English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "10 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 78 – 81   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين  .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العاشر من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى  :

هذه الآيات وقف المفسرون من تفسيرها مواقف متباينة  .

دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء  .

         وكما هو معلوم لديكم أن دخول الوقت شرط من شروط الصلاة ، فالصلاة لا تصح إلا إذا دخل الوقت ، ولا تصح صلاة الظهر إلا إذا زالت الشمس عن كبد السماء ، فـ :

       هذه اللام توقيفية ، أي حين دلوك الشمس ،

وغسق الليل هو ظلمة الليل ، لذلك بعض الفقهاء قالوا في هذه الآية : جمعت فيها الصلوات الخمس ، فصلاة الظهر والعصر لدلوك الشمس ، تبدآن بعد زوال الشمس عن كبد السماء ، وصلاة المغرب والعشاء تنطويان تحت قوله تعالى  :

أي : صلاة الصبح ، وسميت الصلاة في مواضع أخرى ركوعاً ، وسميت سجوداً ، وسميت في هذه الآية قرآناً ، وهذا في البلاغة وارد أن نسمي الشيء ببعض أجزائه المهمة ، فقراءة القرآن في الصلاة ركن من أركانها ، فعلى هذا التفسير دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية :

صلاة الظهر والعصر ،

صلاة المغرب والعشاء ،

صلاة الصبح .

      الحقيقة ، وهناك تفسير آخر ، أن الله عز وجل وضح أوقات الصلاة في آيات أخرى ، والنبي عليه الصلاة والسلام بيّن هذه الأوقات بدقة بالغة ، وبيّن ركعاتها ، وركوعها ، وسجودها ، وشروطها ، بالسِّنة الفعلية والقولية ، لأنكم كما تعلمون السنة هي كل قول أو فعل أو إقرار .

(( ... صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي )) .

(متفق عليه عن مالك بن الحويرث)

       عَنْ جَابِرٍ يَقُولُ : (( رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ يَقُولُ لَنَا : خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ... )) .

(أحمد)

         فالسنة أنواع ثلاثة : نوع منها قولي ، ونوع منها فعلي عملي ، ونوع منها إقراري ، فالصحابي الجليل إذا فعل شيئاً بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وبقي النبي e صامتاً فهذا من السّنة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يسكت على خطأ ، لماذا ؟ لأنه مشرّع ، لو أنه سكت على خطأ لعدّ هذا الخطأ شرعاً ، ولسمح باتباعه ، وهذا في حق النبي e مستحيل ، لذلك إقراره أو أفعاله أو أقواله ، فالصلوات الخمس بأوقاتها وأركانها ، وشروطها وسننها ، وكل تفصيلاتها وردت فيها سنّة فعلية وقولية ، بينما هذه الآية تأمرنا بمطلق الصلاة ، بمعنى الصلاة فرض قطعي الثبوت بحسب هذه الآية :

ومن فهم من هذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بالصلاة فأمته مأمورة أيضاً بالتبعيّة ، فالله سبحانه وتعالى قد أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .

        ويبدو أن الصلاة شطر الدين ، إذا صحّ أن نضغط الدين إلى شطرين أو إلى ركنين ، أو إلى شيئين أساسيين ، هما الصلاة والإحسان إلى الخلق ! الاتصال بالحق ، والإحسان إلى الخلق .

 

( سورة مريم )

         الصلاة صلة بالله عز وجل ، لكن حينما تؤدى الصلاة أداءً  شكليا ، فحينما يسبق الصلاة تقصير أو حَيد عن الشرع ، أو مخالفة لأوامر الله ، أو عدوان على الآخرين ، فإن العدوان والمعصية والمخالفة والتقصير ، هذا كله يشكل حُجُباً كثيفة في أثناء الصلاة ، لذلك أكثر الذين لا يستقيمون على أمر الله يملّون من الصلاة ! يجدونها عبئاً ثقيلاً ، لسان حالهم يقول : أرحنا بها ! على عكس ما كان عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : " قَالَ رَجُلٌ قَالَ : لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( يَا بِلالُ ، أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا )) .

( سنن أبي داود )

        ربنا عز وجل يقول :

 

 أقم ، ولم يقل : صلِّ ، ما الفرق بين أن يقول الله عز وجل : صلِّ ، وبين أن يقول : أقم الصلاة ؟ الصلاة تحتاج إلى استقامة ، شروط كثيرة لا بد من توافرها حتى تستطيع أن تصلي ، قد نقول لطالب : أدِّ الامتحان ، أيّ امتحان هذا ؟ إن دخول قاعة الامتحان أمر سهل ، والإمساك بالقلم أمر سهل ، ولكن أن تنجح أمر صعب ، كلمة أدِّ الامتحان معنى ذلك أنك أمضيت عاماً بأكمله تدرس ، فربنا عز وجل حينما يقول :

يعني هل هيأت نفسك قبل الصلاة للصلاة ؟ هل أنت مستعد للصلاة ؟ هل بإمكانك أن تقف بين يدي الله عز وجل دون أن يحجبك الخجل ؟ دون أن يحجبك حاجب ؟ أقم الصلاة من معاني هذه الآية أن فكِّر بآيات الله حتى تعرفه ، وإذا عرفته عندئذٍ تخشاه ، وإذا خشيته تستقيم على أمره ، وإذا استقمت على أمره تستطيع أن تقف بين يديه ، وتحس عندئذٍ أن الصلاة شيء ثمين جداً .

       خطر ببالي مثل يوضح الصلاة الجوفاء ، والصلاة الصحيحة ، لو دعيت إلى طعام ، وجلست على مائدة وضع أمامك صحن وملعقة وكؤوس وأوانٍ ومنديل ، وكل شيء وضع بالتمام والكمال إلا الطعام ، لو دعيت إلى هذه الولائم مراراً ، وتكراراً تملّ من هذه الدعوة ، ومن حضور هذه المائدة ، لا طعام عليها ، الصحون موجودة ، كل شيء على الطاولة صحيح إلا الطعام ، لكنك إذا دعيت إلى طعام نفيس ، وجاءت الدعوة ثانية ، إنك تلبي بشوق وباهتمام ، وبسرور ، وتشعر بأن الذي دعاك قد امتن عليك ! شتان بين أن تصلي صلاة صحيحة فتخرج من الصلاة ، وقد قبضت شيئاً ثميناً ، الصلاة ميزان ، فمن وفّى استوفى ، وبين أن تصلي صلاة جوفاء سريعاً ما تملها ، وتعرض عنها ، لذلك جاء وصف المنافقين أنهم  :

هناك تفسيرات تقول : لدلوك الشمس إلى غياب الشمس ..

ربنا سبحانه وتعالى في سورة المزمل يقول  :

( سورة المزمل)

         ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها ، لأن طبيعة الإنسان في الليل طبيعة صافية ! لا مشاغل ، لا مواعيد ، لا أولاد ، لا متاعب لا ضجيج ، فكل هذه العوائق والعلائق في صلاة الليل مختفية ، ويبدو أن الإنسان إذا قام من نومه تكون نفسه أصفى ممّا لو ذهب إلى الصلاة من عمله ! لأن طبيعة العمل فيها متاعب ، وفيها مشاحنة ، فيها مشكلات ، هذه المتاعب تسير معك إلى المسجد ، لكن صلاة الليل تمتاز عن غيرها بأن الاتصال فيها محكم ، وأن إقبال العبد على ربه  مؤكد ، وأن تلقّي التجلي محكم ، لذلك قال الله عز وجل في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ )) .

(صحيح مسلم)

         الفقهاء أشاروا إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في صلاة الفجر ما يزيد على أربعين أو إلى ستين آية في كل ركعة ! هذا العدد لأنك أنت مرتاح ، مستيقظ من النوم ، قد أخذت قسطاً من الراحة ، وأنت نشيط ، وصلاة الفجر ركعتان ، وجاء في بعض الأحاديث ، أن يا عبدي لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ! أنت طول النهار في حفظ الله ورعايته وتوفيقه ، والله يدافع عنك ، ويحميك من كل ورطة ، ومن كل مشكلة ، إذاً :

معظم العلماء على أن قرآن الفجر أي : صلاة الفجر ، وربما سميت قرآن الفجر لأن قراءة القرآن يجب أن تغلب عليها ! فكأن الله عز وجل ينتظر من الذي يصلي الفجر أن يطيل في القراءة ، لأنه أدعى إلى الخشوع ، وأدعى إلى التعلم ، وقد يتعلم الإنسان بعض ما في كتاب الله وهو يصلي ! وبعضهم قال : قرآن الفجر : هو القرآن الذي يتلى قبل صلاة الفجر ، أو بعد صلاة الفجر ، هذا القرآن جزء من العبادة ، فمن أراد أن يتعرف إلى ما في القرآن فليلزم نفسه أن يقرأه كل يوم ، لو أنه قرأه كل يوم جزءاً ، أو نصف جزء ، أو ربع جزء ، أو عدة صفحات فإن هذا مع الاستمرار يجعله على صلة بكتاب الله ، صلة مستمرة .

أي : مشهوداً من قِبَل الملائكة ، والملائكة يشهدون لك يوم القيامة أنك قمت من الليل ، وقرأت القرآن ، وصليت بالقرآن ، وتهجدت بالقرآن .

        التهجد ترك الهجود ، والهجود النوم ، وهذه الصيغة صيغة سلبية ، تقول : تأثمت أي : تركت هذا الشيء مخافة الإثم ، تقول : تحرجت أي : تركت هذا الشيء مخافة الحرج ، تهجدت أي : تركت النوم ، فالتهجد أن تدع النوم لتصلي ! ومنها صلاة التهجد ، وهي صلاة فيها استيقاظ بعد أن تأخذ قسط من النوم ، فلو قال لصلاة التهجد تلك التي يصليها الإنسان قبل أن ينام ، لا ، هذه الصلاة التي يصليها بعد أن ينام ، ينام ويستيقظ قبل صلاة الفجر ، هذه صلاة التهجد .

هذه صلاة النافلة .

الحقيقة ، لا تعصه في النهار يوقظك في الليل..

شكوت إلى وكيع سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأنبأني بأن العلم نــــور      ونور الله لا يؤتاه عــاص

***

      إذا ألزمت نفسك في النهار على طاعته ، واتباع سنّة النبي e ، وغض البصر ، والتحرج من كلمة الإثم ، من الغيبة ، من النميمة ، من الفحش ، من البهتان ، من الإفك ، من كل إيذاء، من كل انحراف ، من كل معصية ، أغلب الظن أنك تستيقظ من دون منبه ، وتستيقظ لتمضي أجمل ساعات العمر في مصلاك ! هؤلاء الذين عرفوا الله ، وأحبوه ما ذاقوا طعماً أطيب من طعم القرب ! هؤلاء الذين استيقظوا من الليل ، وتهجدوا لا شيء في الدنيا يعدل هذا التهجد .

      بعض المفسرين قال : هذا الأمر خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام ، لقوله تعالى :

(سورة المزمل )

في آخر السورة  :

      

(سورة المزمل : 20)

      فالعلماء بين أن تكون هذه الآيات خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وبين أن تكون عامة ، على كلٍّ من أراد أن يذوق طعم القرب فليصلِّ صلاة الليل ، صلاة الليل تحتاج إلى طاعة تامة في النهار ، تحتاج إلى عمل صالح ، تحتاج إلى بذل وعطاء ، إلى تضحية وإيثار ، عندئذٍ ترى أمتع شيء أن تقف على قدميك ، وتقرأ القرآن في الليل ، وتناجي ربك .

     إن سيدنا عمر وفد إليه رسول من أذربيجان ، هذا الرسول وصل المدينة في منتصف الليل ، فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين ، فتوجَّه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي المسجد يبدو أن الظلام كان دامساً ، وفي المسجد سمع صوت أنين وشوق إلى الله عز وجل ، سمع صاحب هذا الصوت يقول : يا رب ، أنا واقف ببابك ، مستمسك بحبالك ، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ فقال هذا الرسول : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر بن الخطاب ! كره أن يطرق بابه ليلاً فإذا هو في المسجد ، قال : يا أمير المؤمنين ، ألا تنام الليل ؟ قال : إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، لذلك قالوا : من أمضى عمره بالنوم أتى يوم القيامة مفلساً ! إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي ، ويمكثان حتى يؤذن الفجر ، ويصليان الفجر ، ويأخذ عمر ضيفه إلى البيت ، وفي البيت يقول للسيدة أم كلثوم : هذه كوكب إسلام ، يقول : يا بنت رسول الله ، ماذا عندك من طعام ؟ قالت : والله يا أمير المؤمنين ما عندنا إلا خبز وملح ! يقدم عمر إلى ضيفه هذا الطعام الخشن ، ويأكلانه ، ويحمدان الله عز وجل على هذه النعمة ، ويقول عمر لضيفه : ما الذي أقدمك إلينا ؟ يقول : معي هدية من عاملك على أذربيجان ، علبة فيها بعض الحلوى ، قال سيدنا عمر : أو يأكل عندكم عامة الناس من هذا الطعام ؟ قال : لا ، هذا طعام الخاصة ، الطبقة الغنية ، قال : أو أعطيت فقراء المدينة مثلما أعطيتني ؟ قال : لا ، هذه لك وحدك .

        ما كان من عمر إلا أن أمر الرسول أن يبلّغ الأمير هناك أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين ! وأمره أن لا يعود إلى ذلك أبدا ، وأمر الرسول أن يذهب بهذه الحلوى ليوزعها على فقراء المسلمين في مسجد رسول الله e ، وقال قولته الشهيرة : " حرام على بطن عمر أن يذوق حلوى لا يطعمها فقراء المسلمين " .

       طبعاً هذا الورع من صلاة الليل ، في سورة المزمل

( سورة المزمل)

       إذا شحنت نفسك في الليل فاضت الأنوار في النهار ، فاض العلم في النهار ، فاض العمل الصالح ، فاض الورع ، فاض القول السديد ، فاض الفكر الثاقب ، المواقف الأخلاقية ، والتفكير السليم ، واتخاذ القرار الصحيح ، والرؤية الصحيحة ، هذا كله من أفضال صلاة الليل ! لا تستخف بصلاة الليل ، إنها مدرسة ، مدرسة بكل ما في هذه الكلمة من معنى مدرسة ، خرجت الصدّيقين ، خرجت كبار المؤمنين ، خرَّجت العارفين بالله ، أحد كبار العلماء العارفين رآه تلميذه في المنام قال يا سيدي : ما فعل الله بك ؟ قال : طاحت تلك الإشارات ، وذهبت تلك العبارات ، ولم يبقَ إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل !

       فاحفظ سورة يس ، واقرأها بقيام الليل في ثماني ركعات ، عند كل كلمة مبين تركع ، فيها ثمانية مبينات ، احفظ يس فهي قلب القرآن ، واقرأها في جوف الليل .

        والمقام المحمود : إما أن يكون خاصاً بالنبي عليه الصلاة والسلام ، كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ )) .

(مسلم)

هذا المقام المحمود .

    وبعضهم قال : المقام المحمود هو الشفاعة العظمى ، وعلى كلٍ المقام المحمود هو أعلى مرتبة نالها البشر ، وهو لسيد البشر محمد عليه الصلاة والسلام .

      وإذا أردنا أن نوسع الآية لتشمل المؤمنين ، أنت بصلاة الليل وبتهجدك تنال عند الله مقاماً محموداً ، كقوله تعالى :

( سورة القمر)

       وشتان بين من يحتل عند الله مقاماً محموداً ، وبين من يحتل عند البشر مقاماً محموداً .

اجعل لربك كل عـز   ك يستــقر ويثـبت

فإذا اعتززت بمن يم    ـوت فإن عزك ميت

***

    وكلمة ( محمود ) هذا اسم مفعول ، أي : إن صاحب هذا المقام ما وصله إلا لأنه محمود السيرة عند الخلق ، وعند الحق ، وعند نفسه ، وهذا مقام النبي عليه الصلاة والسلام .

       قد تحمد عند إنسان ، وتذم عند إنسان آخر ، قد تحمد عند نفسك ، وتذم من قِبل الآخرين ، قد يحمدك الناس ، وليس لك عند الله مقام محمود ، ولكن أن تجمع بين أن تكون محموداً عند الخلق وعند الحق ، وعند نفسك فهذا من أعمال الأبطال ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان بطل الأبطال !

قبل أن نفسر هذه الآية أريد أن أبين علاقة هذه الآية بالآيات التي قبلها :

    

        ما علاقة هذه الآيات بهذه الآية ؟

     قال بعض المفسرين : أي : إن الإنسان كلما واجه كيداً ، أو واجه صعوبةً ، أو لاح له شبح مصيبة ، أو اغتمَّ قلبه أو تضعضعت نفسه ...

     وهذه وصفة ربانية ، كلما هالَكَ أمر فارجُهُ ، كلما عرض لك خطر ثق به ، كلما قال لك الطبيب كذا وكذا مما يضيق لك القلب ثق به ، كلما أصبحت الحاجات نادرة وعسيرة المنال ثق به ، كلما نالك أمر ثق به .

     لذلك :

تأتي هذه الآية وصفة ربانية لكل إنسان أصابه هم وحزن ، ربنا عز وجل في بعض الآيات يقول :

( سورة الأنعام : 33)

       أحياناً ربنا عز وجل يصف حالة النبي e حينما يرى الطرق مسدودة ، والصد عن سبيل الله قوياً ، حينما يرى المعارضة تشتد ، وهناك من يكيد له من كل جانب ، حينما يتخلى عنه الأصدقاء ، ويضعف أمامه الأصحاب ، وحينما تقوى شوكة العدو ، عندئذٍ :

        هذه وصفة ربانية ، حياة الإنسان محفوفة بالمخاطر ، فكلما لاح له شبح خطر فليفزع إلى الصلاة ، والله سبحانه وتعالى كفيل أن يريه ما في الصلاة من خير كبير .

 

        هذه الآية مهمة جداً ، الإنسان أحياناً يتزوج ، وينوي بهذا الزواج أن يرضي الله عز وجل ، دخل في الزواج مدخل صدق ، فإذا وهو متزوج ، تغريه زوجته أن يفعل كذا وكذا ، وأن يدع كذا وكذا ، وأن يكسب هذا المال الحرام ، وأن يشتري لها كذا وكذا ، وأن يرافقها إلى نزهة في مكان مختلط ، وأن يذهب بها إلى بلاد بعيدة ، بلاد الكفر والفسق والفجور ، دخل في الزواج مدخل صدق ، فخرج منه مع الكاذبين المنافقين ، فالآية الكريمة :

       قد يشارك الإنسان إنساناً يراه لطيفاً ذكياً مليئاً ، يرى في هذه الشركة كل الخير ، يدخل فيها مدخل صدق ، فإذا بهذا الشريك له من المعاصي والمخالفات ما حمله على أن يفعل مثله ! إذا به يدخله في متاهات ، يضع أمواله بالفائدة ، يتاجر بما هو محرم ، يغريه بالربح الكثير ، خجل وسكت ، دخل مدخل صدق ، وخرج مخرج كذب ، وفجور وفسق ونفاق ، فالأمور بخواتمها ، البطولة أن تنتهي الحياة وقد خرجت منها مخرج صدق ، من السهل جداً أن تدخل مدخل صدق ، ولكن البطولة أن تخرج منها مخرج صدق ، لذلك أحد أصحاب رسول الله سأل سيدنا عمرو بن العاص : يا عمر ما بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، فقال : يا عمرو لست بداهية ، أما أنا فوالله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، فالبطولة أن تدخل مدخل صدق في كل شيء ، في الوظيفة ، في الزواج ، في التجارة ، في الشركة ، في هذه السفرة ، النية مشروعة ، خرجت من بلدك ، وسافرت إلى هذا المكان بنية أن تحِّصل شيئاً مباحاً ، فإذا بالقدم قد تزلّ ، وتقع في أكبر المعاصي ! فلذلك يكون الدعاء في كل حركة في السفر في الدخول إلى عند بعض الأشخاص في أي موقف يوجد مزالق وأخطار ، هناك احتمال أن يقع الإنسان في المعصية ، في أي مكان يمكن أن تزل القدم ادعُ بهذا الدعاء :

         الإنسان يواجه مزالق كثيرة جداً في الحياة ، إذا كان معتصماً بالله ، مستمسكاً بحبل الله، ذاكراً لله ، فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يحفظه من كل مكروه !

 

        أيّ صدق معك ، صدق في النيّة ، وصدق في الفعل ، وصدق في الاستقامة ، وصدق في البذل ، المدخل صدق ، وهذه الكلمة جامعة مانعة ، أنت مع الله صادق في أحوالك ، وفي أفعالك ، وفي وجهتك ، وفي نياتك ، وفي حركاتك ، وفي سكناتك .

        كن معي يا رب في هذا المكان ، وفي هذا السفر ، وفي هذا اللقاء ، وفي هذه المقابلة ، كن معي حتى لا تزل قدمي من أجل أن أخرج منها مخرج صدق .

      أي : ألهمني حجتي ، ألهمني أن اقف موقفاً صلباً ، ألهمني ألاّ أقع تحت إغراء المال ، وألاّ أقع تحت ضغط الآخرين ، الإنسان بين الضغوط والإغراءات ، الضغط مزلة قدم ، والإغراء مزلة قدم ، والإنسان واقع بينهما .

       إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ،

كن مع الله ترَ الله معك         واترك الكل وحاذر سمعك

وإذا أعطاك من يمنعه         ثم من يعطي إذا ما منعك ؟

***

كيف ما شاء فتكن في        يده لك إن فرق أو إن جمع

***

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا          فإنا منحنا بالرضا من أحبنا

و لذ بحمانا واحتمِ بجنــابنا          لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

***

         أحياناً الإنسان يدخل إلى بيته يدخل مدخل صدق ، يحمل أغراضه ويدخل ، ينشب خلاف فتسمعه زوجته كلمة قاسية ، يرد عليها بكلمة أقسى ، تقسو هي عليه إلى أن يحلف عليها بالطلاق يميناً ، ويطردها من البيت ، وعنده أولاد خمسة ، هذا دخل مدخل صدق ، لكنه لم يخرج من البيت مخرج صدق ، فإذا دخل الإنسان بيته فعليه أن يسمي ، ففي الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ : لَا مَبِيتَ لَكُمْ ، وَلَا عَشَاءَ ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ : أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ : أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ )) .

(مسلم)

       وهذه تصلح لركوب السيارة أيضاً ، يركب أحدهم سيارته يا ترى هل هناك إنسان نائم يأتي أمامه ؟ قد يقع حادث مروّع ، قد يفقد الإنسان أحد أعضائه ، والخطأ ليس خطأه .

        الحق هو الشيء الثابت المستمر ، والباطل الشيء الطارئ غير المستمر ، فالحائط الذي بني على غير الشاقول الحائط المائل لا بد من أن يقع ، ويكون هذا الحائط باطلاً ، أما الحائط الذي بني على الشاقول بني بالحق ، أي : سوف يبقى ، فالحق هو الشيء الثابت الهادف ، والدليل أن الله عز وجل في آيتين من آيات كتاب الله وضح فيهما معنى الحق ، قال تعالى  :

 

( سورة ص : 27)

      الباطل هو الشيء الزائف ، فالحق الشيء الثابت ، وفي هناك آية ثانية:

( سورة الأنبياء )

       واللعب هو العمل الذي لا جدوى منه ، فالحق إذاً خلاف اللعب ، العمل الهادف ، فتعريف الحق من خلال هاتين الآيتين هو الشيء الثابت الهادف ، الباطل الشيء غير الثابت غير الهادف ، لا جدوى منه ولا يثبت .

     بعضهم قال : الباطل وجوده ليس ذاتياً ، هناك أسباب خارجية تجعله يقف ، فإذا زالت هذه الأسباب وقع ! أما الحق فوجوده ذاتي ، كإنسان ضعيف الإمكانات قد نضعه في مكان رفيع ، ولكن الذي وضعه دعمه ، فهذا وجوده بالباطل ، لكن لو أن الإنسان أهل لهذا المكان وعنده من العلم ، والخبرة ، والحكمة ما يجعله في مستوى هذا المكان نقول : هذا الإنسان مكانه بالحق ، هذا الإنسان الذي وضعه في هذا المكان لو تخلى عنه فإن وجوده قائم ثابت ! فمن معاني الحق أن يكون الشيء ثابتاً وهادفاً ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

       بعضهم يقول : الإنسان مندوب له أن يقرأ هذه الآية حينما يزهق الباطل ، مثلاً لو تمكن من إزالة منكر في البيت فليتلُ هذه الآية :

       لو أنه تمكن من فك شركة مع شريك مبطل يعمل بالربا ، ويبيع المواد المحرمة ، لو أنه فعل ذلك ، ووقع عقد المخالصة يقول في نفسه :

النبي الكريم حينما أمر أن تكسر أصنام الكعبة التي حولها تلا هذه الآية :

        فالباطل الشيء المتداعي الذي لا يملك أن يقف على قدميه وحده ، الشيء الذي سيزول ، والشيء الذي لا يستمر ، الشيء الطارئ العارض غير الهادف ، ليس هناك هدف عظيم من الباطل ، الحق هو الشيء الثابت الهادف ، فقالوا : للباطل جولة ثم يضمحل ، والأمور لا تستقر إلا على الحق أبداً ، وكل أمر مستقر فهو على الحق .

         هذه الصيغة صيغة الترابط الوجودي ، الرابط الوجودي أن تقول : إن الطائرة تطير ، فلو ألغي الطيران ألغيت الطائرة ، فالترابط بين الطائرة وبين طيرانها ترابط وجودي ، حيثما طارت فهي طائرة ، فإن لم تطر لا تبقى طائرة ! إذاً :

       وكلمة ( زهوقا ) على وزن فعول ، لم يقل : زاهقاً ، اسم فاعل ، هذه صيغة مبالغة لاسم الفاعل ، يعني لابد من أن تزول الفكرة الباطلة ، المعتقد الباطل لا بد من أن يزول ، الشخص المبطل لا بد من أن يضمحل ، أفكار ، معتقدات ، أعمال ، انحرافات ، أيّ شيء يوثق بأنه باطل لا بد من أن يزول ، ولا يستقر الأمر إلا على الحق ، فلذلك الباطل زاهق ، إن عاجلاً أو آجلاً ، والحق مستقر ، والدليل حينما ينادي المنادي يوم القيامة :

(سورة الأعراف : 44 )

هذا هو الحق ! أين دعوى الداعين ؟ أين دعوى الكاذبين ؟ أين تخرصات الكافرين ؟ كلها تلاشت .

( سورة يس )

      فمن وقف مع المبطلين ـ إذا كان بشكل أو بآخر ـ فقد غامر ، وقامر بسعادته ، فلذلك :

أما إذا كنت مع الحق فالعاقبة لك :

( سورة القمر : 54 – 55 )

( سورة فاطر : 10)

       إذا كنت مع الحق فأنت من حسن إلى أحسن ، ومن خير إلى خير ، ومن سعادة إلى سعادة ، ومن توفيق إلى توفيق ، وحينما يأتي الموت الذي لا بد منه تجد أنك قد نقلت من دار إلى دار ، نقلت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ! كما ينقل المولود من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا !

( سورة يس )

         عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ] فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ )) .

(متفق عليه)

        كن مع الحق ترَ أن الدنيا كلها معك ، يكفي أن يكون الله معك ، فإذا كان معك فمن عليك ؟ يكفي أن الله معك بالرعاية والحفظ والتوفيق والتسديد ، وكلما تشتهي نفسك ! عبدي كن لي كما أريد ، أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ، ولا تعلمني بما يصلحك ، فإذا سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تكن لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .

والحمد لله رب العالمين

***