English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "01 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 1 – 10    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين  .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة الإسراء :

  

    الموضوع متعلق بمعجزة الإسراء ، لماذا بدأت هذه المعجزة بقول الله سبحانه وتعالى :

؟ سبحان اسم ناب مناب المصدر ، والمصدر ناب مناب الفعل ، قد تقول : أشكرك ، هذا الفعل ، وقد تقول : شكراً ، هذا مصدر ناب مناب الفعل ، سبحان اسم ناب مناب مصدر ، والمصدر ناب مناب الفعل ، أي : سبّحْ ، ومعنى سبحْ أي : نزّه ، ومعنى سبّحْ أي : مجّد ، نزّه ومجد ، ما علاقة التسبيح بهذه المعجزة التي كانت في حق النبي عليه الصلاة والسلام ؟ العلاقة أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الكون ، خلقه وفق نظام ، وجعل لكل سبب نتيجة ، وجعل فيما يبدو لنا الأسباب تؤدي إلى نتائج ، لكن الناس بعد أن ألِفوا أن هذه الأسباب تؤدي إلى النتائج ، قد يغفلون عن أن مسبب الأسباب هو الله ، وأن السبب وحده لا يكفي لإحداث النتيجة ، لذلك قد تأتي النتائج من دون أسباب كافية ، وقد تكون الأسباب ، ولا تحقق النتائج المتوقعة ، إذا وجد السبب ولم يحقق النتيجة المتوقعة ، كان هذا دليلاً على أن السبب وحده لا يكفي لتحقيق النتيجة ، وإذا كانت النتيجة من دون سبب ، معنى ذلك أن السبب ليس له دور حقيقي في إحداث النتيجة ، لكن الله سبحانه وتعالى هو الخالق ، هذا يتضح بمَثَل :

    الله سبحانه وتعالى جعل توالد البشر عن طريق الزواج ، فلا بد من زواج بين رجل وامرأة لتنجب المرأة طفلاً ، وهذا هو النظام العام ، وهذا هو القانون المفترض ، وإذا عطّل الإنسان فكره وتوّهم أن كل زواج يؤدي إلى مولود ، عندئذ نجد حالة العقم .

    رجل وامرأة ، والرجل والمرأة لا ينجبان طفلاً ، وقد خلق الله عز وجل آدم من دون أب ولا أم ! وخلق سيدنا عيسى من دون أب ، وخلق السيدة حواء من دون أم ، إذاً ما كل سبب يؤدي إلى نتيجة ، معنى ذلك : أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق ، وما هذه الأسباب إلا قرائن رافقت النتائج ، لكنها ليست هي الخالقة .

    ثمة مَثَلٌ ضربه علماء التوحيد : أن مصباحاً كهربائياً موصولاً بشريط ، والشريط ينتهي بمفتاح ، والمفتاح بيد رجل ، وهناك مفتاح كهربائي ليس موصولاً بالمصباح ، جاء شخص اقترب من المفتاح ، وضغطه فتألق المصباح ، توهم هذا الداخل أنه هو الذي أشعل هذا المصباح ، هذا العمل تكرر كلما وضع يده على هذا الزر ، ضغط الرجل الزر الحقيقي فتألق هذا المصباح ، إلى أن اعتقد هذا الإنسان بسذاجة وتوهم أنه هو الذي يشعل المصباح ، ذات مرة دخل ووضع يده على المفتاح ، لم يتألق المصباح ، إذاً هذه الضغطة على الزر غير كافية لتألق المصباح ، وفي مرة ثانية تألق المصباح من دون أن يضغط على الزر ، استنتجنا أن هناك جهة أخرى هي التي تشعل المصباح ، وما هذا الزر إلا ترافق ، كلما تألق المصباح رافق ذلك ضغط الزر ، السبب وحده غير كاف لإحداث النتيجة ، هذا أول معنى ، ولذلك فربنا عز وجل من حين لآخر يخرق هذه القوانين ، يبطلها أو يعطلها ، تأتي النتيجة بلا سبب أي : أبطلها ، يكون السبب ولا تكون نتيجة ، أي : عطّلها ، وأحياناً هذه القوانين تبطل أو تعطل ، من أجل أن تؤمن أنه لا إله إلا الله ، وأن الله هو الخالق ، وأن السبب وحده لا يكفي لإحداث النتيجة .

    لذلك أن ينتقل إنسان من مكة إلى بيت المقدس ، وأن يعرج إلى السماوات ، وأن يصل إلى سدرة المنتهى ، وأن يعود إلى مكة في جزء يسير من الليل ، هذا فوق طاقة البشر ، لا يمكن أن يُحْدِثَ هذا إلا خالق الكون الذي بيده أن يعطل قوانين المكان والزمان ، فالزمان له قانون ، والمكان له قانون ، الله سبحانه وتعالى عطّل قانون المكان ، وقانون الزمان ، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وانتقل بجسده الطاهر وبروحه الشريفة من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ، ومن بيت المقدس إلى السماء ، فالانتقال من مكة المكرمة إلى بيت المقدس إسراء ، والانتقال من بيت المقدس إلى السماوات العلا معراج ، إذاً جاءت كلمة ( سبحان ) ، أي نَزّه هذا الرب ، وعظّمه ، ومَجَّدَهُ ، فهو الذي بيده كل شيء ، بيده المكان ، ولو شاء لألغى قوانين المكان ، وبيده الزمان ، ولو شاء لألغى قوانين الزمان ، إذاً : ( سبحان ) تعني ما أعظم الخالق الذي بيده كل شيء ، الأسباب صور ، والنتائج صور ، وهو كل شيء .

( سورة الفتح : 10 )

( سورة الأنفال : 17 )

     لا يحدث شيء إلا بأمر الله وعلمه وقدرته وتقديره .

     إذاً مناسبة أن تأتي كلمة ( سبحان ) في مطلع سورة تشير إلى معجزة تمت للرسول عليه الصلاة والسلام بانتقاله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ومن المسجد الأقصى إلى السماوات العلا ، في جزء يسير من الليل ، هذه معجزة فيها خرق لقوانين المكان والزمان ، ولا يستطيع أن يفعلها إلا خالق الكون ، وخالق المكان ، وخالق الزمان .

    

سبّح أيها القارئ ، أيها المؤمن ، أيها المسلم ، ونَزِّه وَمَجِّد وَعَظِّم .

    

أسرى ، يقال : سرى وأسرى ، سرى مشى في الليل ، سرى مشى في آخر الليل ، وأسرى مشى في أول الليل ، فإذا قال الله سبحانه وتعالى :

     

كان المعنى : أنه أسرى بعبده ليلاً ، فلماذا جاءت كلمة ليلاً ؟ العلماء قالوا : جاءت كلمة ليلاً لتؤكد أن الإسراء تم بالليل ! كأن تقول :

( سورة النحل : 51 )

إله تعني أنه واحد ، إلهٌ مُفْرَد ، لكن تأكيداً على أن المطلوب ليس معنى إثبات الألوهية ، بل المقصود إثبات الألوهية والوحدانية .

    

اثنين توكيد ، وواحد توكيد  .

    

     تأكيد على أن هذه المعجزة تمت في الليل ، أما كلمة ليلاً جاءت نكرة ، ودليل أنها نكرة جاءت مُنَوَّنَة ليلاً ، وهذه إشارة إلى أن هذه المعجزة تمت في جزء ، هذا التنكير تنكير تبعيض ، وهناك تنكير شمول ، أو تنكير تمكين ، هذا التنكير تنكير تبعيض ، أي : لم تستغرق هذه المعجزة الليل كله لا ، ليلاً ، أي في جزء يسير من الليل  .

     كأن تقول

( سورة الكهف :  58 )

     الرحمة معرفة بأل ، أو تقول

( سورة آل عمران : 159 )

       أي : كل ما في قلبك من الرحمة يا محمد ما هو إلا جزء يسير من رحمة المولى القدير .

     

      في جزء يسير من الليل انتقلت في البيت الحرام من المسجد الحرام ، إلى المسجد الأقصى ، إلى السماوات العل ، وعدت ولا يزال الفراش ساخناً ! هذا أول معنى .

     المعنى الثاني : لماذا قال الله عز وجل :

   

       أن الليل جاء ليؤكد أنه وقت المناجاة والتجلي والاتصال ، وبعض العارفين بالله كان يناجي ربه : يا رب ، قد هجعت الطيور إلى أعشاشها ، وأغلقت الملوك أبوابها ، وآوى كل حبيب إلى حبيبه ، وأنا واقف ببابك ، أرتجي جنابك يا رب .

         الليل وقت المناجاة ، ووقت الاتصال ، ووقت التهجد ، ووقت الإقبال والتضرع ، سبحانك لا يطيب الليل إلا بمناجاتك ، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك ، لا تطيب الدنيا إلا بذكرك ، ولا تطيب الآخرة إلا ببرك .

    إذاً أول معنى : أن الليل تأكيد إلى أن الإسراء تم في الليل .

   والمعنى الثاني : أن ليلاً المنكرة تنكير تبعيض دليل على أن هذه المعجزة التي تحتاج إلى سنوات وسنوات تمت في جزء يسير من الليل !

     القمر يعد أقرب شيء للأرض ، يكاد القمر والأرض يكونان كوكباً واحداً ! القمر يبعد عنا ثانية ضوئية ، فإذا تألق ضوء في القمر وصل إلينا في ثانية واحدة ، والشمس تبعد عنا ثماني دقائق ، والمجموعة الشمسية قطرها ثلاث عشرة ساعة ، وطول درب التبانة مئة وخمسون ألف ثانية ضوئية ، وبعض المجرات تبعد عنا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية !

( سورة الواقعة )

       هذا القمر الذي يعد هو والأرض ككوكب واحد ، يبعد عنا ثانية ضوئية ، والمركبة التي توجهت إليه بقيت ثلاثة أيام بلياليها منطلقة إليه بأقصى سرعة ركبها إنسان ، سارت أربعين ألف ميل في الساعة ! والطائرة الحديثة جداً سرعتها ألف ميل ، طائرات والركاب فسارت ألفًا ، وبعضها ستمئة ، بعضها تسعمئة ، الحديثة ألف ، أما هذه المركبة فتسير ربعين ألفاً في الساعة ! ومع ذلك احتاجت هذه الرحلة إلى ثلاثة أيام ! أما النبي العدنان عليه الصلاة والسلام فأسرِي به من مكة ، إلى بيت المقدس ، إلى السماوات العلا ذهاباً وإياباً وعودة ، والفراش لا يزال ساخناً ، وعُطِّلَت قوانين الزمان ، وعُطِّلَت قوانين المكان ، ولا يفعل هذا إلا الواحد الديان ! لا يوجد جهة أخرى ، مهما كنت ذا قيمة وشأن فمن دمشق إلى حلب بالسيارة تقطعها في أرع ساعات أو ثلاث ساعات ، هذه طاقة البشر ، في الطائرة نصف ساعة ، وهل تستطيع أن تكون في ثانية بحلب ؟ كن من تكون فلن تستطيع ذلك ! لا يخرق هذه القوانين إلا الله سبحانه وتعالى ، إذاً :

     

     أما كلمة ( عبده ) فهي أكمل المخلوقات خُلُقَاً وعِلماً ، وأكملهم عبودية ! وأعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض أن يكون عبداً لله ، إذا كمل علمه كملت عبوديته ، وإذا قال : أنا فهو جاهل ، من أنت ؟ كنت لا شيء ، فأصبحت به خير شيء ، في الورى قد طبعك ، إذا قال : أنا ذاكرتي قوية ، فالله عز وجل قادر في لمح البصر أن يجمد قطرة دم في بعض شراين المخ فيفقد ذاكرته ! وإذا قال : أنا محاكمتي قوية ، جمعت أعلى مجموع في الشهادة الثانوية ، فالله عز وجل قادر أن يقوم بانفجار في بعض شرايين المخ فيصبح مجنوناً ونزيلاً في بعض المستشفيات العقلية ! وإذا قال : أنا قوي أحمل كذا كيلو ، وحَصل على رقم أولمبي مثلاُ ، فممكن أيضاً بشريان آخر تأتيه خثرة دموية فيغلق فيصاب الإنسان بالشلل ! إذاً كمال علمك ، يؤدي إلى كمال عبوديتك ، وكمال خلقك يؤدي إلى كمال عبوديتك ، إذا عرفت نفسك حقيقة فأنت عبد لله ، ثلاث كلمات مهلكات : أنا ، ولي ، وعندي ، قال إبليس :

(سورة الأعراف)

فأهلكه الله عز وجل .

وقال قارون:


(سورة القصص)

وقال فرعون :

(سورة الزخرف)

       فكلما ارتقى علمك اقتربت من العبودية ، وكلَّما ارتقت نفسيتك اقتربت من العبودية ، فإذا بلغت قمة الكمال البشري فأنت عندئذ لا تزيد على أن تكون عبداً لله ، وإذا كنت عبداً لله رفعك الله ، وأعزك الله ، وأمدك الله ، وأغناك . 

( سورة الشرح)

       إذا كنت عبداً لله فأنت عزيز في الدنيا والآخرة ،  إذا كنت عبداً لله فأنت غني بكل ما تعني هذه الكلمة ، تحس بالغنى والغنى ليس عن كثرة العَرَض ، ولكنَّ الغِنى غِنى النفس ، لذلك :

اجعل لربك كل عـز      ك يستقر ويثبت

فإذا اعتززت بمن يمو   ت فإن عزك ميت

***

   كلمة ( بعبده ) أي : كلما تعمَّقْتَ بالتوحيد اقتربت من العبودية ، والعبودية تعني أنك مِنْ أعز الناس ، ومن أكرمهم ، وأرفعهم شأناً ، وهل في الأرض كلها إنسان أعزه الله كهذا النبي العظيم ؟

    قال لي أخ كريم : إنه تمكن قبل سنوات بقدرة قادر ، وبشكل غير طبيعي أن يدخل الحجرة النبوية ! وأن يغسلها بنفسه ! وقيل له : إياك أن تتلف هذه المناشف التي نشفت بها الحجرة ، فهذه مباركة ، فهذه الحجرة النبوية يتشرف الملوك بتنظيفها ! فما قولك بصاحب هذا المقام المحمود والحوض المورود ، والشفاعة العظمى ؟ إذا كنت أنت عبداً لله يرفع لك ذكرك ، ويرفعك في العالمين ، وكلمة عبد أرقى كلمة يوصف بها إنسان ! أي : عالم ، فلأنه عالم أصبح عبداً ، ولو كان متكبراً لكان جاهلاً ، فلو قال : أنا ، معنى ذلك أنه أحمق وجاهل ، لا يفهم شيئاً ، ولو قال : عندي ، فهذا أحمق ، ولو قال : لي فهو أحمق ، ولو قال : أنا أفعل كذا ، فهو أحمق ، إلى أن يقول : لا إله إلا الله ، وأنا عبد الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وحسبي الله ، ونعم الوكيل ، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، ولا معطي يا رب لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا رافع إلا أنت ، ولا خافض إلا أنت ، ولا رازق إلا أنت .. فعندئذٍ أنت عبد لله ، وإذا عرفت حجمك الحقيقي رفعك الله في الدرجات العلا ، وأمدّك الله بمددٍ من عنده .

       أي مصلحة إذا قال صاحبها : أنا فَهِمٌ ، فلا بد من أن يرتكب حماقة تسحقه ، أو لا يوجد مثلي طبيبًا ، أو لا يوجد مثلي مهندسًا ، أو أنا أنفرد في البلد بهذه الخبرة ...  فعندما يقول : أنا ، فهو أحمق ! ولا يعرف أن كل ما يملكه بإذن الله عز وجل ، فلذلك كلمة ( عبد ) تعد قمة العلو البشري .

    يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سدرة المنتهى قال : يا رب ، اجعلني عبدك ، اجعلني متمثلاً صفات العبودية الحقّ ، فالمؤمن متواضع يعرف حده فيقف عنده ، ولا يتعدى حدوده ، لا يدَّعي ما ليس له ، لأنه عالم أصبح عبداً ، فالعلم يقودك إلى العبودية ، والعبادة أرقى درجات العمل ، وأرقى درجات العلم أن تقول : لا إله إلا الله ، وأرقى درجات العمل أن تعبد الله ، ولذلك فالأنبياء جميعاً ملخص دعوتهم :

( سورة الأعراف : 59)

وهذه آية متكررة جدا .

( سورة المؤمنون )

       ونهاية العمل أن تعبده ، ونهاية العلم أن ترى أن لا إله غيره ، لا إله إلا الله فاعبده  .

( سورة الزمر)

( سورة الأعراف)

( سورة طه )

       لا يوجد إله غير الله عز وجل  .

   

       بعبده ، الهاء ضمير غائب يعود على الله سبحانه وتعالى ، هل من تشريف أعظم من أن يضاف العبد إلى سيده ؟ ومن أن يضاف إلى خالقه ؟ ومن أن يضاف إلى الذات العلية ؟ وإلى صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، وإلى واجب الوجود ، وإلى الله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، وإلى رافع السماوات بغير عمد بعبده ، ولذلك عندما يكون قلب الإنسان صاحياً ويقرأ قوله تعالى :

( سورة الزمر : 53 )

أنت نُسِبْتَ إلى الله عز وجل ، وأضِفْتَ إليه  .

       هذا الضمير المتكلم الذي يعود على الله عز وجل ، إذا أضيف العبد إليه فهذا تشريف ما بعده تشريف ، وإذا قال لك شخص رفيع المقام : هذا موظف عندي ، وهذا لمكتبي الخاص ، وهذا أقرب الموظفين إلي ، وهذا أعلى مقام ، أي أضيف هذا الإنسان إلى هذا الإنسان العظيم ، فكيف بالمولى الكريم ؟

    

       والكعبة كان فيها أصنام ، فكيف سميت مسجداً ؟ هذا سؤال ، والأقصى كان هيكل سليمان ، ولم يكن مسجداً ، ولم يكن يوجد قبة ، ولا محراب ، ولا آيات ، كما هي الحال اليوم ، فكيف سماه الله مسجداً ؟ والعلماء قالوا : المسجد مكان السجود ، والأصل أن هذه الكعبة المشرفة بناها سيدنا إبراهيم لتكون مسجداً لله عز وجل طهوراً ، هُدِمَت ، ووُضِعَ فيها الأصنام .

     وشيء آخر : اسمها على أصلها ، أصل هذا المكان بني ليكون مسجداً لله عز وجل ، وهيكل سليمان عليه السلام بني ليكون مسجداً لله جلّ وعلا ، إذاً سمى الله عز وجل هذا المكان مسجداً ، وهذا المكان سماه مسجداً .

      

       و معنى الحرام أن هذه الكعبة المشرفة ، ومكة المكرمة ، جعلها الله بلداً حراماً ، يحرم القتال بها في الأشهر الحرم ، ويحرم الصيد فيها ، ويحرم قطع النبات فيها ، لأنها بلد مقدس ، ومن أجل أن تكون أمناً للناس ، ومثابة ، وكذلك المسجد الأقصى ، المسجد البعيد ، تقول : الشرق الأدنى ، والشرق الأقصى ، والمسجد الأقصى أي : المسجد البعيد عن أهل مكة ، هنا يوجد إشارة إلى أن هذه معجزة .

 

      قالوا : حوله بلاد الشام ، لذلك ورد في بعض الأحاديث ،

(( الشام صفوة الله من أرضه ، وفيها صفوته من عباده ، الداخل إليها فبرضائي ، والخارج منها فبسخطي ، طوبى لمن له فيها مربض شاة )) .

[أخرجه الحاكم في المستدرك ، والطبراني في الكبير عن أبي أمامة]

مربض شاة ، أي نصف هذه الطاولة ، وكأن عمود الإيمان كما قال النبي العدنان عُمِدَ به إلى الشام في آخر الزمان ، وما هذه المجالس الطيبة ..  إلا دليل أن الله سبحانه وتعالى خصها بعنايته ، وحفظها من كل سوء ، فطوبى لمن له فيها مربض شاة ، (( الشام صفوة الله من أرضه ، وفيها صفوته من عباده )) ، لكن حتى لا يعتقد الإنسان أن دمشق بالتحديد ، بل بلاد الشام المقصود بها هذه البلاد التي حول المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، ليس معنى هذا أن كل شيء موجود ، الإنسان قد يكون عزيزاً على إنسان آخر ، وهو في العناية المشددة ممكن ، لأنك عزيز على أبيك ، فباركنا حوله ، القصد إذا كان هناك ضيق فبسبب أن يندفع الإنسان إلى المولى جلّ وعلا ، جاء في بعض الآثار : أن أوحى ربك إلى الدنيا أن تَمرري ، وتكَدَري ، وتضَيقي ، وتَشَددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " .

    وقد تكون البركات أخروية ، ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان ، قد يتوهم الإنسان أن البركات دنيوية ، طبعاً هناك آيات أخرى ، قال الله عز وجل :

( سورة هو : 84 )

       العلماء فسروا هذه الآية أن الخير يعني وفرة المواد ، ورخص الأسعار ، ولكن ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان ، قد تأتي شدة فترقى بها إلى المولى جلّ وعلا فهذه خير ، ومحض خير ، ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، فالعطاء من العباد منعٌ ، والمنع من الله إحسان !

(سورة البقرة : 216)

       والإنسان أحياناً يخسر ماله كله ، ويقول لك : لم يبق شيء ! احترق محله ، من أجل أن تنهمر من عينيه دمعة واحدة يندم بها على بعض المعاصي ، إذا انتهى فَقْدُ المال كله بتوبة نصوح ، فقد ربح ربحاً كثيراً

     (( أحد أصحاب رسول الله اللهم صل عليه في طريق الهجرة أُلقي القبض عليه ، فترك في مكة مالاً كثيراً ، فمن أجل أن ينجو بحياته ، ويلتحق بالنبي الكريم قال لهم : إذا دللتكم على مالي في مكة أتدعونني ؟ قالوا : نعم ، فدلهم على ماله كله ! ونجا بجسده إلى النبي الكريم ، وحينما وصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حدثه بما جرى ، فقال عليه الصلاة والسلام : ربح البيع أبا يحيى )) .

[الحاكم في المستدرك عن صهيب]

    غير أنه ضيّع كل ماله ، لكنه نجا ، وكسب دينه وآخرته ، لذلك من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ! ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، إنسان من دون شدة مستحيل ، الشدة دليل ، وامتحان لا بد منه .

(سورة العنكبوت)

      ولا بد من شدة ، فبالشدة تظهر على حقيقتك ، إن كنت مُدَّعياً يظهر ذلك ، وإن كنت مخلصاً يظهر ذلك ، فلذلك ربنا عز وجل يقول :

      ولدي هنا سؤال ! ( لنريه ) ، إذاً هذه المعجزة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاءت بعد سنوات عجاف ، بعد امتحان مرير ، توفي عمه أبو طالب ، وتوفيت زوجته خديجة رضي الله عنها ، وكانت مؤنساً له ، وخير زوجة مخلصة له .

      وحينما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام في أيام الفتح إلى مكة ما بقي في مكة إنسان إلا ودعاه إلى بيته ، أبى‍ ! وقال : انصبوا لي خيمة  عند قبر خديجة ! وفاءً لها .

      عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ ، قَالَتْ : فَغِرْتُ يَوْمًا ! فَقُلْتُ : مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ ! قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا ، قَالَ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا ، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ )) .

[مسند الإمام أحمد]

        لا ينسى لها ذلك ، كان وفياً ، وهذا هو الوفاء ، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة ، كانت بعمر أمه ، هذا الوفاء : انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة  ، فإذا كان أحدكم متزوجاً امرأة أكبر منه أو بعمره إذا مرضت يتفاءل ، ويقول في نفسه : سأتزوج غيرها ، يتفاءل ، يا ليتها كانت القاضية ! أما النبي الكريم فكان وفياً ، عليه أتم الصلاة والتسليم .

        إذاً ( لنريه ) بعد الشدة والضيق ، والمعارضة والصد ، والتآمر من قبل قريش ، بلغ الخط البياني الحضيض ، فجاء الإسراء والمعراج تسلية لهذا النبي العظيم ، وإكراماً له ، وتعريفاً بمقامه ، وتعريفاً له بأنه سيد الأنبياء والمرسلين ، وما كان يعرف ذلك قبل هذا التاريخ ! وحينما صلّى بالأنبياء على بعض الروايات في بيت المقدس عرف أنه سيد ولد آدم ولا فخر ، وعرف أنه سيد المرسلين ، وانه إمام المرسلين ، وأنه المخلوق الأول .

( سورة الزخرف)

      أول عابد لله عز وجل هو النبي عليه الصلاة والسلام ، يا أول خلقِ الله ، ليس أولية زمنية ، بل أولية مقامية ، من حيث المقام ، أول خلق الله.

      والله سبحانه وتعالى أطلع هذا النبي الكريم على مقامه العظيم ، في هذا الإسراء والمعراج فُرضت الصلاة ، التي هي معراج المؤمن ، بها يعرج إلى الله عز وجل ، كلما استقام قبلها ، كلما تقرب إلى الله بفعل الخيرات ، وكانت صلاته معراجاً له ، وكما منَّ الله على هذا النبي العظيم بالإسراء والمعراج منَّ على سيدنا موسى بالكتاب .

     

مننا عليك ، وعلى موسى ، عليك بالإسراء والمعراج ، وعلى موسى بالكتاب .

 

فحَوَى الكتاب أن تعبد الله وحده .

      ألا تتخذ من دونه جهة تعتمد عليها ، أو تركن إليها ، أو تلجأ إليها ، أو تقصدها ، أو تطيعها.

      أي : ألاّ تتخذوا من دوني رباً لكم ، فربكم الله ولا رب سواه ، ومن تضعضع أمام شخص ظاناً أنه ينفعه أو يضره أو يعطيه أو يمنعه ، فقد اتخذه رباً ، وقد أشرك بالله رب العالمين ، لذلك من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه .

      وشيء آخر : اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير ، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، له رب ، وهذا الرب بيده كل شيء ، مطَّلِع عليك ، وكلما اعتمدت عليه أكرمك ، وكلما التجأت إليه حماك .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا                فإنا  منحنا بالرضا من أحبنا

و لذ بحمانا واحتـم بجنابنـا                لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

***

     أي : رباً تدعونه ، وتلوذون به ، وتلتجئون إليه ، وتحرصون على رضاه ، لا إله إلا الله ولا رب سواه .

     

      هذه الكلمة منصوبة ، يا ذرية من حملنا مع نوح ، أيها البشر نحن جميعاً ذرية من حملنا مع نوح ، فسيدنا نوح هو الذي نجا ، والذين آمنوا معه من الطوفان الذي عمّ الأرض ، ولذلك لم ينج من طوفان نوح إلا سيدنا نوح ومن معه ، ونحن ذرية له .

 

      يا ذرية من حملنا مع نوح ، يا أيها البشر الذين منَّ الله عليكم ، وأنجاكم من الطوفان ، وجعلكم أحياء ، وخلقكم ، وأوجدكم من العدم  .

كونوا كنوح شاكراً  .

ما لكم لا تشكرون ؟

ما لكم لا تعترفون ؟ ومالكم لا تطيعون ؟ ومالكم لا تحبون ؟

يا ذرية من حملنا مع نوح إن جدكم نوح كان عبداً شكوراً ، فماذا تفعلون أنتم ؟

      الحديث الآن عن بني إسرائيل : هؤلاء في علم الله وهم مختارون ، لا يتناقض أن الإنسان مختار ، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون ؟ الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " ، الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، يعلم بلا كيف ، والإنسان مخير ، علم الله عز وجل لا يؤثر في اختياره .

أول مرة ، وثاني مرة .

علوّ الاستكبار ، علوّ الظلم ، علوّ أن يبني الإنسان مجده على أنقاض الآخرين  .

        الله عز وجل إذا حصل الفساد ، يقيض لهذا الفساد رادعاً ، يقيض علاجاً ، والعلاجات أنواع ، قد يكون العلاج في الزلزال ! وقد يكون العلاج في الفيضان ! وقد يكون العلاج في جدب الأرض ، وشحّ السماء ! قد يكون العلاج في الطوفان ، وفي المرض الشديد ، وفي الفقر الشديد ، وقد يذيق الله عباده بأس بعضهم بعضاً ، وهذا أحد أنواع العلاج !

( سورة النحل)

     هذا علاج .

( سورة الأنعام : 65)

       فهؤلاء بنو إسرائيل بعد أن فسدوا ، وطغوا ، وعدوا ، وتمردوا ، وعلوا علواً كبيراً ، فبعث الله عليهم عباداً لنا .

      أي بأمرنا وبتوجيهاتنا وبعلمنا عباداً لنا ،

 

      قتلوا من قتلوا ، ونهبوا ما نهبوا ، وسفكوا الدماء ، وانتهكوا الأعراض ، فَسُحِق بنو إسرائيل . 

       جاسوا أي : داسوا ، هذا الوعد قد نُفِّذ .

       بعد أن جاءت هذه المصيبة الساحقة وهذا الابتلاء العظيم ، وهذا القهر تاب هؤلاء ، ورجعوا واستقاموا  .

أعاد الله لهم ملكهم ومجدهم وغناهم ، ورزقهم من الأموال والأولاد ما تقر به العيون .

الحياة كر وفر ، البطل الذي إذا جاءته الدنيا لا يطغى ، لأنه إذا طغى سوف يقهره الله سبحانه وتعالى ، البطولة أن تكون مع الله وأنت في الرخاء ، وأنت في أوج نجاحك ، وأنت في أوج صحتك ، وأنت في أوج وقوتك ، وألا تنسى الله عز وجل ، فهذه هي البطولة ، أما كل إنسان ضيق الأفق أعمى ، إذا جاءته الدنيا ، وأصبح قوياً ينسى فيطغى ، فيأتيه تأديب الله عز وجل ، ضربة قاضية ، فهذه سنّة الله في خلقه ، يعطي الدنيا ، يعطي الأموال ، ويعطي الأولاد ، والقوة ، والخيرات من كل جانب ، وهذا الإنسان يعلو فيعلو ، فينسى ، ويطغى ، ويفسد ، ويتجبر ، ويظلم ، فتأتيه ضربة الله القاصمة ، فيتوب ! حسناً ، مادام قد تاب يعود الله إلى إكرامه ، فإذا رجع إلى معصيته جاءه العلاج ، أبداً ، إن لكل سيئةٍ عقاباً ، ولكل حسنةٍ ثواباً .