English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "09 / 21"  من تفسير سورة النحل (016) :  الآيات  : 35 – 36 عن القضاء والقدر ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع من سورة النحل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

بعثنا بمعنى ؛ أرسلنا في كل أمة ، والأمة هنا نكرة ، والتنكير تنكير الشمول ، أي ما من أمة على الإطلاق إلا وبعثنا فيها رسولا ،

رسولاً أيضاً نكرة ، إما أن تكون هذه الكلمة بالمعنى العام ، فكل من دعا إلى الله تنطبق عليه هذه الكلمة ، أو بالمعنى الاصطلاحي الفقهي الدقيق لكلمة رسول ،

فالله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة لم يترك خَلقه من دون رسل ، لا بد في كل أمة من رسول يدعو إلى الله عز وجل ، وبعضهم فَهِمَ قوله تعالى :

( سورة البقرة : 30 )

أي : لابد من أن يكون على وجه الأرض رجلٌ يدل الناس على الله سبحانه وتعالى .

على كلٍ : دعوة الأنبياء جميعاً ، ودعوة الرسل جميعاً ملخصة في هذه الكلمة : أن اعبدوا الله .

( سورة الذاريات : 56)

العبادة هي الهدف الأكبر لإرسال الرسل .

    بعض المفسرين قال : الطاغوت هو الشيطان ، وبعضهم قال : كل من طغى عن طريق الحق ؛ أي خرج عنه ، كل من طغى وبغى ، وتجاوز الحد الذي رسمه الله عز وجل فهو طاغوت ، وَاللَّه سبحانه وتعالى يأمرنا أن نجتنبه ، والاجتناب أبلغ من الترك ، أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نجتنب الخمر ، واجتناب الخمر أبلغ من تركها ، لأنك إذا جلست في مكان فيه خمر فأنت آثم ، إذا صاحبت رجلاً يشرب الخمر فأنت آثم ، إذا تعاملت بها كبضاعة فأنت آثم ، لعن الله شاربها ، وبائعاها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، فالاجتناب يعني شيئاً أكبر من الترك ، فالطاغوت يجب أن تضع بينك وبينه هامش أمان ، وكل من خرج عن طريق الحق ، وخرج عن الصراط المستقيم ، كل من طغى ، كل من بغى فهذا طاغوت يجب أن تجتنبه .

(سورة هود : 113)

    أن تركن إليه ، أن تقيم بينك وبينه علاقات حميمة ، أن تمضي معه ساعات طويلة ، أن تستشيره ، هذا ليس اجتناباً ،

    وقلت لكم في درس سابق : من أدق معاني العبادة لله عز وجل أن العبادة طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية ، تنتهي بسعادة أبدية ، شقٌ معرفي ، وشقٌ سلوكي ، وشقٌ نفسي ، فأنت إذا عرفته عبدته ، وإذا عبدته سعدت بقربه ، فكلمة ( مؤمن ) تعني أنه ذو مرتبة علمية ، لأنه ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، ولو اتخذه لعلمه ، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، والمؤمن ذو مرتبة أخلاقية ، يستقيم على أمر الله ، يفعل الخيرات ، وكلمة ( مؤمن ) تعني مرتبة جمالية ، فهو أسعد الناس ، وأعلمهم ، وأكثرهم انضباطاً ، أما أن تظن أن المؤمن إنسان تعلق بالأوهام ، واتكل ، وتواكل ، وقعد ، ورضي بالقليل ، وكان متشائماً ، هذا ليس من الإيمان في شيء ، لأن علو الهمة من الإيمان ، وما من إنسانٍ على وجه الأرض لم يعرف الله سبحانه وتعالى إلا وله خريف عمر ، يذوي عوده ، تنحط قواه ، يميل إلى الراحة ، ينسحب من المجتمع ، إلا المؤمن ، فكلما ازداد عمره سنة ازداد نشاطاً ، وازداد إقبالاً ، وازداد طاعةً ، وازداد معرفة ، وازداد مكانةً ، لذلك قالوا : المؤمن لا يشيخ ، يشيخ جسمه ، ولا تشيخ نفسه ، لأن هدفه كبير ، وهدفه أكبر من حاجاته ، أما أهل الدنيا إذا حصل على مبلغٍ وفير ، وبيتٍ كبير وفراشٍ وثير اطمأن ، وقعد ، لكن المؤمن لا يشغله شيء عن طاعة الله عز وجل .

( سورة النور : 37)

    قال سعد : " ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أن أنصرف منها ، ما سمعت حديثاً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى .

    فالإنسان له عمر زمني ، وهذا من أتفه الأعمار ، وله عمر عقلي ، وله عمر انفعالي ، وله عمر تحصيلي ، وله عمر إيماني ، وعمره الإيماني من أثمن الأعمار .

( سورة الحجر : 72)

    أقسم الله سبحانه وتعالى بعمر نبيه الثمين ، فهذا العمر كيف تمضيه ؟ هل تقول إلى من يدعوك إلى لهوٍ ، أو تضييع وقت ، أو إلى عملٍ سخيف لا طائل منه ، هل تقول له : لم أُخلَق لهذا ؟ " إن ساعة تمضي في غير ما خُلقتُ له لجدير أن تطول عليها الحسرة يوم القيامة " ، هذا قول الإمام الغزالي .

    فلذلك : العبادة معرفة ، وطاعة ، وسعادة ، جانب عقلاني ، وجانب أخلاقي ، سلوكي ، تعاملي ، وجانب نفساني ، فالمؤمن عالمٌ ، وأخلاقيٌ ، وسعيدٌ ، إن لم تكن كذلك فابحث عن وسائل يرقى بها إيمانك .

    مِن الناس التي أرسلت إليهم الرسل ، من هؤلاء الناس مَن هدى الله ، ومِن هؤلاء الناس مَن حقت عليهم الضلالة ، لكن السؤال الدقيق : لمَ لمْ يقل الله عز وجل : فمنهم من هدى الله ، ومنهم من أضل الله ، أو لمَ لم يقل : منهم من حق لهم الهدى ، ومنهم من حقت عليهم الضلالة ؟ لماذا في موضوع الهدى قال الله عز وجل :

وفي موضوع الضلالة قال الله عز وجل :

الحقيقة ليتضح الفرق بين التعبيرين لا بد من طرح المثل .

    لو أن معلماً مخلصاً بذل جهداً كبيراً في إعداد الدروس ، وفي توضيح الحقائق ، وفي ضبط التلاميذ ، وفي متابعة وظائفهم ، كان يمضي ساعات طويلة يعدّ الدروس ، ويأخذ الدفاتر ليصححها في البيت ، ويجلس مع كل طالب ليوضح له أغلاطه ، فإذا مضى عام والمدرس يفعل هذه الجهود الجبارة من أجل أن يرقى بتلاميذه إلى المستوى المطلوب فالفضل عائد لمن ؟ لهذا المدرس ، لكن الطالب الذي لم يداوم أيكون المدرس قد حرمه ؟ لا والله ، قوانين التربية والتعليم طبيعة والتعلم تقتضي أن يبقى هذا الطالب جاهلاً ، لأنه لم يداوم ، فالضلال حق عليه ، بمعنى أن بُعْده عن قاعة الدرس ، واستنكافه عن الدوام جعله في جهالة ، فحقت عليه الجهالة ، وحقت عليه الضلالة ، يجب أن يرسب ، لا لأن المعلم حرمه من النجاح ، لا ، الذي داوم استفاد فائدة ما بعدها فائدة من المعلم ، والذي أبى أن يداوم ، أبى أن يلتحق بهذه المدرسة ، حقت عليه الضلالة ، وهذا شيء طبيعي .

    إن اهتديت إلى الله عز وجل فالفضل عائد إليه ، وإن ضل الإنسان فقد استحق الضلالة ، لأن الأنظمة انطبقت عليه ، أيعقل لطالب لم يدخل قاعة الدرس أبداً أن ينجح ، مستحيل ، طبيعة التعليم وقوانين التربية والتعليم لا تسمح لهذا الطالب أن ينجح ، فالمدرس فعل جهده ، فعل ما عليه ، لو أنه داوم في هذا الصف لاستفاد كما استفاد الآخرون ،

    موضوع الهدى والضلال موضوع شائك ، هناك أناس يتسرعون ، فيعتقدون اعتقاداتٍ باطلة وفاسدة في موضوع الهدى والضلال ، فبعض الناس يعزو الضلالة إلى الله سبحانه وتعالى ، يقول : هو أضلَّ الناس ، في موضوع الهدى والضلال ما يزيد على أربعمئة آية في كتاب الله ، أربعمئة آية في كتاب الله تتحدث عن الهدى والضلال ، مِن استقصائها ، والوقوف عند بعضها ، وتصنيفها يتضح الموضوع جداً  .

    أولاً : تعريف الهدى ، ما تعريفه ؟ ربنا سبحانه وتعالى في بضع آيات أعطى معنى الهدى ، فقال :

( سورة الحديد : 26)

ما الذي يقابل الهدى ؟ الفسق ، فالمهتدي لا يكون فاسقاً ، فمن لوازم الهدى الانضباط السلوكي ، والاستقامة على شرع الله ، فالذي يقول لك : أنا مهتد ، وهو يعصي الله عز وجل ، هذا كاذب بنص هذه الآية  :

تعريف آخر للهدى : قال تعالى :

( سورة البقرة : 157)

    أيها الأخ المهتدي ، يا من تزعم أنك مهتد ، هل تشعر بصلوات الله تنزل على قلبك ؟ هل تشعر بتجلّيات الله تملأ نفسك ؟ هل تقول : أنا أسعد الناس ؟ أنا أسعد الناس إلا أن يكون أحد أسعد مني ، بمعنى أتقى مني ، هل تحس أن قلبك مفعم بالسعادة ، راضٍ عن الله ، راضٍ عن حكمه ، راضٍ بقضائه ، مستسلم له ، من صفات الهدى :

( سورة البقرة : 157)

من لوازم الهدى :

( سورة الأنعام : 82)

    هل تحس بالأمن ؟ توقُّع المصيبة مصيبة أكبر منها ، أنت من خوف الفقر في فقر ، أنت من خوف المرض في مرض ، هل تحس أن الله يدافع عنك ؟ هل تحس أنك في حفظ الله ؟ في عنايته ؟ هل تحس أن الله عز وجل لن يتخلى عنك ؟ وأنه يعاملك معاملةً خاصة ، هل أنت مصدق قوله تعالى :

( سورة النحل : 97)

( سورة الأنعام : 82)

( سورة الأنعام : 56)

    من علامات المهتدي أنه لا يتبع الهوى ، لأن اتباع الهوى هوان .

( سورة النازعات : 40)

( سورة يونس : 45)

    وهذا الذي يقول لك : تنتهي الحياة بالموت ، ولا شيء بعد الموت ، هو في ضلالٍ كبير ، فصار الهدى أن تؤمن أن بعد الحياة حياة أبدية ، وأنها هي الحياة ، لو أنك تعلم الحقيقة .

( سورة الفجر : 24)

من لوازم الهدى : ألاّ تنقاد للهوى .

ومن لوازم الهدى : أن تحس بالأمـن .

ومن لوازم الهدى : أن تكون منضبطاً ، مستقيماً على أمر الله .

ومن لوازم الهدى : أن تحس بصلوات الله ، ورحمته نازلة على قلبك .

    هذه الآيات توضح جانباً من معاني الهداية .

    شيء آخر ، آثار الهداية ، قال تعالى :

( سورة يونس : 108)

    إنك إن اهتديت لا تفعل شيئاً مع الآخرين ، كل ما تفعله عائد إليك ،

    من آثار الهداية :

( سورة البقرة : 38)

    من لوازم الهدى : أنك لا تندم على ما فات ، ولا تخشى مما هو آت ، أمنٌ ، وطمأنينة .

    من آثار الهدى : قال تعالى : 

 

( سورة طه. 47)

حياتك في سلام ، في دعة ، في رضى .

( سورة يس : 58)

     السلام من أسماء الله ، السلام عليك أيها المهتدي ، والسلام على من اتبع الهدى ، هذا من آثار الهدى .

( سورة طه : 123 )

لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه .

( سورة العلق : 11)

    المهتدي له شخصية متميزة ، صادق في كلامه ، وفيٌّّ لوعوده ، يحفظ عهده ، يفي بوعده ، لا يكذب ، لا ينافق ، يرحم ، يحلم ولا يفجر ، يعطي ولا يمنع ، هذه صفات أساسية .

( سورة العلق : 11 ـ 13)

    كيف هي مواعيده ؟ وكيف هي عهوده ؟ وكيف هي علاقاته ؟ وكيف هو قلبه ؟ مفعم بالقسوة ، هناك فرق صارخ بين الهدى وبين الضلال ، بين المهتدي وبين الضال .

( سورة الملك : 22 )

    الآيات الأولى كأنها عرَّفت طبيعة الهدى ، والآيات الثانية كأنها بينت نتائج الهدى ، من منا لا يتمنى أن يكون آمناً ، مطمئناً ، موفقاً ، سعيداً ، في سلامٍ ، ورخاءٍ ، وإقبالٍ ، وأنوارٍ ، هذا هو الهدى ، لذلك دائماً أنا أفرق بين الثقافة والهدى ، لو أنك تطالع الكتب ، وتقرؤها ، وتحفظها ، ولست مستقيماً على أمر الله ، ولست مقبلاً عليه ، إن دماغك يمتلئ بالملومات القيمة ، ولكنك لا تسعد بهذه المعلومات ، الثقافة شيء ، والهدى شيء آخر ، الثقافة مجموعة معلومات دقيقة ، كثيرة ، محشوة في دماغك ، هذه هي الثقافة ، الثقافة تجعلك متحلقاً ، الثقافة تجعلك تنزع إعجاب الآخرين ، ولكن الهدى يجعلك سعيدًا ، ويجعلك مسعِدًا ، تسعد أولاً ، وتسعد ثانياً ، فشتان بين الثقافة والهدى ، شتان بين الجمع وبين النبع . 

    شيءٌ آخر :

( سورة الملك : 22 )

    ربنا عز وجل قال :

( سورة النحل : 36)

    مَن هذا الذي يهديه الله ؟ هذه كلمة موجزة ، هل هناك آيات تفصيلية توضح من الذي يهديه الله سبحانه وتعالى ؟

    هناك آيات كثيرة توضح من الذي يستحق الهدى ، القرآن فيه إجمالٌ وتفصيل ، إذا قرأت قوله تعالى .

( سورة فاطر : 8 )

    فهذه آية مجملة ، تفصيلاتها في خمسين آية

    من هذا الذي يهديه ؟ ومن هذا الذي يضله ؟ الله عز وجل يقول :

( سورة البقرة : 258 )

    من هذا الذي حقت عليه الضلالة ؟ هو الظالم ، لقوله تعالى :

    الظالم لا يهديه الله سبحانه وتعالى ، فقط الظالم ! .

( سورة البقرة : 264 )

    كلمة الظالم واسعة جداً ، من معانيها الواسعة ظلم النفس ، من معانيها الضيقة ظلم الآخرين ،

( سورة المائدة : 108 )

    لا يهدي الكافرين ، ولا يهدي الظالمين ، ولا يهدي الفاسقين ، فمن كان متلبساً بالفسق ، أو متلبساً بالكفر ، أو متلبساً بالظلم فلن يهديه الله سبحانه وتعالى ، وهذا تحق عليه الضلالة .

( سورة يوسف : 52 )

أيّة خيانة فصاحب الخيانة محجوب بخيانته ، لن يهتدي إلى الله عز وجل ، خيانته حجاب بينه وبين الله ،

( سورة الزمر : 3 )

    الكذب أيضاً حجاب بينك وبين الهدى ، فالظلم ، والكفر ، والفسق ، والخيانة ، والكذب ، هذه الصفات إذا تلبّس بها الإنسان حَرمته الهدى ، وكانت حجاباً بينه وبين الله سبحانه وتعالى .

 

( سورة غافر : 28 )

    الإسراف في أخذ الحق ، الإسراف في النفقات ، الإسراف في التعدي ، الإسراف في الظلم ، أي أنواع الإسراف حجاب بينك وبين الله سبحانه وتعالى ، الله عز وجل لا يهدي الظالم ، ولا الكافر ، ولا الفاسق ، ولا الخائن ، ولا الكاذب ، ولا المسرف .

( سورة النحل : 104 )

    وهذا الذي يدير ظهره لآيات الله في الكون ، لا يفكر إلا في مصالحه ، إلا في قوت يومه ، إلا في رزقه ، أما أن يفكر في كأس الماء ، كيف جعله الله عذباً فراتاً بعد أن كان ملحاً أجاجاً ، أما أن يفكر في طعامه ، أما أن يفكر في خَلقه ، في بدء خَلقه ، أما أن يفكر في الشمس والقمر ، في الليل والنهار ، في السماوات والأرض ، في الجبال والسهول ، في البحار والأنهار ، في الأسماك والأطيار ، في هذا الذي يرتدي ، في هذا الذي يجلس عليه ، أن يفكر في خَلقه ، من خلال خَلق ابنه ، أن يفكر في هذه الطباع التي طبع الله بها مخلوقاته ،

    الإيمان بآيات الله طريقٌ للهدى .

( سورة الإسراء : 94 )

مِن موانع الهدى أن تقول : فلان مثلي ، أعرفه حينما كان صغيراً ، كيف صار يهدي الناس ؟ الكِبْر أحياناً ، والحسد ، والاستعلاء يمنعك أن تهتدي ، هذا من موانع الهدى ، ألم يقل الله عز وجل :     

    تحق الضلالة على الظالم ، وعلى الكافر ، وعلى الفاسق ، وعلى الخائن ، وعلى الكذاب ، وعلى المسرف ، وعلى الذي لا يؤمن بآيات الله ، وعلى الذي يستعلي ، ويستكبر ، وعلى الذي يخاف خوفاً لا مبرر له .

( سورة القصص : 57)

    غير المؤمن يقول : لأنه يطيع الله سبحانه وتعالى يتوهم أن أخطاراً جسيمة سوف تصل إليه ، الخطر يأتيك من طاعة الله ! هذا كفر بالله ، كيف تعبده وتسيء الظن به ؟ أيدعك لأعدائك ، أيسلمك لخصومك ؟ أيتخلى عنك وأنت تطيعه ؟

 

(سورة النحل)

هذه المقولة منعتهم من الهدى ، وكل من يقول : لو أنني فعلت كذا وكذا أخاف على مستقبلي ، أخاف على مستقبل حياتي ، أخاف على أولادي ، أخاف على دخلي ، أخاف على رزقي ، إذا أطعت الله عز وجل ينقطع رزقك ؟! كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، أتخاف على رزقك من طاعتك لله عز وجل ؟! طاعة الله تسبب تلف رزقك ؟

    شيءٌ آخر ، مشاقة الرسول e سبب للضلال ، فالله سبحانه وتعالى يحق على العبد الضلال إذا كان فاسقاً ، ظالماً ، كافراً ، كذاباً مسرفاً ، خائناً ، مستعلياً ، لا يعمل فكره في آيات الكون ، يخشى من غير مبرر ، يستجيب للشيطان حينما يخوفه .

( سورة آل عمران : 175)

    هذه بعض الأسباب التي وردت في كتاب الله ، والتي إذا وجدت إحداها في الإنسان استحق الضلال ،

    الآن سؤال : متى يستحق الإنسان الهدى من الله عز وجل ؟

    هذه آية محكمة ، موجزة ، مجملة ، أين تفصيلاتها ؟ قال تعالى :

( سورة العنكبوت : 69 )

    هل بذلت مالك ؟ هل بذلت وقتك ؟ هل ضبطت مشاعرك ؟ هل إذا حركت مشاعرك شهوة فقلت : إني أخاف الله رب العالمين ؟ هل بكت عينك من خشية الله ؟ هل قلت : أين الله ؟ لا أفعل هذا ، معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، هل تجاهد في سبيل الله ؟ هل تجاهد نفسك وهواك ؟ كما قال عليه الصلاة والسلام : (( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، جهاد النفس والهوى )) .

[ذكره المناوي في فيض القدير ، شرح الجامع الصغير ]

    أيها الأخوة الأكارم ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو أنكم تحركتم إلى الله شبراً ، أو ذراعاً ، أو باعاً ، فإن الله سبحانه وتعالى يزيدكم من فضله ، ويعطيكم ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : (( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً )) .

[متفق عليه]

    ما إن تتحرك نحو الله سبحانه وتعالى ، ما إن تعقد العزم على التوبة حتى يتلقاك الله بالبشر ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض : أن هنئوا فلاناً ، فقد اصطلح مع الله ،

    قبل قليل ذكرت لكم موانع الهدى ، ما الذي يمنع الإنسان من أن يهتدي ؟ متى تحق عليه الضلالة ؟ الكفر ، والفسق ، والظلم ، والخيانة ، والكذب ، والإسراف ، والاستعلاء ، وتعطيل الفكر ، ووسوسة الشيطان ، ومشاقّة الرسول ، هذه كلها موانع الهدى ، موجبات الهدى مجاهدة النفس والهوى ، هل تغض بصرك عن محارم الله ؟ هل تمتنع عن سماع أغنية تغضب الله عز وجل ؟ من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة ، فهل تمنع نفسك من غيبة ممتعة يضحك لها الناس ؟ هذه غيبة لأخ مؤمن ، هل تمنع نفسك من نميمة ؟ من  شتيمة ؟ من فحش ؟ من إيقاع للشقاق بين الناس ؟

من موجبات الهدى :

( سورة المائدة : 16 )

    دائماً وأبداً أنت تعرف من دون معلم أن هذا العمل يرضي الله ، وذاك العمل يغضب الله ، لو قال لك أحدهم : اصرف لي هذه الليرات الخمس ، والدرج مليء بالقطع الصغيرة ، تعلم علم اليقين أنك إذا قلت له : ليس عندي ، تعلم أن هذا العمل لا يرضي الله ، وأنك إذا فرَّجت همه فإن هذا يرضي الله ، تعلم علم اليقين أن أمك إذا طلبت منك حاجة ، وقد عدت إلى البيت مُنهَك القُوى ، تعلم علم اليقين أنك إذا قلت لها : لا أستطيع ، أو هذه الحاجة غير موجودة ، أو المحلات أغلقت ، أو هذا الدواء مفقود ، فأنت بهذا أرحت جسمك ، لكن الله لا يرضى عنك ، وتعلم علم اليقين أنك إذا خرجت من البيت ثانية ، واتجهت إلى الصيدلية المناوبة ، وأتيت لها بالدواء تنام وَاللَّهُ راضٍ عنك ، في كل حركة وسكنة ، المشتري يقول لك : انصحني ، فإذا نصحته بشيءٍ كاسدٍ عندك تعلم أن هذا يغضب الله ، وأنك إذا نصحت بأحسن ما عندك فهذا يرضي الله ، تعلم هذا بالفطرة ، ولو لم تحضر مجلس علم ، بالفطرة تعلم أنت ما الذي يرضي الله عز وجل ، وما الذي يسخطه ، في علاقتك بزوجتك ، علاقتك بأولادك ، علاقتك بجيرانك ، علاقتك بإخوانك ، بأصدقائك ، بزبائنك ، بمن تعرف ، أنت في كل لحظة تمتحن ، فإما أن تتبع ما يرضي الله ، وإما أن تتبع ما يسخط الله ، إذا دعيت إلى سهرة مختلطة فاعتذرت ، فإن هذا يرضي الله ، فإذا استجبت فإن هذا يسخط الله عز وجل ، إذا دعيت إلى كسب حرام فأغراك المبلغ الكبير ، فهذا يسخط الله سبحانه وتعالى .

    فربنا عز وجل من موجبات الهدى :

( سورة المائدة : 16 )

    هل تتبع رضوان الله ؟ هل أنت حريص على رضاء الله عز وجل ؟ هل تقول : يا رب ، أنت مقصودي ، ورضاك مطلوبي ، هل ترى أن رضاء الله عنك هو أثمن ما في الحياة ؟ هل ترى أن أعلى مرتبة في الكون أن تقول : رضي الله عن فلان ، هل أنت ممن ترضي الله ، فإذا كنت كذلك فالله يهديك .

الموجب الثالث :

( سورة الجن : 13)

هل تصغي إلى الهدى ؟ هل تستجيب إلى الهدى .

( سورة آل عمران : 193)

    هل عندك تعطُّش إلى الحق ؟ بحيث لو سمعت الهدى استجبت له ، أم أن هذا الكلام لا يحرك فيك شعوراً ، ولا وجدانًا ، ولا محبة ، ولا شوقاً ، وأنت غارق بالملذات ،

( سورة الجن : 13)

الموجب الرابع : يهدي به من أناب ، من عاد إلى الله عز وجل ، هل عُدتَ له بالتوبة ؟ هل عدت إليه بالطاعة ؟ إذا عدت إليه بالتوبة ، وعدت إليه بالطاعة فأنت ممن يستحق الهدى .

( سورة يونس : 9 )

    لماذا هداهم ربهم بإيمانهم ؟ لأنهم عملوا الصالحات ، لم يكتفوا بالقول ، بل أتبعوا القول بالعمل ، حينما أتبعوا القول بالعمل استحقوا أن يهديهم ربهم بإيمانهم .

( سورة آل عمران : 101 )

    إذا ألمّت بك الملمّة ، إذا بدا لك شبح مصيبة ، بمن تعتصم ؟ بزيد أو عبيد ، أو بمالك الوفير ، أم بجاهك العريض ، أم تقول له : يا رب ، بالمناجاة ، ليس لي إلا أنت ، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه .

 

( سورة النور : 54 )

    ثمن الهدى أيضاً طاعة الله ، في المنشط و المكره ، فيما عرفت حكمته ، وفيما لم تعرف ، هذا من موجبات الهدى .

ومن موجبات الهدى :

( سورة البقرة : 150 )

من موجبات الضلالة : الذين يقولون :