English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "13 / 13"  والأخير من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 97  حتى آخر السورة ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

         

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

  أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث عشر من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

( سورة الإسراء )

( سورة الإسراء )

       الهدى وحده من عند الله عز وجل ، من ترك الله ، من أعرض عنه ، لا يمكن أن يكون مهتدياً ! الهدى هو هدى الله ، فمن لم يهتدِ بهدى الله فهو الضّال ! ماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ هذا المعنى مستنبط من قوله تعالى :

       الهدى كله من عند الله ، ولا هدى من عند غير الله ، لو اتسعت ثقافة الإنسان ، لو قرأ آلاف الكتب ، لو تعمق في نظرية ما ، لا يسمى مهتدياً إلا إذا عرف الله عز وجل ، إلا إذا طبق المنهج الذي أنزله الله عز وجل ، المعنى دقيق  :

( سورة البقرة )

       

( سورة طه)

        الهدى كخط مستقيم ، وبين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد ، فمن لم ينطبق خطّه على خط الحق فهو منحرف ، قولاً واحداً .

       والله سبحانه وتعالى إذا نسب الهدى إليه فهذا الهدى المبني على اختيار الإنسان ، يختار الإنسان الهدى فيهديه الله عز وجل .

 

( سورة الصف : 5)

       علماء التوحيد قالوا : هناك الضلال الابتدائي ، وهناك الضلال الجزائي ، فإذا قال الله عز وجل :

فيعني هذا الضلال جزائي ، حينما يختار الإنسان الضلال ، وهو الضلال الابتدائي يستحق الضلال ، وهو الضلال الجزائي .

      إذا أعرض الإنسان عن دخول الجامعة فهو محروم من تلقي الدروس ، محروم من إعطاء الرتب ، محروم من المطالعة ، محروم من استعارة الكتب ، كل الميزات التي يتمتع بها طالب الجامعة ، محروم منها ، لأنه رفض دخول الجامعة ! فرفْض دخول الجامعة هو الضلال الابتدائي الاختياري ، حرمانه من كل هذه الميزات هو الإضلال الجزائي ، إذا نسب الضلال إلى الله عز وجل ، إذا نسب الإضلال إلى الله عز وجل ، فهذا هو الإضلال الجزائي ، ولا بد من أن يسبقه ضلال ابتدائي اختياري .

       وأوضحُ مثلٍ مثل الجامعة ، إذا رفض الطالب دخول الجامعة باختياره حرم من كل ميزات الطالب الجامعي ! إذا رفض الإنسان هدى الله عز وجل ، أعرض عن الحق ، جعل القرآن وراءه ظهرياً ، جعله مهملاً ، عطّل أحكامه ، رفض الدين كنظام للحياة ، رفض القوانين الإلهية التي وردت في كتاب الله ، لم يعبأ بتحذيرات الله ، لم يتعلق بوعد الله ، إذا رفض الهدى الإلهي جملة وتفصيلا عندئذٍ يضلّه الله ! بمعنى أنه يحرمه كل الميزات التي يستحقها الذي اختار الهدى ! فحيثما نسب الإضلال إلى الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي الذي يسبقه ضلال اختياري ! هذا معنى قوله تعالى :

المعنى الثاني : أن الله عز وجل حينما يضلل يضل إنساناً هذا الإضلال وفق مجموعة من القوانين موضحة في آيات أخرى ،

(سورة المائدة )

(سورة البقرة )

(سورة يوسف)

 

(سورة البقرة )

(سورة المائدة)

(سورة غافر)

فإذا عُزي الإضلال إلى الله فوِفق مجموعة من القوانين مفصلة في آيات أخرى .

      إذاً حينما تقرأ قوله تعالى :

        يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا الإضلال جزاءً دقيقاً عادلاً لاختيار مع الإصرار ، وأن هذا الإضلال وفق مجموعة من القوانين موضحة في كتاب الله ، وهناك بعض التفسيرات لإضلال الله عز وجل تليق بأسمائه الحسنى ، إنه يُضل عن شركائه لا عن ذاته ، كأن تخفي لابنك لعبة يلهو بها ، والامتحان على الأبواب فأنت أضللت هذا الابن ، أضللته عن ماذا ؟ عن شيء يؤذيه ، عن شيء يضره ! فإما أن تفسر إضلال الله إضلالاً عن غيره عن شركائه ، وإما أنه إضلال جزائي جاء جزاءً وفاقاً لضلال ابتدائي ، وإما أن هذا الإضلال نوع من تطبيق لمجموعة قوانين موضحة في آيات أخرى ، هذا معنى الإضلال إذا نسب إلى رب العزة !

      لا يوجد سوى هذه الحالة ، إما أن تكون مهتدياً بهدي الله فأنت المهتدي ، وما سوى ذلك فهو الضلال المبين ، لو تعمقت في العلوم ، لو تعمقت في الفلسفة ، لو قرأت النظريات ، لو سبرت أغوار المبادئ الوضعية ، لو اطلعت ، لو ناظرت ، لو احتللت أعلى المراكز العلمية ، مادمت لم تعرف الله عز وجل ، ولم تسر على منهجه فهذا هو الضلال بعينه !

      الذي عنده معجم مفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، وتقصى كلمة هدى ومشتقاتها يستنبط بحثاً دقيقاً جداً كنت قد عرضته في خطبتين سابقتين ، كيف أن الهدى له موجبات ، وكيف أن الهدى له موانع ، وكيف أن الهدى له تعاريف ، وكيف أن الهدى له قوانين ، هناك بحث لطيف جداً يستنبط من تقصي كلمة الهدى في كتاب الله ، لا مجال لإعادة هذا البحث ! أرجو الله أن يمكنني من إعادته في وقت آخر .

        في هذه الآية ظاهرة بلاغية :

( هو ) ضمير لمفرد الغائب ، ضمير منفصل يدل على الغائب المفرد المذكر ، ومن يضلل : كان من المناسب أن يقال : ومن يضلل فلن تجد له ، فلماذا جاء الهدى بضمير المفرد ؟ وجاء الإضلال بضمير الجمع ؟ هذه الظاهرة البلاغية فسّرها المفسّرون بأن طريق الحق واحدة لا يتعدد ، يؤكد هذا قوله تعالى في سورة أخرى :

( سورة الأنعام)

      الاستقامة لها حد واحد ، خط مستقيم بين نقطتين لا يمر من هاتين النقطتين إلا خط مطابق للأول ، أما الانحراف فهناك مئات ألوف الخطوط المنحرفة والمنحنية والمنكسرة والخارجة عن هذا الخط ، فالباطل متعدد ، فالربا باطل ، والزنا باطل ، الانغماس في الملذات والكذب باطل ، الغيبة والنميمة باطل ، أما الاستقامة لها حد واحد .

     تعريف آخر ، الاستقامة لها حد واحد ، أو تسمى استقامة قطعية ، بمعنى أن هذا البرميل الذي أعددته للوقود السائل إما أن يكون محكماً ، وإما أن يكون غير محكمٍ ، فإن كان محكماً فله حالة واحدة ، إذا وضعت فيه ألف لتر ، وأغلقته إغلاقاً محكماً فلن تنقص هذه الكمية أبداً ! أما إذا كان غير محكم فلابد من تسرب الوقود السائل ! قد يكون فيه فتحة تفرغه في ساعة ، في نصف ساعة ، في دقيقة ، في عشر ساعات ، في شهر ، الخلل متعدد متدرج كثير متنوع ، أما الإحكام فحالة واحدة ، أما الخلل فله عدة حالات . 

بهذا المعنى بالذات جاءت هذه الآية  :

        

         لأن فلانا اهتدى سار على هذا الطريق ، اهتدى فلان آخر سار على الطريق نفسه ، تطابق مئة في المئة ؛ لا يوجد كذب ، أو غش ، أو استعلاء ، أو تكبر ، أو نميمة ، أو إفساد ، ولو  جاء إنسان آخر استقام على أمر الله انطبق مع سلوك هذين الاثنين ! فالمؤمنون على كثرتهم يمثلهم نموذج واحد ، لأن طريق الاستقامة واحد ، لكن أهل الكفر والدنيا لهم مشارب شتّى ، وانحرافات شتّى ، الانحرافات أنواع ، والنوع درجات ، لذلك أهل الباطل متفرقون .

( سورة الحشر)

       هذا بطلان في اقتناص الملذات ، هذا في كسب المال ، هذا في العدوان على الأعراض ، هذا في العلوّ في الأرض ، كل إنسان أغرته الدنيا من زاوية فانحرف من أجلها ، وانحرافه درجات ، هذا يسرق ليرة ، هذا مئة ليرة ، هذا ألف ليرة ، هذا يقتل ، هذا يضرب ، فالانحراف والمعصية والشتات منوّع جداً ، من هنا جاء قوله تعالى :

ومن يضلل لأن طرق الضلال كثيرة فلن تجد لهم ـ بالجمع ـ أولياء من دونه .

      هذه الظاهرة البلاغية ، كيف أن الضمير جاء مفرداً مع الهدى ؟ لأن للهدى طريقاً واحداً ، وكيف أن الضمير جاء للجمع مع الضلال ؟ لأن طرق الضلال كثيرة جداً .

       عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ )) .

( مسند الإمام أحمد )

يشيب المرء على ما شّب عليه ، ويموت المرء على ما شاب عليه ، يبعث المرء على ما مات عليه   .

      فمن تعلق بالدنيا ، وأكل من مالها الحرام ، وانغمس في شهواتها المنحرفة ، واستمرأ هذه الحياة ، وشبّ عليها ونشأ هذا يشيب على هذه الصفات ، ويموت على هذه الصفات ، ويحشر على هذه الصفات ‍!

      شيء خطير ، من هنا استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أنه من بلغ الأربعين ، ولم يغلب خيره شرَّه فليتجهز إلى النار ! من هنا جاء في بعض الآثار :  " يا عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك ، وشاب شعرك ، وانحنى ظهرك ، فاستحيِ مني فأنا أستحيي منك " .

       من هنا كان الشاب الذي نشأ في طاعة الله تهون عليه طاعة الله طوال حياته ، من هنا كان الإنسان الذي نشأ في المعصية يصعب عليه أن يغير نمط حياته ، أدمن لعب الطاولة طوال حياته ، أصبحتْ جزءاً من بنيانه ، أدمن النظر إلى النساء ، أدمن المزاح الرخيص ، أدمن سماع الأخبار السيئة ، أدمن الاسترخاء والاستمتاع والكسل ، هذا يصعب عليه أن يصبح إنساناً آخر ، يتمتع بالجرأة والاستقامة والهمة العالية .

      فلذلك الشباب الذي أطاع الله عز وجل يباهي الله به الملائكة ! إن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ، ويا من بلغ سن الأربعين وهو على الصراط المستقيم هنيئاً له ، قال تعالى :

( سورة الأحقاف : 15)

       أشار كتاب الله إلى أن أشد الإنسان سن الأربعين ! فإذا بلغه وهو على طاعة الله فهذه شهادة طيبة إلى أنه سيتابع الطريق إلى الدار الآخرة

(سورة الرعد : 11)

     إذا رفع الله إنساناً فليس في الأرض كلها قوة تستطيع أن تخفضه ! وإذا أعطاه من يمنعه ؟ ثم من يعطيك إذا ما منعك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

      عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : (( يَا غُلَامُ ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ ، بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )) .

(الترمذي)

وانتهى الأمر ، علاقتك مع الله وحده  .

( سورة هود : 123)

( سورة يس )

( سورة الإسراء  )

           كيف أنهم كانون ناظرين إلى الدنيا ، مستغرقين فيها ، تعنيهم ملذاتها ، يعنيهم مالها ، يعنيهم متاعها ، هذه النظرة السفلية يحشرون عليها ، بعض المعاني أنهم بنظرهم إلى الأرض وشهواتها يحشرون هكذا يوم القيامة ! وبعضهم يقول : يحشرون على الوجهة التي كانوا عليها ! هذا الذي اتجه بكليّته إلى النساء ، يحشر يوم القيامة على هذه الحالة ! يرتدي ثوب الشهوة ، وهذا الذي اتجه بكليّته إلى جمع المال الحرام ، يلبسه الله هذه الشهوة رداءً له يوم القيامة ، من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها يوم القيامة ! هذه الميول الخبيثة ، الانحرافات تصبح يوم القيامة ثياباً يرتديها الإنسان يفضح على رؤوس الأشهاد !

        في الدنيا كانوا عمياً عن الحق ، فحشروا عمياً يوم القيامة ، وفي الدنيا كانوا بكماً لا ينطقون بالحق ، ينطقون بالباطل ، فحشروا يوم القيامة بُكماً ، في الدنيا كانوا صماً عن سماع الحق ، سمعوا الغناء ، سمعوا الباطل ، سمعوا الترّهات ، سمعوا الأقاويل ، سمعوا الكلام القذر ، ولم يسمعوا الحق ، أعرضوا عن مجالس العلم ، توجهوا إلى مجالس اللهو ، كانوا صماً عن سماع الحق ، فحشروا يوم القيامة صماً ، إذاً  :

 

هذا عذاب النار حق ، لهيب النار الذي يلفح الوجوه حق .

( سورة النساء )

       قال بعض الكفار : إذا دخل الإنسان النار ما هي إلا دقائق حتى يحترق جلده ومع احتراق جلده تموت أعصاب الحس وينتهي الأمر لأنه دارس الطب ويعلم أن النهايات العصبية الحسية في الجلد ، وغفل عن قوله تعالى :

الأعصاب متجددة من أجل أن يكون الألم متجدداً  !

       الآيات هنا آيات كونية ، والآيات قرآنية ، لأن الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ! فسواء أكفر الإنسان بآيات الله التي بثّها في السماوات والأرض ، أو كفر بآيات القرآن الكريم ، فالنتيجة أن جزاءه جهنم خالداً فيها أبدا .

      لم يصدق أن هذا الإنسان الذي فني ، يقول بعض الناس : وهؤلاء الذين يحرقون بعد الموت بالهند ، وهؤلاء الذين تحرق مركباتهم في الجو ، أين هم ؟ كيف يجمعهم الله عز وجل ؟

ردّ الله عليهم بقوله تعالى  :

       

         فخلق السماوات والأرض أليس دليلاً قاطعاً على قدرة الله غير المتناهية ؟ الذي خلق السماوات والأرض أيعجزه أن يعيد خلق الإنسان مرة ثانية ؟

( سورة الإسراء )

       الإنسان قبل أن يعرف الله عز وجل قَتور ، شحيح ، بخيل ، يخشى أن ينفق ، فينتهي المخزون الذي عنده ، لكن الله عز وجل كما في الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : (( يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ عَافَيْتُ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، وَمَنْ عَلِمَ أَنِّي أَقْدِرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ ، وَلا أُبَالِي ، وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلا مَنْ أَغْنَيْتُ ، فَاسْأَلُونِي أُغْنِكُمْ ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبٍ مِنْ قُلُوبِ عِبَادِي مَا نَقَصَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَادَ فِي مُلْكِي مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَنِي كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَ مَا نَقَصَنِي كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِشَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ، ثُمَّ انْتَزَعَهَا كَذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِنْ مُلْكِي ، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ ، صَمَدٌ ، عَطَائِي كَلامٌ ، وَعَذَابِي كَلامٌ ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ )) .

        عَن أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : (( يَا عَبْدِي ، مَا عَبَدْتَنِي ، وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي غَافِرٌ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ ، وَيَا عَبْدِي ، إِنْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ أَنَا عَافَيْتُهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلا أَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ إِنَّمَا عَطَائِي كَلامٌ )) .

( مسند الإمام أحمد )

سورة الإسراء : 100)

      الحقيقة أن الشح والبخل من لوازم أهل الكفر !

( سورة المعارج )

      يا محمد ..

      أحد زعماء القبائل رأى النبي الكريم عقب بعض المعارك ، وإلى يمينه واد من الغنم ، عَنْ أَنَسٍ (( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ : أَيْ قَوْمِ ، أَسْلِمُوا ، فَوَ اللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا ، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا عَلَيْهَا )) .

(مسلم)

       الإنسان الكافر من خصائصه أو من سيئاته أنه شحيح وبخيل ! لكن المؤمن معطاء ، والله سبحانه وتعالى قال له : أنفق بلالاً ، ولا تخشَ من ذي العشر إقلالا ! أنفق عبدي ، أُنفق عليك ، خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن ، أفيُعينِي رغيف أسوقه لك كل حين ؟

       عبدي لي عليك فريضة ، ولك عليّ رزق ! فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك !

       الإنسان أحياناً يمنع عطاءه لمن يخالف أمره ، يعاقبه بالحرمان ، أما الواحد الدّيان فيعطي ، ويطعم ، ويرزق ، وينزّل من السماء ماءً ، والقوم يعصونه ، إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويُعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إليّ بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إليّ ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أُقَنِّطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب .

( سورة الإسراء )

        علاقة هذه الآية بسياق الآيات أن كفار قريش :

( سورة الإسراء)

      ربنا عز وجل ردّ على هؤلاء أن قوم موسى رأوا تسع آيات بينات ، رأوا بأم أعينهم كيف أن العَصا انقلبت ثعباناً مبيناً ، وكيف أن البحر صار طريقاً يبساً ، والآيات ذكرت في صور أخرى : القمّل والنمل والضفادع واليد والعصا والبحر ..  كل هذه الآيات وهي خرق للعادات ، ويستحيل على بني البشر أن يفعلوها ، ومع ذلك :

فرعون لم يؤمن ، على الرغم من كل هذه الآيات ! قال لهم موسى  :

( سورة الإسراء)

      هذه الآيات لا يستطيعها بشر ! و :

        أيْ : هالكاً ، فأراد فرعون أن يستفزهم من الأرض ، ضايقهم شدد عليهم إلى أن حملهم على أن يتركوا أرض مصر ، فلما تركوا أرض مصر تبعهم ليعيدهم إلى سلطانه !

( سورة الإسراء )

        كان عقاباً عادلاً ، انشق البحر لسيدنا موسى ومن معه ، وقال أصحاب موسى :

( سورة الشعراء)

        أصبح البحر طريقاً ، تبعهم فرعون وجنوده ، فلما خرج سيدنا موسى ومن معه أدرك فرعَونَ الغرقُ ، عندئذٍ قال :

( سورة يونس : 90)

      قال تعالى :

( سورة يونس : 91)

( سورة الإسراء )

        وعد الآخرة المقصود به يوم القيامة ، تأتون إلينا أنتم ، ومن خاصمتم ، ومن صادقتم ، ومن وعدتم ، ومن خدعتم ، جئنا بكم لفيفاً ، وحاسبناكم حساباً دقيقاً

( سورة الغاشية )

(سورة الإسراء )

       هذه الآية أيضاً لها معنى دقيق ، مضمون هذا الكتاب حق ، ومعنى حق : حقيقة ثابتة ذات هدف نبيل ، لقوله تعالى :

( سورة ص  : 27)

     الباطل هو الشيء الطارئ ، الشيء الزائل ، الحق هو الشيء الثابت .

( سورة الدخان )

     واللعب هو العمل العابث غير الهادف ، فالحق إذاً هو الشيء الهادف ، فمعنى كلمة الحق الشيء المستقر الثابت الهادف ، مضمون هذا الكتاب حق كل ما جاء به مطابق للحق ، وللحقيقة ، وللواقع ، وللمنطق ، الوعد حق لا بد من أن يقع ، والوعيد حق لا بد من أن يقع ، والحقائق التي جاء بها القرآن حق ، أي : صحيحة .

     يعني إنما أُنْزِلَ على هذا النبي e بالحق ، حينما نسند هذه الوظيفة الراقية إلى هذا الإنسان نقول : أسندناها بالحق ، لأنه أهل لها ، هو في مستواها ، هو كفء لها ، فالقرآن مضمونه حق ، وأُنزل على النبي عليه الصلاة والسلام بالحق ، حق في مضمونه ، وفي أهلية من نزل عليه .

       نزل منَجماً في ثلاثة وعشرين عاماً ، بحسب المناسبات ، كأن الله عز وجل ربىّ أصحاب النبي e ، وكأنه بهذه التربية يريد تربية الأجيال من بعدهم .

يعني نزلناه منجماً :

( سورة الإسراء)

       إذا فكرت ، وفكرت ، وقلت : إن الشمس أكبر من الأرض ، أنت ماذا فعلت ؟ ذكَرت شيئاً ثابتاً ، إن ذكرت هذا أو لم تذكره فالحقيقة لا تتغير ، الشمس أكبر من الأرض ، اعترفتَ بهذا أم لم تعترف ، ذكرت أم لم تذكر ، إذا لم تؤمن أنت هل القرآن يصبح باطلاً ؟ لا ، القرآن حق ، كأن تقول : في الهواء قانون كشفه علماء الفيزياء ـ قانون السقوط ـ فإذا ركب رجل طائرة ، وأراد أن يهبط منها بمظلة ، إما أن تعترف بهذه القوانين ، أو لا تعترف ، إن اعترفت بهذه القوانين استخدمت المظلة ، وتأدبت مع هذه القوانين ، وهذه المظلة حجمها وقماشها وتركيبها متوافق مع قوانين الهواء ، فإذا استعملت المظلة تكون قد اعترفت بهذه القوانين ، وبالتالي نجوت من الهلاك ، وإذا استخففت بهذا القانون ، ولم تعبأ بقانون السقوط وقلت : هذه المظلة لا حاجة لي بها ، ونزلت متحدياً قوانين الهواء فقد أهلكت نفسك ، فالحق حق ، والباطل باطل .

    سيان إن اعترفتم به هو حق ، وإن لم تعترفوا به هو حق ، اعترافكم به لا يزيده قوة ، وإنكاركم له لا ينقص من مكانته  .

( سورة الإسراء )

         من هنا قال أصحاب رسول الله : أوتينا الإيمان قبل القرآن ، لو أن الإنسان فكر في ملكوت السماوات والأرض لعرف أن لهذا الكون خالقاً عظيماً ، رحيماً هو أرحم ما يكون ، عليماً هو أعلم ما يكون ، غنياً هو أغنى ما يكون ، قديراً هو أقدر ما يكون ، إذا تأملتم في ملكوت السماوات والأرض عرفتم الله ، فإذا قرأتم آياته القرآنية خشعت قلوبهم ، لذلك قال تعالى :

( سورة الإسراء)

       لو أن إنساناً عرف معملاً ضخماً زاره شخصياً ، فإذا نظر إليه في دفتر أو في كُتيّب يأخذه الإعجاب ، لأنه قد اطلع عليه بشكل حقيقي ميداني ، فهذه الصورة تثير عنده كل إعجابه القديم