English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "07 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 53 – 56   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين  .

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

        أولاً : الله سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى ذاته ، هذه إضافة تشريف ، كأن تقول لرجل أمامك يعلم أن هذا ابنك : هذا ابني ! تريد من هذا أن تشرّف هذا الابن ، هذا ابني ، وأنا أبوه ، الله سبحانه وتعالى أضاف العباد إليه في آيات كثيرة :

( سورة الزمر : 53)

( سورة الإسراء )

       حيثما وردت كلمة ( عباد ) مضافة إلى الله عز وجل فهذه الإضافة إضافة تشريف ! فالله سبحانه وتعالى شرفنا حينما أضافنا إلى ذلك قال :

هذا أمر بالنسخ الدقيق .

     

        العلماء في تفسير هذه الآية قد ذهبوا مذاهب شتّى .

المعنى الأول : أي : قل لهم أن يقولوا كلمة التوحيد ، ليقولوا الحق إذا تحدثوا ، لا يتحدثوا بالباطل ، لا تقل كلاماً ليس صحيحاً ، لست مقتنعاً به ، لا ينطبق على الحقيقة ، لا ينطبق على الواقع ، مختل لا يقف على قدميه ، هذا الكلام غير الصحيح ، الكلام الباطل ، الكلام الذي لا جدوى منه ، الكلام الذي لا تعتقد أنت صحته ، تقوله لماذا ؟ إرضاءً لزيد أو عبيد ؟ وماذا ينفعك زيد أو عبيد ؟

        إذا تكلمت في موضوع ما فتكلم الحقيقة ، اذكر حكم الله عز وجل ، لا تجارِ أهل الفساد ، لا تمارِ أهل الباطل ، لا تُمْلِ معهم ، لا تداهنهم ، لا تقل كما يقولون ، وأنت غير مقتنع بقولهم  .

        الربا حرام ، قلها ولا تخف ، أي شيء حرّمه الله عز وجل اذكر أنه حرام ، وأي شيء أحلّه الله عز وجل بيّن أنه حلال ، وإذا اختلطت الأمور فوحّد ، أرجع الأمور إلى الله عز وجل ، اجعل الأفعال إلى الله عز وجل ، بيّن معنى قوله تعالى  :

( سورة محمد : 19)

        اعلم أنه لا مسير في الكون إلا الله ، لا معطي إلا الله ، لا مانع إلا الله ، لا رافع إلا الله ، لا خافض إلا الله ، لا معزّ إلا الله ، لا مذلّ إلا الله ، قل التي هي أحسن ، لو أن الناس تكلموا في البيوت ، وفي النزهات ، وفي السهرات ، وفي الندوات تكلموا الحقيقة ، تكلموا الذي هو أحسن ، لتولدت قناعات عند الأبناء ! وعند بعضهم بعضاً ، هذه القناعات لا تلبس أن تحملهم على الحق ، على السير في طريق الخير  .

     الحسن أن تقول : إن الطبيب الفلاني هو الذي شفا ابني ، أما الأحسن فأن تقول : إن الله سبحانه وتعالى هو الذي ألهم الطبيب ألهمه تشخيص الداء ، وألهمه الدواء الناجع ، فوفق الطبيب إلى معالجة ابني وشفائه ؟ هذا هو الأحسن .

       قال بعض علماء التفسير : الأحسن أن توحد ،  الأحسن أن تقول كلمة التوحيد ، الأحسن ألا تشرك ، ألا تعزو الأمور إلى أشخاص ليس بيدهم شيء ، لا يملكون ضراً ولا نفعاً ، ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً ، ولا يدفعون عن أنفسهم ضراً ، فكيف بمن يعتقد أنهم يدفعون عن غيرهم ؟

       تكلم بالحق ، لا تنطق بالباطل ، لا تجامل ولا تمارِ ، لا تتملق ، ولا تقل كلاماً لست مقتنعاً به ، لأنك إذا قلت كلاماً لست مقتنعاً به ، وسمعه منك من يثق بك أدخلت الباطل إلى نفسه وأنت لا تشعر ! إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ! لا تقل للفاسق : أنت إنسان مهذب ، لطيف ، مرن ، ذكي ، لو سمع الناس منك هذا الكلام ، وأنت تماري رجلاً فاسقاً لصَدَّقوا كلامك ، ولاعتقدوا أنه على حق ، وأنه قدوة حسنة ، فقل التي هي أحسن إذا تحدثت في أي موضوع ، لا تقل إلا الذي تقتنع به ، أو فاسكت ، أما أن تنطق بالباطل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) .

(الترمذي)

      النبي عليه الصلاة والسلام يعدّ سكوته سنّة ، لأنه لا يمكن أن يقرّ على باطل ! فلو سكت لكان الفعل الذي فعله صحابيٌ أمامه ، أو لكان القول الذي قاله رجلٌ أمامه حقاً ، لأنه سكت ، وسكوته إقرار ، فإذا عَوَّدت نفسك أن تقول التي هي أحسن في أي موضوع فهو أحسن .

        هذا هو المعنى الأول .

المعنى الثاني : في المجادلة ، في المناقشة لا تقل كلاماً قاسياً ، ليس الهدف أن تنتصر على هذا الإنسان ، الهدف أن تأخذ بيده ، لا تجرحه ، لا تحقره ، لا تُسَفِّه رأيه ، لا تستعلِ عليه ، تواضع لمن تعلم ، إذا ناقشت أو جادلت فلا تقل : هذا الكلام كذب ، إنك بهذا جرحت خصمك وحطمته ! قل له : تعال يا أخي لنفكر معاً في هذا الذي قلته ، لنبحث له عن برهان ، عن دليل ، أين الدليل ؟ ألا تعتقد معي أن هذه الفكرة أصوب من هذه ؟ جادلهم بالتي هي أحسن ، إذا أمرت بالمعروف فليكن أمرك بمعروف .

المعنى الأول : قل كلمة التوحيد ، ولا تخش في الله لومة لائم .

المعنى الثاني : إذا دعوت إلى الله ، إذا جادلت أهل الكفر ، جادلت أهل الشرك لا تجرحهم ، ولا تحقرهم ، ولا تسفههم ، ولا تسبهم ، فيسبّوا الله عدواً بغير حق ! إذا أردت أن تقنع الناس فاسلك معهم أي سبيل إلا المجادلة ، إنها لا تأتي بخير .

     عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ قَصْرٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ ، بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا ، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَةُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلاهَا )) .

( سنن ابن ماجه)

       قل التي هي أحسن ، الكلمة القاسية ، الكلمة الجافية ، الكلمة الجارحة ، إنها توقع بين الناس ، إنها تزيد خصمك تشنجاً ، تزيده تمسكاً بباطله ، تحمله على أن يعاديك ، تحمله على أن يفكر في إيذائك ، قل التي هي أحسن ، الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قال :

( سورة النحل  : 125)

           وأحسن اسم تفضيل ، لو أن هناك مئة جواب كلها حسنة ابحث عن الأحسن ، لو أن هناك مئة جواب تنطوي كلها تحت عنوان جواب حسن ، يجب أن تبحث عن الأحسن ! عن الكلمة المؤنسة ، الكلمة اللطيفة ، الكلمة التي لا تُفَرِّق ، الكلمة التي تُجَمِّع ، الكلمة التي تُقَرِّب ، الكلمة التي تُلَيِّن القلب ، هكذا المؤمن ، كان عليه الصلاة والسلام ليّن العريكة ، يألف ويؤلف ، لم يواجه أحدا بما يكره ، كان إذا أراد توجيه الناس صعد المنبر قائلاً : مالي أرى قوماً يفعلون كذا وكذا ؟ يكون الذي يريد أن يعظه واحداً ، مالي أرى أناساً يفعلون كذا وكذا ؟ ما بال قوم يفعلون كذا وكذا ؟ لئلا يواجه الإنسان بما يكره ، إذاً بالتي هي أحسن على وزن أفعل ، وأفعل اسم تفضيل ، واسم التفضيل يعني أن شيئين اشتركا في صفة واحدة ، لكن الأول أكثر اتصافاً بهذه الصفة ! فقد تقول كلمة حسنة ، وقد تقول كلمة أحسن ، فالله عز وجل يأمرك بأن تقول التي هي أحسن .

       كم من طلاق ، وكم من تشريد أطفال ، وكم من خراب أسرة سببها كلمة قاسية من الزوج ، أو كلمة قاسية من الزوجة ، وكم من شركة فيها الخير العليم ، وفيها الرزق الوفير انفصمت لكلمة نابية قالها شريك لشريكه ، وكم من مشروع كان يرجى له النجاح تراجع وتقهقر لكلمة قاسية قالها شريك مع شريك ، وكم من شيء نعلق عليه الآمال تحطم بكلمة تفوّه بها إنسان بغير حق ، لذلك :

كم في المقابر من قتيل لسانه      كانت تهاب لقائه الشجعان

***

قبل أن تقول كلمة فكِّر كثيراً ، ابحث عن الكلمة الأحسن ،

إن كنا عباده فنحن مأمورون بهذا الأمر ، مأمورون أن نقول الكلمة الأحسن .

       المعنى الثالث : أنه قل الكلمة الأحسن في أية علاقة مع الآخرين ، إذا كنت تضبط أمراً تدير دائرة أو مدرسة أو معملاً ، في علاقتك مع من هم دونك ، مع من هم فوقك ، قل الكلمة الأحسن ، فقد يكون من يعمل معك مخلصاً ، وقد يبذل كل جهده ، فإذا سمع منك كلمة قاسية فقد حطمته ، النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه سمع رجلاً يركض في المسجد ليلحق الركعة مع رسول الله وقد أحدث ضجيجاً وجلبة ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : (( زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ )) .

( صحيح البخاري)

       انتقى له أجمل كلمة ، عدّ هذا حرصاً منه على الصلاة ، (( زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))  .

إذاً المعنى الأول : الأحسن كلمة التوحيد ، والأحسن في المجادلة ، والأحسن في أية علاقة ، قال تعالى :

( سورة الأنفال : 1)

       لا يمكن أن تصلح ذات بينك ، أي العلاقة فيما بينك وبين غيرك ، أو العلاقة فيما بين اثنين إلا بالكلمة الأحسن ، فلو كنت قاسياً ، لو وبخت ، لو قرّعت ، لو حقرت ، لو استهزأت ، لو شمتَّ ، لو استعليت لجرحت .

        عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا ، تَعْنِي قَصِيرَةً ؟ فَقَالَ : لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ : وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا ، فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا ، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا )) .

( سنن أبي داود)

        قد يقول الأب لأحد أولاده أمام بقية الأولاد كلمة قاسية فيَتَعَقَّد الابن ، قد تصف الأم ابنتها بوصف فيه نقد لاذع تُعَقِّدَهَا ، قل الكلمة الحسنة ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((  أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ ، هِيَ الْحَالِقَةُ ، لَا أَقُولُ : تَحْلِقُ الشَّعَرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ )) .

(الترمذي)

فساد ذات البين ، التَفَتُت تَفَتُت الأسرة ، تفتت العائلة ، تفتت الحي ، تفتت القرية ، تفتت المدينة ، الكلمة القاسية ، والنقد اللاذع ، والاستهزاء والسخرية ، والاستعلاء ، والاحتقار ، هذا كله يفتت المجتمع ! يصبح المجتمع أفراداً متفرقين ، متعادين متباغضين متدابرين .

       المعنى الرابع : قال تعالى :

(سورة الأنعام : 108)

       إياك أن تناقش إنساناً بعيداً عن الدين ، وتقسو عليه ، لا يجد ملجأً إلا أن يسبّ دينك ! ويسبّ مقدساتك ، عندئذٍ توقعه في حرج كبير ، قل له الكلمة الحسنة ، لا تجادل من لا خير منه .

( سورة الأعلى)

       بعضهم قال :

أن تأمر بالمعروف ، وأن تنهى عن المنكر ، أن تأمر بما أمر الله ، وأن تنهى عما نهى عنه الله ، هذا معنى قوله تعالى  :

بعضهم قال : هذا أمر موجه لخاصة المؤمنين ! كما في الحديث عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ : (( صَلَّى بِنَا عَمَّارٌ صَلاةً ، فَأَوْجَزَ فِيهَا ! فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِ ، اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ  )) .

( مسند الإمام أحمد)

       أن تسمو على الخصومات ، أن ترد على الإساءة بالإحسان ، أن ترد على التشهير بالصمت ، أن ترد على النقد بالمدح ، أن ترد على القطيعة بالوصل ، أن ترد على الظلم بالإنصاف ، هذه أخلاق الأنبياء ! لو قلدتهم ، لو جعلتهم قدوة لك ، أحبك عدوك قبل أن يحبك الصديق ! والفضل ما شهدت به الأعداء .

المعنى الأول : كلمة التوحيد .

المعنى الثاني : في المجادلة .

المعنى الثالث : في أية علاقة اجتماعية .

المعنى الرابع : في مجادلة خصوم الدين .

المعنى الخامس : في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .

المعنى السادس : أمر موجه إلى خاصة المؤمنين .

      هذه بعض المعاني المستفادة من قوله تعالى :

       ما وجدت تشبيهاً موضحاً لهذه الآية كالتشبيه التالي : لو أنك وضعت بينك وبين أخيك شيئاً متفجراً يأتي الشيطان فيشعل هذه المادة ، فيحدث انفجارا فيحطم الطرفين ، الشيطان .

      متى يستطيع الشيطان أن ينزغ بينهم ؟ لأن أحدهم قال هذه الكلمة القاسية ! فكانت كشيء متفجر ، لو أنك قلت لأخيك : إنك لا تفهم ، إنك أحمق ، إنك كذّاب ، هذه الكلمات كأنها ألغام ! يأتي الشيطان فيشعلها ، فإذا أشعلها تفجرت وحطمت الطرفين .

       يفرق بينهم ، يوقع بينهم العداوة والبغضاء ، على مستوى البيت لو أنك كلما وجدت من زوجتك خطأً قسوت عليها في الكلام لكانت هذه القسوة لغماً يأتي الشيطان فيفجره ، لذلك ربّ كلمة قاسية فرّقت بين زوجين ! وإذا فرّقت بين زوجين ضيّعت الأولاد ، وشرّدوا ، وليس اليتيم من مات أبوه ، بل اليتيم من لم يلقى من المجتمع العناية الكافية !

        يتمنى الشيطان أن يفسد العلاقات بين الأخوين ، والشريكين ، والزوجين ، وبين الأب وابنه ، بين الأم وابنها ، لذلك البعيد عن الله عز وجل بدفع من الشيطان ينطق بالكلمة القاسية الجافية ، فيأتي الشيطان من الطرف الثاني ! انظر ماذا قال لك ابنك ! أهذا ابن ؟ فيطرده شر طرداً ! يلتجئ هذا الابن إلى رفقاء السوء ، فتفسد أخلاقه ، يقع في بعض الجرائم ، قد يحكم عليه بالإعدام ، أساس هذه المشكلات كلها أن الابن بوسوسة من الشيطان تفوّه بكلمة قاسية مع الأب ، طرده الأب فتسلمه الأشرار ، دلّوه على طريق الجريمة ، اقترف جريمة ، حُوكِم وأُعدِم أساسها كلمة قالها ، لذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((  لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) .

(مسند الإمام أحمد)

     وفي حديث آخر عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((  ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) .

(مسند الإمام أحمد)

       أربعة أخماس المعاصي ترتكب به : الغيبة ، والنميمة ، والكذب ، والإفك ، والبهتان ، وقول الزور ، وشهادة الزور ، والإيقاع بين الناس ، والاستخفاف بالناس ، والاستعلاء عليهم ، والسخرية منهم .

((  وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

    فمن عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته   .

     من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه .

       ليقولوا كلمة التوحيد ، وليحسنوا المجادلة ، وليحسنوا القول في كل علاقة اجتماعية ، وليحسنوا مجادلة أهل الكفر والفجور ، وليأمروا بالمعروف ، ولينهوا عن المنكر ، وليرتفعوا فوق الضغينة ، والحقد ،  والسباب ، والشتائم ، وردّ الصاع صاعين ، هذا كله ليس من أخلاق المؤمن ، سيدنا عمر رضي الله عن عمر كان يمشي في المسجد ليلاً ، ويبدو أن المسجد كان مظلماً في الليل يروى أنه  داس على أحد المصلين على طرف قدمه تألم هذا المصلي قال : أأعمى أنت ؟ قال : لا ، فلما قيل لهذا الأمير العظيم أمير المؤمنين كيف تسكت على هذا الكلام ؟ قال : سألني فأجبته ! أأعمى أنت ؟ قال : لا ، وانتهى الأمر ، بهذه الكلمة انطفأ الشر ! وهذا توجيه نبوي ، إذا غضبت فاسكت ، لأن أية كلمة تقولها وأنت غضبان ربما تؤذي بها كثيراً ، ربما تفسد علاقات ، ربما تسبب خراب أسرة ، ربما تفسد بين شريكين ، إذا غضبت فاسكت ، إذا غضبت فتوضأ ، إذا غضبت فاغتسل ، إذا غضبت فاخرج من البيت ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَوْصِنِي قَالَ : لَا تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ )) .

(البخاري)

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ،  إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ )) .

(البخاري)

        يغضب فيطلق ويقف على أبواب المفتين ، جمع للمفتي ، يستفتيهم : ما وضع زوجتي ؟ أتجوز لي ؟ أعلاقتي معها صحيحة ؟ كنت في غنى عن هذا لو أنك لم تغضب ، لا تغضب ، هكذا يقول عليه الصلاة والسلام  

ليست عداوته خافية ، ليست عداوته ظنية ، عداوته مبينة ، عدواً مبيناً .

(سورة الإسراء)

       الرحمة نوعان : رحمة مادية ، ورحمة معنوية ، فالرحمة المادية أن تكون مرتاحاً في صحتك ، الأجهزة على اختلاف أنواعها تعمل بانتظام ، هذه رحمة ! أن تجوع ، وتجد الطعام الذي يسدّ جوعتك ، هذه رحمة ، أن تجد الماء الذي يروي ظمأك ، هذه رحمة ، أن تجد المأوى الذي يؤويك ، هذه رحمة ، أن تجد الزوجة التي تسكن إليها ، هذه رحمة ، أن تجد الابن البّار ، هذه رحمة ، أن تجد زوج البنت الصغرى المخلصة المهذبة الديّنة ، هذه رحمة ، أن يكون جارك لطيفاً ، هذه رحمة ، هذه كلها رحمة ، كل شيء ترتاح له رحمة ، وأن يتجلى الله على قلبك هذه رحمة ، وأن يقذف الله في قلبك النور ، هذه رحمة ، هناك رحمة مادية ، وهناك رحمة معنوية ، أو رحمة نفسية لا يعرفها إلا من ذاقها ! الرحمة المادية قد يشترك فيها الناس جميعاً ، مؤمنهم وغير مؤمنهم ، ولكن الرحمة الروحية هذه خاصة بالمؤمن ، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من عبيده ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأتقيائه المؤمنين ! هذه الرحمة ، يعطيها الله عز وجل ، يعطيها مكافأة على استقامة الرجل ، ويعطيها تشجيعاً له على أن يجلبه إلى طريق الإيمان ، يعطيها استحقاقاً ، أو تشجيعاً ، والرحمة المادية قد يعطيها لأهل الكفر استدراجاً !

(سورة إبراهيم)

(سورة الأنعام)

       فهذه الرحمة الشيء الذي ترتاح له ، صحتك ، وزوجتك ، وأولادك ، وعملك ، ودخلك ، وبيتك ، ومركبتك ، إن بعثت في نفسك الراحة فهذه رحمة بشكل أو بآخر ، لكنها رحمة مادية ، قد تكون استدراجاً ، وقد تكون تقديراً ومكافأةً ، وقد تكون تشجيعاً وإكراماً ، على كل هناك علم إلهي يحدد هذه الرحمة ، والدليل قوله تعالى :

        يرحمكم لعلمه بكم ، لعلمه أن هذه الرحمة تناسبكم ، لعلها تحملكم على التوبة ، لعل هذه الرحمة تكون مكافأة لكم على حسن صنيعكم ، لعلها استدراج ، ولعلها مكافأة ، ولعلها تشجيع ، أما رحمة الله الروحية إذا تجلى على قلبك ، وغمرك بأنواره ، فهذه رحمة يختصّ بها المؤمنون من دون غيرهم ، على كل ربكم أعلم بكم ، لعلمه بكم يرحمكم ، رحمة مادية أو تشجيعية أو تقديرية أو استدراجاً ، أو رحمة روحية تنسون بها كل الدنيا !

     لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف !

         كل شيء يخالف طبيعة الجسم ، أو طبيعة النفس ، هو عذاب ، لو أن جهازاً من أجهزتك تعطّل لكان عذاباً لا يطاق ، فهناك الأمراض ، وهناك الهموم ، وهناك الأحزان ، هناك المقلقات ، هناك أمراض نفسية ، وأمراض جسمية ، وهناك ضيق ذات اليد ، هناك نقص في الثمرات في الأولاد ، هناك زواج سيئ ، هناك زوجة مشاكسة ، هناك ولد عاق ، هناك بيت ضيق ، هناك مركبة صعبة ، أنواع العذاب لا تعد ولا تحصى ، وكلها أدوية في صيدلية ربنا جلً وعلى ، أدوية ! كل أنواع العذاب المادي والمعنوي ، الصغير والكبير ، النفسي ، هذه كلها أدوية .

(سورة الأنعام)

      

         لعلمه بكم يرحمكم أو يعذبكم ، إذاً رحمته وعذابه مبنيان على علم الله بكم ، إن الرحمة تناسبكم ، أو إن العذاب يردعكم ، لذلك قال بعض العلماء : هناك مصيبة قصم ، وهناك مصيبة ردع ، وهناك مصيبة دفع ، وهناك مصيبة رفع ، وهناك مصيبة كسب ، فإذا كان الإنسان ميؤوسا من صلاحه تأتيه مصيبة تقصمه ، وتهلكه ، وتسحقه ، وانتهى الأمر ! لا خير فيه ، لا خير يرجى منه ، هذه مصيبة القصم ، وإن كان هناك معصية وعناد ومجاهرة وفجور تأتي مصيبة الردع ، الرجل الشديد العتيد لا تقوى ركبتاه على حمله ! يبكي كالأطفال طبعاً عند الله أدوية المادة الفعالة فيها كثيفة جداً !

(سورة الجن)

      هناك دواء ثمنه مئتان وخمسون ليرة ، ودواء خمسمئة ليرة ، دواء ألف ليرة ، قال لي أحدهم : أخذ دواء درجته مليون ! يسلكه عذاباً صعداً ، هذه مصيبة الردع ، مرض خطير ، كان يزني ، جاء المرض الخطير فحمله على التوبة ، هذه مصيبة الردع ، أما مصيبة الدفع فهذه للمؤمنين .

   

(سورة البقرة)

        إذا أحب الله عبده ابتلاه ! فإن صبر اجتباه ، فإن شكر اقتناه ، إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة ! إذا أحب الله عبده عاتبه في منامه ! هذه مصيبة الدفع ، مؤمن مقصر يا رب ، ارحمه ، قال : يا عبدي كيف أرحمه مما أنا به أرحمه ؟ وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن ، وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتارا في رزقه ، أو مصيبة في ماله ، أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ! هذه مصيبة الدفع ، مستقيم لكنه مقصر ، يدفعه نحو الأمام ، يخوفه ، تلوح له مصيبة يلجأ إلى الله عز وجل ارتفع ، هذه مصيبة الدفع ، فإذا كان مستقيماً وذا همة عالية إذا جاءته مصيبة رفعت مرتبته عند الله عز وجل ! عَنْ سَعْدٍ قَالَ : (( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ ، فَالْأَمْثَلُ ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )) . 

(الترمذي)

     أما الأنبياء عليهم صلوات الله فالمصائب التي تصيبهم من أجل كشف حقيقتهم في أنفسهم من الكمال الذي يسمو على كمال البشر ، حيث إن هذا الكمال لا يظهر للناس إلا في ظروف صعبة ، لذلك يذهب النبي عليه الصلاة والسلام مشياً على قدميه إلى الطائف ، وكلمة مشياً على قدميه لا يعرفها إلا من زار الأماكن المقدسة ، ورأى فيها شدة الحر ، وماذا تعني كلمة مشياً على قدميه من مكة إلى الطائف ! ليصل إليها ، وليردّه أهل الطائف شرّ رّد ، ليستخفوا برسالته ، ليؤذوه ، يأتي سيدنا جبريل يقول : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين .

          قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ  )) .

(صحيح البخاري)

     لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله ! هذه مصيبة الكشف ، وهناك مصيبة الرفع ، وهناك مصيبة الدفع ، وهناك مصيبة الردع ، وهناك مصيبة القصم ، لذلك الأدب الإسلامي هو : أنه إذا أصابتك مصيبة فاتهم نفسك قل : لعلي فعلت معصية ، لعلي قصرت ، لعلي أكلت مالاً حراماً ، وإذا أصابت أخاك مصيبة فأحسن الظن به ، قل هذه مصيبة ترقية ، وهذه مصيبة رفع ، وهذه مصيبة رفع درجاته عند الله سبحانه وتعالى ، استعمل هذه القاعدة ، إن ألمت بك مصيبة فاتهم نفسك ، وإن ألمت المصيبة بأخيك فأحسن الظن به ، إذاً :

رحمته وفق علمه بكم ، علمه بما يناسبكم ، وعذابه وفق علمه بما يناسبكم ، إنه حكيم ، ومعنى حكيم ، أن الشيء الذي وقع لا بد من أن يقع ، ولو لم يقع لكان نقصاً في كمال الله ، ونقصاً في علمه ، ونقصاً في رحمته ، ونقصاً في حكمته ، الشيء الذي وقع لا بد من أن يقع ، لذلك إذا كشف الغطاء اخترتم الواقع ، لذلك عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

(مسند الإمام أحمد)

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( ... احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) .

(مسلم)

        أنتم مخيرون :

لست مكلفاً أن تحملهم بالجبر والقهر على الإيمان ، أنت منذر ومبشر ورسول وبلغ .. هم مخيرون ،

(سورة القصص : 56)

(سورة البقرة : 272)

إذاً أنتم مخيرون ، الآية دقيقة جداً ، أنتم مخيرون وفق اختياركم ، والله يعلم اختياركم ، ويعلم نواياكم ، ويعلم وجهتكم ، إذاً يرحمكم أو يعذبكم ، لحكة بالغة هي من حكمة الله عز وجل ، آية دقيقة جداً جمعت بعض العقائد :

أعلم اسم تفضيل ، ليس في الأرض جهة تعلم حقيقة الإنسان كعلم الله عز وجل ! أعلم بكم .

إن أنت إلا نذير ، وما عليك إلا البلاغ المبين .

      

       علم الله عز وجل لا يستطيع مخلوق أن يحيط به ، هل يستطيع موظف بسيط في كلية الطب أن يعرف مستويات الأطباء ؟ وأيهم اكثر علماً ؟ وأيهم أكثر مهارة في الجراحة ؟ لا يستطيع هذا ، فكيف يستطيع هذا الموظف البسيط أن يفرق بين أربعة جراحين في القلب في العالم ؟ وأيهما أكثر مهارة ؟ من يستطيع أن يقيم الصحابة إلا أن يكون فوقهم ، لذلك نحن كوننا مؤمنين إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، لسنا جميعاً مؤهلين أن نميز بينهم ، ولا أن نقيمهم ، ولا أن نقول : هذا أفضل من هذا ، هذا كلام مرفوض ، نحن جميعاً دونهم ، إذاً أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم ، إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيبه ، إذاً الله عز وجل قال :

        هؤلاء الأنبياء الذين وصلوا جميعاً إلى مرتبة النبوة ، وهذه المرتبة تعني عدم الانقطاع عن الله ، والاتصال الدائم ، نحن معاشر الأنبياء ، تنام أعيننا ، ولا تنام قلوبنا ، ومع ذلك الله عز وجل فضل بعضهم على بعض ، لعلمه غير المتناهي بهم ، مثلاً الله سبحانه وتعالى خاطب بعض الأنبياء بأسمائهم !

( سورة مريم : 7)

( سورة المائدة : 110)

       أما نبينا عليه الصلاة والسلام فلم يخاطب إلا بـ : يا أيها النبي ، ويا أيها الرسول ، جاء اسمه في القرآن على صيغة الخبر :

( سورة الفتح : 29)

       أما الخطاب فلم يخاطب إلا بـ : يا أيها النبي ، ويا أيها الرسول ،

خفضت كل مقام بالإضافة إذ     نوديت بالرفع مثل المفرد العلم

***

       هذه دعوة إلى التوحيد ، هؤلاء الذين تدعون من دون الله ، أصناماً كانوا ، أو أشخاصاً ، لا يستطيعون كشف الضر عنكم ، ولا تحويله منكم إلى غيركم ، وكفى بهذا ضعفاً وعبودية لله عز وجل

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi