English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "11 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 82 – 85   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 بسم اللَّه الرحمن الرحيم 

   

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الحادي عشر من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

( سورة الإسراء )

  

      شفاءٌ ورحمة ، يا ترى هل القرآن الكريم يشفي الأمراض المادية ؟ أم أنه يشفي النفوس ؟ أو يشفي العقول ؟ علماء التفسير يرجحون أن العقل الجاهل يشفيه من الجهل ، فيعرفه بالله عز وجل ، أخطر شيء في الحياة الجهل ، أعدى أعداء الإنسان هو الجهل ، فإذا عرفت من أنت ، وأين كنت ، وأين المصير ، ولماذا خلقت ؟ وما هو أجدى عملٍ تفعله على وجه الأرض ؟ وما هي مهمتك على سطح الأرض ؟ ولماذا تعمل الصالحات ؟ من أجل جنة عرضها الأرض والسماوات ، إذا عرفت الحقيقة ، وعرفت سر الوجود ، شفي عقلك من داء الجهل !

      الإنسان بلا علم كالبهيمة تماماً ، الإنسان بلا علم إلى أن يكون حيواناً أقرب منه من أن يكون إنساناً ، يأكل ، ويشرب ، وينام ، ويعطي نفسه ما تشتهي ، ويتكلم ما يحلو له ، فيؤذي ويفرق ، ويخرب البيوت ، وهو لا يدري ماذا يفعل ، يتمحور حول ذاته ، يجر الأمور نحو مصلحته ، يعيش على أنقاض الآخرين ، يبني مجده على رفاتهم ، يبني غناه على فقرهم ، يبني سعادته على شقائهم ، يبني حياته على موتهم ، يبني أمنه على قلقهم ، الإنسان من دون علم ومن دون هدى يدمر نفسه ، ويدمر مجتمعه ، يدمر ذاته ، ويدمر الآخرين ، لا تعنيه إلا ذاته ، فلذلك ربنا عز وجل قال :

       شفاءٌ لهذا العقل ، وشفاءٌ للنفس ، أحياناً تصاب النفس بالقلق ، تصاب بالخوف ، تصاب بالشعور بالقهر أحياناً ، إن هذه الأحاسيس المدمرة ، هذه المشاعر المقلقة ، وهذا الاختلال في توازن الإنسان ، هذا كله سببه الجهل ، يأتي القرآن فيطمئن ، نضرب على هذا أمثلة كثيرة :

( سورة النحل  )

     هذا نصٌ قرآني ، هذا كلام رب العالمين ، يجب أن يبدد هذا الكلامُ كلَّ خوف ، كل قلق ، كل شعور بالمستقبل المظلم ، يجب أن يبدد هذا القول وهو كلام رب العالمين كل شعور بالظلم ، كل شعور بعدم الإنفاق ، كل شعور بأن الحياة تحتاج إلى إنسان شرس ، إلى إنسان قوي ، لا .

     والدليل الواقع الذي أمامك ، كن لله كما يريد يكن لك كما تريد ، هل من مرض يصيب الإنسان يفوق الشعور بعدم الإنفاق ؟ الشعور بالقهر ؟ الشعور بالامتهان ، الشعور بأن الحياة لا معنى لها ، لا جدوى منها ؟ الحياة للقوي لا للضعيف ، الحياة للغني لا للفقير ، هذا الشعور الممل ، شعور التفاوت ، شعور القهر ، شعور القلق هذا كله مبدِّد في القرآن الكريم .

( سورة الجاثية  : 21 )

       انتهى الأمر ، الله عز وجل يعجب ! أيعقل يا عبادي أن أعامل المسيء كالمحسن ؟ أن أعامل المؤمن كالكافر ؟ الكافر كالمؤمن ؟ أن أعامل الذي يعلم كالذي لا يعلم ؟ أن أعامل المحسن كالمسيء ؟ أن أعامل من عرفني كمن لا يعرفني ؟ أيعقل هذا ؟ إذا قرأت القرآن :

    

( سورة الزلزلة  )

     الإنسان أحياناً لجهله بقواعد الحياة ، لجهله بكتاب الله يستنبط حقائق مضحكة ! يقول : إن الإنسان مهما عمل من الصالحات ، هذا لا يجدي إلا أن يكون مؤذياً للناس ، يخرج بحكمةٍ خرقاء ، استنبطها من الناس من تعامله مع الناس ، ولو أنه قرأ كلام الله عز وجل :

 

       الإنسان قد يصادف شخصاً كافراً ، بعيداً عن الله عز وجل ، عاقًّا لوالديه ، يزداد قوةً وغنًى وشأناً ومكانةً ، فيصيبه اليأس ، فيأتي قوله تعالى :

 

( سورة الأنعام   )

       هذه الآية تضفي على قلبه الطمأنينة والسكينة ، فالإنسان من دون قرآن يضيع ، يقلق ، يختل توازنه ، أحياناً ييأس ، يأتيه يأسٌ قاتل ، هذا الذي ينتحر ، لماذا انتحر ؟ يئس من العدالة في الأرض ، يئس من الفرج ، يئس من أن يكون له طريق إلى السعادة ، فانتحر .

       لو أنه قرأ كتاب الله عز وجل لشفيت نفسه من هذه الأمراض .

     الذي أراه من خلال قراءتي لهذا الكتاب الكريم أنه ما من مرض نفسي ، وما من حالةٍ نفسيةٍ صعبة ، وما من شعورٍ مملّ ، وما من تمزقٍ نفسي ، إلا بسبب البعد عن هذا الكتاب ، ولو أن الإنسان قرأ كلام الله بفهمٍ وتبصرٍ وتدبرٍ لزالت عنه كل أمراضه .

      قد يقول قائل : العالم سيصاب بظاهرة اجتماعية اسمها التفجر السكاني ، وسوف تقلّ المواد عن حاجة الناس ، وسوف يأكل الناس بعضهم بعضاً ، وسوف تصيب المجاعة معظم الدول المتخلفة ، وسوف ، وسوف ... تجلس معه ساعةً لا تستطيع أن تقف على قدميك ، تحس أن الحياة قد انتهت ، وأنه لا حياة للفقير ، اقرأ قوله تعالى :

( سورة الروم  : 40)

       فالرزق إذاً مُنْتهٍ أمره ، لكن ربنا عز وجل أحياناً يجعل هناك بعض الضيق من أجل أن يمتحن العباد ، يقول تعالى :

( سورة الأحزاب  )

     الذي يعرف يقول : لابد من أن يرزقني الله عز وجل .

    يسعى ، ويعمل ، والله يرزقه ، الله رب الجميع ، رب العباد كلهم ، رب السماء والأرض ، يقول تعالى :

( سورة الذاريات )

    أحياناً يُعرض على الإنسان عمل صالح تحتاج إلى إنفاق مال فيمتنع خشية الفقر ، يقول : دخلي محدود ، لا أتمكن من الدفع ، وأنا عندي أولاد ، لو أنه قرأ كلام الله عز وجل ، أنه ما من نفقةٍ ينفقها العبد في سبيل الله إلا عوضها الله عليه أضعافاً مضاعفة لم يمتنع عن ذلك .

( سورة الأنعام  : 160)

( سورة آل عمران  )

( سورة سبأ : 39)

       كلام الله عز وجل ، فمن أراد أن يشفي نفسه من كل الأمراض ، من أمراض الهم والحزن ، من أمراض القلق ، من أمراض الشعور بعدم العدالة ، من أمراض الحرمان ، من أمراض التمزق ، هذه الأمراض النفسية إذا قرأت القرآن شفيت نفسك .

( سورة البقرة )

     كلام رب العالمين ، فالإله يقول هذا الكلام لعباده جميعاً ، في أي عقدٍ ، في أي مصرٍ ، في أي مكانٍ ، في أي زمانٍ ، في أي بيئةٍ ، في أي ظرفٍ ، في أي معطياتٍ ،

       يجب أن ينعدم الخوف من حياتك ، ويجب أن ينعدم الحزن من حياتك ، الثمن أن تتبع الهدى ، اقرأ قوله تعالى :

( سورة المعارج )

     هؤلاء لا يفزعون عند المصائب ، ولا يبخلون عند الرخاء ، في الرخاء يعطون مما أعطاهم الله عز وجل ، وفي الشدائد يصبرون على حكم الله عز وجل  .


( سورة المعارج )

       إلى آخر الآيات ، فإذا كنت مصلياً لا تحس بالقلق ، ولا تحس بالخَوَر ، ولا الجبن ، ولا الشعور بأنك دون الناس ، ولا الشعور بأنك غير منصَف ، هذا كله يبتعد عنك ، هل من صحةٍ نفسيةٍ تفوق صحة المؤمن ؟ شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغنائه عن الناس  .

         يشفي هذه النفس القَلِقة ، يشفي هذه النفس الحائرة ، يشفي هذه النفس التي سئمت الحياة ، دقق في حياة أهل الدنيا ، إذا بلغ كل أهدافه أصيب بمرض خطير اسمه السأم والضجر ، عرف كل شيء ، تزوج ، وعرف طعم المال ، وطعم الغنى ، وعرف طعم الجاه ، وسكن في بيت مريح ، وأكل ما لذ وطاب ، وسافر ، وتنزَّه ، واصطاد ، تراه في النهاية يمل كل شيء ، ويسأم من كل شيء ، لأنه ما عرف الله عز وجل ، لذلك يشيخ أهل الفسق والفجور والعصيان في سن مبكرة ، بينما المؤمن كل حياته شباب في شباب ، لماذا ؟ لأن أهدافه كبيرة ، كبيرة جداً ، حياته كلها لا تكفي لتحقيق بعض أهدافه ، لذلك ترى المؤمن في حيوية ونشاط وإقبال ، واندفاع منقطع النظير ، بسبب أنه يبحث عن الله عز وجل ، يَهدف إرضاء الله عز وجل ، يريد أن يهدي الناس جميعاً ، يريد أن يسعد الناس جميعاً ، يتمنى أن ينقلهم من الظلمات إلى النور ، هدفه كبير ، هدفه أكبر من حاجاته ، رغبته في هداية الخلق تتجاوز مصالحه الذاتية ، فالمؤمن لا يشيخ ، ومن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت .

       أول شيء في هذه الآية أن كل من يعاني من مرض نفسي ، وساوس ، خوف ، قلق ، ضعف شخصية ، شعور بالحرمان ، شعور أن العدالة مفقودة ، شعور أن الحياة للقوي فقط ، أو للغني فقط ، لأنه سواهم لا حياة لهم ، هذا الشعور يسحق الإنسان سحقاً ، إذا قرأ هذا القرآن :

 

        شفاء ، طبعاً الشفاء يشفي العقل من داء الجهل ، ويشفي النفس من داء القلق ، يشفي العقل من أمراضه المتمثلة بالجهل ، ويشفي الفكر من كل شعورٍ يقلب الحياة إلى جحيم ، فالشرك يسبب للإنسان متاعب كبيرة جداً ، فالإنسان من دون إيمان بالله عز وجل ، من دون إيمانٍ بعدالته ، وبأنه على كل شيء وكيل ، من دون هذا الإيمان يجعل الناس لا ينام الليل ، لأنه يخاف من كل شيء ، كل إنسان قد يستطيع أن يوقع بك الأذى ، إذا بعدت عن الله عز وجل ، وبعدت عن هذا الكتاب ، تشعر أن كل إنسان بإمكانه أن يصل إليك ، بإمكانه أن يقلب حياتك جحيماً ، بإمكانه أن يأخذ كل مالك ، بإمكانه أن يفقدك أهلك وأولادك ، بإمكانه أن يضعك في ظلمات في غياب السجن ، لكن إذا عرفت الله عز وجل ، وأنه بيده كل شيء ، وأن الأمر كله إليه ، وأنه إليه ترجع الأمور كلها ، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض ، وأنه ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، وأن الله عز وجل له الخلق والأمر ، وهو يحكم لا معقب لحكمه ، وهو لطيف لما يشاء ، وأن الخير منه ، والشر بتقديره من الإنسان كسباً ، ومن الله فعلاً ، إذا قرأ الإنسان القرآن ، وعرف ما تنطوي عليه هذه الآيات انقلبت نفسه إلى نفسٍ هانئةٍ وادعةٍ مطمئنة واثقةٍ برضاء الله عز وجل ، واثقةٍ من عدالته ، واثقةٍ برحمته ، تعرف أن هذه الحياة حياة قصيرة ، طبيعتها الابتلاء طبيعتها الامتحان ، وأن الحياة الحقيقية حياة الآخرة ، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء ، وأن الآخرة دار عطاء ، هذه الدنيا دار تكليف وأن الآخرة دار تشريف ، إذا عرف هذه المعاني رضي بدخله ، رضي بزوجته ، رضي بأولاده ، رضي بكل شيء ، لأنه يرى هذا كله بتخطيطٍ من عليمٍ حكيمٍ رحيمٍ محب ، هذا كله مما توحي به هذه الآية .

        الشفاء واضح : النفس القلقة تشفى من قلقها ، النفس المقهورة تشفى من قهرها ، النفس التي تشعر بالظلم تشفى من هذا شعور ، النفس القلقة على مستقبل أولادها تشفى من هذا القلق ، النفس الحائرة تشفى ، والعقل التائه يشفى ، فهو شفاء للعقل وللنفس ، ولا يمنع أن يكون الشفاء مطلقاً ، بمعنى أنه ربما قرأ الإنسان كتاب الله عز وجل بنية الشفاء من مرضٍ ما لعل الله يكرمه بهذا الشفاء ، وهذا أيضاً ممكن ، المطلَق في القرآن على إطلاقه ، قال :

فشفاء العقل ، وشفاء النفس ، وقد يقرأ القرآن بنية الشفاء من بعض الأمراض التي تصيب الإنسان ، مع العلم أنه يجب أن يستشفي عند الطبيب أولاً ، أخذاً بالأسباب ، وبعدها يقرأ كتاب الله عز وجل ، لعل الله عز وجل ينظر له بالشفاء المادي أيضاً .

        أما الرحمة فالله سبحانه وتعالى يتجلى على قلب المؤمن تجلياً يجعل الحياة نعيماً ، يجعل حياة المؤمن قطعة من الجنة ، يجعل المؤمن في سعادة لا توصف ، هذا كله تؤكده الآيات الأخرى .

( سورة الرحمن )

   

( سورة يونس  : 64)

     له البشرى ، له الطمأنينة ، له التجلي ، فالشفاء والرحمة كأن تقول : التحلية والتخلية ، التخلية أولاً ، والتحلية ثانيا ، أنت تنظف أولاً ، ثم تفرش البيت ثانياً ، تنظف الإناء ، وتملؤه عطراً ، أو شراباً لذيذاً ، فالمرحلة الأولى مرحلة الشفاء مما سواه من الأغيار ، من الشرك ، من كل ما يقلق النفس ، والمرحلة الثانية هي ملء هذه النفس بما لذ وطاب من قيم ، ومن خلق كريم ، ومن تجليات ظاهرة ، و من تجلياتٍ تكسب الإنسان سعادة لا توصف ، إذاً :

( سورة الإسراء  )

       الظالم ينتقد هذا الكلام ، ويرى أن هذا كلام ليس مناسباً لهذا الزمان ، نحن وصلنا إلى القمر ، وهذا القرآن سيعيدنا إلى حياة الصحراء وحياة الجمل ، هكذا يدعي بعضهم ، وأن هذا القرآن يحتاج إلى تبويب وإلى تنظيم ، وإلى تصنيف بحسب الموضوعات ، وأن فيه أحكاماً لا تصلح لهذه الحياة ، هي قسوة بالغة ، كحد السرقة ، وحد الخمر ، وحد الزنى ، هذا كله ممن يدعي الفهم والكياسة ، قد يتهم هذا الكتابَ باتهامات باطلة ، اتهامات أعداء الدين ، فيجعل بينه وبين كتاب الله حجاباً سميكاً ، الأمر الذي يجعله ينطلق في الحياةِ بدافع نزواته وشهواته ، فيقع في الحرام فيستحق عقوبة الديان ، أن يقول : هذا الكتاب لا يصلح ، إذاً افعل ما تشتهي ، أطلق بصره ، انتهى به الأمر إلى تطليق زوجته ، وخراب بيته ، وتشريد أولاده ، أكل مالاً حراماً ، ويقول : حلال .

       فلما انكشف أمره حكم عليه بالإعدام ، فأين المال هذا الذي يسير وفق نزوة نفسه ، وفق ما يشتهي ، وفق وسوسة الشيطان ، وفق ما تمليه عليه غرائزه ومصالحه ، هذا الذي يقول : هذا الكتاب لا يصلح ، ماذا يصلح ؟ أن تفعل كما يفعل الناس .

     عندئذٍ تأتي العقوبة الصارمة من الله عزَّ وجل ، خسر الدنيا والآخرة ، إما أن تتقيد بهذا القرآن الكريم ، وتسير فيه على بيّنة من أمرك ، وإما أن تنطلق وفق ما يمليه الهوى ، والمصلحة والنزوات .

       إذاً لا بد من فعل السيئات ، ولكل سيئة عقاب ، يأتي العقاب تباعاً ، إذاً وقعت في مشكلة كبيرة ! حينما أدرت ظهرك لهذا الكتاب ، وانطلقت من شهوتك ونزوتك في حياتك اليومية ، طبعاً وقعت في الحرام شئت أم أبيت ! والحرام له عقاب ، وأَحَلْتَ حياتك إلى جحيم .

      لذلك ربنا عز وجل قال :

( سورة آل عمران : 103)

       بعضهم قال : القرآن الكريم اعتصم به ! ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدا ! فعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا ، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ )) .

(موطأ مالك )

    القضية ليست قضية أن أنا أتبارك بالقرآن الكريم ، بعض الناس يسمّونه تبارك ، يقول لك : أخي اقرأه فيه بركة ! هذا الكلام ليس له معنى عند الناس ، القرآن مجموعة قوانين دقيقة ، حتمية الحدوث ، تبدأ بالمقدمات تصل إلى للنتائج ، أمرك بِغَضّ البصر هذا قانون ! إذا فعلت هذا الأمر ضمنت الوفاق الزوجي إلى نهاية الحياة ، وإذا خالفته انقلب البيت إلى جحيم ، ماذا تباركت ؟ ما معنى تبرّكت به ، وأنت تعصيه ؟ هذا الذي يعصي كلام الله عز وجل يعصي أمر الله عزَّ وجل ؟ ما معنى لو قرأه تبركاً ؟ رُبَّ تالِ للقرآن والقرآن يلعنه ، البركة الحقيقية تأتيك من تطبيقه ، إذا طبقّته تحل عليك بركات الله عز وجل بالمعنى المادي ، إذا طبقت أوامر الله في البيع والشراء أحبك الناس جميعاً ، وأقبلوا عليك ، وكثر المشترون ، وربحت أرباحاً جيدة ! لأنك كنت مستقيماً ، قال تعالى :

( سورة هود : 112)

         أمرك بالاستقامة ، أمرك بالصدق ، نهاك عن الخيانة ، لو طبقت هذه الثلاثة الاستقامة والصدق ، وابتعدت عن الخيانة والغش يثق الناس بك ! فدخل عليك مال وفير ، عشت في بحبوحة ، هذه بركة الله عز وجل ، طبقت أحكامه فبارك الله لك بمالك ، طبقته في أمر الزواج

( سورة البقرة : 221)

       رزَقَك المرأة صالحة التي إذا نظرت إليها أسرتك ، وإن غبت عنها حفظتك ، وإن أمرتها أطاعتك ، طبقته في زواجك بحثت عن الدَّينة ، من تزوج المرأة لجمالها أذلّه الله ، من تزوجها لحسبها زاده الله دناءة ، من تزوجها لمالها أفقره الله ، فعليك بذات الدين تَرِبَت يداك ! إذا اهتديت بهدي الكتاب في زواجك سعدت في زواجك ، إذا اهتديت بالكتاب في أولادك ، قال تعالى :

(سورة الفرقان)

     همك أمر أولادك ، أمر دينهم ، أمر صلاحهم ، أمر إيمانهم ، أمر صلاتهم ، وأمر صومهم ، أمر معرفتهم بالله عز وجل ، كان أولادك قرة عين لك ، وسعدت بهم ! فهذه البركة ، البركة أن تطبق أوامر الله ، فإذا طبقتها حلّت عليك البركة ، أما هذا الذي يعصي القرآن ، يعصي أمر الله عز وجل ؟ يأكل مالاً حراماً ، يفعل ما يشتهي ، يبيح لنفسه كل المعاصي ، إذا قرأ هذا الكلام ، وكان عاصياً لمضمونه فأيّ بركة هذه ؟ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ )) .

(الترمذي)

الحياة دقيقة جداً ، والله وضعنا المصحف في بيت فخم مخمل ، وزينّاه ، وعلّقناه بغرفة الضيوف ، أو كان البيت كله آيات قرآنية نقول : الحمد لله ، نحن مسلمون ، ليس بذاك ، بل نريد استقامة نحن ، نريد بيتًا إسلاميًّا ، لا بيتًا فيه آيات قرآنية فقط ! ندخل محلاًّ تجاريًّا فنقرأ

( سورة الفتح)

         المحل كله غش ، وكذب ، وأيمان كاذبة ، فأين تطبيق آية :

  

        هذه للبركة ، ما هذا للبركة ؟ البركة لا معنى لها هنا ، معنى البركة أن تطبق أمر الله عز وجل فتستحق الثواب في الدنيا والآخرة ، هذه البركة ، استقمت في البيع والشراء يتفضل عليك الله عزَّ وجل بالدخل الوفير ، غضضت بصرك عن محارم الله الآن تستحق أن تعيش حياة زوجية سعيدة ! أبداً افعل ما شئت البركة في كلام الله تعني تطبيقه ! إن طبقته حلّت عليك بركة الله عزَّ وجل ..

أعرض عن هذه الوصفة الطبية ! قال : هذا الكتاب لا يصدق ، فانطلق في شهواته كما يشتهي ، فحلّ عليه عقاب الله ، فكأن هذا الكتاب بإعراضه عنه زاده وبالاً ، وزاده شقاءً وهلاكاً ، فالقرآن لا يقرؤه إنسان إلا زاد أو نقص ، إما أنه يزداد إيماناً ، وإما أنه يزداد بعداً عن الله عز وجل ، وهذا البعد يستدعي الهلاك والشقاء في الدنيا والآخرة .

       انظر لهذا النموذج الإنساني الذي لا يريده الله عز وجل ، اللغز ، إذا جاءتك الدنيا تزداد كبراً وإعراضاً وغطرسة واستعلاءً ، كيف أنك من نطفة خُلقت ، خرجت من عورة ! ودخلت في عورة ! ثم خرجت من عورة ! كيف أنك خُلقت من ماءٍ مهين تستحي به إذا كان على ثيابك ! كيف أنك كنت طفلاً صغيراً تحتاج إلى أب وأم يرعيانك ؟ كيف كل هذا؟

( سورة يس )

       بعد أن بلغ الإنسان في الدنيا مرتبة في المال أو العلم أو الجاه أو القوة نسي أصله !

( سورة فصلت : 51)

       إنسان حصل على شهادة عليا من دولة أجنبية ، وعاد إلى بلده احتل منصباً رفيعاً ، وله زوجة من ذلك البلد الأجنبي أتى بها من هناك ، سكن في أرقى حي ، وركب أفخم سيارة ، وعاش حياة حديثة غربية قائمة على المتع والملّذات ، والانغماس في الشهوات ، فجأة أصابه مرض في إحدى عينيه ، فعمي في عين واحدة ! ما هي إلا أشهر عدة حتى فقد الثانية ! دخل عليه صديقه قال له : والله يا فلان ، أتمنى أن أجلس على الرصيف ، وأتسول ، وأن يعيد الله إلي عينيّ !

       البطل الذي يعرف الله في الرخاء ، وأنت في أوج قوتك ، وأنت في أوج شبابك ، وأنت في أوج غناك ، وأنت في أوج مكانتك الاجتماعية ، هذه البطولة ، لكن من السهل جداً أن تتعرف إليه في خريف العمر بعد أن تفرّق عنك الناس ، وذهب مالك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، وأصبحت منزوياً في غرفتك لا أحد يعبأ بك ، أصبحتَ تحفة ، أصبحت في مكانة لا تستدعي إلا الشفقة ، عندئذٍ تبدأ بالصلاة ، الآن ، الآن ؟ أين كنت في الشباب ؟ أين كنت يوم كنت تمشي في الطريق متبختراً ، أين كنت ؟ لذلك عبدي اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة ، هذا الذي عرف الله في شبابه يعرفه الله في شيخوخته ، والشيء المهم جداً أن الإنسان إذا عرف الله في شبابه متّعه الله بعقله ، وسمعه وبصره وقوته ومكانته وغناه عن الناس ! الدعاء الشريف : (( اللهم اجعل خير عمرنا آخره ، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا )) .

(زوائد الهيثمي عن الحسن قريبًا من هذا اللفظ)

        هذا الذي يتكبر ، وهو في ساعة من ساعات القوة ، أو ساعة من ساعات الغنى إنسان صغير عند الله عز وجل ، لأنه جاهل ، الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل ، من يدري أن الإنسان نقطة دم إذا تجمدت في بعض شرايين المخ يصاب بالعمى ، أو بالشلل ، أو بالصمم ، أو يفقد ذاكرته أحياناً ! ما الإنسان ؟ إذا شعر أن هناك كتلة لا ينام الليل يذهب من طبيب إلى طبيب للتحليل ، لأخذ عيّنة ... كتلة قاسية ، الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل ، هذا موضوع الورم الخبيث ليس له دواء حتى الآن ! ليس له سبب أساساً ! نمو خلايا عشوائية ، انتهى كل شخص ، بلغ أوج نشاطه في الحياة ، وفي ساعات رخائه يأتي هذا المرض ، فيحيل حياته إلى جحيم .

        أتمنى على كل منكم ، وهو في صحته ، وهو في بحبوحة ، وهو في أوج نشاطه أن يعرف الله في الرخاء ، لأنه إذا عرفه بالرخاء عرفه بالشدة .

       يْأس قاتل ، مع أن الله عز وجل أمره كن فيكون ، لو أن المرض وخيم العاقبة يأتي ذكر الله عز وجل فيزيل من هذا المرض فعاليته الضارة ! حلَّلنا ، ولم يظهر شيء ! ألست أنت من قال : إن الوضع خطير ؟ الله عز وجل بيده كل شيء .

( سورة الشعراء )

        

        الإنسان له بنية ، له نفسية ، هذه النفسية ناتجة من إقباله أو إدباره ، إذا كان مقبلاً فعنده نفسية طيبة ، وهذه النفسية الطيبة تستدعي الشكر والعرفان ، إذا دخل الإنسان إلى بيته الذي يأوي إليه ، هناك زوجة معافاة من كل مرض الإنسان هذه نعمة كبرى الإنسان لو أن مرضاً خبيثاً عضالاً أصاب الزوجة شيء صعب ، له أولاد ، قال لي طبيب : دخلت بيتًا فوجدت فيه أربعة أولاد بُلْهٍ كلهم حجمهم كبير ، وضعف في التفكير ، وشراسة في الطباع ، حتى إنه عالج الاثنين الإنسان وقامت معركة مع كل واحد ، أربعة أولاد بُلْهٍ ! والله هذه مصيبة كبيرة جداً ، فإذا دخل الإنسان بيته ، ووجد فيها أولاد أسوياء ، وزوجة معافاة ، وبيتًا يأوي إليه ، صحته طيبة ، هذه نعم ، يجب أن تعرف الله فيها ، لا أن تنسى هذه النعم .

         هذا الذي عرف الله ، فاقتبس منه الوفاء والشكر والعرفان اقتبس منه ، أو استسقى من الله هذا الكمال شاكلته خيّرة ، يعمل وفقها ، وهذا الذي أعرض عن الله عزَّ وجل أصبحت شاكلته أو بنيته جبلّته شريرة يعمل وفق اللؤم فهو لئيم ، كلما أكرمته يزداد لؤماً ، كلما أعطيته يزداد كبراً .

        سيدنا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه عُيّن قائداً ثالثاً للجيش رقم ثلاثة ، أول قائد سيدنا زيد أخذ الراية ، فقاتل بالراية حتى قتل ، سيدنا جعفر رقم اثنين في مؤتة ، أخذ الراية فقاتل بها حتى قتل ، فلما جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة تردد ! قضية موت سريع ، خاطب نفسه قال :

يا نفسي إن لا تُقتلي تموتي     هذا حمام الموت قد صليت

إن تفعلي فعلهما رضـيت       وإن توليت فقد شقــيت

***

 

      وأخذ الراية فقاتل بها حتى قتل ، النبي عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة حدّث أصحابه فقال : أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، وسكت النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، فقال أصحابه : يا رسول الله ، ما فعل عبد الله ؟ قال : ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه )) .

(القصة بلفظها وتمامها في السيرة النبوية لابن هشام ، والحلية لأبي نعيم)

     أيْ : هذا التردد جعل مقامه عند الله يهبط درجة ! إذا كان هذا التردد في بذل نفسه هذه شاكلته ، فأين نحن من هذه القصة ؟ ماذا بذلت لله عز وجل ؟ ماذا فعلت ؟ هل استزدت لكل عمل صالح ؟ إذا دعيت إلى خير ماذا يكون موقفك ؟ نرجو الله عز وجل أن نكون في نظر الله عزَّ وجل كما يحب ويرضى :

       سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " والله ، والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز بيوم عاصف بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ! " .

       أحياناً يقف الإنسان موقفاً لئيمًا من والدته ، لو كشف له الغطاء ، لو عاد إلى فطرته لذاب من الله خجلاً ، هذه التي رَبَّتك حين تزوجت استغنيت عنها ؟ رأيتها عَقَبة في حياتك ؟ أردت الخلاص منها ، تمنيت موتها ، أهكذا الوفاء ؟ الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ، المشكلة أن الإنسان وهو في الدنيا يكون بين شهوات ومخدرات ، فالأكل والشرب ، واللقاء مع الناس ، والرحلات والسهرات ، والندوات والاجتماعات ، والنزهات والحفلات والولائم ... هذه كلها مخدرات وغفلة ، فإذا انقطع عنها فجأة بمرض أصيب به أو لموت ألم به انكشفت حقيقته ، وانكشفت له نفسه ، وظهرت على حقيقتها ، فإما أن تُسعده إلى الأبد ، وإما أن يشقى بها إلى الأبد !

        اعملوا ما شئتم ، يوم القيامة حينما ترى أن كل شيء خلقه الله من أجلك أن الكون كله سخر لك ، وأنه ما من مخلوق إلا يسبح بحمده ويقدس له ، وأنك كنت الغافل وحدك ، وأنك أسأت إلى عباد الله ، وقابلت الجميل بالإساءة ، وقابلت الإحسان بالإساءة ، وقابلت النعمة بالجحود ، وقابلت الهدى بالضلال أولاً ، والإضلال ثانياً ، هذا موقف من يحتمله ؟ طبعاً جزاؤه النار التي تلفح وجوههم .

( سورة النساء)

       هناك ارتباط بين الآيتين ، هذا الذي لا يزيد الظالمين إلا خساراً ، هؤلاء الظالمون الذين لا يزدادون مع تلاوة هذا القرآن إلا خسارا من شأنهم أنه إذا أنعم الله عليهم أعرضوا ، واستكبروا ، واستعلوا ، وإذا مسهم الشر يئسوا ! هؤلاء الذين لا يزدادون عند تلاوته إلا خساراً ، هذه شاكلتهم :

       كل واحد منا له نفس ، سنسميها جِبِلّة ، له طبيعة ، له بنية ، وفي علم النفس الحديث سمات عميقة يتحرك بموجبها ، فهناك إنسان خيّر بالطبع ، يتمنى خدمة الناس ؛ إنسان بإعراضه عن الله عز وجل ، وانقطاعه عنه نفسه الشريرة ، يتلذذ بالإساءة للآخرين ! بإيقاع الأذى بهم ، بإيقاع الشر فيهم ، فهذه الجبلة السيئة محصلة البعد عن الله عز وجل ، هذه الشاكلة .

      والجبلة الطيبة هي محصلة الإقبال على الله عز وجل ، أنت بين حالتين إما أنك مقبل ، فلك جبلة طيبة ، لك شاكلة خيرة ، لك نفس عزيزة كريمة معطاءة ، وإما أنك مدبر ـ لا سمح الله ـ فلهذا الإنسان نفس شريرة ، جبلة مؤذية ، طبيعة أنانية ، كما يقولون ، حرص على الذات ، واستهانة بالآخرين .

       هذه الآية كأن الله يقول : افعلوا ما شئتم ! كل واحد منكم له شاكلة ، له جبلة ، هذه الجبلة محصلة إقباله أو إدباره ، فإذا كان مدبراً ففي الشر يؤوس ، وفي الخير منوع ! هكذا قال لله عز وجل :

( سورة المعارج )

 

( سورة الإسراء )

        فهناك أشياء فوق مدارك الإنسان ، هذه الروح ..

      هذه التي نسميها سودة ـ الكبد ـ فهي لحم تُأكل ، لكن في الواقع هي كبيرة ، يقوم بخمسة آلاف وظيفة ، تأخذ طحال شطيرة ، إذا كان فيها روح فهذا الطحال يقوم بأخطر الوظائف ، معمل لكريات الدم الحمراء ، مقبرة للكريات ، تحليل الكريات ، وتأخذ المواد المعدنية الحديد وهيموغلوبين ، وتبقي الفضلات ترسلها إلى مكان آخر ! معمل دم احتياط ، مقبرة ، مستودع للدم ، أقرب شيء لنا أعضاؤنا ، هذه الأعضاء كلها موجودة ، الروح لها وظائف خطيرة جداً ، العين مثلاً : إنسان ميت ما قيمة عينه ؟ قطعة لحم لا تؤكل ! لكن عين إنسان طيب يرى بها العالم ، والألوان ، ثمانمئة ألف لون أخضر يراها بالعين ! الشبكية فيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط ! جسم بلّوري يقوم بأعظم وأدق عمل ، وهو المطابقة ! شيء لا يصدق ، حينما يأتي الخيال وراء المحرق فهذا الجسم نفسه يتحسس إذا جاء الخيال خلف المحرق ، يرسل أمرًا للدماغ ، الدماغ يأمر خلايا العضلات الهدبية المحيطة بهذا الجسم البلوري فتضيق أو تزيد من احتدابها إلى أن يقع على الشبكية ، وإذا جاء الخيال قبل المحرق في جهاز آخر يعطي أوامر معاكسة من أجل أن يستطيل فيقع الخيال على الشبكية ، العين بالروح هكذا تفعل ! من دون روح كتلة لحم لا طعم لها ! الكبد يقوم بأخطر وظيفة ! هناك خمس وظائف أساسية في الحياة ، الإنسان بلا كبد يموت بعد ثلاث ساعات ! بعض العلماء قال : للكبد خمسمئة وظيفة ! وبعضهم قال : خمسة آلاف وظيفة ! بالروح ، من دون الروح أصبحت بلا فائدة .

    الكلية يمر فيها الدم في النهار خمس مرات ! يمشي الدم بالكلية مئة كيلو متر تقريباً كل يوم ! دم الإنسان يقطع في الكليتين مئة كيلو متر ، إذا مات الإنسان أصبحت قطعة لحمة ! قبل قليل كان جهازاً خطيرًا جداً !

       الدماغ ، خذ دماغ إنسان طبيب ، كل الطب موجود في هذا الدماغ ! كل معلوماته ، كل خبراته ، كل أنواع الأمراض ، أعراض الأمراض ، التشخيصات ، الأدوية ، كلها في هذه الذاكرة ، بعدما يموت خذ نخاع الخروف ، بالروح ماذا كان ؟ وبلا روح ماذا أصبح ؟ كتلة لحم ، فهذه العين ، الأنف ، الأذن ، اللسان ، يمكن أن يلتقي في هذه الذاكرة علم الأولين والآخرين ، بعدما يموت الإنسان لا يبقى شيء ، فما هي الروح ؟ إذا أوقفنا إنساناً على ميزان وهو واقف على الميزان مات ، هل يقل وزنه ؟ لا يقل غرامًا ، أين الروح ؟ ما طبيعة الروح ؟ عندما يتجلى ربنا عز وجل على الإنسان بالروح ، يتحرك ، انظر إلى الإنسان الحي تراه مؤنساً ، إذا مات يخاف الناس من غرفته كلها ! يبقون شهرين أو ثلاثة وغرفة المتوفى يتجنبها أهله خوفاً ! يقولون لك : هنا مات ، لكنه قبل ساعة كان أبًا لطيفًا ، الأولاد يأنسون به ، يتهافتون عليه ، يقبلون عليه ، يرون الجلوس معه مغنماً كبيراً ، بعدما تمدد ميتاً أصبح مخيفاً موحشًا ، يقولون : إكرامه ترحيله بسرعة ، ما هذه الروح ؟ بالروح لك شأنك ملء السمع والبصر ، لك مكانتك ، توقيعك يقدر بملايين ! بعدما يموت أي توقيع هذا ؟ مات ، وللورثة الكلام كله ! لما ربنا عز وجل يوقف هذا الإمداد كل أملاكك لم تعد لك ! ما هذه الروح ؟ مادام لك حركة ، البيت لك ، الأرض لك ، المعمل لك ، كل شيء لك ، فإذا قطع الله عنك الإمداد أصبح كله لغيرك ، ما هذه الروح ؟

      موضوعنا طويل جداً ، موضوع الذاكرة ، موضوع الدماغ ، موضوع العين ، السمع ، البصر ، العضلات ، هذه الحركة ، الميت لا يتحرك ، فإذا رأى أحدنا ميتاً يتحرك يمكن أن يجّن ! إذا كنت تسير في الطريق ، ومرّت حافلة ، قال له : لا يوجد محلات ، اصعد على الظهر ، وعلى الظهر تابوت ، كان ينقل ميتًا في الذهاب ، وفي العودة التابوت فارغ ، صعد قبله راكب وجد نفسه مصابًا بالبرد ، فجلس في التابوت ، هذا الثاني وجد تابوتاً ، فجلس عليه ، فتحه ، فتحرك الميت فوقع من الحافلة ، ومات فوراً ، لا يألف الإنسان ميتاً يتحرك ! إذاً موضوع الروح شيء عظيم جداً .