English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "04 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 25 – 31   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين  .

    أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      هل أنتم في وضع يبتغي مرضاة الله عز وجل عن طريق بر الوالدين ؟ أو أنكم ترغبون بعقوقهما حالتكم النفسية رغبتكم نيتكم طموحكم مكشوف عند الله عز وجل .

      قد تستطيع أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت ، وقد تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ، أما أن تستطيع أن تخدع كل الناس بطول الوقت فهذا من المستحيلات  .

( سورة القيامة)

      فالإنسان مكشوف ، لا يستطيع أن يخدع الله عز وجل ، ولا أن يخدع نفسه ، لذلك قل ما شئت .

وضح نياتك بالشكل الذي تريد .

قل : أنا أريد الإصلاح ، قل أي شيء تحبه ! أعلن أي هدف بيِّن أية نية .

       المعنى أن علاقتك مع الله عز وجل ، فإن كنت تنطوي على نفس طاهرة طيبة ، راغبة في مرضاة الله عز وجل ، راغباً في تنفيذ أمره فلك ، وإن كنت على خلاف ذلك فعليك .

    

      أي : إذا بلغ الإنسان هذه المرتبة انقطعت علائقه مع الناس ، لا يعلق على رضاهم أملاً ، ولا على غضبهم خوفاً ، لأن الله عز وجل بيده كل شيء .

      عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : (( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ . قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ )) .

(سنن الترمذي )

      عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

(مسند الإمام أحمد )

(سورة القيامة)

 

     سيدنا الصديِّق رضي الله عنه مدحه أحد الأصحاب ، فتوجه إلى الله عز وجل ، وقال : " اللهم إنك أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون " .

       إن كان معك قطعة من الذهب ، وظنها الناس معدناً رخيصاً فأنت الرابح ، ولو ظنها جميع الناس معدناً رخيصاً ، ولو أنك تملك قطعة من المعدن الرخيص ، وأوهمت الناس جميعاً أنها معدن ثمين ، فأنت الخاسر ، العبرة :

(سورة الشعراء )

      ما معنى صالح ؟ إنسان صالح أي : عمله صالح ، ونيته صالحة وقوله صالح ، واعتقاده صالح ، اعتقاده صحيح ، ونيته طيبة ، وعمله صحيح ، وقوله صحيح ، إذاً هو صالح ، صالح لماذا ؟ صالح لعطائنا ، صالح للجنة التي عرضها السماوات والأرض ، وكل هذا مشتق من الصلاح ، صلحت عقيدته فصلح لسانه ، وصلح عمله وصلحت نيته ، فقد أصبح صالحاً لعطاء الله .

       الأوَّابين جمع أوَّاب ، والأوَّاب على وزن فعَّال ، صيغة مبالغة لاسم الفاعل ، أي : كثير الأوبة إلى الله ، فكلما زلت قدمه رجع بالتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله ، وكلما غفل عن ذكر الله ذكر الله ، وكلما زلَّت قدمه تاب من هذه الزلَّة ، وكلما ارتكب مخالفةً بادر إلى مَحْوِها بعملٍ صالح ، وهؤلاء الأوابون كثيرو الأوبة إلى الله عز وجل .

الآية السابقة :

     أول شيء أنت مكلف بفعله في الدنيا أن تعبد الله وحده ، إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ، وأول إنسانين على وجه الأرض يستحقان أن تحسن إليهما بعد عبادة الله عز وجل  الوالدان   .

      لأن الوالدين أول مظهرين من مظاهر ربوبية الله سبحانه وتعالى ، كيف وأن الله ربٌ لكَ ؟ سخر لك أباك وأمك ، يعطفان عليك ، ويحببان عليك ، ويتعبان من أجل أن تستريح ، ويسهران لتنام ، ويجوعان لتشبع  يقلقان لتطمئن ، فالأم والأب أول مظهرين من مظاهر الربوبية ، لذلك أول إنسانين يستحقان الإحسان البالغ الوالدان ، رفعا إلى مرتبة عبادةِ الله عز وجل .

        خطر في بالي مثال : هل تقول أنت : اشتريت بيتاً وملعقة ؟ العطف يقتضي التجانس والتناسب ، تقول : اشتريت بيتاً ودكاناً ، أو بيتاً وسيارةً ، أو أرضاً وبيتاً ، وتقول : اشتريت ملعقة وسكّيناً ، فهذا العطف يقتضي التجانس .

      أعظم الأعمال بعد عبادة الله عز وجل الإحسان إلى الوالدين ، أو الإحسان بالوالدين ، الباء للإلصاق ، هذه شرحناها في الدرس الماضي ، ولكنني عدت إليها لأبيِّن العلاقة فيما بينها ، وبين الآية التالية :

       هل فقط الأب والأم ؟ والجد والجدة ، والعم والعمة ، والخال والخالة ، بنات الأخ وبنات الأخت ، أبناء الأخ ، أبناء الأخت ، الابن وابن الابن .

       هؤلاء يلوذون بك ، من لهم سواك ؟ إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه ! لا تضجر ، ولا تقلق ، ولا تتبرم ، وإذا كثر الذين يطرقون بابك ، فلا تتأفف ، وإذا جاء أخوك أو أختك يطلبان منك حاجة ، فإنك مظنة العطاء ، وإن الله يحبك ، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .

      عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ ، وَلِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ ، مِغْلاقًا لِلشَّرِّ ، وَوَيْلٌ لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لَلشَّرِّ ، مِغْلاقًا لِلْخَيْرِ )) .

( سنن ابن ماجة)

      فلذلك :

      

      تفقَّد أقرباءك ، وتفقَّد رحمك ، ومن يلوذ بك ، فالأقربون أولى بالمعروف ، الأقربون نسباً ، و الأقربون إيماناً ، و الأقربون فقراً ، و الأقربون إليك نسباً أولى بالمعروف ، و الأقربون إلى الإيمان أولى بالمعروف ، و الأقربون إلى الفقر أولى بالمعروف ، هذه قاعدة مطلقة ، الأقربون أولى بالمعروف .

      من علامات تفسّخ المجتمعات الحديثة انقطاع الصلة بين الأقارب ، ومن علامات الصحة الاجتماعية في المجتمعات التي يغلب عليها الإيمان هذا التواصل الاجتماعي .

      سمعت عن امرأة متقدمة في السن تملك أموالا طائلة ! فجأة أصيبت بمرض عضال ، أفاقت في أحد الأيام فإذا هي في مأوى العجزة ، ولها أولاد كثر ! شباب وشابات وأصهار ، ما كان منها إلا أن استدعت مدير الأيتام ، وفرغت له كل ممتلكاتها ! هناك تواصل في المجتمعات التي يغلب عليها الإيمان والعمل الطيب ، فالأم لها مكانة كبيرة ، قدمت وحقّ لها أن تأخذ ، وأعطت وجاء الوقت الذي يجب أن تأخذ ، والأب كذلك ، سنّة الله في خلقه ، يكون الأب شاباً ، وكله عطاء لأولاده ، فتتقدم به السن ، ويضعف ، ويترك عمله ، فيصير له الحق أن يأخذ من أولاده ، هذه دورة طبيعية ، خذ وأعط ، فالأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والذين يعيشون عالة على المجتمع ، يعيشون على مآسيه ، ويأخذون ولا يعطون ، والمؤمنون يأخذون ويعطون ، والعظماء يعطون ولا يأخذون ، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، والذين هم في أسفل السلم الاجتماعي يأخذون ولا يعطون ، ونحن نأخذ ونعطي .

له حق عليك  .

( سورة المعارج)

          هذه هي الزكاة .

(سورة الذاريات)

        وهذه هي الصدقة ، لو أنك دفعت زكاة مالك ، ورأيت إنساناً محتاجاً بائساً فقيراً ، ومسكيناً قريباً ، وأنت أخوه في الإنسانية ، وله حق عليك ، فكيف إذا كان قريباً ؟ لذلك قالوا : القرابة الجار المسلم ، القريب له عليك ثلاثة حقوق : حق الأخوَّة في الله ،" مسلم "، وحق الجوار ، وحق القرابة .

 

      له حق عندك ، والمسكين ! المسكين هو الفقير البائس ، بعضهم قال : الفقير والمسكين إن اجتمعا تفرقا ، وإن افترقا اجتمعا ! إذا ذكر الله المسكين انصرفت هذه الكلمة إلى الفقير وإلى المسكين ، وإذا ذكر الفقير انصرفت الكلمة إلى الفقير والمسكين ، أما إذا ذكر الفقير والمسكين فالفقير له معنى ، والمسكين له معنى ، فالفقير الذي لا يجد حاجته .

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ )) .

( صحيح البخاري)

         يسكن في بيت ، وقد يكون هذا البيت ملكه ، وله دخل ، وقد لا يكفي هذا الدخل ، ظهر مرض مفاجئ يحتاج إلى عملية جراحية ، بعضهم يقول : هذا عنده بيت ملك ، أيبيع البيت من أجل أن يجري هذه العملية ؟ فالفقير هو الذي لا يجد حاجته ، والمسكين هو المعدم ، الذي لا يجد شيئاً لا حاجته ، ولا أقلّ من حاجته ، إذا ذكر الله المسكين وحده انصرف إلى الفقير والمسكين ، وإذا ذكر الله الفقير وحده انصرف إلى الفقير والمسكين ، فهاتان الكلمتان إذا اجتمعتا تفرقتا ، وإذا تفرقتا اجتمعتا .

       ابن السبيل إنسان مكتفٍ ، وقد يكون غنياً ، ولكن حل به فقر طارئ  ، كان في سفرٍ ، فأخذت منه أمواله نشلاً ، ضاعت منه محفظةً يحمل فيها أمواله ، ووثائقه الرسمية ، فهذا صار فقراً طارئاً .

   التبذير يشبه إلقاء البذار في الأرض ، يمسك الفلاح قبضة من البذار فيلقيها هكذا ، إلقاء عشوائياً ، وكذلك الذي ينفق المال من غير اجتهاد ، ومن غير حكمة وتبصر واعتدال ينفقه كيفما كان ، هذا اسمه تبذير ، وبعضهم فرَّق بين الإسراف والتبذير ، وبعض العلماء قال : الإسراف أن تنفق في المباحات نفقة فوق الحد المعقول ، جلبت إلى البيت ألواناً من الفاكهة كثيرة ، فسد بعضها ، وألقي في القمامة ، فهذا إسراف ! والعلماء قالوا : لا إسراف في الخير ، ولا خير في الإسراف ، إذا قرأت القرآن ساعة فجيد ، وساعتين فأفضل ، ثلاثاً فأفضل ،   وإذا أنفقت مئة فعملك أفضل ، ومئتين فأفضل ، إذ لا إسراف في الخير ، ولا خير في الإسراف ، وبعضهم قال : لا إسراف في النور ، فإذا الإنسان أراد أن تكون الغرفة إضاءتها جيدة ، فلا يعد هذا مسرفاً ، وأحياناً تدخل إلى غرفة إضاءتها أقلّ من الحد المعقول ، فتشعر بانقباض ، وقد تشعر بآلام في العينين ، وقد تعثر عليك القراءة ، وهذا اسمه تقتير ! فالعلماء قالوا : لا إسراف في النور ، ولا خير في الإسراف ، ولا إسراف في الخير .

           الإسراف كله ينصرف إلى المباحات ، لكن الذي يلقي ماله في معصية الله فهذا هو المبذّر .

       وكيف يلقي الشيطان في نفس الإنسان حب المعصية ؟ يدفعه إلى المعصية ، ويوسوس له بها ، وكذلك هذا المبذر ، إنه بإنفاقه المال في معصية الله عز وجل كأنه قد تجاوز مرحلة وسوسة الشيطان ، فكان أخاً للشيطان .

أي : الذي يشهد به الشيطان من إلقاء الوسوسة كي تعصي الله ، جاء المبذر ، وأنفق ماله في معصية الله إنفاقاً سريعاً ، إذاً هذا المبذر كان من إخوان الشياطين .

       يبدو أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعاقب من عصاه يعاقبه عقوبة من جنس الذنب ، فالمبذر في أغلب الظن يعاقب بذهاب ماله ، وأن يذيقه الله ألم الفقر والحرمان ، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله ، فإن النعمة إذا نفرت ، قلما تعود )) .

[ورد في الأثر]

      وبعضهم قال : الشيطان اسم لجنس الشياطين ، وبعضهم قال : هو إبليس بالذات ، وهو أول الشياطين خلقاً  .

        إمَّا أصلها ( إن وما) ،

 عنهم من ؟ عن ذوي القربى والمساكين .

أي : لا تعطيهم ، تعرض عن إعطائهم ، إما لأنك فقير تبتغي رحمة الله ، ربنا عز وجل كنّى عن الفقر بأجمل كناية في القرآن !

لضيق ذات يدك ، لأنك لا تملك هذا العطاء ، لا تملك حاجتهم ،

     أنت ترجو مثلهم رحمة الله ، هذا المعنى الأول ، إما تعرضن عنهم لضيق ذات يدك ، لأنك لا تجد ما تعطي ، أو لأن الحكمة تقتضي ذلك ، قد يطلب منك القريب مالاً ليفسق به ، أو ليفعل به المنكرات ، أو ليرتكب به المعاصي ، فالحكمة تقتضي ألاّ تعطيه هذا المال ، أو قد يكون من السفهاء ، وقد قال الله تعالى :

( سورة النساء)

         ليس لك أن تعطي مالك لسفيه ، السفيه الذي ينفق المال في معصية الله ، ينفق المال إسرافاً وتبذيراً ، هذا القريب الذي ينفق المال في معصية الله إذا أردت أن تعينه شفقة على أولاده وأهل بيته فأعطِِه مواد عينية ، اشتر له بعض الأغذية ، واشتر لأولاده بعض الألبسة ، وقدم له مساعدات يستفيد أهله منها ، لأن الله عز وجل ينهانا عن أن نعطي السفهاء أموالنا . 

لضيق ذات يدك ، أو لحكمة ترتئيها .

لا تكن قاسياً في ردك .

( سورة الضحى)

لو صدق السائل لهلك المسؤول .

         العلماء فسَّروا هذا القول : ادعوا لهم ، وبعدهم قال : عِدْهُم عِدَةٌ طيبة ، إن شاء الله في وقت آخر إذا مكنني الله عز وجل أعطيك هذا الطلب ، إما أن تَعِدَهُم بالعطاء في وقت لا حق ، وإما أن تدعو لهم ، وهذا هو القول الميسور .

       فالغيظ والشدة والقسوة لا تجديان أبداً ، والله سبحانه وتعالى ينهانا عنها ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))  .

[متفق عليه ، واللفظ لمسلم]

       وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) .

[مسلم]

 والقسوة غير مرغوب بها ، لا من قبل الحق ، ولا من قبل الخَلْق .

أنت تقول له : أنت كذَّاب ، أنت محتال ، لا يوجد عقل ،

        ادعُ له بالتوفيق ، أعطاك الله من سؤلك ، وفقك الله لما تحب ، لا أجد ما أعطيك ، أعذرني .

       أن تكون اليد مغلولة إلى العنق فهذه كناية عن القبض ، أي عن البخل ، أي عن الشح ، قال تعالى :

( سورة الحشر)

      فالشح إذاً هنا مرض ، ويحتاج صاحبه إلى معالجة ، والبخيل مريض ، لأنه يعيش فقيراً ليموت غنياً ، والشحيح جعل المال الذي هو في الأصل وسيلة فجعله غاية ! يقول سيدنا أبو ذر : " حبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي " ، المال جعل للإنسان وسيلة لقضاء حوائجه ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْه ، ثُمَ قَتَّرَ عَلَى عِيَالِه )) .

[القضاعي في مسند الشهاب عن عائشة]

     والنبي عليه الصلاة والسلام نفى أن يكون من المسلمين من وسّع الله عليه ، ثم قَتَّر على عياله ، الفضيلة دائماً بين حالتين متطرفتين .

      وهناك رجل لشدة بخله نشب خلاف بينه وبين أهله فتركهم ، وسكن في غرفة على سطح أحد الأبنية الكثيرة التي يملكها ! وكان يمضي وقته في طعام خشن جداً توفيراً للدراهم ، وفي أحد الأيام كان مستقبلاً سيارةً من البحص رجعت فدهسته ، وترك ثلاثمئة مليون ليرة ! عادى أهله ، وكرهوا ، وسكن وحده ، وعاش حياة خشنة لا تحتمل ، من أجل أن يموت غنياً ! شحيحاً مريضاً ، هذا يحتاج إلى معالجة .

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْه ، ثُمَ قَتَّرَ عَلَى عِيَالِه )) .

[القضاعي في مسند الشهاب عن عائشة]

      سبحان الله ‍‍! الشحيح يقتر ، ويقتر فيضطر في وقت ما أن يدفع نفقة تعادل كل التقتير ، الذي قتره وزيادة ! جمع ماله بالقروش ، ويدفعهم بمئات الألوف دفعة واحدة مضطراً ، فلذلك الإنسان يكون كريماً ، لأن الكريم يحبه الله ، كما رُوي : " أحب ثلاثاً ، وحبي لثلاث أشد ، أحب الطائعين ، وحبي للشاب الطائع أشد ، وأحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ، أحب المتواضعين ، وحبي للغني المتواضع أشد ، وأبغض ثلاثاً ، وبغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد ، وأبغض البخلاء ، وبغضي للغني البخيل أشد ، وأبغض المتكبرين ، وبغضي للفقير المتكبر أشد " .

      لكن بعض الذين يوصمون بالشح على نوعين : بعضهم ينفق الأموال الطائلة بلا حساب على شهواته ، وعلى أولاده ، وعلى لذته وعلى مباهجه ... فيقول : كلفتني هذه السفرة في العيد إلى اليونان أربعمئة ألف ليرة ! فتدخل جمعية إلى دكانه فيعطيها عشر ليرات ‍‍‍‍!! أربعمئة ألف في أربعة أيام بالعيد قضيتها في أثينا ، وعشر ليرات للجمعية ؟ من صفات المنافقين أنهم إذا أنفقوا المال أنفقوه إسرافاً وتبذيراً ، وإذا أمْسكوه أمسكُوه شحاً وتقتيراً ، فهؤلاء يبالغون في ترفيه أنفسهم ، أما إذا دعوا إلى عمل صالح يمتنعون ، وقد يتأخر الصانع عنده ساعة ، يحسم عليه ثمن الأجرة ، يقول له : داومك ثماني ساعات ، وقد تأخرت ساعة ، فيقسو عليه ، ويقوم بطريقة يطرده طرداً من دون أي تعويض ، فإذا ذهب لقضاء نزهة ، أو لقضاء إجازة أنفق من المبالغ ما لا يحصى ، فهؤلاء أشحّة في فعل الخير ، ومسرفون على أنفسهم في الملذات ، وهناك صنف آخر ـ والعياذ بالله ـ يعيش شقياً محروماً ، ويموت غنياً ، يتنعم الورثة بهذا المال .

     ولذلك مما يروى : أن روح الميت حينما يوضع الميت في نعشه ترفرف فوق النعش تقول : يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلّ وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة علي .

     ولذلك يقف ربنا عز وجل يوم القيامة العبد بين يديه ويقول له : يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ فيقول هذا العبد : يا رب ، لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله عز وجل : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

        حدثني أخ أثق بكلامه عن رجل ترك أموالاً لا تعد ولا تحصى ، وترك أولاداً لم يُنَشِّئهُم على طاعة الله عز وجل ، في أقل من سنتين خسروا كل هذه الثروات بشكل لا يصدق ! باعوا الأراضي والمحلات والمعمل ، واحتال عليهم رجل بمئات الملايين ، اشترى منهم بضاعة شحنوها له ، وقد أعطاهم شيكات مزورة ، ثم غاب عن الأنظار ، فخسروا أموالهم كلها ! إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم .

        يقول لعبد آخر : يا عبدي ، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول هذا العبد : يا رب ، أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي بأنك أنت خيرٌ حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله عز وجل : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ، اطمئن ، وفعلاً يموت الرجل فتجد أولاده في أعلى مقام ، وفي بحبوحة ، وصحة جيدة ، فزواجهم موفق ، وأولادهم أبرار ، وكلهم يسكنون في بيوت جيدة ، وسمعتهم طيبة ، وقد يكون أبوهم فقيراً ، ولكنه صالح ، وهذا رجل تأتيه ذرية شقية من بعده تذوق الحرمان والبؤس والشقاء .

        حدَّثني بعض الأشخاص القادمين من بعض الدول العربية التي هي في بحبوحة أن الطعام الذي يلقى في القمامة أضعاف الطعام الذي يؤكل ، فاللحم والرز المطبوخ بالسمن ، وكل شيء زاد على الوجبة اليومية في القمامة ، هؤلاء يدفعون الثمن غالياً ، والله عز وجل قال :

( سورة البروج)

(( يا عائشة ، أكرمي مجاورة نعم الله ، فإن النعمة إذا نفرت قلّ ما تعود )) .

[ورد في الأثر]

        إنفاق بغير حساب ، وبشكل طبيعي ، وغير طبيعي ، بشكل معقول ، وغير معقول ، إسراف ألوان منوعة من الطعام ، بعضها يفسد ، بعضها يلقى في القمامة ، وألبسة كثيرة جداً ، وأحذية لا تعد في البيت ، ويلبس الحذاء مرة ويلقى ، وأكثر هذا في النساء ، هذا هو الإسراف بعينه .

    ما لذي يحصل ؟ تعودت على مصروف مرتفع جداً ، وعلى مستوى معاشي مرتفع جداً ، فلسبب أو لآخر لو انخفض دخلك ماذا تفعل ؟

       قال عليه الصلاة والسلام : (( اخشوشنوا ، وتمعددوا فإن النعم لا تدوم ))  .

[الطبراني عن ابن أبي حدرد ، والسيوطي في الجامع الصغير ، وإسناده ضعيف]

      فمن الحمق بالرجل أن يسرف إسرافاً ، فلو جاءه خاطب لا بنته شاب صالح مؤمن ، ولكن دخله محدود ، لقد عود ابنته الإسراف في النفقة ، فهذه البنت لا يمكن أن تعيش مع هذا الزوج أبداً ، تفسد الحياة ، ولن تستقيم بينهما عوّد نفسك ، لذلك : (( اخشوشنوا ، وتمعددوا فإن النعم لا تدوم )) .

[الطبراني عن ابن أبي حدرد ، والسيوطي في الجامع الصغير ، وإسناده ضعيف]

هذا أمر نبوي .

( سورة النجم)

      لذلك المؤمن المطبق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام لو جاءت شدة فإنه يحتملها ؟ لأنه قد عوَّد نفسه على الخشونة ، عوِّد من هم معك على أن يكون الطعام نفيساً في يوم ، وخشناً في يوم آخر ، على أن يكون مع الطعام فاكهة في يوم ، ومن دون فاكهة في يوم آخر ، عود نفسك هذا وهذا ، فلو جاءك شاب مؤمن يبتغي الزواج من ابنتك عاشت معه حياة سعيدة ، أما الإسراف والتبذير ، والإنفاق العشوائي غير المدروس ، ليس من صفات المؤمن ، الوضع دقيق جداً . 

        هذه في البلاغة اسمها لف ونشر ، لو أنك جعلت يدك مغلولة إلى عنقك لكنت ملوماً من قِبَل الأهل ، إذ دائماً البخيل أهله يتمنون موته ، وينتظرونه بفارغ الصبر ! وإذا جاء الطبيب ، وبشرهم بأن الحالة عرضية يتألمون ، كيف الحالة عرضية ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ! يتمنون أن تكون الحالة خطيرة حتى يرتاحوا منه ، فتقعد ملوماً من قِبل زوجتك أو أولادك ، وإذا بسطها كل البسط تقعد محسورا ، لا تمتلك شيئاً .

      فتقعد ملوماً ، في الحالة الأولى ، في البخل ، ومحسوراً في الحالة الثانية ، في الإسراف ، تتحسر ، ليس عندك شيء ، فالإنسان هكذا ، قال الله عز وجل :

( سورة البقرة : 269)

        هناك كتاب أُلِّف في هذه الآية ! يثبت مؤلف الكتاب أن الحكمة أثمن شيء في الحياة ! بالحكمة يغتني الفقير ، وبالحمق يفتقر الغني ، وبالحكمة تعيش مع الزوجة السيئة وتسعد بها ، وبالحمق تفسد الطيبة ، وبالحكمة تجعل أعداءك أصدقاء ، وبالحمق تجعل أصدقاءك أعداء.

       ولذلك قال العلماء : الكرامات على نوعين : كرامات تجري وفق العادات ، وهي العلم والحكمة ، وكرامات تجري بخرق العادات ، ولها بحث آخر تحدثنا عنه في درس العقيدة ، ولذلك من كرامة الله لك ومن إكرامه أن يجعلك عالماً وحكيماً .

( سورة القصص)

     فالأنبياء هذا عطاؤهم .

 

الآية لها معنيان متعاكسان :

       المعنى الأول : أن الله عز وجل سنته في خلقه أنه يعطي بحكمة ، ويمنع بحكمة ، وإذا رأيت أن الله عز وجل أعطى فأدهش ، وحاسب ففتش ، لا تفعل كما يفعل الله عز وجل ، هو رب العالمين ، وأنت مأمور بالاعتدال ، أما ربنا عز وجل لحكمة بالغة إذا أعطى أدهش ، فقد يعطي عطاءاً مذهلاً ، وقد يسلب الإنسان كل شيء ، أنت عبد ، وهو رب ، هو يفعل ما يشاء لحكمة يراها ، لا تفعل كما يفعل ، فإما أن تفهم هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى يعطي بحكمة ، ويقبض بحكمة ، أو أنه إذا أعطى فادهش ، أو حاسب ففتش ، لا تفعل أنت ذلك ، لأن هذا من شأن الله وحده ! وليس من شأنك أنت .

      قال الشاعر :

لو كانت الأرزاق تجري مع الحجى       هـلكن إذاً من جـهلهن البهائم

***

فالله عز وجل هو الرزاق ، قد يهب الغبي رزقاً وفيراً ، وقد يمنع الفهيم الذكي الحاجات الأساسية .

       إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ، يريد السفر فوراً إلى أوروبة ، ويريد الزواج من امرأة ثانية ، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه .

يعرف عباده