English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "12 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 88 – 96   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

        

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم  .

       أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس الثاني عشر من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

( سورة الإسراء )

      الله سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن الكريم معجزة خالدة للنبي عليه الصلاة والسلام ، بينما معجزات الأنبياء تنقضي بانقضاء عصرهم ، معجزات الأنبياء السابقين تصبح أخباراً يصدقها المصدقون ، أو يكذبها المكذبون ، ولكن القرآن الكريم الذي جُعِل معجزة خالدة للنبي عليه الصلاة والسلام ، هو بين أيدي كل المسلمين ! فربنا سبحانه وتعالى يقول :

في بعض الآيات  :

( سورة الرحمن )

       في هذه الآية بدأ الله بالجن :

أما في الآية التي نحن في تفسيرها :

    هل هناك حكمة من تقديم كلمة الإنس في هذه الآية ، وتقديم كلمة الجن في تلك الآية ؟ العلماء قالوا : لأن الجن أقدر على النفوذ في أقطار السماوات والأرض ، فبدأ الله بهم ! ولأن الإنس أقدر على صياغة الكلام فبدأ الله بهم ! فترتيب الكلمات في القرآن شيء يلفت النظر ، مثلاً ربنا سبحانه وتعالى قال :

( سورة النور  )

       وفي آية أخرى :

( سورة المائدة )

        في السرقة بدأ الله بالسارق ، في الزنا بدأ بالزانية ، لأن المرأة أقدر على إغراء الرجل إلى الزنا من الرجل ! بينما في السرقة الرجل أقدر على السرقة من المرأة ! ترتيب الكلمات في القرآن الكريم بحث دقيق جداً ، في سبع عشرة آية قدم السمع على البصر !

( سورة المؤمنون)

      لأنه فعلاً يبدأ تكوّن السمع في الجنين ، بينما البصر لا يبدأ إلا بعد الولادة ! إلا في آية واحدة :

( سورة السجدة )

         هذه الآية تشير إلى أن سرعة الضوء أشد من سرعة الصوت ، أبصَرنا وسمعنا ، ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية ! أما السمع ثلاثمائة وثلاثون مترًا بالثانية ! في أكثر الآيات القرآنية ربنا عز وجل يبدأ ببذل المال قبل بذل النفس .

( سورة الحجرات)

       لأن بذل المال أسهل ، إلا في آية واحدة :

( سورة التوبة : 111)

       هذه الآية في معرض البيع القطعي ، وفي البيع القطعي يقدم الأهم فالمهم ، تكتب البيت ثم الدكان ، فترتيب آيات القرآن الكريم فيها حكمة بالغة جداً ، هنا :

في آية خرق السماوات والأرض  :

     وشتان بينهما ، الإنس أقدر على صياغة الكلام ، والجن أقدر على عبور السماوات والأرض :

        الحقيقة أنّ فضل كلام الله على كلام البشر ، كفضل الله على خلقه ، المخلوق ضعيف ، عاجز ، يخطئ أحياناً ، يضل ، لكن كلام الله عز وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، إذا حصل اليقين بأن كل كلمة في هذا الكتاب مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة عندئذٍ يتمسك الإنسان به ! ويرى مصداقيته ، الإنسان دائماً يتمسك بالكلام بحسب شعوره بصدقه أو كذبه ، أحياناً خبر صادق يهبط الأسعار مئة ألف لكل حاجة ! خبر في خمس كلمات ! لماذا تهبط الأسعار ؟ لثقة الناس أن هذا الكلام صحيح ، إذا وثقت من أن كلام الله عز وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه الإنسان ولا من خلفه عندئذٍ يكون التمسك به تمسكاً منقطع النظير ، حينما يقول الله عز وجل :

( سورة النور : 30)

          أمر إلهي حينما يقول الله عز وجل :

( سورة الجاثية )

       يعجب الله عز وجل كيف يظن الإنسان الذي يجترح السيئات أنه سيسلم في الدنيا ، أو أنه سيعامل كما يعامل المؤمن ! هذا شيء مستحيل .

( سورة القصص : 61)

          حينما تقرأ هذه الآية :

( سورة النحل  : 97)

          يجب أن تشعر بطمأنينة ما بعدها طمأنينة ، لأن خالق السماوات والأرض يعدك بهذه الحياة الطيبة ، حينما تقرأ قوله تعالى :

 

( سورة طه  )

         لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، يجب أن تطمئن ، إذاً هذا الكلام كلام الله رب العالمين ، قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة ، واقع لا محالة ! فضل كلام الله على كلام عبيده أو عباده كفضل الله على خلقه ، فربنا عز وجل قال :

        لإحكامه ، لنظام صياغته ، لشموله لكل حاجات الإنسان ، هناك أشياء القرآن تكلم عنها مهمة جداً ، هناك أشياء سكت عنها رحمة بنا ، فهذا القرآن الكريم مضامينه متعددة فيه مضمون تربوي ، فيه مضمون صحي ، مضمون اجتماعي ، مضمون اقتصادي ، مضمون من كل ما نحتاجه ، في صياغة معجزة ، لا ترقى إليها صياغة ، وفيه مفتاح سعادتنا في الدنيا والآخرة ، وأخبار الأمم السابقة ، أخبار ما سيكون بعد مضي الأيام ، وفيه إشارات إلى الحياة الآخرة ، وتوضيح وصور ، لذلك الله عز وجل جعل هذا القرآن دستوراً لنا .

( سورة الأنعام : 1)

        مضمون الحمد خلق السماوات والأرض ، آية ثانية :

( سورة الكهف  : 1)

         الكون في كفّة ، وهذا الكتاب في كفة ، هذا الكتاب هو المنهج ، الله عز وجل خلق الكون وخلق الإنسان ، وخلق له المنهج ، لذلك قالوا : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الإرشاد ، العلماء بعضهم تحدث عن إعجاز القرآن الكريم فقالوا : هناك إعجاز ، ومعنى الإعجاز أن البشر لا يستطيعون مجتمعين أن يأتوا بمثله .

       شيء آخر ، هناك إعجاز في نظم القرآن الكريم ، في صياغته ، هناك إعجاز في جزالة ألفاظه ، هناك إعجاز في أسلوبه ، هناك إعجاز في الإخبار عن الأمم السابقة ،

(سورة الشورى : 52)

هناك إعجاز في وعده ، وفيه وعد مطلق ، ووعد مقيّد .

فلا كفران لسعيه .

( سورة النور : 55 )

          هذا وعد مقيّد ، وعد الله الذين آمنوا ..

( سورة المائدة  : 12)

         في الوعد إعجاز ، في الوعد المطلق ، وفي الوعد المقيّد ، وفي أخبار الأمم السابقة إعجاز ، وفي تشريع الحلال والحرام إعجاز ، وفي الحكم الكثيرة العالية المستوى إعجاز ، وفي عدم الاختلاف وعدم التناقض إعجاز ، وأول ما في القرآن من إعجاز أنك إذا طبّقته قطفت ثماره ! في اللحظة التي تطبق بعض آيات القرآن الكريم تقطف ثمارها ، إذاً إعجازه في مصداقيته ، كيف تتأكد أن هذا الكلام كلام الله رب العالمين ؟ أن الوعد الذي وعدك الله إياه إذا قمت بما عليك قطفت الثمار التي وعدت بها !

         الإنس كلهم ، والجن مجتمعين متكاتفين متعاونين متضامنين على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ، هناك آيات أخرى :

 

( سورة يونس  )

         لا القرآن بكامله ، ولا عشر سور ، ولا آية واحدة ، ربنا عز وجل قال :

( سورة النساء  : 29)

            لا تأكلوا أموالكم ، ولم يقل : لا تأكلوا أموال الناس ، بل أموالكم ! مال أخيك هو مالك ، يجب أن تحافظ عليه من التلف والضياع ، فلأن تمتنع عن أكله بالباطل من باب أولى .

       شيء آخر ،

إذا كانت الأموال متداولة بين أفراد الأمة كان الناس في بحبوحة ، وفي يسر ، فإذا أُكلت الأموال بالباطل أصبحت الأموال متداولة بين فئة قليلة ، هذا من كلمة أموالكم بينكم .

         أما كلمة ( تأكلوا ) لأن المال ليس هدفاً بذاته ، قيمته لا في ذاته ، بل في غيره ، إنه وسيلة ، وأول أهداف كسب المال الأكل والشرب ، ربنا عز وجل لم يقل : لا تغتصبوا ، لم يقل : لا تظلموا ، قال : لا تأكلوا إشارة إلى أن أول أهداف المال شراء الطعام .

       فكل مال من دون عوض فهو بالباطل ، المال الحلال هو مال اكتسبته بعِوَض أو بخدمة ،

       النبي الكريم فهم من هذه الآية معاني دقيقة جداً ، التجارة يجب أن تكون عن تراض ، أن يكون المشتري راضياً فيما لو كُشِف الغطاء ، هذا إعجاز ! كلمات محدودة بيَّنت أصول كسب المال ، وحكم التجارة الصحيحة ، وكيف يكون الفقر من تداول المال بين الأيدي القليلة ، وكيف يكون أكل مال الناس بالباطل ، وكيف أن المال وسيلة ، وليس هدفاً ، وكيف أن الحياة الاجتماعية للمؤمنين كتلة واحدة ، إذا أكلت مال أخيك فكأنما أكلت مالك ، لأنك حينما أكلته بالباطل ضعّفته ، وإذا ضعف أخوك ضعفت أنت معه ، آية ثانية :

( سورة هود : 6)

        في القرآن إعجاز في صياغته :

الدابة نكرة ، والتنكير يفيد الشمول تقول : إنسان ، أي : ستة آلاف مليون ، إذا قلت : الإنسان العربي تقصد مئة مليون ، التنكير يفيد الشمول ، ربنا قال :

أيّة دابة على وجه الأرض على الله رزقها ، أما ( من ) فتفيد استغراق أفراد النوع ، أي : الدواب على الله رزقها ، أما ما ( من دابة ) كل نوع ، كل فرد من كل نوع على حِدة تحديداً وتصنيفاً على الله رزقها ، إذاً كلمة ( دابة ) النكرة أفادت الشمول ، وكلمة ( مِن ) أفادت استغراق أفراد النوع ، لو ربنا قال : الدواب على الله رزقها ، ما كان في هذه الدقة من المعنى ، لو قال : الدواب الله يرزقها لم نقل على الله رزقها يرزقها ، أو لا يرزقها على وجه الإلزام ، أما ( على ) فتفيد الإلزام .

       لو قال : الدواب على الله رزقها ، لا يوجد قصر ، الله يرزقها ، وغيره يرزقها ! ما من دابة إلا ، النفي والاستثناء أفاد القَصر ، والتنكير أفاد الشمول ، ومن أفادت استغراق أفراد النوع ، وعلى تفيد الإلزام ، معنى الإلزام مع القصر مع استغراق أفراد النوع مع الشمول ، كل هذه المعاني في كلمات ،

هذا إعجاز ، لو أن في الوقت مُتَّسَعٌ لضربنا أمثلة كثيرة كيف أن صياغة القرآن لا يمكن أن تتغير ! نقل أيّ كلمة من مكان إلى آخر يختلف به المعنى اختلافاً كلياً !

( سورة النور : 30)

     ( من ) للتبعيض ، لأن هناك نظر مباح إلى المرأة ، إلى الزوجة ، لك أن تنظر إليها ، الزوجة أو المحارم ! هذه ( من ) ، أن تغض بصرك عن الأجنبيات فقط ، من أبصارهم .

     شيء آخر ،

جعلت آية غض البصر قبل آية حفظ الفرج تأكيداً إلى أن حفظ الفرج سببه غض البصر ! نظرة ، فابتسامة ، فموعد ، فلقاء !

       هناك ترتيب ، من يصدق أن كلمة ( اليوم ) في القرآن الكريم وردت ثلاثمئة وخمساً وستين مرة ، حصراً ! وأن كلمة شهر وردت اثنتا عشرة مرة ، بالضبط ، ومن يصدق أن آيات النار تكافئ آيات الجنة بالعد والتمام ! وآيات الملائكة تكافئ آيات الشياطين ! وآيات الدنيا تكافئ آيات الآخرة ! هذا شيء فوق طاقة البشر ! على كل حال عندنا إعجاز بلاغي ، وعندنا إعجاز رياضي ، وعندنا إعجاز حسابي ، وعندنا إعجاز تشريعي ، وعندنا إعجاز يتعلق بالأحوال الشخصية ، ربنا عز وجل قال  :

( سورة الطلاق : 1)

         بيوتهن ، البيت ملكك ، ثمنه ثلاثون مليونًا ، ملكك ، الله جعل البيت ملك المرأة ! ملكية اجتماعية ، بمعنى أن الإنسان يؤكد شخصيته في عمله خارج البيت ، لكن المرأة بحاجة ماسة إلى إرواء هذه الرغبة ، تأكيد الذات ، إدراج الأهمية ، جعل البيت ملكاً لها ملك إدارة ، أي : دع البيت للمرأة ترتبه كما تشاء ، هذا معنى قوله عز وجل :

       حينما نسب البيت إلى المرأة أي : نسب إليها نسبة إشراف وإدارة تأكيداً لشخصيتها ،

إشارة ثانية إلى أن الزواج لا ينجح إلا في بيت مستقل ! بيوتهن لها بيت خاص  .

      والمعنى الثالث : أن أيّ مشكلة مهما كانت كبيرة إذا بقيت المرأة في بيتها تصغر إلى أن تتلاشى ! وأصغر مشكلة إذا أخرْجَتها من بيتها تكبر ! أدق قانون في التعامل الزوجي ! لو أحصينا حالات الطلاق لوجدنا في كل مئة حالة طلاق سبعين حالة من الطلاق سببها أنه في ساعة الغضب أخرج الرجل امرأته إلى بيت أهلها ! تفاقم الأمر ، جاءت مُغِذّيات ، جاء أطراف أخرى ، تدخلوا في الأمر ، أما لو أن المرأة بقيت في بيت الزوجية ، أو أبقاها في بيت الزوجية لحُلّت هذه القضية بعد يومين ، لذلك قال :

قد يشكو الرجل ضعف قوامته على المرأة ، ربنا وضع قانونًا فقال :

( سورة النساء : 34)

        يجب أن تكون أعلى منها ثقافة ، أعلى منها ورعاً ، أعلى منها علماً ، أعلى منها خلقاً ، إن لم تكن أعلى منها لا تستطيع أن تقودها !

       شرطان للقوامة : أن تكون أعلى منها ، وأن تنفق عليها ، عندئذٍ مركب الزوجية يسير ، هذه أمثلة وشواهد على إعجاز القرآن ، الإعجاز في التشريع ، في البلاغة ، في البيان ، الإعجاز في ذكر أخبار الأمم السابقة ، الإعجاز في ذكر ما سيكون ! والله لو أمضى الإنسان حياته كلها في الحديث عن إعجازه لا ينتهي ! كلام الله رب العالمين ، الكون قرآن صامت ! والقرآن كون ناطق !

      وبعضهم يضيف على ذلك أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي ! قرآن صامت هو الكون ، كون ناطق هو هذا الكتاب ، أما إذا أردت أن ترى إنساناً تمثّل فيه القرآن تمثلاً صحيحاً فهو النبي الكريم !

          عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : (( كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ )) .

( مسند الإمام أحمد )

      سيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله ! وقاف ..

( سورة المعارج)

         انظر لهذا الأدب الرفيع ، أحياناً تفتح كتاب فقه تخجل أحياناً ، يوجد ذكر لبعض الحالات لا ترغب أن يقرأ الكتابَ ابنُك ! يقولون : لا حياء في الدين ، لا ، الدين كله حياء ، والحياء من هذا الكتاب مأخوذ .

 

( سورة المعارج )

       وراء ذلك ! كل أنواع الانحرافات اللاأخلاقية في الأرض منطوية تحت قوله تعالى :

    يقول لك الله عز وجل  :

  

( سورة النحل)

      يأتي شاب يعيش في سنة الستة وثمانين ركب سيارة فخمة ، أو ركب طائرة ، أو ركب باخرة سياحية .

هو يركب سيارة ثمنها مليون ! يقول الله لك  :

هذه الكلمة غطَّت كل المستقبل ! فإذا ركبت طائرة كبيرة نفاثة كأنها مدينة متنقلة .

      وكيف أن الله عز وجل عزى خلق الطائرة إلى ذاته ، لأن الفكرة من الله عز وجل هو الملهم ، يقولون : الاختراع قفزة المجهول ، إشراق الاختراع ، وهو الذي خلق المواد التي صنعت منها الطائرة ، وهو الذي خلق الوقود ! هناك آية عن الوقود السائل :

( سورة يس )

      أحدث نظرية في البترول تقول : إنه في العصور المطيرة غابات عملاقة طمرت في باطن الأرض ، فكان منها البترول !

الإنسان يعجب بأن شجراً أخضر لا يشعل سوف يكون شجراً يابسًا .

       فلذلك القرآن الكريم فيه إعجاز علمي ، إعجاز تاريخي ، إعجاز تشريعي ، إعجاز بياني ، إعجاز بلاغي ، إعجاز حسابي ، إعجاز رياضي ، هو المعجزة التي ..  لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( لا يحزن قارئ القرآن )) .

  (ورد في الأثر)

       عنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ : << إِنَّ قَارِئَ الْقُرْآنِ ، وَالْمُتَعَلِّمَ تُصَلِّي عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ حَتَّى يَخْتِمُوا السُّورَةَ ، فَإِذَا أَقْرَأَ أَحَدُكُمُ السُّورَةَ فَلْيُؤَخِّرْ مِنْهَا آيَتَيْنِ حَتَّى يَخْتِمَهَا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ كَيْ مَا تُصَلِّي الْمَلائِكَةُ عَلَى الْقَارِئِ ، وَالْمُقْرِئِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى آخِرِهِ >> .

( الدارمي )

         هذا الحديثُ وحدَه يكفي ، (( لا يحزن قارئ القرآن )) .

  (ورد في الأثر)

       ويقول عليه الصلاة والسلام : (( من جمع القرآن متّعه الله بعقله حتى يموت )) .

(السيوطي في الجامع الصغير ، عن أنس ، وهو حديث لا يصح)

       يستحيل على مؤمن وعى القرآن أن يخرف في آخر عمره ، (( من جمع القرآن متّعه الله بعقله حتى يموت )) ! القرآن غنىً لا فقر بعده ! ولا غنىً دونه ! لو أنك أنفقت كل مالك من أجل أن تفهم هذا الكتاب كنت أنت الرابح ! ولو أنك حصّلت أموال الدنيا وفاتك فهم هذا الكتاب كنت أنت الخاسر ! لأن هذا الكتاب دليلك إلى الله عز وجل ، فمثلاً لو أحضرت آلة معقدة جداً أو جهاز كمبيوتر لتحليل الدم ثمنه اثنا عشر مليونًا ، ويمكن أن تضع نقطة دم في الكمبيوتر وتكبس زرًّا فيعطيك سبعة وعشرون تحليلاً فوراً ، وهناك أجهزة هكذا حقاً ، لكنها غالية الثمن ! وإذا كان عندك في اليوم مئتا تحليل ، وكل تحليل خمسمئة ليرة ، اعمل حسابك ، هذا الكمبيوتر استوردته ، ولم يرسل لك معه نشرة الاستعمال ، أليست هذه النشرة التي لم ترسل معه أهم منه ؟ لو استعملته بلا نشرة لأعطبته ، ولو لم تستعمله لجمدت ثمنه ! فمن أجل أن تستعمله لا بد من قراءة هذه النشرة ، كيف أنه ثمين جداً ، وثمنه مرتفع جداً ، لا قيمة له إلا بهذه النشرة ! وكذلك الإنسان فيه غرائز ، فيه حاجات ، فيه ميول ، له نفس ، له قيم أمور معقدة جداً ، لولا هذا الكتاب لكان كالبهيمة ، أَكَلَ ما شاء ، من أي مصدر شاء ، وقضى لذّته بالطريقة التي تحلو له ، فهلك وأهلك ! وشقي وأشقى ، لذلك العلماء يقولون : الإنسان من دون علم بهيمة ! يسقط إلى مستوى الحيوان ، وبالعلم يرقى إلى مستوى الإنسان ، فهذا الكتاب :

( سورة الإسراء )

      

( سورة الإسراء )

       قال العلماء : قرآن الفجر القرآن الذي تقرأه في صلاة الفجر .

( سورة الإسراء)

          ركعتا الفجر خير لك من الدنيا وما فيها :

( سورة المزمل  )

         هذا الذي يحفظ كتاب الله لو تعلم كم هو سعيد بحفظ كتاب الله ، كم هو موفق ، كم هو يحقق الهدف من وجوده على وجه الأرض إذا حفظ كتاب الله وعمل به ، إلا أن الذي لا يعمل بكتاب الله ينطبق عليه الأثر : " رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه " .

       معنى صرف قلّب ، أمر ونهي ، ووعد ووعيد ، وقصة ومثل ، وحكمة وخبر صادق ، ووعد لاحق ، وصورة من عالم الأزل .. تنويع دقيق جداً ، تنويع في السورة الواحدة ، لو جمعت القصص في فصل ، والآيات الكونية في فصل لما وجدت في نفسك رغبة في قراءتها ! لكن ترتيب القرآن ترتيب نفسي ، لا ترتيب موضوعي ، بعضهم يقترح أن يصنف كتاب الله تصنيفاً موضوعياً ، لو صنف القرآن تصنيفاً موضوعياً لذهبت قوة تأثيره ! تقرأ السورة تأتي آية الوعيد تخاف ، تأتي آية الوعد تتفاءل ، تأتي الآية الكونية تستعظم الله عز وجل ، تأتي قصة لقوم أهلكهم الله تعتبِر ، يأتي مشهد من مشاهد يوم القيامة تتفاءل ، فهذه السورة تأخذ بيدك من الخوف إلى الرجاء إلى الثقة إلى التعظيم إلى التفاؤل ، هذه الأحوال النفسية تتلو وترتقي من آية إلى آية .

        قال بعض العلماء : إن هذه الآية دليل قطعي على أن الإنسان مخيّر ، يعني أبوا ، كان بإمكانهم أن يستجيبوا فأبوا ، إذاً هم مخيرون بين أن يستجيبوا وبين أن يأبوا ، قل لي بربك : لو كنت صاحب محل تجاري ، وعندك موظف ، وقلت لهذا الموظف : تعال غداً باكراً ، أمرته أن يأتي باكراً ، أليس في إمكانه أن يأتي متأخراً ؟ لو لم يكن في إمكانه أن يأتي متأخراً لما أمرته أن يأتي باكراً ، هو مخيّر ، إذاً يقتضي الأمر أن المأمور مخيّر ، ويقتضي النهي أن المنهي مخيّر ، لو نهيته عن أن يخرج قبل أن يعلمك أليس في إمكانه أن يخرج قبل أن يعلمك ؟ طبعاً بإمكانه ، فربنا قال :

هم أبوا ، كان بالإمكان أن يؤمنوا فأبوا .

( سورة فصلت)

(سورة البقرة)

         لمجرد أنك تجري سباق دراجات ما ، معنى ذلك أن الدراجات مقيدة أم مطلقة ؟ إذا ربّطها بحبال ثخينة ، وأمرتها أن تستبق أيكون هذا معقولاً ؟ لا تستبق الدراجات إلا إذا كانت حرة طليقة ، فالإنسان مسؤول عن أعماله.

         سيدنا عمر جاءه رجل شارب للخمر قال : يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك ! قال : ويحك أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ! قال له : إن قضاء الله عز وجل لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ! أنت مخيّر .

( سورة الأنعام )

        هذا كلام المشركين ، إذاً هذه الآية دليل قطعي على أن الإنسان مخيّر .

        

أبوا ، كان بإمكانهم أن يستجيبوا فأبوا ، هم مخيّرون  .