English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "05 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 32 – 39   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ، ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماُ ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، وردت آية النهي عن الزنى بين آيتي النهي عن القتل !

( سورة الإسراء : 31)

( سورة الإسراء : 33)

 

       جاءت بينهما آية النهي عن الزنى .

( سورة الإسراء : 32)

 

      فبعض العلماء استنبط من أن تكون آية النهي عن الزنى بين آيتي النهي عن القتل أن الزنى نوعٌ من أنواع القتل ، ولكن هذا القتل قتلٌ معنوي ، وليس قتلاً مادياً ، فهذه المرأة التي تقع في الزنى كأنك قتلتها فأخرجتها من إنسانيتها ، وأبعدتها عن مهمتها المقدسة ، وعن الوظيفة العليا التي خلقت من أجلها ، وعن أن تقوم بدورها الطبيعي الإنساني .

       بدل أن تكون أمًّا ، زوجةً مخلصةً لزوجٍ وفيٍ ، وبدل أن تكون أماً لأولادٍ مهذبين ، وبدل أن تكون جدةً يشع منها الخير والعطف والحنان ، جعلتها مومساً ، ساقطة ، بلا معيل ، وجعلتها حين يزوي جمالها في الحضيض .

 

       فالقتل نوعان : قتل النفس قتلاً مادياً ، وقتلها قتلاً معنوياً ، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

        

(سورة البقرة : 191)    

       ليس النهي في هذه الآية عن ارتكاب الزنى ! ولكن النهي عن الاقتراب من الزنى ، فأي شيء يقربك إلى الزنى أنت منهي عنه بنص هذه الآية ، فالنظر إلى النساء خطوة أولى نحو الزنى ، والحديث معهن حديثاً فيه لين ، كذلك خطوة إلى الزنا ، ومجالسة أهل الزنى والاختلاط ، وقراءة الأدب الرخيص ، ومشاهدة الأشياء التي تسبب إثارة المشاعر ، ومتابعة التمثيليات الفاضحة كلها خطوة إلى الزنا ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :

       لم ينهنا الله عز وجل عن الزنى فحسب ! بل نهانا عن أن نقترب منه ، ويبدو أن الشيء الذي له قدرة على الجذب ، المعصية التي لها القدرة على الجذب ، نهانا الله سبحانه وتعالى عن أن نقترب منها ، أو أمرنا أن نجتنبها ، والاجتناب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان ، وهذا هو الاجتناب ، لقوله تعالى :

( سورة البقرة : 187)

   وفي آية أخرى :

( سورة البقرة  : 229)

          من الموازنة بين الآيتين الكريمتين يتضح أن بعض المعاصي يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان ! وبعض المعاصي أنت منهي عن أن تقع فيها فقط من دون هامش ، يبدو أن المعاصي التي تتصل بالشهوات الأساسية التي أودعها الله في الإنسان أُمِرنا أن نجتنب أسبابها ، وأُمرنا أن لا نقترب منها ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال :

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْعَيْنُ تَزْنِي ، وَالْقَلْبُ يَزْنِي ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا هُنَالِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ )) .

[أحمد في المسند]

      وهناك الزنى المعروف ، إذاً الجوارح تزني ! لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم ، من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه )) .

[أخرجه الطبراني عن ابن مسعود]

      وعَنْ جَرِيرٍ قَالَ : (( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ : اصْرِفْ بَصَرَكَ )) .

(سنن أبي داود)

       كل هذه الأحاديث إنما هي مستنبطة من هذه الآية :  

       الاختلاط والنظر والمصافحة والحديث والمشاهدة ، مشاهدة بعض البرامج الفاضحة ، ومتابعة بعض الأعمال الفنية الرخيصة ، وقراءة الأدب الرخيص ، ومصاحبة الأراذل ، مع أن الفقهاء اجتمعوا على أن هناك مجموعة كبيرة من البنود التي إذا فعلها الرجل المسلم جُرِحت عدالته ، ومن هذه البنود : صحبة الأراذل ، والأكل في الطريق ، والمشي حافياً ، والحديث عن النساء ، وتطفيف بتمرة ، وأكل لقمة من حرام ، ومن أطلق لفرسه العنان ، ومن قاد بِرذَوناً ، ومن تنزه في الطريق ، ومن علا صياحه في البيت ، ومن لعب بالشطرنج ، ومن بال في الطريق .... كل هذه الأعمال تجرح العدالة ، أما الكذب والظلم والإخلاف فهذا يسقطها ، من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته ، إذاً هناك حكمة بالغة من هذا النهي :

فلو أن الله عز وجل قال : ولاتزنوا لكانت كل هذه المقدمات مباحة ، ولكن الله عز وجل يقول :

      الزنى طريق غير مشروع لإرواء هذه الشهوة ، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها طريقاً مشروعاً ، ومتنفساً طبيعياً ، وقناة نظيفة ، تماماً كما لو أن الوقود الذي في مستودع السيارة إذا سار في أنابيبه المحكمة ، وانتقل إلى الموزع ، فإلى غرفة الانفجار ، فأنشأ هذا الوقود السائل حركة تعود علينا بالنفع العميم ، فإذا خرج هذا الوقود عن مساره الطبيعي ، وألقي فوق المحرك ، وجاءته شرارة ، أحرق السيارة ، كذلك الشهوة سلاح ذو حدين ، إما أن يكون قوة نافعة ، وإما أن يكون قوة مدمرة تصور إنساناً استقام على أمر الله قبل زواجه ، وغض بصره عن محارم الله ، وعف ، وصبر عن الحرام حتى جاءه الحلال ، فأكرمه الله عز وجل بعد هذا الصبر ، وهذه العفة ، وهذا الورع ، وتلك الاستقامة ، وأكرمه الله بزوجة صالحة ، إن نظر إليها سرته ، وإن غاب عنها حفظته ، وإن أمرها أطاعته ، وأنجب أولاداً ، وكان بيته بيتاً إسلامياً ، ترفرف عليه المحبة والمودة ، والعطف والإخلاص ، والوفاء والطهر ، إلى أن شدّ الأولاد في هذه الأجواء الصحيحة ، تحسّ أن هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان هي سبب كل هذه السعادة ، لا رقي في الجنة من دون هذه الشهوات ، لكن الشر يتأتّى من سوء استخدامها ‍من خروج صاحبها عن مسار الشرع ، لخروجه عن الطريق الصحيحة التي رسمها الله لنا ، فلا تقربوا الزنى ، الزنى محرم ، والزواج حلال ، الربا حرام ، البيع حلال ، والخمر حرام ، مئات المشروبات حلال ، المشروب الذي حرمه الله علينا يقابله أنواع منوعة من المشروبات التي أحلها الله لنا ! وهذا الطريق القذر في قضاء الشهوة حرمه الله علينا ، بينما أباح الزواج ، إنك مطمئن .

       الحقيقة أنّ المعاصي كثيرة ، ولكن الزنى خُصّ بهذا الوصف ، إنه كان فاحشة لأنه من أقبح المعاصي ! إنه معصية له آثار خطيرة ، آثار اجتماعية ، وآثار شخصية ، فيه فضيحة ، فقد ينقلب الزنى إلى قتل ، وجرائم القتل التي مبعثها الزنى لا تعد ولا تحصى ، بل إن عند ضباط التحقيق في المباحث الجنائية قاعدة : " فتش عن المرأة في كل جريمة " ، وفي كل قضية فتش عن المرأة ، إذاً :

أشد الناس استهتاراً إذا أراد الزواج يبتغي من زوجته أن تكون عفيفة وشريفة ، إذاً :

      وسبحان الله ! الأخبار المتعلقة بالزنى تسري كالنار في الهشيم ! تفوح بسرعة ، تتناقلها الألسنة ، فلذلك موضوع الزنى موضوع يسبب دماراً وتحطيماً ، والنبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر عن طلاق المرأة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا )) .

( صحيح مسلم)

      فالمؤمن قبل أن يطلّق يحسب ألف حساب ، فلعل في هذا الطلاق تجنياً ، ولعل فيه ظلماً ، ولعل فيه تجاوزاً ، لأنه إذا تجاوز حده فالله سبحانه وتعالى قد يرزقها خيراً منه ، وقد يؤدبه بزوجة تقلب له ظهر المجن .

    تروي الكتب القديمة أن زوجاً كان يجلس مع زوجته وقد طرق الباب ، وإذا بالباب مسكين ، فهمَّت هذه الزوجة الصالحة الوفية التي ابتلاها الله مع هذا الزوج الشرس أن تعطيه بعضاً من الطعام الذي بين يديه ، فما كان منه إلا أن وبّخها ، وكاد يضربها ، وقال : اطرديه ، بعد أيام أو أشهر ساءت العلاقة بين الزوجين إلى أن حمله ذلك على طلاقها ! فلما طلقها رزقها الله زوجاً صالحاً عرف قيمتها ، وعرف قدرها وحجمها الحقيقي ، أما الزوج الأول فساق الله له زوجة أرته النجوم في الظهر كما يقولون ! وتروي هذه القصة أن هذا الزوج كان مع زوجته الصالحة ، فإذا الباب يطرق ، فلما ذهبت لتفتح الباب عادت مضطربة ، قال لها : ما بك ؟ قالت : سائل يسأل ، قال : أراك مضطربة ، اضطربت ، وتلعثمت ، وقالت : أتدري من السائل ؟ قال : لا ، قالت : إنه زوجي الأول ! فقال : أتدرين من أنا ؟ قالت : لا ، قال : أنا السائل الأول ! وكسر المرأة طلاقها .

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ )) .

( صحيح البخاري)

     قال تعالى :

       هذا الماء الذي أودعه الله فيك ليكون غلاماً أو فتاة لينفع الناس من بعدك سفحته في غير مكانه الطبيعي ! إذا سفح الماء في غير مكانه الطبيعي فلو أن الحمل وقع لكان هذا المولود غير مرغوب فيه ، وكثيراً ما يجد عمال التنظيفات في بعض البلدان المتقدمة ـ بمقياس العصر ـ تقدماً صناعياً  الأطفال في حاويات القمامة ! أو في زوايا الحدائق ، أو في أطراف المهاجع ، وهذا الطفل الذي يأتي من حرام غير مرغوب فيه ، لا يعرف له أب ، وأمه تتمنى الخلاص منه ! أما إذا جاء الابن من طريق مشروع فإنه ضيف مرغوب فيه ، وينتظره الأب والأم على أحر من الجمر ، ويُعِدُّون له كل إكرام ، ويأتي الناس جميعاً من كل حدب وصوت ليهنئوا بمجيء هذا المولود .

والنبي عليه الصلاة والسلام تحدّث عن آخر علامات الزمان ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ : خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ، إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ )) .

سنن ابن ماجه )

      وهذا الشيء تحت سمعنا وبصرنا ‍، مرض الإيدز أكبر ما يقلق العالم الغربي ، حتى إنه دخل في خطابات رؤساء الدول ، ورؤساء الحكومات الموجهة إلى شعوبهم ! إنه العدو الأول كما قال بعضهم لهذا الشعب المنحل ، هذا المرض أسبابه الفحش ، والطريق غير المشروع في تحقيق هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان ، إذاً : ((  لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ، إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا )) ، وما أكثر الأمراض التي تظهر بسبب الانحراف الخلقي ، الله سبحانه وتعالى في آية كريمة حينما تحدث عن عباد الرحمن قال :

(سورة الفرقان)

       ثم تأتي الآية الكريمة :

(سورة الفرقان : 68)

    هذه ( لا ) ليست ناهية ، إنما هي نافية ، فالله سبحانه وتعالى ينفي عن المؤمن أن يكون زانياً .

(سورة الفرقان)

من يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجداره          إن كنت يا هذا لبيباً فافهم

***

          شيء آخر ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( مَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِبَ قَلْبَاً بِشَهْوَةٍ تَرَكَهَا صَاحِبُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه )) .

[ذكره أبو نعيم في الحلية من قول أبي سليمان الداراني]

      أي : إذا غضضت بصرك عن محارم الله ما كان الله ليعذبك في هذه الشهوة ، يلقي في قلبك برداً وسلاماً ، وطمأنينةً وصفاءً .

     الحقيقة لمَّا يعف الشاب عن الحرام يكون قد هيأ لنفسه جواً يساعد على بناء مستقبله ، فإذا حقق أهدافه لنيل شهادةٍ عاليةٍ ، أو تحقيق عملٍ جيدٍ ، أو دخلٍ جيدٍ ، أتقن عملاً أو حرفةً ، أو حصل على شهادةٍ ، عندئذٍ إذا بحث عن الزواج كان له ميسراً ، والله سبحانه وتعالى يوفقه إلى ذلك ، ومن طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .

       وأكثر شيئين يقع فيهما الإنسان في المعاصي ، قضاء الشهوات ، وكسب الأموال ، لذلك تسعون بالمئة من المعاصي إما من طريق لذةٍ محرمةٍ اقتنصها الإنسان ، أو من طريق درهمٍ حرامٍ كسبه ، فلو تَرَفَعَ المؤمن عن النظر إلى النساء ، وعن الكسب الحرام لكان في حصنٍ وأي حصن  .

        لذلك ففي الإنسان نقطتا ضعفٍ كبيرتان ، هما حب المال وحب الشهوات ، فإذا استقام المؤمن ، وحصَّن نفسه من هاتين النقطتين ، فقد كان محصناً ، وكان في منأىً عن وساوس الشيطان .

       المعنى الأول : النفس هي النفس الإنسانية ، والإنسان كما قال النبي الكريم بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله ، هذا الإنسان مخلوق خلقه الله عز وجل وكرمه ، وسخر الكون كله من أجله ، أتقتله أنت ؟

أي : ولا تقتلوا النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها ، ولا يزال المسلم بخير ما لم يسفك دماً ! وقد حرم الله قتل النفس الإنسانية لأنها مخلوق له ، ولأن هذا المخلوق خلق ليعبده ، خلقت لك ما في السماوات وما في الأرض فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتساهل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ، فالإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله أو من عذبه .

     معنى آخر : أن أيّ نفس خلقها الله عز وجل وحرم قتلها لا ينبغي لك أن تقتلها ، فهناك حشرات مكانها الطبيعي تحت الأرض ، إذا تتبعتها إلى مكامنها وبيوتها وقتلتها وقعت في الإثم ! وإذا خرجت عن حدودها فقد أصبحت مؤذية للإنسان فعندئذٍ تقتلها ، أي : لا ينبغي أن تبحث عن وكر الحية من أجل أن تقتلها ، فإذا خرجت فاقتلها ، ولو كنت في الصلاة ، الحية والعقرب يقتلان ، ولو كنت في الصلاة ، لأن الحية والعقرب خرجتا من مكانهما الصحيح ، فليس كل حيوان يقتل ، وهناك إنسان كلما وجد حشرة يقتلها ، أو يدوسها ، لا يجوز ‍‍‍، هذه نفس .

      حدثتكم كيف أن الله سبحانه وتعالى ينتقم أشد الانتقام ، ويبطش أشد البطش ممن يعتدي على حيوان حرم الله قتله  .

       وإنسان يقود سيارة أراد أن يتسلى رأى كلباً على يمين الطريق ، وقد مدّ يديه فداسهما بعجلات سيارته ! وصار يضحك ، كيف أنه قطع يدي هذا الكلب ! فلم يمض أسبوع حتى فقد يديه من الرسغين في المكان نفسه ! لقد أصاب العجلة خلل فاضطر أن يستبدلها ، فرفع السيارة على الجهاز المعروف ، وحل البراغي ، وسحب العجلة ، فإذا الجهاز الذي يرفع السيارة قد انحرف ، ووقعت السيارة على العجلة ، والعجلة بحدها الدقيق وقعت على يديه فقطعتهما ! في المكان نفسه.

المعنى الأول : الإنسان ، الإنسان مكرم .

والمعنى الثاني : أيُّ مخلوق .

( سورة النمل)

       استنبط العلماء أن المؤمن لا يدوس نملة وهو يشعر أبداً .

القاتل يُقْتَل ، قال تعالى :

(سورة البقرة)

      حياة لكم ، ما دام القاتل يُقْتَل فالقاتل قبل أن يَقْتُل يحسب حساب القَتْل ، فلا يَقْتُل ، فإذا لم يَقْتُل نجا بنفسه ، ونجا خصمه ، ونجا المجتمع .

        فالقاتل يُقْتَل بنص الشرع ، والعرب كانت تقول : القتل أنفى للقتل ، وما ذلك إلا بالحق ، الإنسان يُقْتَلُ من كفرٍ بعد إسلام ، ومن زنىً بعد إحصان ، ومِنْ قَوَدٍ بنفسٍ ، وهناك بعض الأحاديث تبين أن الإنسان إذا زنى وهو محصن يرجم حتى القتل ، وإذا قتل نفساً يجب أن يُقْتَل ، وإذا ارتد وبالغ في العدوان على دين الله عز وجل أيضاً يُقْتَل .

       السلطان الحجة ، والولي هو القريب الذكر ، وليس عند الفقهاء وليّة في القتل ، ولا بد من وليٍّ ، أقرب رجل ذكر لهذا المقتول هو الذي يجب أن يطالِبَ بدمه ، هذا اسمه ولي المقتول  .

         جعلنا له حجة في أن يقتص من القاتل ، وجعلنا له سلطة في أن يقتص من القاتل ، ولكن عن طريق الحاكم ، وهذا الحد لا يمكن أن يقام إلا عن طريق الحاكم ، لئلا تقع الفوضى ، فحد القتل محصور بالحاكم ، إذ لو تُرِكَ الناس لبعضهم لعمَّت الفوضى ، ولذلك :

        والعلماء فسروا الإسراف في القتل في اتجاهات ثلاثة : ألاّ تقتل غير القاتل ، فهذه العادة الذميمة المنتشرة في الريف ، وهي عادة الثأر ، أن الذي يقتل منهم قتيلاً لا بد أن يقتلوا من قبيلة القاتل إنساناً ، ولو أنه بعيد عن هذه الجريمة ، أو لا علاقة له بهذه الجريمة ، هذه جاهلية ما بعدها جاهلية ، قال تعالى :

( سورة فاطر : 18)

( سورة التكوير )

      هذه جاهلية ما بعدها جاهلية ، ولذلك فلا يسرف في القتل ، ولا ينبغي أن تقتل إلا القاتل ، إلا الذي لوث يديه ببناء الجريمة ، أما أن تقتل غير القاتل فهذا إسراف ، وهذا طغيان ، وبغي ، وعدوان .

      عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ ، وَلا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ )) .

( صحيح مسلم)

       أحياناً توجد الفوضى ، ولذلك  :

        المعنى الثاني لعدم الإسراف في القتل : ألا تقتل اثنين بواحد ! بل واحداً بواحد ، القاتل نفسه ، أما أن تقتل مجموعة كبيرة فلا ، إلا إذا تواطئوا ، وسيدنا عمر قال : " والله لو أن أهل قرية تواطئوا جميعاً على قتل رجل مسلم لقتلتهم به جميعاً " ، إذا تواطئوا ، استنبطوا هذا من قول ثمود الذين عقروا الناقة ، قال :

( سورة هود : 65)

فالذي عقرها واحد ، لكن كل هؤلاء كانوا راضين ، بل ودفعوا هذا الذي عقر الناقة ، لذلك لو تواطأ جمعٌ غفير على قتل رجل لقتلوا به جميعاً ، أما أن تقتل إنسانًا لا علاقة له بالموضوع فهذه جاهلية ما بعدها جاهلية ، وهذه العادة مع الأسف متفشية تفشياً كبيراً في الأرياف ! هذه قضية خطيرة اسمها الأخذ بالثأر .

       المعنى الثالث : ألاّ تمثل بالمقتول ، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعي إلى التمثيل ببعض قتلى بدر ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا أمثل بهم ، فيمثل الله بي ، ولو كنت نبياً " ، التمثيل بالمقتول ليس من صفات المؤمن ، والمؤمن منهياً عن أن يتخذ بعض البهائم غرضاً ، يعني أن تضع دجاجة أمامك ، وأن تتمرن على الرمي ، فهذا من أشد الأشياء المحرمة ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا )) .

[مسلم]

       فإذا كانت دجاجة أو عصفوراً أنت منهي عن أن تقتلها من أجل التدريب ، فما قولك بهذا الإنسان المكرم ؟ إذاً الإسراف في أن تقتل غير القاتل ، والإسراف في أن تقتل أكثر من واحد بواحد ، والإسراف أن تمثل بالمقتول .

     الله سبحانه وتعالى أمر أولي الأمر أن يقيموا حدود الله لذلك قيل : (( إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن )) .

[تفسير ابن كثير]

 وقد نهي المسلم عن أن يسكن في بلد ليس فيه سلطان ، فالسلطان يبث في نفوس الناس الأمان .

قال الإمام علي : " سلطان غشوم خيرٌ من فتنة تدوم ".

( سورة الأنعام : 152)

        العدوان على الأقرباء .

( سورة الأنعام : 151)

       والعدوان على كرامة النفس الإنسانية  .

 

والعدوان على النفس الإنسانية بالقتل .

        انتبهوا إلى ترتيب هذه الآيات ، يجب أن تبقي بين مالك ومال اليتيم هامشاً ، كن دقيقاً جداً ، فهذا المال أنت محاسب عليه أشد الحساب ، ولذلك بين العلماء أولاً : أن الوصي على مال اليتامى إن كان غنياً فيجب عليه أن يستعفف ، ومعنى أن يستعفف ألاّ يأخذ على إدارة الأموال شيئاً ، وإن كان فقيراً فليأخذ بالمعروف .

      فَسَّر العلماء المعروف أن تأخذ أجر الجهد أو الحاجة أيهما أقل ، هناك يتيم دفع إليك ماله لتديره له ، وأنت غني فاستعفف ، وأنت فقير فخذ من ماله بالمعروف ، ما هو المعروف ؟ المئة ألف ليرة ربحت في هذين الشهرين مثلاً عشرين ألف ليرة فرضاً ، أجر المثل ، لك نصف الربح ، ولليتيم نصف الربح ، فربحت عشرين ألفًا ، لك عشرة آلاف ، وله عشرة آلاف ، وأنت يكفيك في هذين الشهرين سبعة آلاف ، يجب أن تأخذ حاجتك لا أجر المثل  ، العشرة آلاف ربحت ألفاً في الشهرين ، وأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف مصروفاً ، فمن هذا الربح لن تنال إلا خمسمئة فقط ، يجب أن تأخذ أجر المثل لا الحاجة ، لأن أجر المثل أقلّ ، يجب أن تأخذ حاجتك أو أجر المثل أيهما أقلّ ، هذا رأي الفقهاء في معنى قوله تعالى :

أشد الشباب ثمانية عشر عاماً ، وأشد الكهل أربعون  .

( سورة الأحقاف : 15)

       لذلك سن الأربعين من النُذُر التي ذكرها الله في القرآن الكريم  .

( سورة فاطر : 37)

       فسن الأربعين نذير ، لأن الإنسان في هذا السن بلغ أشده ، وبدأ الميزان يميل نحو النزول ، بعد الأربعين أمراض ، ضعف بصر ، يلزمه نظارة ، شاب شعره ، التهاب في المعدة ، بعد الأربعين الخط قد يستمر قليلاً ، وبعدها يبدأ بالهبوط ، فالأربعون أحد المعاني التي وجه المفسرون الآية ، وموت الأقارب من النذير ، والنبي عليه الصلاة والسلام هو النذير ، والقرآن الكريم هو النذير ، والدعاة المخلصون هم النذر ، والمصائب من النذير ، والشيب هو النذير ، حتى يبلغ أشده ، أي : في الثمانية عشر ، إذا بلغ اليتيم هذه السن ، وآنسنا منه رشداً وحكمة وقدرة على إدارة أمواله دفعنا إليه أمواله ، بعد أن نكون قد أخذنا منها بالمعروف ، الحد الأدنى ، احفظوه أجر المثل أو الجهد أيهما أقلّ ، هذا لمن ؟ لمن كان فقيراً ، أما لمن كان غنياً فيجب عليه أم يستعفف .

       عَنْ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا ، وَقَالَ : بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى )) .

( صحيح البخاري)

        عهدك مع الله ، وعهدك مع النبي e ، وعهدك مع الذي هداك إليه ، وعهدك مع أخيك ، وعقد البيع ، وعقد الآجار ، وأي عقدٍ توَقِّعُهُ مع أخيك المسلم فيما لا يتنافى مع كلام الله ، وفيما لا يخالف شرع الله ، هذا العهد أنت مأمور أن تفي به ،

[سورة المائدة : 1]

أما هنا فوردت :

       والله سبحانه وتعالى سيسألك عن هذا العهد لِم ضيعته ؟ لذلك الناس اليوم سريعاً ما ينقضون عهودهم ومواثيقهم لبارقةٍ مِنْ ربح جزيل ، أو لمغنم يسير ، أو لغرض ضئيل ، ينقضون عهودهم ومواثيقهم ، فالعرب كانت في أوج أخلاقها تقول : المنيّة ولا الدنيّة ، والإنسان قبل أن ينقض عهده يحسب ألف حساب ، أما الآن فلأتفه سبب باع البيت ، وجاءه بعد أن وقّع عقد البيع مشترٍ آخر دفع له خمسة آلاف فرقاً ، فيأتي الشاري الأول ، ويقول له : هذا البيت عليه كسوة خارجية ، عليك ثمانية آلاف كسوة ، أخي أنت لم تقل هذا الكلام ، نسيت أن أقول لك ، يستفزه ، ثم يقول له المشتري : لا أريد هذه البيعة ، من أجل خمسة آلاف .

        والله أعرف أسرة جاءها خاطب أخلاقه عالية ، ودينه جيد ، وخطب ابنتهم ، وعقد عقد القران ، وسافر إلى بلد عربي ، في غيبته جاءهم خاطب آخر أغنى من الأول ، فنقضوا عهدهم مع الأول ، فماذا فعل الثاني ؟ طلق ابنتهم ، وماذا فعل الخطيب الثالث ؟ طلق ابنتهم ، وهي الآن بعد الزواج الثالث مطلقة من الثلاثة ، فلذلك :

      عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ : (( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ  )) .

( مسند الإمام أحمد)

     لا يوجد عهد ، لا يوجد دين ، انعدمت الأمانة ، انعدم الإيمان .      

أمر إلهي ، وكل أمر يقتضي الوجوب  .

         إن كانت البضاعة تباع كيلاً فاجعل هذا السائل عند الحد الصحيح أو بالميزان ، فقد توضع الحاجة في كفة البضاعة بعنف ، فإذا بالكفة ترجح فيأخذها سريعاً ويضعها ، وهذا لا يجوز ، وإذا كان بالمتر فعند لشراء القماش منحنٍ ، وعند البيع القماش مشدود ، يكاد يتمزق ، هذا بيع غير صحيح ، فهذا الذي يطفف ، قال تعالى :

( سورة المطففين )

        فالإنسان بالوزن بالكيل بالمساحة بالعد يكون دقيقاً جداً ، لأن في الدنيا القضية تحل ، أما في الآخرة فلا تحل .

        وعندما يكون ماء كثير مع البضاعة هذا الماء يزن ، إذ تشتري اثنين كيلو من الجبن تجد بهما نصف كيلو ماء مصفاة ، تسكب الماء ، وتزنه فتجده كيلوًا ونصفاً  .

        تأخذ شيئاً غالياً فتجد الورقة في كفة الوزن ، وفي الكفة الثانية لا يوجد غير الوزن ، أما السلف الصالح فكانوا يضعون ورقة أخرى في الكفة الثانية  ، هذا هو الوزن الدقيق الذي لا يُأبَه له محاسب عليه عند الله عز وجل ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا )) .