English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "06 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 40 – 52   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      هذه الهمزة للاستفهام الإنكاري ، قد يقول لك قائل : أنت فعلت هذا ؟ تقول له : أنا فعلت هذا ؟ هذه الصيغة صيغة استفهام ، لكن الاستفهام في علم البلاغة يخرج عن حقيقته إلى معانٍ كثيرة ، منها الإنكار ، والله سبحانه وتعالى حينما قال :

أي : ينكر على المشركين هذه المقولة ، أو هذا التوهم ، أو هذا الاعتقاد .

     إن المشركين يزعمون أن الله سبحانه وتعالى اتخذ الملائكة بنات ! وهم لهم الذكور ، فيزعمون لله ما يكرهون ، أيعقل أن يكون الأمر كله لله ، وأن يكون هو الواحد الأحد ؟ وأنه لا إله إلا الله ؟ وأن تختصوا أنتم بالبنين ؟ وتكرهون البنات ؟ وعلامة كره البنات في الجاهلية أنهم كانوا يئدون الفتاة وهي صغيرة ؟ وقد لا يقول الآن أحد مثل هذه المقولة : إن الملائكة بنات الله ، وإن الذكور لنا ، لكن الله عز وجل كثيراً في القرآن الكريم ما يذكر جزءًا ويريد به الكل ، بمعنى أنك إذا نسبت شيئاً تكرهه إلى الله عز وجل فإن هذه المقولة مقولة عظيمة .

        أيعقل أن تكون وأنت العبد الأدنى مترفعاً عن هذه الصفة ، والله سبحانه وتعالى تصفه بها ؟ وأنت مترفع عن الظلم ، وتنسب الظلم إلى الله عز وجل ؟ أنت تترفع عن هذه الصفة وتصفها لله عز وجل ؟ إذاً ليس المقصود أن تقول : الملائكة بنات الله ، وأن الذكور لنا ، قد لا تكون هذه الفكرة مطروحة في العصور المتأخرة ، ولكن أي شيء لا ترضاه لنفسك لا ينبغي أن تفتري به على الله سبيلا ، لا تقل : الله كذا وكذا من دون علم ، كتب عليه الشقاء من الأزل ، ولا بد من أن يشقى بلا ذنب ، قد يطيعه المطيع ، ويضعه في نار جهنم ! وهذا قول عظيم ، فإذا قلت هذا القول ، وكأنك بهذا نسبت الظلم إلى الله ، فإن هذه المقولة لا ينبغي أن تقولها ، لذلك قال الله تعالى :

( سورة الأنبياء)

       لا تقل كلاماً لست متأكداً منه ، تثبت من كل شيء تعزوه إلى الله عز وجل !

      أنتم أيها العباد أعطاكم الله البنين ، وهم في الدرجة الأولى ! وهو أخذ البنات اللاتي لا تحبونهن ؟‍‍! أيعقل هذا ؟ قال الله تعالى :

وكيف هذا القول العظيم ؟ إنك إذا وصفت الله عز وجل بوصف لا يليق به فقد جعلت هذا المستمع ينفر ، أو يبتعد ، أو يلتفت ، أو لا يقبل ، فقطعته عن مولاه ! أعظم جريمة تقترفها أن تبعد الناس عن الله عز وجل ! وأعظم عمل تفعله في الدنيا أن تقرب الناس من الله عز وجل ! يا رب إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من أحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟

        عَنْ أَنَسٍ : (( قَالَ مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِنْدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ جَالِسٌ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا فِي اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  أَخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ ؟ قَالَ : لا ، قَالَ : قُمْ فَأَخْبِرْهُ ، تَثْبُتِ الْمَوَدَّةُ بَيْنَكُمَا ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : إَنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ ، أَوْ قَالَ : أُحِبُّكَ لِلَّهِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي فِيهِ )) .

( مسند الإمام أحمد)

يا داود ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي .

      يضلّ من يشاء ، الله أضلّ فلاناً ، أنت لست متأكداً من هذا المعنى ، الله عز وجل إذا عُزيَ الضلال إليه فهو الضلال الجزائي ، المبني على ضلال اختياري ، والدليل قوله تعالى :

( سورة الصف : 5)

       إذا قرأت القرآن وحدك من دون أن تسمع تفسيره من الذين آتاهم الله فهم الكتاب فهذا خطأ كبير ! قد تقول : يضل من يشاء ، الله عز وجل جعل هذه الآية موجزة ، قال :

(سورة يوسف )

(سورة القصص)

(سورة المائدة)

     والله بيّن وفصل في هؤلاء الذين لا يهديهم ، لا يهدي فاسقاً ، ولا ظالماً ، ولا خائناً ، ولا كذاباً .. فإذا قال الله عز وجل :

(سورة فاطر : 8)

      هذه آية مفصلة أخرى إذا قال الله عز وجل :

(سورة الصافات)

       هذه آية لها سياق معين ، قال :

      

(سورة الصافات)

        خلقكم مع هذه الأصنام التي تنحتونها ! إذاً من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ! وكان بعض أصحاب رسول الله إذا قالوا في القرآن قالوا : إن أصبنا فمن الله ، وإن أخطأنا فمن أنفسنا ، كلام الله  :

       كلمة يضل من يشاء مفصلة في آيات كثيرة ، إذا أضل الله الإنسان فإنه يضله عن شركائه ! لا يضله عن ذاته ، قد يتوهم الإنسان أن زيداً من الناس بيده مصيره ، أو بيده رزقه ، أو بيده خيره وشره ، عندئذ يجعل الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان الذي وضعت كل آمالك عليه يخيب ظنك ، بمعنى أن الله قد أضلك عنه ، إن الله عز وجل يضل عن شركائه ، ولا يضله عن ذاته ، هذا معنى قوله تعالى :

(سورة فاطر : 8)

       فإذا أخذت الآيات أخذاً سريعاً من دون تبصر أو فهم أو تعمق ، وظننت أن الله خلقك ليضلك ، فأنت مخطئ ، لأنه خلقك ليرحمك :

(سورة هود : 119 )

       خلقهم ليرحمهم ، علة الخلق :

(سورة الذاريات )

          لعلة العبادة ، والعبادة طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية ، وتنتهي بسعادة أبدية ، علة الخلق بنص القرآن الكريم العبادة ، أي : الإقبال الاستغراق ، فلذلك لا يحق للإنسان أن يقول على الله قولاً عظيماً ، فإذا عُزي الإضلال إلى الله فهذا هو الضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري .

     آيات أخرى توضح ذلك :

( سورة الصف : 5)

(سورة فصلت : 17)

        الإنسان مخير ، لذلك ليس المقصود بهذه الآية  :

ليس المقصود من هذه الآية هذا الكلام بالذات حصراً ، حينما قال الله عز وجل  :

(سورة الإسراء : 23)

       في اللغة معنى أف : أن يصدر منك نَفَسٌ بصوت مرتفع ، وهو يعني التضجر ، فهل المقصود بهذه الآية أن الله عز وجل نهاك عن كلمة أف فقط ؟ إذا ظننت أن الله عز وجل نهاك عن كلمة أف فقط فهذا هو المدلول اللغوي فقط ، ولكن للآية حكماً شرعياً ، والحكم الشرعي هو أن كل شيء يستاء منه الأم والأب ، فلو أنك خبطت الباب بوجههما ، أو شددت النظر إليهما ، أو قسوت معهما في الكلام ، فالحكم الشرعي لهذه الآية : أي شيء صغر أم كبر يؤدي إلى إساءة للأم والأب محرم بنص هذه الآية ، مع أن الآية تقول : 

        فهذا من علم الأصول ، وليس المقصود أف ، المقصود كل شيء ، وكل قول ، وكل عمل ، وكل تصرف ، وكل فعل يؤدي إلى الإساءة إلى الأم والأب ، هذه الآية أيضاً لا أسمع ، ولن أسمع في هذا العصر من يقول : إن الله عز وجل اصطفى له البنات ، وأعطانا البنين ! وهذا قاله الكفار في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، ورد الله عليهم :

      ولكن المقصود ألا تفتري على الله الكذب ، لا تقل : إن الله كذا وكذا وأنت لا تعلم ذلك ، ولا تنسب شيئاً إلى الله عز وجل وأنت تترفع عنه .

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له           إياكَ إياك أنْ تبتلَّ بالمـــاءِ

***

مستحيل ! لذلك فالله عز وجل قال :

(سورة الأنعام)

      إذاً أن تقول : الله خلقني هكذا ، لا أصلي ، هكذا يريد الله عز وجل ، أن تعزو تقصيرك إلى الله عز وجل ، فهذا افتراء على الله ، إذاً هذه الآية تحتمل هذا المعنى الجزائي ، هذا الخاص ، الذي نصت عليه ، وتحتمل أي معنى آخر يعزى إلى الله عز وجل ، والله سبحانه وتعالى منَّزه عنه !

(سورة الأعراف)

       يقولون لك الآن : هذا الذي قدره الله علينا ، لماذا تعصي الله ؟ هكذا ، كقول العوام : " طاسات معدودة في أماكن محدودة " ! " لا تعترض فتنطرد " ، هذا كلام جهل ، أن تنسب المعصية وشرب الخمر وكل شيء إلى الله ، ثم تقول : هذا قدره الله علي ، أليس لك حيلة إطلاقاً أنت ؟ هذه دائرة الاختيار .

     من حمل ذنبه على الله فقد فجر ، ولو أن الله عز وجل أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب .

        إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، فإذا قصرت في شيء ، وجاءت النتائج غير مرضية تقول : هذا من فعل الله ، هو من فعل الله ، هذه كلمة حق أريد بها باطل ، لكنك مقصر ، وسوف تحاسب على تقصيرك ، ما من شيء يقع إلا بأمر الله ، ولكن أمر الله متعلق بشرعه ، وشرعه نهاك عن هذا الأمر ، فمادام هناك نهي فأنت مذنب ، وسوف تحاسب ، أما كلما قصرنا ، وارتكبنا مخالفات تعزى إلى الله عز وجل ببساطة :

       أيعقل أن تتهم أباً حريصاً حرصاً بالغاً على أن يعلم ابنه ، أنه منع ابنه بالقوة من المدرسة ؟ مستحيل ، لا يعقل أن يوصف أب بذلك ، ولا سيما إذا كان حريصاً على تعليم أولاده  :

الآية :

الله عز وجل يخاطب كفار قريش ، الآية الثانية :

       انتقلت صيغة التكلم من المخاطبة إلى الغيبة ، قال علماء البلاغة : هذا اسمه التفات ، ومعنى الالتفات أن هؤلاء المشركين ليسوا جديرين أن يخاطبوا ، ولذلك تركهم الله عز وجل وأخبر عنهم   .

 

         فما معنى صَرَّفنا ؟ صرف الشيء بمعنى قلّبه ، والله عز وجل نوَّع في هذا القرآن الكريم ألوان الخطاب ، فجعل التقرير ، وجعل التصوير ، وجعل القصة ، وجعل المثل ، وجعل الوعد والوعيد ، وجعل الأمر والنهي ، وجعل التخويف والتبشير ، وجعل الإنذار ، وجعل الأخبار وسرد الآيات ، وتعداد النعم وتعداد النقم .. وألوان ملونة ، تارة يأتي بالمثل ، وتارة يأتي بقصة ، وتارة يأتي بالوعد .

( سورة النور : 55)

        تلوين الكتاب من أمر إلى نهي ، إلى وعد وإلى وعيد ، وتقرير وتصوير ، ومثل وقصة ، وخبر ، وأمر ونهي ، ومخاطبة وغيبة ، وتكلم واستخدام ضمير متكلم ، إلى استخدام ضمير غائب .. هذا التلوين والتنويع والتفصيل والإيجاز تارة ، والفصل تارة والوصل تارة ، فالألوان المنوعة من الأساليب الأدبية والبلاغية في كتاب الله ليذكروا .

       أحياناً المعلم الحريص الرحيم الحكيم يتفنن بعرض الدرس كي يفهم الطالب ، وكي ينجذب إلى الدرس ، كي يتعلق به ، كي يزداد حرصه على العلم .

        صرفنا ، هذا المعنى الأول .

       أما المعنى الثاني للتصريف : أن هذا القرآن الكريم نزل منجماً ، ولو أنه نزل دفعة واحدة لثقل عليه ، نزل مع كل مناسبة وكل حادثة ، وكل موعظة ، فجاءت الآيات تباعاً بشكل لطيف ، فالله عز وجل قال عن النحل ، وعن بعض السكريات :

( سورة النحل : 67)

       إشارة لطيفة بعيدة إلى أن هناك رزقاً حسناً ، وهناك سفراً ، فكأنه رزق غير حسن ، تقول : هذا شراب لذيذ ، غير هذا الشراب ، يفهم من هذا أن الشراب الثاني دون الأول ، ثم قال الله عز وجل :

(سورة النساء : 43)

       ثم قال الله عز وجل :

( سورة البقرة : 219)

        إلى أن جاء قوله سبحانه :

(سورة المائدة )

جاء تحريمه تدريجياً رحمة ولطفاً وحكمة وعطفاً ، لذلك :

تلوين ، تأتي قصة يوسف ، صفحات كثيرة من أجل أن تؤكد حقيقة واحدة  .

( سورة يوسف )

       هناك آيات أخرى :

(سورة محمد : 19)

آية تقريرية موجزة ، وأحياناً تأتي صورة :

( سورة الحج )

( سورة البقرة : 261)

       التنويع بين المثل والقصة ، والتقرير ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والخبر والإنشاء ، والحظ والإسهاب ، والنداء والتَرَجِّي ، والتمني .. هذا التلوين الشديد في أساليب عرض القرآن الكريم إنما هو رحمة منه ، لعل قلوبنا تهفو إليه ، من أجل أن نقرأه ، وأن نطبقه ، وأن نسعد به .

      قال العلماء :

بمعنى ليتدبروا ، ومعنى التدبر أن تدرك معنى المعنى ، لكل آية معنى ظاهري ، وخلف هذا المعنى الظاهري معنى آخر أخفى ومقصود ، كما قلت قبل قليل :

       المعنى الظاهري أنك منهي عن أن تقول لوالديك : أف ، فإذا أخذنا الآية على ظاهرها فلنا الحق في الإساءة لوالدينا ، لنا الحق أن نقذع لهما في الكلام ، لكننا لم نقل كلمة أف ! هذا المعنى ظاهري ، أما التدبر فأن تعرف ما وراء المعنى الظاهري ، هناك معنى ظاهري ، وهناك معنى عميق مقصود ، وهذا معنى التذكر .

( سورة الحجر)

       اليقين الموت ، لم يقل الله عز وجل : حتى يأتي الموت ، لا ، هو الذي سيأتي إليك مفاجأة في ساعة لست مستعداً لها ، وما من ميت يموت إلا وفي ذهنه آمال ، وأعراض ، ومشروعات ، وطموحات ، وخيالات ، وتمنيات لا تنقضي في عشرين عاماً قادمة ، جاء الموت ، لا تقل : إنك مشغول ، فلا يوجد ميت ذهب إلا وكان مشغولاً ! ولا يوجد إنسان توفي إلا وعليه قائمة أعمال ، مات ولم تنته ، ولذلك اشتغل بذكر الله ، اعتزل ذكر الأغاني والغزل ، ولا تنس ذكر الله .

( سورة المائدة : 11)

       محال أن تذكره ، ولا يذيقك طعم القرب منه .

      اقرأ القرآن ، وتأمل في آياته ، واسأل عنها ، واحضر مجالس العلم ، واسأل عن تفسيره ، وتفهم الآيات ، واعرف مدلولاتها ، وأبعادها ، ومؤداها وتطبيقها العملي  .

       لماذا ؟ لأن أهل الشرك ، وأهل النفاق ، وأهل الأهواء ، هؤلاء شهواتهم غالية عليهم ، هؤلاء اتخذوا إلههم هواهم ، فإذا جاء القرآن على الرغم من وعده ووعيده ، وصوره وتقريره ، وتفصيله وإيجازه ، وعلى الرغم من أمره ونهيه ، كل هذا التلوين يزيدهم نفوراً ، لأن القرآن في زعمهم سيحد من شهواتهم ، وسيوقفهم عند هذا الحد ، ومع أن الحقيقة الكبرى : (( مَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِبَ قَلْبَاً بِشَهْوَةٍ تَرَكَهَا صَاحِبُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه )) .

[ذكره أبو نعيم في الحلية من قول أبي سليمان الداراني]

إذا التفت إلى الله غسل الله لك قلبك من السوى ! وهذه التعلقات ، وهذه التمزقات والصراعات ، وهذا التشعب والتشتت والتبعثر ، وهذا التعدد ، وهذه الازدواجية ، وهذه الأغراض كلها أنت معافى منها ، إذا عرفت الله عز وجل ، تتوحد وجهتك ، وتكتمل شخصيتك ، يتحدد هدفك ، وتختار لهذا الهدف الوسائل الناجحة الرائعة ، وإن هذا كله يؤكد أنك إذا عرفته عرفت كل شيء ، وإن فاتك ، فاتك كل شيء ، ابن آدم اطلبني تجدني ، وإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك ، فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .

       بمعنى أن أهل الشرك يتوهمون أن في التدين حداً لشهواتهم ، لنأخذ موضوع النساء فقط ، لو أنك استقمت على أمر الله ، وغضضت البصر عن النساء اللاتي لا يحل لك أن تراهن ، لأنعم الله عليك بالوفاق الزوجي ، فالله عز وجل يلقي المودة والمحبة بينكما ، ويوفق ويجمع بينكما على خير ، ويخرج منكما الكثير الطيب ، وتحفكما ملائكة الرحمن ، فهذا البيت مقدَّس مبارك ، فيه وفاق ووئام ومحبة ، فيه مؤاثرة وتضحية ، وهدوء وسكينة ، فإذا كان الله بين الزوجين كان التوفيق حليفهما ، وإذا كان الشيطان بينهما كان الشقاق والخصام والنكد والغضب ، والحياة الخشنة الصعبة ، لذلك :

( سورة طه)

( سورة الجن)

        إذا تناول أحدكم دواء ، ولم يؤثّر فيه يرفع الطبيب درجته ، كلما قلّ تأثير الدواء رفع الطبيب مقدار الكمية الفعالة في الدواء ‍‍‍!

        لذلك فإذا بني الزواج على معصية الله عز وجل تولى الشيطان التفريق بين الزوجين ، وإذا بني على طاعة الله عز وجل تولى الرحمن التوفيق بينهما ، شيطان يتولى التفريق ، قال عليه الصلاة والسلام  : (( لَيسَ مِنَّا مَنْ فَرَّقَ )) .

[ورد في الأثر]

فإذا كان لإنسان دور التفريق فهو شيطان !

( سورة النساء)

      وتوفيق الله للحكمين بين الزوجين منوط أن يريدا الإصلاح ، فإذا أراد الحكمان الفراق لم يوَفّقا إلى الإصلاح   .

        هذه الآية دقيقة جداً ، العرب في الجاهلية كانت تعبد أصناماً من دون الله ، وتزعم أن هذه الأصنام تقرِّبها إلى الله زلفى ، فالله سبحانه وتعالى يقول : هذه الآلهة التي تزعمون أنها تشاركني في الألوهية ، وهذه الآلهة بزعمكم أنها تعبدني أيضاً ، إذاً ليست آلهة ، فلماذا أنتم أيها المشركون لا تعبدون الله عز وجل وحده دون أن تشركوا به ؟ هذا هو المعنى الأول .

         وبالمناسبة كلمة : (لو ) حرف امتناع لامتناع ، العملية كلها فرضية ، لو جئتني لأكرمتك ، أنت لم تأت ، وأنا لم أكرمك ، فـ (لو) تُسَمَّى حرف امتناع لامتناع ، وتجتهدون في عبادتي بزعمكم أنها أقرب إلى الله منكم ! وأنتم تتخذونها وسيلة مقربة ، فمادامت هذه الآلهة تعبد الله إذاً ليست آلهة ، وهذا كلام متناقض ، لأنها تبتغي هي إلى ذي العرش سبيلا ، وذو العرش هو الله عز وجل ، العلي الأعلى ، تبتغي إليه سبيلا ، إذاً هي تعبد مثلكم ، إذاً هي ليست آلهة ، وهذا هو المعنى الأول .

 أما المعنى الثاني :

        لو كانوا فعلاً آلهة ، لكانوا أرادوا أن يصلوا إلى ذي العرش ليحلوا محله ، وينازعوه هذا العرش ،

(سورة الأنبياء : 22)

     المَركب له رُبَّان واحد ، والطائرة لها رُبَّان واحد ، والثاني احتياط ، أما الذي يقودها في الجو فشخص واحد ، وفي الأرض واحد ، فأي عمل ، وأي دائرة ، أو مدرسة ، أو أي مجال للعمل لا بد له من قائد ،

     هؤلاء الآلهة المزعومة ، كلمة ( لو ) شيء افتراضي ، لو أنها حقيقة آلهة لابتغت إلى ذي العرش سبيلا ، أو لاتجهت إليه لتنازعه العرش ، ولكان الخصام والقتال والمنازعة ، والشيء الذي لا يعقل .

     إذاً لا المعنى الأول ، ولا المعنى الثاني وقع ، العملية كلها افتراضية ، لكنها مناقشة علمية لهؤلاء الذين يزعمون أن مع الله آلهة أخرى .

     في الآية الماضية فاتني التعليق على فعل ( صرَّف ) ، لدينا في اللغة صرّف وصَرَفَ ، قَطَعَ وقطّع ، غَلَقَ وغلّق ، كَثَرَ وكثّر ، قَطَع اللحم أي : قطعه قطعتين ، أما قطّعها جعلها آلاف القطع ، التشديد في الفعل الماضي يفيد التكثير ، صَرَفَ أي فيها أسلوبان ، أما صرّف ففيها مئة أسلوب ، فالفعل الثلاثي المضعف يفيد معنى التكثير والمبالغة ، كسر الإناء قطعتين ، أما كسّره سحقه تحت قدميه ، كَسَرَ ، وكسّر ، وغلّقت الأبواب ، غَلَق الباب ، أما غلّقه أرتجه ، وأحكم إغلاقه ، فإذا استخدمت الفعل الماضي الثلاثي الذي عينه مشددة ففيه معنى المبالغة ، ومعنى التكثير ، ربنا قال : ولقد صرَّفنا أي : أكثرنا من الأساليب البلاغية .

      لذلك كلمة : ( سبحان الله ) تنزيه لذات الله عما لا يليق به ، وكلما سمعت عن الله شيئاً لا يليق به فقل : سبحان الله ، هو أعظم ، وأرفع ، وأجلّ ، وأعظم من أن يكون كذلك ، هذا هو التسبيح  .

        وكأن السماوات عاقلة لأنها تسبِّح ، والعلماء لهم آراء متعددة في فهمها :

 السماوات كلها ، والأرض كلها ،

في السماوات والأرض ، من الملائكة والإنس والجن ،

المقصود بهن الملائكة والإنس والجن ، السماوات السبع والأرضون السبع ، ومن فيهن تسبح الله عز وجل ، فيا أيها الإنسان ، يا من خلق لك الكون من أجلك .

( سورة البقرة : 29)

        وخلق لكم ما في الأرض والسماوات والأرض ، وسخر لكم ما في السماوات والأرض ، الكون كله يسبح الله ، وقد سخّر من أجلك .

      وأنت أيها الإنسان المكرم ، يا من سخّر لك الكون كيف تغفل عنه ؟ وأنت الغافل إلى متى ؟

أيا غافلاً تبدي الإساءة و الجهـلا        متى تشكر المولى على كل ما أولى

عليك أياديه الكرام و أنت لا تراها        كأن العين عميــــاء أو حـولا

لأنت كمزكوم حوى المسك جيبـه        و لكنه المحروم ما شمّه أصـــلا

***

       أتغفل عن ذكر الله ؟ وكل ما في الكون يسبحه ؟ لو أن رجلاً له أم وله عشرة إخوة ، فكان يوم العيد تسعة إخوة له جاءوا أمهم مع الهدايا ، ومع التعظيم والتبجيل والاحترام ، وهو غائب عن هذا المكان ، أيليق بك أيها الإنسان أن تكون الدابة أفضل عند الله منك ؟ وأن يكون الجماد أفضل عند الله منك ؟ وأن يكون النبات كذلك ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ ، قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ )) .

( صحيح مسلم)

       قال بعضهم : الحجر الأسود ، يسلم عليّ وأسلم عليه ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ ، وَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ ، حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ ، حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَتَتْ )) .

(النسائي)

جذع النخلة حنّ إليه ، والحجر سلم عليه ، وأنت لا تعرفه بعد  .

(سورة المؤمنون)

      لذلك الإنسان موقفه يوم القيامة موقف الخزي والعار إذا كانت كل الخلائق تسبح الله لا تفتر عن تسبيحه ، والإنسان الذي خلق الكون كله من أجله غافل عن الله عز وجل ، لذلك :

(سورة البقرة)

      إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى ، وإنه يعلم ما فيها من شدة العذاب ، وتأتيه النار تلفح وجهه :

( سورة النساء : 56)