته ، وبكل طاقاته ، وبكل ما يملك ، يضع كل هذه الإمكانات في خدمة الابن ليحقق هذا الطلب ، بمجرد أن تشاء الهدى ، يشاء الله لك ، لأنه خلقك لتعرفه .

( سورة الذاريات : 56 )

    إذاً المشيئة الإلهية مشيئة تنفيذية ، بينما مشيئة العبد مشيئة طلبية ، اطلب تعطَ ، لله رجال إذا أرادوا أراد ، هذا هو المعنى الثالث .

 شيء آخر ، الله سبحانه وتعالى رسم للهدى طريقاً ، فأيّ عبدٍ سار في هذا الطريق شاء له الهدى ، وأيّ عبد حاد عن هذا الطريق حقت عليه الضلالة ، المعنى دقيق جداً .. الطريق أن تكون طبيباً معروف ، أي طالب سلك هذا الطريق من الشهادة الثانوية إلى كلية الطب ، تابع السنوات كلها إلى أن تخرج ، يمنح شهادة الطب ، وترخيصاً بمزاولة مهنة الطب ، لماذا شاءت الجهات المعنية لهذا المواطن أن يكون طبيباً ؟ لأنه سلك الطريق التي رسمتها الجهات المعنية لمهنة الطب ، فإذا خرج الإنسان عن هذا الطريق ، ترك الجامعة ، وبدأ يطالع بعض المجلات ، فهل تشاء الجهات المعنية لهذا الطالب أن يكون طبيباً ؟ هل يمنح الشهادة ؟ لا والله ، هل يعطى ترخيصًا ؟ لا و الله .

    إذاً : هناك طريق للهدى ، لو سلكه شاء الله له الهدى ، من حاد عنه حقت عليه الضلالة ، أيْ وجبت عليه الضلالة ، فمن قرأ الكتاب عرف ما فيه ، ومن لم يقرأه لا بد من أن يكون جاهلاً ، نقول : حقت عليه الجهالة ، ليس الموضوع موضوع قهر ، لا والله ، وليس الموضوع موضوع جبر ، لا ، الموضوع أبسط من ذلك ، من قرأ الكتاب عرف ما فيه ، ومن لم يقرأه حق عليه الجهل ، فكان الجهل ملازماً له ، كان الجهل نتيجة حتمية لفعله ، بعض الآيات التي تؤكد هذه الحقيقة ،

( سورة النحل : 36)

    الله عز وجل ، من الذي يهديه ، قال تعالى :

( سورة البقرة : 258 )

    الذين حقّت عليهم الضلالة لماذا حقّت عليهم الضلالة ؟ لأنهم ظالمون ، ولأنهم فاسقون .

( سورة البقرة : 26 )

    والذين حقّت عليهم الضلالة لما حقّت عليهم الضلالة ؟ لأنهم عصاة ، والذين هداهم الله ، لماذا هداهم الله ؟ لأنهم محسنون .

( سورة العنكبوت : 69 )

    والذين هداهم الله ، لماذا هداهم الله ؟ لأنهم جاهدوا فينا ،

    فكأن الهدى والضلال إذا عزي لذي الجلال كان المعنى أن الهدى جزائيٌّ ، جزاء سلوك طريق الهدى والضلال ، أي جزاء سلوك طريق الضلال ، فمن سلك طريق الهدى هداه الله ، ومن سلك طريق الضلال ، استحق عليه الضلال ، أو حق عليه الضلال .

إذاً :

    وقفت عند كلمة ( لو شاء ) ، الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، قلت لكم سابقاً : إن قوله تعالى :

(سورة الذاريات)

    العبادة طاعة طوعيه ، تسبقها معرفة يقينه ، تفضي إلى سعادة أبدية ، هذا تعريف العبادة ، يقول الله عز وجل :

أيْ : علّة الخَلق أن يعبدوني ، فإذا عبدوني سعدوا بقربي ، وعلة الخَلق أن يسعدهم الله إلى الأبد ، هذا هو هدف الخَلق ، وهذه مشيئته سبحانه ، فمن أجل تحقيق هذا الهدف يشاء الله للعبد المصيبة لترده إليه ،

( سورة السجدة )

    أمّا أن يشاء الله للعبد الكفر ، ويرضاه له من غير ذنبٍ ، أو من دون جريرة ، فهذه عقيدة أهل الشرك ، وهذه عقيدة فرقة ضالة تسمى الجبرية ، أي إن الإنسان مجبورٌ على أعماله ، وسوف يحاسب عليه .

    استمعوا أيها الإخوة ، سيدنا الحسن بن علي رَضِي اللَّه عَنْهما يقول : " من حمل ذنبه على ربه فقد فجر ، إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً ، ولا يعصى بغلبة ، فإن عمل الناس بالطاعة لم يَحُل بينهم وبين ما عملوا ، وإن عملوا بالمعصية فليس هو الذي أجبرهم ، ولو أجبرهم على الطاعة لسقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لسقط العقاب ، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة ، فإن عملوا بالطاعة فله المنة عليهم ، وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليه " ، هذا كلام أهل التوحيد ، هذا كلام نابع من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام .

إذاً :

    فهذا الذي يقول لك : ترتيبه ، أقام العباد فيما أراد ، كلمة حق يراد بها الباطل ، أحياناً يقول : إن الله قدر عليه شرب الخمر ، والزاني قدّر الله عليه ذلك ، وما هو أقبح من القبح ؟ سؤال ، ما هو أقبح من القبح ؟ أن تريد القبح ، قد يقع منك فعل قبيح ، والفعل قبيح ، لكن أقبح من هذا الفعل القبيح أن تريده ، وأن تخطط له ، أو أن تجبر الناس عليه ، فهل يليق بحضرة الله سبحانه وتعالى ، وهل يليق بأسمائه الحسنى أن يريد لعباده الفحشاء ، وأن يحملهم على الزنى ، وأن يحملهم على شرب الخمر ؟

(سورة الأعراف : 28 )

لا يقول : إن الله أجبر العصاة على المعصية إلاّ مشرك ، بنص هذه الآية :

وأجدادنا ، هذه الأمم الضالة ، الله شاء لها ذلك ، ولا راد لقضائه ، كلام صحيح ، لكن الله عز وجل لم يشأ لعباده الكفر .

    في سورة الأنعام آية مشابهة ، قال تعالى :

 

( سورة الأنعام : 148 )

والخرص أشد أنواع الكذب ، وأقبح أنواع الكذب .

    شيءٌ آخر ، المعنى الإيجابي أن الله سبحانه وتعالى شاء أن يخلق الإنسان وفيه استعداد للهدى ، واستعداد للضلال ، كهذه السكين يمكن أن تقطع بها الخضار والفواكه ، ويمكن أن تجرح بها إصبعاً ، ففي السكين استعداد للخير ، واستعداد للشر ، فالله سبحانه وتعالى شاء أن يخلق إنساناً فيه استعداد للهدى واستعداد للضلال ، منحه بادئ ذي بدء حرية الاختيار ،

( سورة الإنسان : 3 )

( سورة فصلت : 17 )

( سورة الشمس : 7 ـ 8 )

أوجه تفسير لهذه الآية : ألهمها أن هذا الطريق التي هي فيه طريق الفجور ، جاء الملَك ، فألهمها أن هذا العمل لا يرضاه الله عز وجل ، هذا العمل يشقي ، ألهم النفس الفاجرة أنها فاجرة ، كأن تجد ابناً لك مقصراً في الدراسة ، يقول له الأب : كل يوم يا بني أنت مقصر ، وهذا التقصير سوف يجر عليك متاعب كبرى في حياتك المستقبلية ، هذا معنى ألهمها ، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ، وخلق فيه استعداداً للهدى والضلال ، وأعطاه حرية الاختيار .

( سورة الأحزاب : 72 )

    الإنسان حمل الأمانة ، أيْ حمل حرية الاختيار ، لا الملَك مخير ، ولا الحيوان مخير ، لكن الإنس والجن وحدهما مخيَّران ، ولكن هذا الخيار كيف يستخدمه ؟ مِن كرمِه جل وعلا أنه زودنا بعقل نعرف به الخير من الشر ، والحق من الباطل ، والحسن من القبيح ، والنافع من الضار ، ولكن هذا العقل ، بالإضافة إلى أنه جهاز يعد أثمن ما في الكون بثّ الله سبحانه وتعالى في الأرض آياتٍ دالةً على عظمته ، ودالةً على أسمائه الحسنى ، فإذا فكر الإنسان بعقله في آيات الله التي بثها في السماوات والأرض عرف الله عز وجل ، فإذا عرفه استقام على أمره ، وعبده ، وسعد بقربه ، وخشية أن يضل هذا العقل تكرَّم الله عز وجل مرة رابعة فأنزل الكتب من السماء .

    يعطي المدرس مسألة للطلاب ، ويقول لهم : هذا الرقم الفلاني هو الجواب ، هذا الرقم ، حلوا المسألة ، فإذا انتهيتم من حلها إلى هذا الرقم فحلُّكم صحيح ، العقل جال في هذه المسألة ، فإذا وصل إلى هذا الرقم فحلُّه صحيح .

    فالله سبحانه وتعالى خَلق في الإنسان استعدادًا للهدى والضلال ، وأعطاه حرية الاختيار ، ومنحه العقل الذي يميز به الحق من الباطل ، والخير من الشر ، والصالح من الطالح ، والقبح من الحسن ، وفضلاً عن ذلك أنزل إليه الكتب السماوية ليكون التشريع مقياساً للعقل ، وفضلاً عن ذلك أرسل رسلاً هداة مبشرين ، صدقوا الحق ، جعلهم نماذج تغري كل إنسان بالهدى ، فأنت مخير ، ولك عقل ، ويوجد كون ، وكتاب ، وإنسان عظيم طبق هذا الكتاب ، فكان إنساناً كاملاً ، جعله الله قدوة لك ، جعل لك قدوة ، وجعل لك منهجاً ، وجعل لك عقل ، وجعل لك كوناً ، وجعلك مختاراً ، وبعد هذا وذاك تقول : لم يشأ الله لي الهدى ؟! ما هذا الكلام ؟! هذا كلام لا يقوله إلا مشرك ،

    يا محمد صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

 

( سورة القصص : 56 )

الإنسان مخير ، لذلك أبو جهل ، أبو لهب ، عم النبي عليه الصلاة والسلام :

( سورة المسد : 1 ـ 5 )

أما سلمان : (( سلمان منا آل البيت )) .

[الطبراني في المعجم الكبير عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده]

وصهيب : (( نعم العبد صهيب )) .

[فتح الباري]

 

    و: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى )) .

[أحمد في المسند عن أبي نضرة عن رجل من أصحاب النبي e ]

    وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( اسْمَعُوا ، وَأَطِيعُوا ، وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ )) .

[البخاري]

(( الناس سواسية كالمشط )) .

[القضاعي في مسند الشهاب عن أنس ]

و : (( الخَلق كلّهم عِيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله )) .

[الطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود ، وأبو يعلى في مسنده عن أنس]

     إنه مقياس واحد ،

لا تقل : أَصْلي وفَصلــي       إنما أصل الفتى ما قد حصل

    وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ...)) .

[الترمذي]

    حينما كان النبي عليه الصلاة والسلام على مشارف مكة قبيل فتحها ، ورأى أبو سفيان الذي وقف مناوئاً لهذه الدعوة عشرين سنة أو تزيد حارب النبي عليه الصلاة والسلام في بدر ، وحاربه في أحد ، وحاربه في الخندق ، وحاربه في مواقف أخرى ، حينما رأى المسلمين يزحفون إلى مكة المكرمة فاتحين ، وحينما رأى أن الأصنام لم تنفعهم من الله شيئاً ، وحينما سمع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ )) .

[أبو داود عن ابن عباس]

تفاعلت في نفس أبي سفيان هذا الكمال النبوي ، فقال لسيدنا محمد عليه أتم الصلاة والسلام ، يا محمد ما أعقلك ، وما أحكمك ، وما أرحمك وما أوصلك ، النبي رحمة مهداة ، قد يحملك على الهدى ، أن ترى مؤمناً مستقيماً ، عفيفاً ، ورعاً ، متواضعاً ، حليماً ، كريماً ، سخياً ، رؤوفاً ، رحيماً ، هذا من متممات الهدى ، وشاء الله أن يخلقنا ليرحمنا ، هذه نعمة الإيجاد .

    في بعض الخطب أقول : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، يعني الحمد لله على نعمة الإيجاد ، ثم الحمد لله رب العالمين ، هذه نعمة الإمداد ، ثم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، هذه نعمة الإرشاد ، أنتم في نعم ثلاث ، نعمة الإيجاد :

( سورة الإنسان : 1 )

    ماذا أنت قبل مئة عام ؟ هل لك اسم في السجلات ؟ هل لك هوية في النفوس ؟ من أنت ؟ لا شيء ، أوجدك الله من العدم ، وأمدك بهذا الطعام والشراب ، والهواء ، والماء ، جعل لك أماً رؤوماً ، وأباً رحيماً ، أمدك بكل شيء ، نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ثم دعاك إليه ، ثم شرفك بمعرفته ، فيا رب كفاني عزاً أن أكون لك عبداً ، وكفاني فخراً أن تكون لي رباً ،

    الآن لدينا موضوع صغير جداً ، لماذا يحتجُّ الإنسان بالقدر ، الناس إذا أمرتهم بالطاعة ، أو نهيتهم عن معصية يحتجّون بالقدر ، فلو أنهم فعلوا شيئاً وَفق مصالحهم يقول لك أحدهم : أنا فعلت كذا وكذا ، أنا بحسب خبرتي وجدت من المناسب أن أفعل كذا وكذا ، لماذا إذا فعلت شيئاً لمصلحتك لا تعزوه إلى الله عز وجل ؟ وتقول : أنا فعلت كذا وكذا ، وإذا اجتنبت خطراً تقول : أنا أعلم أن هذا خطر فابتعدت عنه ، فإذا كنت غارقاً في شهوة  ، ودعيت إلى طاعة الله أتقول : إن الله قدر عليك ذلك ؟ هذا من التناقضات البشعة ، إذا فعلت شيئاً لمصلحتك تقول : أنا فعلت كذا وكذا ، وإذا ابتعدت عن شيء لمصلحتك تقول : أنا ابتعدت عن كذا وكذا ، فإذا دعيت إلى طاعة الله ، إذا دعيت إلى عمل صالح ، إذا دعيت لمجلس علم ، إذا دعيت إلى جنة عرضها السماوات والأرض تقول : الله عز وجل لم يشأ لي ذلك ؟ لم يهدني بعد ؟ من قال لك ذلك ؟

    سيدنا عمر سيق له رجل شارب للخمرة ، فقال هذا الرجل قبيل أن ينزل به الحد : " واللهِ يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك ، فقال رَضِي اللَّه عَنْه : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمرة ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال له : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله ، لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار " ، الله عز وجل جل وعلا عن أن يجبرك على معصية .

بعض المشككين في عهد أبي حنيفة النعمان رَضِي اللَّه عَنْه سألوه أسئلة ثلاثة ، وكان فطناً ذكياً ، قيل له : يا إمام ، كيف يقدّر الله علينا المعصية ، ويحاسبنا عليها ؟ وكيف نعبده ، ونحن لا نراه ؟ وكيف يعذب الجن بالنار ، وهم من النار ؟ أسئلة ثلاثة ، رأوها حجة قاطعة ، هكذا تروي بعض الكتب ، ولست في صدد التثبت من هذه القصة ، لكن لهذه القصة مغزى ، قالوا : فأخذ حجراً الإمام أبو حنيفة ، أو كدرة من طين يابس ، ورمى بها أحدهم ، فشج جبينه ، هذا الرجل ذهب إلى القاضي ، ورفع أمامه قضية ، طبعاً قال أبو حنيفة للقاضي : يزعم أننا نعبد الله ، ولا نراه ، فالألم الذي تألمت منه ، وحملك إلى أن تذهب إلى القاضي ، هل رأيته ؟ قال : لا ، ثم إنك إن كنت تعلم أن الله قدر عليك ذلك ، لماذا اشتكيت عليّ ، ألست من طين ؟ وهذه من طين ، فكيف تألمت بها ؟ أعطاه ثلاث حجج ، إنك من طين ، وهذه من طين ، فكيف تألمت ؟ والألم كيف حملك على أن تشتكي عليّ ، وأنت لا ترى الألم ؟ وإن كنت مقتنعاً أن الله قدر عليك ذلك لمَ شكوتني ؟

بصرف النظر عن صحة هذه القصة فإنّ لها مغزى ، الذي يحتج بالقدر هو العاصي ، هو الذي يريد الدنيا ، ويرفض الآخرة ، يقول لك : لم يشأ الله لي أن أصلي ، لم يهدني الله بعد ، الاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة ، باتفاق كل ذي عقل ودين في العالمين ، والمحتجّ بالقدر لا يقبل هذه الحجة من غيره ، هذا الذي يقول لك : الله الذي قدر علي هذه المعصية ، اضربه ، يثور عليك ، لماذا تثور علي ؟ الله قدر عليك ، هذا لا يرضى بهذه الحجة ، الذي يحتج بالقدر لا يرضى بهذه الحجة ، إذاً هو كاذب بحجته .

قال بعض العلماء : لو كان القدر حجة لم يحصل فرق بين العالم والجاهل ، والعادل والظالم ، والصادق والكاذب ، والبر والفاجر ، هذا قدر الله عليه أن يكون باراً ، وهذا قدر عليه أن يكون فاجراً ، لا البر لهذا ميزة ، ولا الفجر لهذا سيئة  .

إذا كان عندك طالبانِ ، فأعطيت للطالب الأول السؤال والجواب ، فأخذ علامة تامة ، وأعطيت للطالب الثاني سؤالا فوق مستوى المنهاج ، من غير كتاب ، من غير صف ، فما عرف الجواب ، فأعطيت الأول علامة تامة ، وأعطيت الثاني علامة الصفر ، فلا هذه العلامة التامة مفخرة لهذا ، ولا هذا الصفر تهمة لهذا ، فالمدرس أعطى الطالب سؤالاً مع الجواب ، فأخذ عليه علامة تامة ، وأعطى الآخر سؤالا فوق مستوى الطالب فأخذ صفراً .

لو كان القدر حجة لم يكن هناك فرق إطلاقاً بين العالم والجاهل ، هذا علَّمه ، وهذا لم يعلِّمه ، ولا بين العادل والظالم ، هذا أجبره أن يكون عادلاً فكان عادلاً ، وهذا أجبره أن يكون ظالماً فكان ظالماً ، ولا بين الصادق والكاذب ، ولا بين البر والفاجر ، فإذا آمنت بأن الله عز وجل يفعل هذا فقد ألغيت الدين كله ، وألغيت الرسل كلهم ، وألغيت الكتب كلها .

 أحدهم سأل الإمام علي كرم الله وجهه : أكان مَسيرُنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر ؟ وكأنه يعني أن القضاء لازم ، قال له : " ويحك يا هذا ، لو كان قضاءً لازماً وقدراً حاتماً ، إذاً لبطل الوعد والوعيد " ، لماذا الوعد ؟ لماذا يَعد الله المؤمنين بالجنة ؟ علام يعدهم ؟ هو قدّر عليهم أن يكونوا مؤمنين .

لبطل الوعد والوعيد ، لانتهى الثواب والعقاب .

" إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً  وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعص مكرواً ، ولم يُطع مكرهاً ، ولم يُنزل الكتب عبثاً ، ولم يبعث الأنبياء لعباً "   .

لو أنك آمنت بعقيدة أهل الشرك هؤلاء :

لكان إنزال الكتب لعباً ، وإرسال الأنبياء لهواً ، ولبطل الثواب والعقاب ، ولانتفى الوعد والوعيد ، ولتعطل كل شيء .

    المشركون يقاتلون من يأخذ لهم حقاً ، وعندئذ لا يحتجون بالقدر ، والمشركون إذا أخذ حق لهم يقاتلون ، ولا يحتجون بالقدر ، إذاً هم حين يحتجون بالقدر هم كاذبون ، الاحتجاج بالقدر في ترك حق ربهم ، لا في ترك حق أنفسهم ، لو كان لك حق عند فلان لاشتكيت عليه ، ولطالبته به ، ولا تقول : الله قدر علي ذلك ، إذا تركوا حق ربهم احتجوا بالقدر ، فإذا ترك حقهم طالبوا به ، ولم يحتجوا بالقدر .

    ملخص القول : إنه لا يحتج بالقدر إلا الجهلة ، ولو كان عندهم علم أو هدى لم يحتجوا بالقدر ، والاحتجاج بالقدر تعطيل لرسالات الأنبياء ، وللكتب السماوية كلها .

آخر فكرة في الموضوع ، أن علماء الأصول ، علماء أصول العقائد قالوا : إن الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل كلها على الآيات المحكمة ، لو أن في القرآن الكريم آية واحدة محكمة تحمل عليها كل الآيات المتشابهة ، فإذا كان هناك آية يشتبه أن فيها جبرًا ، وهناك آية محكمة تنفي الجبر ، فالآية المتشابهة تحمل على الآية المحكمة .

أوضح لكم ذلك بمثل : إذا قلت : إن القمح مادة خطرة في حياة الإنسان ، أو خطيرة في حياة الإنسان ، فكلمة خطيرة تعني أنها مادة مؤذية ، وتعني أنها مادة أساسية ، فكلمة خطيرة كلمة متشابهة ، تشبه أن تكون خيرة ، وتشبه أن تكون ضارة ، قال أحدهم : القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان ، يا ترى مادة مؤذية ؟ سامة ؟ مادة متفجرة ؟ أو أنها مادة مهمة جداً في حياته ، غذاء أساسي ، بعد سطرين جاء قول آخر للقائل نفسه : القمح مادة أساسية في حياة الإنسان ، ولا يستطيع أن يستغني عنها ، إذاً كلمة خطيرة نحملها على القول الثاني .

 فالآيات المتشابهة ، مهما كثرت ـ هكذا قال علماء الأصول ـ تحمل على الآية المحكمة ، فهذه الآية محكمة في نفي الجبر ، ولو أن في القرآن مئة آية يُشتم منها معنى الجبر فإنّ كل هذه الآيات بحسب علم الأصول يجب أن تحمل على هذه الآية ، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية ينفي الجبر كلياً ، ويصف المشركين بأنهم يعتقدون عقيدة الجبر .

    أما الإنسان فمخير ، والله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون بلا كيف ، والإنسان مخير ، وعلم الله سبحانه وتعالى لا يؤثر في اختيار الإنسان ، إذا كنت في مكان ، ورأيت إنساناً في مفترق طرق ، وعلمت أين هو ؟ وإلى أين سيتجه ؟ إن علمك باتجاهه لا يؤثر في اتجاهه .

    علم الله لا يؤثر في اختيار الإنسان ، الإنسان مخير ، والله عز وجل يعلم ما سيكون بلا كيف ، وأما الغوص في هذا الموضوع فقد نهينا عنه في أحاديث صحيحة متواترة في المعنى ، والذي أعتقده أن الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يكشف للخلائق سر القضاء والقدر :

( سورة ق )

 

( سورة يونس )

    لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، لا يتنمى الفقير أن يكون غنياً حينما يكشف له ، أما الآن فيتمنى ، أما حينما يكشف الغطاء فلا يتمنى العليل أن يكون صحيحاً ، ولا الضعيف أن يكون قوياً ، ولا القوي أن يكون ضعيفاً .

    لخص الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه هذا كله في كلمات فقال : " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ، أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني ، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة ، وأيُّ عقيدة غير هذه العقيدة فإما أن تخرج إلى القدرية ، أو إلى الجبرية ، أو إلى المعتزلة ، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة ، المعتزلة يقولون : الإنسان خالقٌ لأفعاله ، حاش لله ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، قولاً واحداً هذه عقيدة أهل السنة والجماعة ، والتي يجب أن نعتقد بها .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi