English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "08 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 56 – 65   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

     الله سبحانه وتعالى يملك كشف الضر عن البشر وتحويله ، لكن الذين يدعون من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلَهُ ! إذاً ينبغي أن يكون الإله قادراً على أن يزيل الضر ، ينبغي أن يكون الإله سميعاً بصيراً ، بيده كل شيء ، هذا هو مقام الألوهية ، فإذا اتخذ الإنسان من دون الله أناساً عقد عليه آمالهم ، وجعلهم قبلته ، وأخلص لهم ، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ، يكون قد غامر ، وقامر بسعادته في الدنيا والآخرة !

ربنا عز وجل قال متحدثاً على لسان سيدنا إبراهيم :

 

( سورة الشعراء )

       هل من جهة على وجه الأرض تستطيع أن توقف نمو الخلايا العشوائي ؟ هل من جهة على وجه الأرض تستطيع أن تصل إلى القلب فتصلح الخلل ؟ الله على كل شيء قدير ! لذلك حينما يتجه الإنسان إلى غير الله يكون قد قامر بسعادته في الدنيا والآخرة ، لأن هذا الذي يتجه إليه الإنسان ليس أهلاً أن تطيعه وتعصي الله ، إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله !

      هذه الآية دقيقة  :

     بقي هؤلاء الذين يُدعَون من دون الله ، هؤلاء الذين يُعبدون من دون الله ، هؤلاء الذين اتخذوا آلهة من دون الله ، كسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وكسيدنا عزير :

( سورة التوبة )

        وكالملائكة التي تُعبد من دون الله ، هؤلاء جميعاً الذين يُعبدون من دون الله أولئك الذين يدعون هم أنفسهم ، سيدنا المسيح وعزير والملائكة هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة ! هم يعبدون الله ، إن كنتم تعبدونهم على أنهم آلهة هم يعبدون الله ، ويرجون رحمته ، ويخافون عذابه ،

كلما اشتد قرب الإنسان من الله اشتد إقباله عليه ، ابتغى إليه الوسيلة ، أيهم أقرب من هؤلاء يبتغون إلى ربهم الوسيلة .

       كلما اقترب الإنسان من الله ذاق من طعم القرب فزاد شوقه إلى الله عز وجل ! وابتغى إليه الوسيلة .

     الوسيلة لها معانٍ واسعة ، الوسيلة قد يتوسل الإنسان إلى الله بطاعته ، فطاعة الله وسيلة ، وقد يتوسل الإنسان إلى الله بالعمل الصالح ، والعمل الصالح وسيلة ، وقد يتوسل الإنسان إلى الله بحضور مجالس العلم ، واتباع أهل الحق ، فأهل الحق وسيلة ، الوسيلة الشيء الذي يقربك من الهدف ، فهؤلاء الذين يُدعَون من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، ربنا عز وجل قال :

( سورة الكهف : 110)

       العمل الصالح ثمن اللقاء ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : قُلْتُ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ ، بَعْدَكَ ، قَالَ : قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) .

( مسند الإمام أحمد )

       فالاستقامة طريق إلى الله عز وجل ، خدمة الخلق طريق إلى الله عز وجل ، الدعوة إلى الحق طريق إلى الله عز وجل ، لزوم مجالس العلم طريق إلى الله عز وجل ، برّ الوالدين طريق إلى الله عز وجل ، الاستقامة في البيع والشراء طريق إلى الله عز وجل ، الوقوف عند حدود الله طريق إلى الله عز وجل ، نُصحُ المسلمين طريق إلى الله عز وجل ، ما أكثر الطرق إلى الله عز وجل ، ما أكثرها إنها أمامك مفتحة أبوابها ، لذلك فالإنسان لا يعدم وسيلة يصل بها إلى الله عز وجل ، وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ! وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة ، وأن تفرغ إناءك في دلو المستسقي هو لك صدقة ، وأن تعين الأخرق ( من لا يحسن الصنعة) هو لك صدقة ، وأن ترشد الرجل الضّال إلى هدفه هو لك صدقة ، وأن تقود كفيف البصر هو لك صدقة ، وما أوسع أبواب الخير ، وأبواب الخير كلها طرق إلى الله عز وجل ، الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، فهؤلاء الذين تدعونهم من دون الله ، هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله ، هؤلاء الذين اتخذتموهم آلهة هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، كلما اقترب الإنسان من الله عز وجل يبتغي إلى الله الوسيلة بإلحاح أشد وبصدق أكبر .

       في معنى آخر  ،

        أيْ : يتخذ أشد الوسائل فعالية ، وأشد الوسائل تقريباً إلى الله عز وجل ، إما أنه إليهم أقرب ، أو أنه بمعنى أيها أقرب ، على كل هؤلاء الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ، لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً ، إنهم يبتغون من الله الرحمة ، إنهم يرجون رحمة الله ، ويخافون عذابه .

       أنت في دعاء الوتر تقول : نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك ، الرحمة الشيء المريح ، أن تنعم بصحة وافرة رحمة ، وأن يكون عقلك ناضجاً هذه رحمة ، وأن تملك قوت يومك هذه رحمة ، وأن تستمتع بحواسك كلها هذه رحمة ، وأن يكون لك زوجة ترضيك هذه رحمة ، وأن يكون في البيت أولاد هذه رحمة ، وأن يحبك الناس هذه رحمة ،

(سورة طه : 39)

والله لو اطَّلع الناس على سريرة الإنسان لأَبَوا أن يُسَلِّمُوا عليه ! ولكن الله عز وجل من كرمه يبرز الجميل ، ويستر القبيح ! يطَّلع الناس على محاسنك ، ويخفي عنهم مساوئك ، لذلك هم يحبونك ! فلو كشف الله الستر ما سلّم عليك أحد !

والله لو علموا قبيح سريــرتي          لأبى السلام علي من يلقانــي

ولأعرضوا عني وملَّوا صحبتي          و لأعرضوا عني وملوا صحبتي

***

        إذاً :

(سورة طه : 39)

هذه رحمة ، يرجون رحمته ، وهناك رحمة الإقبال ، ورحمة التجلي ، فلو أقبلت على الله عز وجل ، وتجلى على قلبك فهذه رحمة من نوع آخر ! هذه الرحمة عبر عنها الله عز وجل بقوله :

( سورة الأعراف )

         أحسن يرحمك الله عز وجل ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى ، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى )) .

( ابن ماجة )

       هذا العبد يتجلى الله عليه بالرحمة ، رحم الله عبدًا عرف حدّه فوقف عنده ، هذا الإنسان يتجلى الله عليه بالرحمة ،

أي : عذاب الله عز وجل ، فهو مُنَوَعٌ جداً ! عذاب الله عز وجل قريب ، نقطة من الدم لا تزيد على رأس دبوس لو تجمدت في بعض شرايين المخ لأصيب الإنسان بالشلل ! هناك مكان آخر لو حصل ذلك لأصيب بالعمى ! هناك مكان ثالث لأصيب بالصمم ! ومكان رابع لفقد ذاكرته ! لو توقفت الكليتان عن العمل أصبح الموت أحلى من الحياة ! لو توقف الكبد عن العمل ، لو انقطع العمود الفقري إثر حادث يصاب الإنسان بالشلل طوال حياته ،

     لو فَقَد الإنسان عقله نجد أقرب الناس إليه يسوقونه إلى المستشفى ! يتخلون عنه .

    هذا الذي لا يخشى الله ، لا يخاف الله ضعيف التفكير ، محدود الأفق ، غبي ، أحمق ! لذلك رأس الحكمة : مخافة الله .

      

        الله سبحانه وتعالى هكذا جاء في علمه أن القيامة لن تقوم إلا بعد أن تكون الأرض قد خلت من الحياة ، فكل هذه القرى ، كل هذه المدن التي ترونها ، هذه المدن العظيمة التي فيها ناطحات السحاب ، فيها الجسور ، فيها الأنفاق ، فيها أنفاق تحت الأرض ، وفيها أنفاق تحت البحر ، وفيها جسور معلقة ، وفيها أبنية شاهقة ، هذه المدن الضخمة ، هذه المدن التي يعتز أصحابها بها .

     هذه ( إن ) تعني ما ، حرف نفي ، يعني ما من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ، أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا ، فإن كانت هذه القرية تقيم شرع الله ، وتقيم أمر الله ، وهي محسنة فلا بد من أن تنتهي قبل يوم القيامة ! فكل من عليها فان ، كل شيء هالك إلا وجهه ، فالموت حق ، لن تبقى قرية إلى الأبد ، لا بد من أن تنتهي ، فأما إن كان أهلها ظالمين ، إن كانت فيها الفاحشة ، إن ارتكبت فيها المعاصي فهذه المدينة سوف تعذب عذاباً شديداً ! إما أن تهلك ، أو تدمر ، وإما أن تعذب عذاباً شديداً .

      وليست أخبار الزلازل والفيضانات والبراكين عنا ببعيد ! مدينة في أميركا الشمالية قتل خمسة وثلاثين ألفًا في ساعات ! بركان ثار وأذاب الثلوج ، والثلوج سببت الفيضانات ! ما بقي منها أحد ، تحت سمعنا وبصرنا  .

( سورة البروج)

      الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل ..

( سورة هود : 102)

( سورة الحج )

       لذلك هذه الآية تطبيقها العملي أن تأخذ الحيطة ، أن تتوب إلى الله عز وجل ، لأنك إذا تبت إلى الله عز وجل سوف تنجو من أي عذاب .

( سورة الأنبياء )

      هكذا دعا سيدنا يونس عليه السلام :

حقٌّ على الله عز وجل أن ينجي المؤمن ، الآية الكريمة تقول :

هنالك آيات أخرى تؤكد هذا المعنى  .

(سورة الإسراء )

   

( سورة الذاريات  )

    واضحة كل الوضوح ، لذلك إذا قال الله تعالى :

( سورة الإسراء  )

     معنى ذلك أن تبادر إلى التوبة قبل فوات الأوان ، من أجل أن تنجو من عذاب الله  .

      يعني أن كفار مكة اقترحوا على النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل جبل الصفا من الذهب ، أو أن يزيح عنهم جبال مكة كي يزرعوا أرضها ، طلبوا طلبات ، فالله سبحانه وتعالى أجابهم :

التي تقترحونها على نبيكم :

وإليكم بعض الأمثلة :

      

( سورة الإسراء :59 )

        قوم ثمود طلبوا من نبيهم سيدنا صالح أن تخرج لهم ناقة من الجبل فاستجاب الله لهم ، ولم يؤمنوا ، وعقروا الناقة ، فاستحقوا الهلاك .

       لذلك إذا جاءت الآيات المصدقة ، إذا جاءت المعجزات المصدقة لرسالة الأنبياء ، ولم يؤمنوا بها فقد استحقوا الهلاك فوراً ، فالله سبحانه وتعالى رحمةً بأمة سيدنا محمد رحمةً بها لم يرسل لها الآيات ، لو أرسل لها الآيات ، وكذب بها قوم النبي عليه الصلاة والسلام لاستحقوا الهلاك ، هلاك استئصال لا هلاك تأديب  .

       آية واضحة كالشمس ، آيةٌ كأنها هي التي تبصر ، تُبَّصِر الناس بوحدانية الله عز وجل ، والآيات التي تؤكد وحدانية الله عز وجل ، ووحدانية الألوهية ، ووحدانية الربوبية ، ووحدانية الخلق لا تعد ولا تحصى  .

ظلموا أنفسهم حينما لم يؤمنوا بها ، وظلموا أنفسهم حينما عقروها !

( سورة الشمس  )

     

        التخويف باللغة المألوفة تعني أن الإنسان قد يخوّف إنساناً ، ولا يفعل ما يقول ، لكن التخويف في القرآن الكريم يعني التخويف بالمعنى اللغوي الدقيق ، يعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما تُدَمَّر القرى ، حينما تأتي الفيضانات ، حينما تأتي البراكين فتحرق المدن ، حينما تأتي الزلازل فتصبح المدينة أثراً بعد عين ، هذه الآيات من أجل أن يخاف الآخرون ،  من أجل أن يتوبوا ، من أجل أن يتعظوا .

        هذا مثلٌ بين أيدينا : لو أن الناس جميعاً ولدوا مرة واحدة ، وماتوا مرة واحدة ما اتعظوا ! ولكن هذا الموت التدريجي من أجل أن يتعظ الأحياء بالأموات ، قبل يومين كان معك ، ملء السمع والبصر ، يتكلم ويناقش ، ويذهب ويعود ، له بيت وله أولاد ، وله مكانة اجتماعية ، بعد يومين صار على خشبة الغسل جثة هامدة ، لا حراك بها ، بعد ساعتين تحت التراب ، بعد أسبوع أصبح خبراً ، فلان له وجود ، له شخصيته ، له رأيه ، له أمره ، له نهيه ، له مكانته ، له إدارته لأعماله ، بعضهم يخافه ، بعضهم يخشاه ، فإذا مات صار خبراً .

 

     

يا محمد عليه الصلاة والسلام .

        

      أي اطمئن ، فالخلق كلهم بيد الرحمن ، كن فيكون ، زُل فيزول ، لا تخف ،

( سورة المائدة )

      عصمة النبي e أنواع عديدة ، هناك عصمة التبليغ ، وهناك عصمة الفعل ، وهناك عصمة من أن يقتل ، لا تخف فلن يصلوا إليك ، هذه الآية على شاكلة :

     ثم قال عزوجل :

          هم في قبضته ، يمد لهم ليمتحنهم ، يمد لهم ليكشف نياتهم ، وهو يعرفها ، يكشفها لهم ، يكشفها للآخرين  .

( سورة العنكبوت )

    

     هؤلاء الله سبحانه وتعالى يمدهم ، لكن لهم أجل لا ريب فيه ، أي : لا تخف يا محمد ، إن الله عز وجل ناصرك عليهم في الوقت المناسب .

        أي : حينما عُرِجَ به إلى السماء ، حينما أُسريَ به إلى بيت المقدس ، وحينما عُرِجَ به إلى السماء أراه الله ملكوت السماوات والأرض ، وأطلعه على ما كان وما سيكون ، لذلك حينما عاد النبي e من المعراج والإسراء إلى مكة قصَّ على الناس ما رأى  .

( سورة النجم )

      هذه الرؤيا التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام وهو في السماوات ، رأى يوم القيامة ، وكيف أن أهل الجنة بالجنة يتنعمون ، وكيف أن أهل النار بالنار يُعذَّبون ، رأى آكلي الربا ما مصيرهم ، رأى الزُناة ما مصيرهم ، رأى الذين يعقّون آبائهم ما مصيرهم ، أطلعه الله على كل شيء ، أطلعه على مرتبته ، أطلعه على مكانته ، أطلعه على الأنبياء ، أطلعه على كل شيء ، كان الإسراء والمعراج إكراماً للنبي عليه الصلاة والسلام بعد محن شديدة ألمت به !

ليس معنى الرؤيا هنا المنام ، الرؤيا من رأى .

   

أي : أريناكها .

        بعض الناس ارتدوا على أدبارهم بعد أن سمعوا ما قصه النبي عليهم ، واعتبروه هذياناً ومبالغة وتجاوزاً لحدود المعقول ! وبعض المؤمنين الصادقين فزادتهم هذه الرؤيا إيماناً وتصديقاً !

      يا أبا بكر يزعم صاحبك أنه ذهب إلى بيت المقدس ، وأنه عُرِجَ به إلى السماء ، وأنه رأى كذا وكذا ، فما زاد عن أن قال : إن قال هذا فقد صدق ! لذلك سميَّ الصديق رضي الله عنه ، فهؤلاء الناس حيال هذه الرؤيا انقسموا فريقين : فريق ارتد على أدباره ، وفريق زادته هذه الرؤيا إيماناً ، لكن هذه المعجزة التي خصّ بها النبي الكريم لم تكن تحت سمعهم وبصرهم ، لو كانت كذلك ، ولم يؤمنوا لاستحقوا الهلاك ! ولكن الله عز وجل سمّاها فتنة ، أي وصلت لهم خبراً ، قوم موسى رأوا البحر بأعينهم قد أصبح طريقاً يبساً ! قوم صالح رأوا الجبل قد خرجت منه الناقة بأعينهم ! لكن قوم النبي عليه الصلاة والسلام لم يروه بأعينهم وقد عُرِجَ به إلى السماء ! لو رأوه وكذبوه لاستحقوا الهلاك رحمة بهم ، لذلك هذه المعجزة نُقِلت لهم خبراً ، ولم تكن لهم رؤية عين .

       

        افتتنوا بها ، ومعنى افتتنوا بها أي : ظهروا على حقيقتهم .

        أساساً هناك مواقف أخرى كغزوة الخندق ، في الخندق قال بعض الدعاة : ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ! وقال بعض المؤمنين المتمكنين في إيمانهم :

( سورة الأحزاب )

      هذه فتنة ، الفتنة الإنسان بها يكشف على حقيقته .

       في الآية تقديم وتأخير ، وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ، والشجرة الملعونة في القرآن  إلا فتنة للناس  .

        والله سبحانه وتعالى حدّثهم عن شجرة الزقوم :

( سورة الصافات )

        فقال أبو جهل : النار تأكل الحجر ، فكيف تنبت فيها الشجر ؟ إن هذا كذب ! والزقوم هو الزبد والتمر ، فدعا بزبد وتمر ، ودعا أصحابه وقال : تزقموا ، أي : كلوا ! هذا الذي قاله محمد لا أصل له ، فهذه الشجرة التي تحدث الله عنها في القرآن أيضاً كانت فتنة للناس ، بعضهم صدّق ، وبعضهم كذّب .

     هؤلاء المتشبثون بشهواتهم لا يزدادون على آيات الله إلا تشبثاً وعصياناً وبعداً وعدواناً  .

كان متكبراً ، أبى أن يسجد للإنسان ، لسيدنا آدم ! قال  :

      أنا من نار ، وهذا من طين ، أأسجد له ؟ استنكف أن يسجد له ! قال الله تعالى على لسان إبليس  :

        هذا الذي كرمته عليَّ ، هذا الإنسان أنا سوف أحتويه ، سوف أضلّه ، وأغويه ، سوف أجعله يعصيك ، سوف أجعله يحب الدنيا ، هذا الذي كرمت عليّ  .

        هذا الاستثناء للمؤمنين ، هؤلاء لا أقوى عليهم ، لا أستطيع أن أضلّهم ، ليس بإمكاني أن أضل منهم إلا قليلا ! قال الله عز وجل :

اذهب ومن تبعك منهم ، من تبعك هو مخير ، هناك آية دقيقة جداً  :

( سورة إبراهيم )

       إذاً الإنسان مخير ، وإبليس والشياطين ليس لهم عليه سلطان أبداً ، كل ما يملك إبليس أن يوسوس ، وأنت مخير ، إلا من اتبعك باختياره ، قال  :

اذهب فمن تبعك فهو على شاكلتك ، من أطاعك فهو على شاكلتك ، اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً ! الإنسان مخير ، وأنت توسوس له ، والمَلَكُ يُلْهِمُهُ ، فإن اتبعك مختاراً فهو على شاكلتك ، ويستحق النار ، وإن أبى ، وأطاعني يستحق الجنة ، واستفزز من استطعت منهم ، الاستفزاز التحريض والإثارة ، لو استفزني أثارني ،

قال بعضهم : الصوت هنا الوسوسة ، ولأنها وسوسة لا تعني شيئاً سميت صوتاً تحقيراً لها ! الإنسان يصّوت أي : يتكلم ، أما إذا كان كلامًا لا معنى له فيقول : أوقفوا هذا الصوت ، الصوت كلام مبهم ، فتحقيراً لهذه الوسوسة قال الله عنها : إنها صوت .

      هناك معنى آخر : هذا هو الغناء ، الغناء ينبت النفاق ،

الأغاني التي تثير الشهوات ، وتصف العورات ، وتغري بالزنى ، هذه كلها من مزامير الشياطين .

        جَنِّد كل جنودك ، الراكبين والمشاة ، جَنِّدْهُم ليُضِلُوا هذا الإنسان !

       عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ : لَا مَبِيتَ لَكُمْ ، وَلَا عَشَاءَ ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ : أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ : أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ )) .

(مسلم)

كل الليل يقضونه في المشاكل والصراعات ، وإذا جلس الإنسان إلى الطعام ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه: أصبتم العشاء ، سنأكل معهم ، فإذا دخل ولم يُسَلِّم ، وإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِّ يقول الشيطان لإخوانه : أصبتم المبيت والعشاء !

       بعض المفسرين قال : هذه صورة من صور إيقاع الشيطان للإنسان ، أنت إذا رأيت إنساناً متحصناً تصيح به إلى أن يخرج ، فإذا خرج تحيط به من كل جانب ، تحيط به بالفرسان والمشاة ، من أجل أن تقضي عليه فكأنها معركة ، الله عز وجل يصف لنا معركة ، أولاً : يدعوهم ، يوسوس لهم ، ثم يوقعهم !

        اجعل كسبهم حراماً ، أو اجعلهم ينفقون هذه الأموال على المعاصي ، واجعل أولادهم من أولاد الزنى ، أو ليعلموا أولادهم على المعاصي ، المعنيان كلاهما صحيح ، وعدهم بالمال الوفير ، الكافر يفكر بالدنيا ، سأشتري هذا البيت ، سأشتري هذه الدكان ، سأشتري هذه المركبة ، سأفعل كذا وكذا سأسافر .

إذاً الاستفزاز من قبل الشيطان بالصوت إما بالوسوسة ، وإما بالغناء  .

       صورة تؤكد أو تبين كيف أن الإنسان يكون معتصماً في حصنه ، فيأتي الشيطان فيناديه ويصيح به إلى أن يخرج ، فإذا خرج حاصره ، وقاتله ، أو أن الشيطان يسخِّر كل ما يملك من طاقات وفتن ومن مصائب من أجل أن يوقع بهذا الإنسان ، وإن إبليس طلاع رصاد وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الرجال من النساء ، فالنساء حبائل الشيطان ، وجُمِعَ الشرّ كلّه في بيت ، ثم أرُتِج عليه فكان مفتاحه السكر ، الخمر أُمّ الخبائث ! والمشاركة في الأموال كسبها من طريق حرام ، وإنفاقها في طريق حرام ، والمشاركة في الأولاد أن يأتي الولد من حرام ، أو أن يّوجه إلى المعاصي في وقت مبكر ! حتى ينشأ على المعصية .

       الشيطان يعد الإنسان وعوداً كثيرة من هذه الدعوة : يعده بأن ينجو من عذاب الله ، بعد أيام هذا الذي يرتكب كل المعاصي والموبقات ويموت وهو عاصٍ يعده الشيطان أن ينجو من عذاب الله !

      اليهود ظنوا أنهم لن يبقوا في النار إلا أياماً معدودة ، هذا من وعد الشيطان ، وقد يعدهم بالدنيا يعدهم بزينتها ، يزخرفها ، بمُتعها ومباهجها ، يجعلها لهم كبيرة جداً في أعينهم فينساقون إليها على حساب كرامتهم ومبادئهم ، على حساب قيمهم ، وعلى حساب دينهم ، وعلى حساب مروءتهم ، يقبلون عليها ، فيأتي الموت ويُصْعَقُونَ عِنْدَه .

( سورة الزخرف )

(سورة الطور)