English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "03 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 18 – 24    لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

    

        الحمد لله رب العالمين ، وأفضل والصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

 

هذه الآيات الثلاث تبين وتؤكد أن الإنسان مخير .

وتبين أن للإنسان كسبًا ، وأن الله سبحانه وتعالى يملك الفعل ، لك الكسب ، وله الفعل .

والشيء الثالث : أنك مخير ، لكنك مسير لتحمل تبعة اختيارك .

     والله عز وجل يعطي الدنيا لمن يطلبها ، فمن كان يريد العاجلة هذه الدنيا القصيرة المحدودة ، المشحونة بالمتاعب والهموم ، التي نمضي معظمها في الإعداد إلى أقلها يعطيه الله إياها ، إن أسعد الناس فيها أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .

     عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دَارَ لَهُ ، وَمَالُ مَنْ لا مَالَ لَهُ ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ  )) .

(مسند الإمام أحمد)

     أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عن الدنيا ، أبعدهم عنها ، وأشقاهم فيها ، أرغبهم فيها .

       من طلب الدنيا ، وأصَرَّ عليها ، فالله سبحانه وتعالى يعطيه إياها ، ولكنها هينة عند الله عز وجل ، لا شأن لها .

      عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .

(الترمذي)

      فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً e أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ، فإن قال : أهانه ، فقد كذب ، وإن قال : أكرمه ، فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ، ولو يعلم الملوك ما نحن عليه ـ كما قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله ـ " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " .

       فأحوال أهل الدنيا أحوال القلق والخوف والحرص ، وأحوال أهل الآخرة أحوال الطمأنينة والرضا والاستسلام والتفاؤل والثقة ، إن شعور الرجل المؤمن بأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه هذا شعور لا يعدله شعور آخر ، وأن شعور الكافر بأن حياته سوف تنتهي ، وأن الموت ينتظره إن هذا الشعور المقلق لا حدود لتعاسته ، فلذلك ربنا عز وجل قال : أنتم مخيرون :

       وهناك حكمة ، يعطي من الدنيا بالقدر الذي يشاء ، ويعطي هذا القدر الذي يشاء لمن يشاء من طالبي الدنيا ، ومعنى ذلك أن من طلبها بإصرار أعطاه الله إياها ! ومن كان طلبه إياها ليس معه إصرار ، فربما أخَّرَهَا عنه  فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْمِي صَفيَّهُ مِنَ الدُنْيَا  كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُم مَرِيْضَهُ مِنَ الطَعَامِ )) .

وقال : إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِن مِنَ الدُنْيَا كَمَا يَحْمِي الرَاعِي الشَفْيِقُ غَنَمَهُ مِنْ مراتع الهَلَكَة  )) .

 (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن حذيفة بن اليمان ، وفيه الحسين الجعفي ، قال الذهبي : مجهول متهم)

       والحقيقة الأولى : أن الإنسان مخير ، وأنك إذا اخترت اختياراً غير صحيح لا بد من تحمل تبعة اختيارك .

مذموماً من قِبَل نفسه ، ومذموماً من قِبل الخلق ، ومن قِبل الحق ، أما مدحوراً : أي : هذا الذي يساق إلى الإعدام ، هل هو مخير ؟ فلو أنه بكى هل يعفى عنه ؟ لو أنه توسل أو رجا ، أو أعلن ندامته ، مدحوراً ، قصراً .

كنت مخيراً ، فلما اخترت العاجلة أصبحت الآن مسيراً  .

علامة الإرادة الصادقة السعي الذي يتوافق مع شروطها .

       لها سعي خاص ، لا بد من أن تحوط الآخرة من كل جوانبها ، لا بد من أن تتخذ جميع الأسباب ، وأن تمتلك موجبات الرحمة ، وتسعى للآخرة وفق الشروط التي وضعها الله عز وجل، لا وفق شروط تخترعها أنت ، وسعى لها ، لو ربنا عز وجل قال : وسعى لها ، أي : سعياً مقبولاً ، لكن :

المطلوب ، سعيها المحدد والمقنن .

من قبل أنفسهم ، ومن قبل الخلق ، ومن قبل الحق .

جميع البشر على وجه الأرض ، الله سبحانه وتعالى يمدهم بما يختارون ، فهم إذاً يتحملون تبعة اختيارهم ، يمدهم بما يختارون ، حينما تقف على إشارة المرور ، والإشارة حمراء اللون ، فأنت مخير أن تمشي ، أو لا تمشي ، فإذا اخترت أن تخالف القانون عندئذ تفقد اختيارك ، فلا بد من أن تساق لتحمل تبعة هذه المخالفة ، والأمر واضح تماماً .

    أصر عليها وطلبها ، هنا تأتي الحكمة ، نعطي بالقدر الذي نشاء ولمن نشاء ، نعطي من نشاء بالقدر الذي نشاء .

لا محيد عن أن يصلاها ، وأن يتلظى بنارها ، مذموماً يلعن نفسه ، ويلعنه اللاعنون ، ويلعنه الملائكة .

    واللهِ ما من قولٍ ترك في نفسي أثراً كهذا القول ! من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ! لأن الله عز وجل يقول :

( سورة طه)

         آثر الدنيا ، وحصّلَ من أموالها ما يشاء ، وحصّلَ من مراتبها ما يشاء ، وحصّلَ من وسائل القوة فيها ما يشاء ، لأنه أعرض عن الله عز وجل ، فإنه يعيش حياة شقية ، شقاءً نفسياً ، إن القلق والخوف ، والحزن والهلع ، والترقب والاضطراب ، والقسوة والضياع ، هذه الصفات كلها يعيشها ، بينما المؤمن : ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .

( سورة النحل)

       ما قولكم ؟ اختاروا الآخرة تأتِكم الدنيا وهي راغمة والآخرة ، وهي مسعدة ، اختاروا الدنيا تخسروا الدنيا والآخرة ، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، هل من شعور أكثر إسعاداً للنفس من أن تشعر أن الذي خلق السماوات والأرض ، ومن بيده ملكوت كل شيء ، ومن بيده كل شيء ، ومن إليه يرجع الأمر كله ، ومن بيده كل خصومك ، ومن بيده حياتك وموتك راضٍ عنك ؟  ما هذا الشعور ؟ لذلك قال بعضهم : إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال لكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين .

      يا أيها الإخوة الأكارم ، ملاحظة أتمنى عليكم أن تقفوا على دقائقها : ليس في الإسلام حرمان ، كل الشهوات التي أودعها الله فيك جعل لها قنوات شريفة ونظيفة ، وصحيحة وعلية ، وكريمة وعزيزة ، فالشهوة التي يمكن أن توصلك إلى النار يمكن أن تمارسها بطريق مشروع .

   مثل صغير : هذا الوقود السائل إذا كان في مستودعه ، والمستودع محكم ، وسار في المواسير الصحيحة إلى المحرك ، ثم الموزع ، ثم إلى غرف الانفجار ، وانفجر في المكان الصحيح ، فولّد هذا الانفجار حركة متتالية ، تنقلك من دمشق إلى أحد المصايف ، هذا هو الوقود السائل ، قوة دافعة في خدمتك ، فإذا خرج من خطوطه ، وصُبّ فوق المحرك ، وجاءته شرارة أحرق المركبة كلها ! فهذه شهوة .

        وإذا سلكت الطريق الذي رُسِمَ لَهَا فهي قوة دافعة ، وإذا سلكت طريقاً آخر غير صحيح فهي قوة مدمرة ، فحب المال ، وحب النساء ، وحب العلو في الأرض ، هذه الشهوات التي أودعها الله فينا ، إذا مارستها وفق الشرع الحكيم سعدت بها ، إنها خُلِقَتْ في نفسك لتسعد بها ، ولترقى بها ، فإذا كسبت المال من طريق مشروع ، وأنفقته وفق الوجه الصحيح سعدت بكسب المال ، وسعدت بإنفاقه ، وإذا اخترت زوجة مؤمنة ، وابتعدت عن خضراء الدمن ، نجحت ، (( إياكم وخضراء الدمن ، فقيل : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء )) .

( رواه الدارقطني في الأفراد من حديث أبي سعيد الخدري ، قال الدار قطني : تفرد به الواقدي وهو ضعيف(

    أردت من الزوجة أن تكون مؤمنة ، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ! ومن تزوجها لمالها أفقره الله ! ومن تزوجها لنسبها زاده الله دناءة ! فعليك بذات الدين تربت يداك .

    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ ، لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) .

( صحيح البخاري )

      لو اخترت زوجة مؤمنة لسَعِدتَ بها ، وسَعِدَت بك ، وأنشأت أسرة صالحة هي صدقة جارية من بعدك

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ ، صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ)) .

( مسلم )

      فالولد الصالح صدقة جارية ، وكل هذا عن طريق هذه الشهوة التي أودعها الله فينا ، فلو أن الإنسان سلك إلى تحقيقها ، وإروائها طريقاً نهى الله عنه شقي في الدنيا ، وشقي في الآخرة ، فلولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، ولكن ينبغي أن نسلك الطريق الصحيح ، قال تعالى :

( سورة الأنبياء )

       اسأل يا أخي ، تخاف على عينك فتذهب إلى مئات الأطباء ، وتنتظر عشرات الساعات ، وتدفع المبالغ الكثيرة ، وتقول : أخاف على عيني ، ألا تخاف على نفسك ؟ ألا تخاف على هذه الجوهرة التي أودعها الله فيك ؟ ألا تخاف أن يأتي ملك الموت ، وأنت لست مستعداً لهذا اللقاء ؟ ألا تخاف أن تكتشف الحقيقة الخطيرة بعد فوات الأوان ؟ بعد الموت ؟

( سورة يونس)

         هذه ليست بطولة ، كفار الأرض جميعاً سيعرفون الحقيقة عند موتهم .

( سورة ق)

       هذه ليست بطولة ، البطولة أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان ، وأن تعرف الحقيقة لتستفيد من هذه المعرفة ، فإذا عرفت لماذا أنت هنا على وجه الأرض ، وأين كنت ، وإلى أين المصير ، وما المهمة التي جئت من أجلها ، عرفت كل شيء ! "ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء "

       انظر إلى الناس جميعاً ، كل إنسان بنفسه طلب ، والله سبحانه وتعالى يحققه له ، والآخر إلى كسب المال ، وهذا يسعى إلى العلو في الأرض ، هذا يسعى إلى تحقيق كل الرغبات ، وآخر إلى الانغماس في الشهوات ، وآخر للإيقاع بين الناس ، والمؤمن يسعى لمعرفة الواحد الديان.

( سورة الليل)

       كل منهما يسير في طريق ، وهنيئاً لمن كان يمشي في الطريق الصحيح ، في الطريق الذي أراده الله ، والذي رسمه الله لنا

      الأشياء كلها معروضة أمامك ، اختر ، هذا يختار الأحجار الكريمة ،  حجر بمئتي ألف ليرة ، وهذا يختار صخرة كبيرة تسحقه ، دمره ، وهذا يختار شيئاً ثميناً يسعد به ، وهذا يختار شيئاً يدمره .

قال تعالى :

( سورة الأحزاب)

      عن أحد ، أي مخلوق له عند الله حق ! أن يعطيه ما يريد ، لكن الله جلّ وعلا لا يتعامل بالتمني ، يتعامل بالسعي ، فرق بين التمني والسعي ، التمني أن تتمنى شيئاً ولا تسعى له ، ولكن الإرادة الحرة الصادقة تقترن بالعمل ، ثم يقول الله عز وجل :

       الآن في الدنيا مكانة ، هل من يعمل في تنظيف المستشفى كمكانة رئيس المستشفى ؟ هل يتساوى الراتبان ؟ الجندي كقائد الجيش ؟ الخفير كالوزير ؟ وهل الممرض كالطبيب ؟ وهل الفقير كالغني ؟ هذه الدنيا أمامكم .

         الصحة درجات ، والشكل درجات ، والقوة درجات ، والمكانة الاجتماعية درجات ، والذكاء درجات ، والدخل درجات ... فدرجات البشر في الأرض بعدد أبناء البشر !

        يقول لك : هذا البيت أربعمائة وثمانون متراً ، في أرقى أحياء دمشق ثمنه سبة وثلاثون مليوناً ، فهل هو مثل بيت غرفة واحدة لا ترى الشمس ؟ وهل هذا بيت ، وهذا بيت ؟ هذا الشيء تحت سمعنا وبصرنا ، فالله عز وجل يريد من هذه الآية شيء آخر !

      هذا التفضيل مؤقت ، الفقير يموت ، والغني يموت ، والقوي يموت ، والضعيف يموت  ، والذي يحمل أعلى الشهادات يموت ، والذي لا يقرأ ، ولا يكتب يموت ، ومع أن هناك فروقاً شاسعة ، ودرجات كثيرة في العلم والقوة ، والمال والجمال ، والمكانة ، وكل شيء في الأرض مُقَسَّم إلى درجات .

     في الدنيا ، هكذا تقتضي الحكمة ، أن يكون الناس درجات ، لكن هذه الدرجات مؤقتة ، وقد يكون الفقير عند الله عز وجل أعظم من أعلى مرتبة في الأرض .

       عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : : (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، ذِي طِمْرَيْنِ ، لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ )) .

(سنن الترمذي)

      قد يكون هذا الفقير ، وقد يكون هذا العليل ، وقد يكون خامل الذكر أعظم عند الله وأرقى مكانة ، وأحظى رتبة من علي القدر ، ومن غني المال ، ومن ذائع الصيت .

     هناك فكرة دقيقة جداً : يقول الله عز وجل :  

      هناك تفضيل في الصحة ، وفي المال ، وفي الجمال ، وفي الذكاء ، وفي القوة ، وفي المكانة ، وفي كل شيء ، الحياة مراتب ، لكن هذه المراتب الدنيوية مؤقتة تنتهي بالموت ! فقبر الغني كقبر الفقير تحت الأرض ، وهل قبر الغني مكيف تحت الأرض ؟ هل يوجد بلاط أو رخام ؟ أو ثريا ؟ لا يوجد شيء ، قبر الغني كقبر الفقير ، أحد أكبر أغنياء بعض بلدان الخليج أوصى ذويه أنه إذا مات أن يسيروا بجنازته في كل شوارع المدينة ! شارعاً شارعاً ، وأوصى أن تخرج يده من الكفن ، هكذا عاريةً ليشعر الناس أنه ذهب إلى الآخرة ، وليس معه شيء ! كله تركته في الدنيا  المصيبة في الموت مصيبتان : الأولى أنك تخسر مالك كله ، والثانية : أنك تحاسب على مالك كله ، من أين اكتسبته ؟  وفيمَ أنفقته ؟  فأول نقطة في الآية : أن هذه الدنيا المراتب ، هذا يسكن في بيت صغير ، وهذا في بيت كبير ، وهذا دخله لا يكاد يغطي نفقاته ، وهذا عنده أموال لا تأكلها النيران ، وهذا لا يستطيع أن يفك أسيراً ، وهذا يستطيع أن يغير اتجاهاً ، فيوجد قوي وضعيف ، غني وفقير ، صحيح ومريض ، المشكلة الأولى أن هذه المراتب مؤقتة ، يأتي الموت فيضع حداً لها .

     النقطة الثانية : أن هذه المراتب شكلية ، قد يكون الفقير أعلى عند الله من الغني ، وقد يكون الضعيف المستضعف أحظى مرتبة من القوي ، وقد يكون خامل الذكر أعلى شأناً عند الله من الذي تألق نجمه في السماء .

( سورة الواقعة)

      هذه مراتب الدنيا ، أما المشكلة :

      هنا المشكلة ، مراتب الآخرة إلى الأبد ! ومراتب الدنيا إلى الموت ، إنها تنتهي بالموت ، اذهبوا إلى المقابر ، أحياناً تجدون على الشاهدة إشارة إلى أن هذا كان طبيباً ! وأن هذا كان شاعراً ! وأن هذا كان عميد الأدب في القطر ! وأن هذا كان من كبار القوم مثلاً ... كل واحد له ترتيب ، فالموت يضع حداً لهذه المراتب في الدنيا ، وهذه المراتب شكلية ، وقد تكون مكانتك على نقيض مرتبتك ! لو أنك في دائرة حكومية آذن مستقيم ، لا تأكل مالاً حراماً ، وتغض بصرك عن محارم الله ، وتؤدي وظيفتك بإخلاص وصدق وأمانة ، وربما كان هذا المستخدم أعلى مرتبة عند الله من كل الموجودين في الدائرة ! بما فيهم أعلى من فيها ، لكن مراتب الآخرة مراتب أبدية ، إنها من وضع الله عز وجل ، ولكن أهل الدنيا اصطلحوا على أن الغني معظَّم ، والفقير مهان ، فالناس الضائعون الضالُّون الغافلون يرفعون الغني ، ولا يكترثون بالفقير ، هذه قيم الأرض ، وهذه مقاييس البشر ، فلا قيمة لها عند خالق البشر ، لكن مراتب الآخرة مراتب من خلق الله عز وجل ، أنت في الجنة ، وفي هذه المرتبة ، بحسب عملك في الدنيا ، وهذا الذي كان في الدنيا يملأ الدنيا ، كان نجماً متألقاً في العلوم أو الفنون ، فإذا هو في أسفل السافلين ! فمراتب الآخرة مراتب حقيقية وأبدية ، فالبطولة أن تكون لك في الآخرة مرتبة عليّة ، والبطولة أن يكون لك عند الله مقعد صدق عند مليك مقتدر ، البطولة أن تشعر أن رب البشر راض عنك .

فليتك تحلو والحياة مــريرة         وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني و بينك عامر         و بيني وبين  العالمين خراب

***

      أيها الإخوة الأكارم ، هذه البطولة ، أن تكون ذا حظّ عند الله عز وجل ، وأن يكون الله راضياً عنك ، وأن تكون وفق الشرع ، وأن تكون حبيب الحق ، هذه هي البطولة ، فكلما رأيت في الدنيا بيتاً فخماً لا تقل : ليتني أسكنه !

( سورة القصص)

فلذلك على الإنسان أن يبحث عن مرتبة عند الله ، ولا يكترث بمرتبته عند الناس .

       عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (( أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  يَا غُلامُ ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )) .

( الترمذي ، ومسند الإمام أحمد)

     ولا أنسى قول أحد التابعين ، وأظنه الحسن البصري ، حينما كان عند أحد ولاة يزيد بن عبد الملك ، جاءه من يزيد توجيه ، هذا الوالي .. قال : ماذا أفعل ؟ أنا في حيرة من أمري ، فقال الحسن البصري : اعلم أن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله !

( سورة الرعد : الآية 11)

       لا تبحث عن مكانة علية عند الناس ! فإن الناس لا يقدِّمون ولا يؤخِّرون ، فابحث عن مكانةٍ عند الله  .

يا الله ، أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تجعل مع الله إلهاً آخر !

(سورة الشعراء)

       فإذا شئت أن تعذِّب نفسك ، وأن تحس بالقهر ، والحقد ، والضياع ، والشك ، واليأس والسوداوية .. فادع مع الله إلهاً آخر ، واعتقد أن زيداً من الناس يملك شيئاً من أمرك ! فإذا اعتقدت أن زيداً من الناس ، أو أن كائناً من كان من الناس ، يستطيع أن ينفعك ، أو أن يضرك،  أو أن يرفعك ، أو أن يخفضك ، فهذا هو الشرك بعينه .


( سورة هود)

( سورة الزخرف)

( سورة الفتح)

( سورة الأنفال)

( سورة غافر)

( سورة الكهف)

        هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، نهاية العلم التوحيد .

( سورة محمد)

      كلمة التوحيد : لا إله إلا الله   .

     إذا أطعت مخلوقاً ، وعصيت الخالق فقد جعلت مع الله إلهاً آخر ، وقد أشركت ، فلو قلت : الله أكبر في الصلاة ، فأنت لم تقل : الله أكبر ! ولو قلتها ألف مرة ! لأنك رأيت أن غضب فلان أكبر من غضب الله ! لذلك أطعته ، وعصيت الله ! فإذا أطعت مخلوقاً ، وعصيت الخالق فقد رأيت هذا المخلوق أكبر من الخالق ، فكلمتك في الصلاة : الله أكبر ، لا معنى لها.

مذموماً من قِبَلِ نفسك ، ومن قِبَلِ الخلق ، ومن قِبَلِ الحق ، مخذولاً لا نصير لك ، لذلك :

( سورة الطلاق)

       وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً !

       كلمة ( قضى ) معناها أنه أمر ، وألزم ، وأوجب ، وهذا القضاء ليس قضاء حُكمًا ، بل هو قضاء أمر ،

ربك هو الذي يربيك ، أقرب اسم من أسماء الله تعالى إلى الإنسان كلمة الرّب ،

لو أن الله عز وجل قال : قضى ربك أن تعبده ، أمرك أن تعبده ، هذا أمر لعبادته ، ولكن هذا الأمر فيه قصر العبادة عليه ،

لو أن الله عز وجل قال : وقضى ربك أن تعبده ، لكنت مأموراً بعبادته ، لكن الله عز وجل يقول لك :

    

    إذاً لا معبود بحق إلا الله ،

(سورة الفاتحة : 5)

 لو أن الله عز وجل قال : نعبد إياك ، ليس فيها قصر .

     شيء آخر ، العبادة طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية ، تنتهي بسعادة أبدية ، تعريف العبادة :  العبادة الاستسلام لأمر الله في المنشط والمكره ، وفي إقبال الدنيا وإدبارها ، وفي صغائر الأمور وفي أكبرها .

فحوى رسالات الأنبياء جميعاً .

( سورة السجدة)

     روعة هذه الآية : أن الله جمع توحيد الربوبية بالإحسان إلى الوالدين ، ما هذا الأمر الذي أمرنا به ، والذي رفعه الله إلى مستوى توحيد عبوديته ؟ برّ الوالدين  .

 وما من عمل أعظم أو أجلّ بعد عبادة الله عز وجل من البر للوالدين !

      وشيء آخر ، أول مظهر من مظاهر تربية الله لك أنه خلقك من والدين ، يعطفان عليك ، ويحسنان إليك ، ويجوعان لتشبع ، ويعريان لتكتسي ، ويقلقان لتنام ، وحينما ترى ابناً مدللاً ، يحبه والداه ، ويغدقان عليه كل الإكرام ، فاعلم علم اليقين أن هذا الإكرام فمن عند الواحد الديان ! ولولا أنه أودع في قلب الأب هذه الرحمة ، لولا أنه أودع في قلب الأم هذه الرحمة ، من يربي ولده ؟ كيف أن الأب يسعى طوال النهار ، ويتحمل المشاق والأخطار أحياناً من أجل أن يأتي برزق أولاده ؟ ومن أجل أن يطعمهم ، وأن يكسوهم ، وأن يرزقهم ، من أجل ماذا ؟ فلذلك فإن ربنا عز وجل رفع برّ الوالدين إلى مرتبة توحيد الربوبية .

علماء اللغة قالوا : فعل ( أحسن ) يتعدى بـ ( إلى ) ، تقول : أحسنت إليه ، لكن هنا في الآية تعدى هذا الفعل بالباء على خلاف القاعدة ، ما الحكمة من تعدية هذا الفعل بالباء ؟

العلماء قالوا : أحسن بهما ، لم يقل الله عز وجل : أحسن إليهما ، بل قال : أحسن بهما ، لأن الباء تفيد الإلصاق ، تقول : أمسكت بيده ، إذاً الإحسان للوالدين ، لا يقبل من الابن إلا إذا باشره بنفسه ، مثل أن ترسل الصانع بالمحل التجاري إلى أبيك مع بعض الفاكهة ، قل له : خذ هذه الفاكهة من ابنك ، هذا خلاف لتوجيه الله عز وجل ، يجب أن تمارس الإحسان إليهما بنفسك ، تقول للسائق : خذ أبي نزهة ، لا ، ليس هذا إحسان إليهما ، الإحسان إليهما أن تكون إلى جانبهما، وأن تكون لاصقاً بهما ، وأن تباشر الخدمة بنفسك ، هذا معنى :

       لأن معاجم اللغة تعدي فعل أحسن بـ ( إلى ) ، لكن الله سبحانه وتعالى وضع الباء مكان إلى لماذا ؟ من أجل أن يُفْهِم أن الإحسان إلى الوالدين يجب أن يباشر من قِبَل الابن مباشرة .

      وكما أن الله عز وجل قرن الإحسان بالوالدين بتوحيد عبادته ، قرن شكر الله بشكرهما ! قال تعالى :

(سورة لقمان)

       ما من مخلوقين على وجه الأرض يستحقان الشكر بعد الله عز وجل من الوالدين  .

وليس لزوجتك .

روى الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ، قَالَ : ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) .

( صحيح البخاري)