English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "02 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 10 – 20    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت السميع العليم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، إلى الدرس الثاني من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      خلق الإنسان عجولاً ، وخلق الإنسان ضعيفاً ، وإن الإنسان خلق هلوعاً ، هكذا خلق ، هكذا فطره الله سبحانه وتعالى ، خلقه عجولاً ، وخلقه هلوعاً ، وخلقه ضعيفاً ، ولم يأتِ في كتاب الله من صفات الإنسان إلا هذه الصفات الثلاث .

 

( سورة النساء )

( سورة المعارج)

(سورة الإسراء)

        لو دققنا في هذه الصفات ، لوجدنا العجلة والضعف والهلع في مصلحة الإنسان ، فلو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان قوياً لاستغنى بقوته ، ولشقي باستغنائه ، فهذا الضعف الذي في الإنسان هو الذي يعينه على أن يتصل بالله عز وجل ، وعلى أن يتوب إليه ، وعلى أن يُقْبِلَ عليه ، وعلى أن يخاف منه ، ولولا الضعف لما خاف الإنسان ربه ، ولما تاب إليه ، ولما أقبل عليه ، فالضعف في مصلحته ، إذا عَلَّقْنَا آمالاً كبيرة على أن يربِّي هذا الأب ابنه ، كيف يربي الأب ابنه إذا كان الابن مستغنياً عن أبيه ؟ لا ! حاجات الابن كلها متعلقة بأبيه ، يحتاج إلى الطعام والشراب ، وإلى تأمين الحاجات ، حاجات الابن الكثيرة التي أودعها الله عند الأب تتيح للأب أن يربيه ، فالضعف صفةٌ أودعها الله في الإنسان لمصلحته .

        مثل آخر توضيحاً للحقيقة ، لماذا يمرض الإنسان ؟ الله سبحانه وتعالى قدير على أن يخلق الإنسان من دون مرض ، لو أن الله عز وجل خلق الإنسان من دون مرض فلماذا التوبة ؟ ولماذا العودة إلى طريق الحق ؟ ولماذا الإقلاع عن المعصية ؟ ولو أنه شديد عتيد لا يخشى أحداً ، صحة طيبة ، لكن الأمراض أو شبح الأمراض هذه التي تضعف الإنسان تجعله يخضع لله عز وجل ، ويتوب إليه يتضرع إليه ، يقبل عليه بسبب أن الإنسان ضعيف ، والإنسان أيضاً هلوع .

( سورة المعارج)

    هلعه يجعله يحتمي بربه ، كيف يعود الابن إلى أمه متشبثاً بأذيالها ؟ لخوفه من الكلب العقور ، فلولا خوف الطفل من الكلب لما التجأ إلى أمه ، فهذا الهلع في مصلحة الإنسان ، أما لماذا خلق الإنسان عجولاً ؟ ولماذا كان عجولاً ؟ لو كان الإنسان بشكل أو بوضعٍ آخر على نقيض العجلة ، لو أنه يبحث عن المستقبل البعيد ، لكان في تعلقه بالآخرة منسجماً مع طبيعته ، ولما ارتقى بهذا التعلق ، بل لأنه عجول ، فإذا آثر الآخرة على العاجلة فقد خالف هوى نفسه ، وخالف طبيعته ، وبهذا يرقى .

( سورة الليل)

    

      

( سورة النازعات)

       حينما يخالف الإنسان طبيعته يرقى عند ربه ، صلاة الصبح فيها مغالبة لطبيعة الجسم ، إذ أن طبيعة الجسم تنسجم مع البقاء في الفراش ، لكن صلاة الصبح قبل الشمس تحتاج إلى إرادة قوية ، أردت من هذا كله أن أصل إلى أن الإنسان حينما يخالف طبيعته يرقى عند ربه ، فقد خلق الإنسان عجولاً ، وآثر الآخرة على الدنيا العاجلة ، بهذا يرقى عند الله عز وجل في الدرجات العلا .

       فربنا عز وجل يقول :

       أيّ إنسان ، المقصود بها جنس الإنسان ، ينطلق الإنسان ، ويتحمس ، ويقبل على الشر بحماس وصدق ، وجلد وتصميم وإرادة ، كما لو كان الشر خيراً ، لأن في الشر كما يزعم مغنمُاً سريعاً ، كسب عاجل ، الناس جميعاً تقريباً إذا رأى أحدهم بيتاً فخماً تتوق نفسه إليه ، ولو كان تحصيله من حرام ، يؤثر هذا البيت في الدنيا العاجلة على جنة عرضها السماوات والأرض ! وإذا عرض عليه مبلغ كبير من طريق غير مشروع يقبل عليه ، ويأخذه ، ويؤثره على جنة عرضها السماوات والأرض ، إذاً هو آثر العاجلة على الباقية ، وهكذا طبيعته ، فلو أنه فكر ، وتأمل ، وتبصر ، ودقق ، وحقق ، وحضر مجالس العلم ، فلو عرف القرآن الكريم وما عند الله لآثر الآخرة على العاجلة  .

          إذاً أن تؤثر الآخرة فهذا يحتاج إلى تفكر وتدبر ، وتأمل ، وإرادة وتصميم ، وعلم وتقوى .

يتمنى الشر بالحماس والرغبة والإرادة والحرارة ، كما لو كان خيراً .

       إذاً من خالف طبيعة نفسه  ، وآثر آخرته على دنياه ارتقى عند الله عز وجل في جنات عرضها السماوات والأرض ، وهذه المعاني الثلاثة : أن الإنسان خلق هلوعا ، وأن الإنسان كان عجولا ، وأن الإنسان خلق ضعيفا ، هذه الصفات الأساسية لمصلحة الإنسان .

      كيف أن الآلة الثمينة الغالية ، التي نخشى أن يصيبها العطب نضع فيها ممراً كهربائياً ضعيفاً جداً ، يعد هذا الممر نقطة ضعف للآلة ، لكن هذا الضعف لمصلحة الآلة ، فلو جاء التيار شديداً لساحت هذه النقطة ، ولانقطع هذا التيار عن الآلة ، فصنَّا الآلة من العطب والعطل ، وهذا بعض ما في الضعف ، وما في العجلة ، وما في الهلع ، من حكمة أودعها الله عز وجل في هذه الصفات التي أُوجِدَت في الإنسان لمصلحة إيمانه وسعادته في الدنيا والآخرة ، فالإنسان أحيانا يدعو بالشر ، يريد الدنيا ، وفي الدنيا هلاكه ، ويريد المال ، وفي المال هلاكه ، يريد أن يتزوج هذه المرأة ، وقد يكون في زواجه منها شقاؤه ، يريد أن يعمل هذا العمل الذي يدر عليه مبالغ طائلة ، وقد يكون في هذا العمل شقاؤه ، ويريد أن يذهب إلى المكان الفلاني حيث المتعة والجمال ، والأنس والطرب والبهجة ، وفي هذا فساد دينه .

     والله عز وجل يدعونا إليه ، وهذا هو التبصر والتأمل ، والتحقق والتدبر والتفكر ، ولا ينبغي أن نقبل على الشر كما لو كان خيراً ، لا ينبغي أن تفرح بمال عريض يوفر لك سعادة الدنيا ، يأتي الموت فتخسر كل هذا المال ، وأحياناً يستدين الإنسان مبلغاً ضخماً لشراء سيارة ، وتحترق السيارة ، ويبقى الدين عليه ، هكذا الدنيا ، يعمل ليل نهار ، من أجل تحصيل دنيا عريضة ممتعة ، يأتي الموت تذهب الدنيا ، وتبقى طبيعة العمل ، ويبقى المال الحرام الذي حصَّلَه ، فلا تكن ـ أيها الإنسان ـ عجولاً ، ففي التأني السلامة ، وفي العجلة الندامة ، لا تسرع ، وتوافق على هذا المال ، فقد يكون حراماً ، ولا تسرع ، وتوافق على هذا الزواج فقد يكون مهلكاً ، لا تسرع ، وتوافق على عقد هذه الشراكة فقد يكون الشريك منحرفاً ، لا تسرع ، وتأخذ هذا البيت فقد يكون في أخذ هذا البيت اغتصاب .

        وينبغي إذا جلسنا هذا المجلس أن نتعظ ، فكل درهم من حلال خير من مئة ألف درهم من حرام ، لا تكن عجولاً ، ولا توافق على الشيء قبل البحث عنه ، وهل يرضي الله عز وجل ؟ وهل هو مطابق للشرع ؟ وهل هو وفق السنّة النبوية المطهرة ؟ اسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم ، هذا العمل يدر عليَّ مبالغ طائلة ، ما قولكم فيه ؟ قد يكون هذا العمل مبنياً على إيذاء الناس ، أو على إفساد أخلاقهم ، أو على بيعهم شيئاً يثير الفساد فيهم .

       أرجو الله عز وجل أن أكون قد وفقت إلى توضيح أن الإنسان لا ينبغي أن يكون عجولاً وفق طبيعة خلقه ، الجسم يحتاج إلى الراحة ، وأُمِرتَ أن تصلي الصبح قبل شروق الشمس ، لا تستجب لرغبة جسدك ، كذلك في العجول ، لا تستجب لرغبة نفسك ، في أن تأخذ الشيء الحاضر ، ولو كان حراماً ، وأن تدع جنة عرضها السماوات والأرض ، وإن كانت بعيدة المنال ! وبعض علماء التفسير قال في هذه الآية :

      أحياناً حينما تأتي إنذارات الله عز وجل ، يقول الذين لا يعلمون : ائتنا بعذاب الله ! أين عذاب الله  ؟ ليكن نحن لا نخاف ، المعنى الآخر لهذه الآية :

     أي : يستعجل عذاب الله من دون أن يعرف كُنْهَ هذا العذاب ، وكيف أنه إذا أقبل ولات حين مناص ، فالإنسان معرض في أمر عمله إلى إغراءات كثيرة ، يقول له أحدهم : دعك من هذه المصلحة ، هذه فاقورة ، أي تسبب الفقر ، لنكن معاً في هذه المصلحة ، ولكن هذه المصلحة فيها فساد ، و إفساد لأخلاق الناس ، وكل يوم الغلة ثمانية آلاف !

في بيعك ، أو شرائك ، أو زواجك ، أو شراكتك ، أو نزهاتك .. لا تختر شيئاً يغضب الله عز وجل ، ولا تؤثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية  .

قبل الحديث عن هذه الآية ، ما علاقة قوله تعالى :

لقوله تعالى :

هذا هو الهدي الإلهي .

       

        هذا هو الحال للهدى ، الهدى يهدي للتي هي أقوم ، فما حال المهتدي ؟ هذا المهتدي قد يؤثر الدنيا العاجلة على الآخرة الباقية ، وقد يؤثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية ، وقد يؤثر الدنيا القليلة على الآخرة الكثيرة ، فما متاع الحياة الدنيا إلا قليل ؟ حينما تحدث الله لنا عن الهدي الذي في هذا القرآن ، وكيف أن هذا الهدى يقود صاحبه إلى التي هي أقوم ، تحدث عن الإنسان المعني بهذا الهدى ، فقال :

        لو أن الإنسان تفكّر في خلق السماوات والأرض لعرف أن خالق السماوات والأرض خلقهم لهدف كبير ، وليس لمدة يسيرة ، لا يعقل أن تكون السماوات والأرض خلقت من أجل أن نعيش على هذه الأرض ستين عاماً ، أو أكثر ، أو أقلّ ! هناك هدف أكبر من أن تعيش سنوات بعضها في الإعداد ، وبعضها في المتاعب ، فلو أنك تفكرت في خلق السماوات والأرض لعرفت أن الله عز وجل خلقهم بالحق ! ومعنى بالحق ، أي : خلقها لهدف كبير ، وخلقها لتبقى ، أنت لم تُخْلَق عبثاً .

( سورة المؤمنون)

       وأنك لم تخلق سُدَىً ، إنما خُلِقْتَ بالحق من أجل أن تسعد في الدنيا والآخرة ، ولذلك فالله عز وجل يلفت نظر الإنسان إلى أنك إذا عرفت الله لم تكن عجولاً ، ولم تدع للشر دعاءك للخير ، كيف تعرف الله عز وجل ؟

        هذه الأرض ، وهذه الشمس ، لو أن الأرض ثابتة في مكانها لا تدور حول نفسها ، لما كان ليل ولا نهار ! ولكان نصفها الأول نهاراً سرمدياً ، ونصفها الآخر ليلاً سرمدياً ، ولكن دورة الأرض حول نفسها جعلت الليل والنهار ، إذاً الليل والنهار آيتان دالتان على قدرة الله عز وجل ، وعلى عظمته وحكمته .

      الآن سرعة الدوران ، ماذا نفعل بنهار لا يزيد على ساعة واحدة ؟ وماذا نفعل بليل لا يزيد على ساعة واحدة ؟ وماذا نفعل بنهار يزيد على مئة ساعة ؟ وماذا نفعل بليل يزيد على مئة ساعة ؟ كون الأرض تدور حول الشمس ، هذه آية ، وكونها تدور في سرعة مناسبة لطبيعة الإنسان ، هذه آية ثانية ، وكون الأرض تدور حول الشمس آية ثالثة ، وكون محور الأرض مائلا هذه آية رابعة ، دورتها حول نفسها آية ، وحول الشمس آية ، ومن خلال هذا كله كان الليل والنهار ، الليل ذو الأمد المعقول ، والنهار ذو الأمد المعقول ، والصيف والشتاء والربيع والخريف .

     هل فكرنا بهما ؟ وهل استيقظنا في أحد الأيام على نهار لا شمس فيه ؟ فيه خلل فني ؟ لم تصل الشمس اليوم ؟ هذا الثبات في الليل والنهار منذ مئات ألوف السنين .

( سورة فصلت : 37)

       الله سبحانه وتعالى جعل الليل مظلماً ، كي ننام ، وترتاح عضلاتنا ، وأعصابنا ، وأجهزتنا ، وكي ننطلق في اليوم التالي إلى عملنا بنشاط واستعداد كافيين ، فالليل من سماته أنه يعيق الحركة لسيطرة الظلام عليه ، فلا حركة ، ولا نشاط ، ولا سعي ، ولا كسب في الليل ، وطبيعة الليل طبيعة ساكنة  .

      

( سورة النبأ )

      

ألغينا الحركة مع إلغاء الضياء ، وألغينا الحركة مع الحاجة إلى النوم .

النهار مضيء ، كل شيء تراه في النهار ، فالفلاح ينطلق إلى عمله في النهار ، والصانع ينطلق إلى معمله في النهار ، والموظف إلى دائرته، وكل أصحاب الحرف ، وأصحاب المحلات، وأصحاب النشاطات ، ينطلقون في النهار .

لتكسبوا رزقكم ، الفلاح في أرضه ، والعامل في معمله ، والموظف في دائرته ، والتاجر في متجره ، والصانع في مصنعه ، وكل إنسان يعمل في النهار بشكل طبيعي هو مرتاح ، ومستعد للعمل ، والإضاءة تعين على أداء العمل ، هذه العلة الأولى .

      والله الذي لا إله إلا هو ، في دورة الأرض حول نفسها آية لا يعرفها إلا من عَقَلَهَا ! فلو أن طبيعة الأرض لا تدور ، وإذا لم تَدُرْ فليس هناك ليل ولا نهار ، وكيف تتم حياتنا ؟ قد تقول لإنسان : كم عمرك ؟ يقول لك : لا أدري والله ، متى سوف تفعل هذا ؟ لا يملك جواباً ! لكن دورة الأرض حول نفسها جعلت ليلاً ونهاراً ، وأصبح في الزمن أسبوع وشهر وسنة ، ليل ونهار ، وأسبوع وشهر وعام .

       فلان بلغ من العمر أربعة عشر عاماً ، وفلان في الصف الثاني عشر ، فلولا دورة الأرض حول نفسها لما كان فلان في الصف الثاني عشر ، كيف يعرف أنه في الصف الثاني عشر ؟ العبادات ، أوقات الصلوات ، الصيام ، الحج ، البيوع ، الآجار ، أخي استأجر هذه الحاجة لعامين ، هل يمكن أن تقول : لعامين لولا الشمس والقمر ، والليل والنهار ؟

       كل شيء تحتاجونه في أمر دنياكم ودينكم فصَّلناه لكم تفصيلا ! كل شيء أنتم في أمس الحاجة إليه في أمر دنياكم : أحكام الزواج ، وأحكام الطلاق ، وأحكام البيع ، وأحكام الآجار ، وأحكام المضاربة ، وأحكام المزارعة ، كل شيء تحتاجونه في دنياكم وآخرتكم فصَّلناه تفصيلا ، وهذا من نعمة الله علينا ، ونعمة الإيجاد ، والإمداد ، والإرشاد ، وكأن الله عز وجل أراد أن هذا الإنسان الذي يدعو بالشر دعاءه بالخير ، لو فكر في خلق السماوات والأرض لعرف الله ، ولدعا إلى الخير ، وترك الشر !

       من الذي يدعو بالشر دعاءه بالخير ؟ الجاهل ، من الذي يأكل مادة سامة ؟ هو الجاهل ، لو عرفها سامة لما أكلها ، فيا أيها الذي تدعو بالشر دعاءك بالخير ، تأمل في خلق السماوات والأرض ، إذا تأملت في خلقهم لعرفت الله ! عندئذ تبحث عما يرضيه ، عندئذ تعرف لماذا أنت على وجه الأرض ، وتعرف مهمتك في الدنيا ، وتدع المعاصي وتفعل الخيرات .

       الطائر هنا كناية عن العمل ! والعمل الذي تفعله اختياراً أنت ملزم به ، ويجب أن تتحمل تبعته .

       عملك الطيب الذي تفعله باختيارك ، وعملك السيئ لا سمح الله الذي تفعله باختيارك ، هذا العمل سوف يُطَوِّقُ عُنُقِكَ ، كناية لطيفة ، كيف أن القيد أحياناً يُطَوِّق عنق الإنسان ، فلا يستطيع منه فِكَاكَاً ، إما أنه قلادة من الأحجار الكريمة تزين بها عنقك ، وإما أنه قيد تجر به إلى مصيرك ، وعلى كلٍّ فعمل الإنسان الذي يعمله باختياره من خير أو شر سوف يكون قيداً يقيد عنقه .

       هذه الآية تؤكد مبدأ التبعة والمسؤولية .

 

(سورة البقرة)

      والعرب كانت في الجاهلية إذا طار طائر عن يمينها تفاءلت ، وإذا طار طائر عن شمالها تشاءمت ، فكأن الطير في العرف الجاهلي رمز لما سيصيب الإنسان من خير أو شر ، وهنا في الآية الطائر هو العمل ، إن العمل الذي كان في ملكك فطار منك ، والإنسان قبل أن يعمل توجد الحرية ، يعمل أو لا يعمل ، يعصي أو لا يعصي ، يفعل الصالحات أو لا يفعل ، هذه الأعمال كامنة فإذا فعلها فهو تابع لها ! وكأنها طارت منه .

      هذا العمل يلزم الإنسان ويقيده ، ويصبح الإنسان رهينة لعمله .

( سورة المدثر)

       ولو أن الإنسان عمل عملاً يخالف القوانين والأنظمة يتحمل تبعة عمله ، وقد يخسر حريته ، وعمله أصبح قيداً له .

كل عمل تعمله مسجل ، وأغلب الظن أنه مسجل مع الصورة  !

( سورة المطففين )

        ومعنى ( مرقوم ) ، أي : مُرَقَّم ، ولها معنيان :

مرقم الصفحات ، لا يمكن أن تنزع منه صفحة .

ومرقوم : بمعنى أن فيه صوراً من الرقيم ، العمل مع صورته ! فما قولكم لو جئنا يوم القيامة ، فإذا حياتنا منذ أن أدركنا سن البلوغ وسن المسؤولية إلى ساعة الوفاة ؟ كل صغيرة وكبيرة ، وكل عمل صالح وسيئ ، وكل مخالفة ، وكل طاعة ، مسجلة مع صورة له !

اقرأ كتابك .

      فأحياناً يدخل الموظف إلى مديره العام ، شاكياً له ، يستدعي هذا المدير موظف الذاتية ، ويقول له : ائتني بإضبارة فلان ! فتأتي الإضبارة ، يفتحها له ، باليوم الفلاني تأخرت ، وفي صحيفتك توبيخ مسجل ،  وفي صحيفتك تقرير طبي خلّبي غير صحيح ، فيلزمه بأعماله كلها ، فإذا هذا الموظف ينكمش ، ويخجل ، ويسقط في يده ، هذا مثل .

      فأنت حاسب نفسك عن هذه الأعمال .

      قال لي شخص : ارتكب رجل جريمة ، فقال له القاضي : أنت احكم على نفسك ! قال : الإعدام ! ارتكب جريمة بشعة ، قتل فيها أماً وأطفالها ، من أجل أن يسرق البيت ، فلما وقع في قبضة العدالة ، وبدأ قاضي التحقيق يفور ويهمد ، وقال له : أنت احكم على نفسك ، فقال : أستحق الإعدام  !

      عندما يعود الإنسان إلى فطرته السليمة ، ويطَّلِع على عمله المؤذي كأن الله عز وجل يقول له :

      لذلك إن العار ليلزم المرء يوم القيامة ! فمن العار والخزي عندئذ أن يستحق دخول النار  .

( سورة المؤمنون)

       إذا كان مع رجل ثمن بيت ، ووضعه في برميل ، وصب عليه الزيت ، وأحرقه ، ستمئة ألف ! من الذي يغتاظ ؟ جاره ؟ صديقه ؟ بل هو نفسه  .

        الهدى عائد عليك ، والضلال عائد عليك ، فإن اهتديت فما زدت على أن نفعت نفسك ، وإذا ضللت فما زدت على أن ألحقت بنفسك الهلاك في الدنيا والآخرة  .

ألم يقل الله عز وجل :

وأن الإنسان الجاهل يدعو بالشر دعاءه بالخير ؟ وإن طريق معرفة الله .

وأن الإنسان محاسبٌ عن عمله حساباً دقيقاً ؟

وأن الإنسان حينما يعود إلى فطرته السليمة سوف يحكم هو نفسه على نفسه بالنار ؟ والآن ربنا عز وجل يقول :

اعملوا ما شئتم ، كل الذي تعمله تجده ، كل الذي تفعله من معاصٍ تحاسب عليه ، إن لكل حسنة ثواباً ، ولكل سيئة عقاباً .

    هذه الآية أصل في أن إنساناً لن يؤخذ بجريرة إنسان آخر ! وكل إنسان يحاسب عن عمله .

أي : ولا تحمل نفس حمل نفس أخرى ، كل إنسان يحمل حمله ، ولو أن الأب كان مهتدياً ، وجاء الابن ضالاً ، إذا بذل الأب جهده في هداية ابنه ، وأبى الابن الهداية لن يتحمل الأب من تبعة ابنه شيئاً ، ولو كان الابن مهتدياً ، وكان الأب ضالاً لن يتحمل الابن من ضلال الأب شيئاً ، وكذلك الأخ والزوجة .

( سورة التحريم )

      لا امرأة فرعون تتحمل من أوزار فرعون شيئاً ، ولا سيدنا نوح وسيدنا لوط يتحملان من أوزار نسائهما شيئاً ، وكل إنسان يحاسب عن عمله ، هذا أصل في العدالة .

        الكون وما فيه من آيات دالات على عظمة الله عز وجل ، الكون كافٍ ليضعك أمام المسؤولية ! والفطرة السليمة التي فطرت عليها كافية لتعرفك بربك وبمسئوليتك ، ولكن رحمة الله عز وجل أبت أن يحاسب إنساناً ، أو أن يعذب إنساناً بعد أن يبلغه رسالته ، معنى ذلك : أن الله عز وجل لا يدع أهل الأرض من دون هداة ودعاة ، ومن يعلم الناس أمر دينهم  .

( سورة الملك)

       والله عز وجل في آيات كثيرة  .

( سورة فاطر : 37)

       لا بد من النذير ، النذير كما قال القرطبي في تفسيره : هم الرسل ، والنذير هم العلماء ، والنذير هي المصائب ، وسن الأربعين ، والشيب ، وموت الأقارب ، ولا يعذب الله إنساناً قبل أن يبلغه رسالته ، مع أن الكون يكفي لما فيه من آيات دالات على عظمة الله ، ومع أن فطرة الإنسان تكفي ، ولكن رحمته أبت أن يعذب مخلوقاً قبل أن يبلِّغَه رسالة السماء .

( سورة الأنفال : 23)

      إذاً لا بد من أن يسمعهم مادام فيهم الخير  .

        القرية هنا كناية عن سكان القرية ، وقد ذكر الله القرية مكان أهلها إشارة إلى أن تدمير الله عز وجل لشدته يصيب العباد والبلاد !

        أردنا إهلاكها ، لأنها فعلت موجبات الإهلاك ، والقرية أو أهل القرية ، أو المجتمع الذي يفسد ويُعصى الله فيه ، ويأكل القوي حق الضعيف ، وتُفعل الفاحشة ، وينعدم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ففي مثل هذا المجتمع الظالم يستحق الهلاك .

     لأنها فعلت المعاصي والموبقات بأن ضاع فيها الحق ، وأكل القوي الضعيف ، بأن انعدم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وبأن كُذِّب الصادق ، وصُدِّق الكاذب ، وأتُمِن الخائن ، وخُوِّن الأمين ، فإذا فعل مجتمع ما من المعاصي والموبقات والانحرافات ما يكفي لهلاكه ، أو ما يستحق إهلاكه في هذه الحالة .

لا بد من أن نبعث فيها رسولاً ، ليحذرها ، وينذرها ، ويبين لها عاقبة عملها ، ومغبة معصيتها .

أمرناهم بالطاعة وبالتوبة وبالعودة والإنابة .

     أن يستقيموا ، لأنهم إذا استقاموا استقام الناس ، ولأنهم تَبَعٌ لهم ، ألم يقل الإمام علي كرم الله وجهه : "يا كميل الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، مع كل ريح يميلون ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا كميل أن تكون منهم " .

      هؤلاء الناس تبع للمترفين ، ولأهل الدنيا ، وللأكابر ، أكابر القوم ، تبع للأغنياء ، فالله سبحانه وتعالى توجه بالأمر إلى المترفين بخاصة ، وإلى الناس بعامة ، لأن الناس في الأصل تَبَعٌ لهم  .

أمرناهم بالطاعة والتوبة وبالإنابة والهدى  .

لم يستجيبوا ، ولم يرعووا ، ولم يأبهوا .

هذه الآية تصديق وتأكيد للآية السابقة  :

معنى :

أي : استحقت الهلاك وفق السنن الإلهية ! إن الله عز وجل لا يهلك قرية حتى يبعث فيها رسولا ، مع كل الإنذارات والدعوات والتحذيرات ، مع الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، استمر هؤلاء في ضلالهم وغيهم وفسقهم وفجورهم ، فحق عليها القول ، والقول هو الأمر بهلاكها بعد استحقاق الهلاك ، فدمرناها تدميراً كاملاً ! هذه الآية أيضاً تشبه القاعدة الثابتة .

      فالله وحده يعلم حجم الذنوب التي يقترفها الناس ، البيوت مغلقة الأبواب ، لا نعلم نحن كم من هذه البيوت فيها المعاصي ، ولا ما فيها من طاعات ، إن الله سبحانه وتعالى هو الخالق العليم ، السميع البصير ، هو الذي يعرف ذنوب عباده ، ويعرف نياتهم ، ومكنونات صدورهم ، وطموحاتهم  .

    إذا كنت أنت لا تعلم ، وفي قلبك ألم لا يحتمل لتقصير الناس ، فكيف لو علمت كل المعاصي التي يقترفها الناس ؟ فهذه الآية تشير إلى حلم الله سبحانه وتعالى ، يعلم كل شيء ، يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، ومع ذلك يحلم علينا .

الإنسان مخير ، والدليل هذه الآية :

      إذا أردت الدنيا أعطيناك إياها ، فأنت مخير ، فاختر ما شئت ، ولو أنك اخترت الدنيا العاجلة على الآخرة الباقية لأعطيناك الدنيا ، من كان يريد العاجلة ، سماها الله العاجلة ، وهذا انسجام مع قوله تعالى  :

يختار الدنيا الفانية على الآخرة الباقية ، يختار عاجل الدنيا على آجل الآخرة ، من كان يريد العاجلة ، إذا أردتها بصدق وتصميم وإلحاح ، من كان يريد العاجلة ، يريد الدنيا ، ولا شيء غير الدنيا ، ليس معنياً بطاعة الله ، ولا برضوان الله ، ولا بالآخرة ، ولا بفهم كتاب الله ، يريد الد