English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "09 / 13"  من تفسير سورة الإسراء (017) :  الآيات  : 66 – 77   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العلمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعدِ الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع من سورة الإسراء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

       كلمة ( الرب ) تعني المُمِدّ ، الله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإيجاد ، وتفضل علينا بنعمة الإمداد ، وتفضل علينا بنعمة الإرشاد ، فرب العالمين أي : الذي يمدهم بما يحتاجون ، ومن كلمة ( رب ) اشتقت كلمة التربية ، والتربية العناية والرعاية ، والملاحظة والتقويم ، والتصحيح والتسديد ، والإمداد والإشراف ، كل هذه المعاني مشتقة من التربية ، إنك إذا ربيت نبتة تُقَلِمُهَا عند الحاجة ، تمدها بالماء ، بالسماد ، تضعها في الشمس تارة ، وفي الظل تارة أخرى ، تسقيها ، تعتني بها ، تغير أصصِها ، هذه هي التربية .

      والذي يربي أولاده يعرف معنى التربية ، هذه المعاني مبسطة يعرفها الجميع من خلال الممارسات اليومية ، لكن الله سبحانه وتعالى رب العالمين ، أنت قد تضيق ذرعاً بعدة أولاد تربيهم ، لكن الله سبحانه وتعالى رب كل العوالم .

أي : الذي خلقكم ، والذي يتولى شؤونكم ، والذي يمدكم بما تحتاجون هو الذي يزجي لكم الفلك .

     أزجى : بمعنى دفع ، والفلك : هي السفن .

أولاً : لن تقوم سفينة ، أو تطفو على سطح الماء إلا بفضل الله عز وجل ، لأن الله عز وجل خلق الماء بطريقة أن ذراته متماسكة ، وهذا التماسك يقاوم كل جسم يغمس في الماء ، إذاً كل جسم يغمس في الماء كأن قوة تدفعه نحو الأعلى ، هذه الحقيقة كشفها بعض العلماء ، وسمي قانون الدفع المائي باسمهم .

     قوة الدفع نحو الأعلى ، الإنسان إذا حمل وعاء من الماء ، وغرسه في بحرة صغيرة ، يحس أن ثلاثة أرباع وزنه قد تلاشى ، في الماء قوة تدفع نحو الأعلى ، هذه من فضل الله عز وجل ، لولا هذا التماسك بين ذرات الماء ، ولولا أن الأجسام المنغمسة في الماء تجد ما يدفعها نحو الأعلى لما كانت الفلك في البحر ! مبدأ السفن كله يصبح لاغياً لولا قانون أرخميدس .

هو الذي جعل هذه القوة الدافعة نحو الأعلى ، وهو الذي جعل الرياح تدفعها نحو أهدافكم ، وحينما استبدل الشراع بالمحرك استخدم الناس الوقود ، مَنْ خَلَقَ الوقود ؟

( سورة يس )

      بعض العلماء وجَّه هذه الآية إلى البترول ، أحدث نظريات البترول أنه في العصور المطيرة ، وفي حقب الأشجار العملاقة ، هذه الأشجار العملاقة ، وهذه الحيوانات الضخمة دفنت في باطن الأرض فكان البترول .

       لذلك إن تحركت السفينة بالرياح فبفضل الله عز وجل ، إن تحركت بالوقود السائل فبفضل الله عز وجل ، من أودع في هذا الوقود قوة الانفجار ؟

       هذه العبارة في القرآن الكريم تَرِدُ كثيراً في معرض البحث عن الرزق ، بل بشكل أدق في التجارة مع السفر ، فالإنسان حينما يسافر ، ويبتغي من سفره هذا أن يصيب تجارةً ، أو أن يبيع بضاعةً ، أو أن يشتري ، أو أن يقايض ، فهذا اسمه ابتغاء من فضل الله عز وجل ، لذلك هذه الآية تعد أصلاً في إباحة السفر من أجل طلب الرزق ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

        تصور لو أن هذه البحار ليست موجودة ! لو أن اليابسة متصلة ، بعيداً عن موضوع الطقس والرياح والأمطار ، لسببٍ أو لآخر تصور لو أن البحار معدومة ! شق الطرق يجهد الميزانيات ، جسر صغير أنشئ بين دولتين صغيرتين في البحرين كلف ألوف الملايين ، لو لم يكن البحر ، وأردنا أن نُعَبِّدَ طريقاً إلى أمريكا ، أو طريقًا إلى أوروبة ، طريقًا إلى آسيا أو طريقاً إلى أستراليا ، أو طريقًا إلى اليابان ، هذا شيء فوق طاقة البشر ، الله سبحانه وتعالى جعل البحر بين القارات هندسة اتصال ، طريقًا من الماء ، أحياناً تعترض شق الطرق عقبات كؤود ، كالطرق الصاعدة ، كالجبال ، كالصخور ، هذه كلها عقبات ، لكن البحر ليس فيه أي عقبة ، لا ارتفاع ، ولا انخفاض ، ولا وادٍ ، ولا جبل ... ماء مستوٍ ، ما علينا إلا أن نبني السفن ، فكأن البحر كله طريق واحد معبد ، هذا من فضل الله عز وجل .

        رحمته في البحر ، ورحمته فيما في البحر ، من السمك والحليّ ، ورحمته في البر وفي الصحراء ، وفي الجبال ، وفي الوديان ، وفي الأغوار، وفي السهول وفي الأنهار ، وفي البحيرات وفي الأطيار وفي الأسماك ، وفي الأزهار وفي النباتات ، وفي المحاصيل ، وفي الأشجار المثمرة ، وفي خلقنا ، وفي خلق أولادنا ، وفي أسرنا ، كل هذا من مظاهر رحمة الله عز وجل  .

       هذه الآية أيها الإخوة أصلٌ في أن الإنسان مفطور على الإيمان بالله ، لو ركب مجموعة من الناس طائرة أو باخرة ، وكان فيهم الملحد ، وفيهم الكافر ، وفيهم الزنديق ، وفيهم المنكر الفاجر ، وفيهم المستخف بالدين ، إذا هبت عاصفة هوجاء ، وأصبحت الأمواج كالجبال ، دقق في وجوه هؤلاء جميعاً ، على اختلاف نحلهم ودياناتهم ، على اختلاف مللهم واتجاهاتهم ، ومعتقداتهم وأهوائهم ، وعلى اختلاف مشاربهم وعقائدهم وقيمهم ، وعلى اختلاف انحرافاتهم ، كلهم جميعاً بصوت واحد ينادون : يا اللَّه ، فالإنسان مؤمن بالفطرة ، لكن الشهوات ومشاغل الدنيا والأطماع هذه كلها تطمس الفطرة ، لكننا إذا واجهنا خطراً شديداً نعود إلى اللَّه عز وجل ، وهذا الذي أقوله ليس افتراضياً ، بل إنه قد وقع .

       طائرةٌ تُقِلُّ أناساً ينكرون وجود الله عز وجل ، فلما مرت بغيمة مكهربة ، وتبعها جيب هوائي ، وبدا للركاب كأنها قد سقطت ، ما الذي قد حصل ؟ كلهم ضجوا بالشكوى إلى الله عز وجل .

       فالإنسان مؤمن بفطرته ، لذلك : الإمام علي رضي الله عنه سُئل : متى كان الله ؟ فأجاب : ومتى لم يكن حتى تسألوني : متى كان الله ؟    

        الإنسان أحياناً لِجهله ، ولضيق أُفُقِه ، ولعدم تبصره يتوهم أنه إذا كان في بيته ، والبيت بناؤه جيد ، وكان في أتم صحته ، وكان عنده مال وفير ، فهو في غنى عن رحمة الله عز وجل ، هذا هو الجاهل ، لكنه إذا ركب طائرة ، أو ركب باخرة فأدرك أنه صار تحت رحمة الله ، هذا الوهم وهذا الضلال ، إنك في أشد ساعات يقينك بأنك مكين ، إنك في أشد ساعات استغنائك عن الله مفتقر إلى الله عز وجل ، فهذا الذي توهم أن الخطر كامن في البحر فقط ، وأنه مادام في السفينة لا بد من قول : يا الله ، أو أن الخطر كامن في الطائرة فقط ، هذا ضال جاهل ضيق الأفق ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

الإنسان له أعوان ، له أصحاب ، له أناس يعتمد عليهم ، له أناس يعلق آماله عليهم ، له أصدقاء ، له أقارب ، له أصحاب من أولي الشأن ، أو أولي القوة ، هؤلاء وهو في الأرض ، وهو في المدينة ، وهو في بيته ، يعتمد عليهم ، يتكل عليهم ، يعلق آماله عليهم ، لكنه إذا ركب السفينة أو ركب الطائرة ، وكان الوضع خطراً ، طائرة أصيبت ، دخلت في غيمة مكهربة ، أو دخلت في صاعقة ، في سماء بعض مدن أوربة كان من جراء هذا الدخول أن تحطم جهاز الرادار ، وتحطم البللور الموجود أمام ربان الطائرة ، وأصبح سقوط الطائرة قاب قوسين ، وأصبح الخطر محققاً ، ربان الطائرة أَمَرَ مُضِيفَاً أن يبلِّغ الركاب أن يشدوا الأحزمة ، فإذا الركاب في هرج ومرج ، هذا يبكي ، وهذا ينادي ، وهذا يلتجئ ، وهذا يدعو ، وهذا ينادي : يا أهلي ، يا ولدي ، إلى أن رأى المضيف راكباً متماسكاً في أعصابه ، هادئاً ، فظن به أنه يستطيع أن يهدئ الركاب ، فتوجَّه إليه ، وقد عقد الآمال عليه ، فإذا هو مغمىً عليه ، الإنسان ضعيف ، هؤلاء يتوهمون أنهم في الطائرة تحت رحمة الله عز وجل ، أما وهم في بيوتهم فمستغنون ، ربنا عز وجل يلفت النظر فيقول :

       تفضلوا ، هذا الذي في الأرض تعتمد عليه ، وتتكل عليه ، وتعقد عليه الآمال ، وأنت في الطائرة ، وأنت على السفينة تفضل وادعُه ! يا فلان ، أين أنت ؟ تعال إلي يا فلان ، أنا مستجير بك يا فلان ، ليس لي سواك يا فلان ، أين فلان ؟ هل يسمعك فلان ؟ لو أنه سمعك هل بإمكانه أن ينقذك ؟

     إذا كنت في خطرٍ محدق ، الإنسان حينما يصاب بمرض ، ويتوهمه عضالاً من يدعو ؟ هؤلاء الذين عصى الله من أجلهم إذا دعاهم هل ينقذونه ؟ لا شيء ، ربنا عز وجل قال  :

كل الشركاء ضلوا عنكم ، أو أنتم ضللتم عنهم ! ضلوا عنكم فلم تجدوهم ، وضللتم عنهم فلم تعبؤوا بهم .

      

      أيها الإخوة الأكارم ، هذه الصورة ليست مختصة في البحر ، الإنسان أحياناً يمرض ابنه ، يقول له الطبيب : التهاب سحايا خطر ، أي : الموت بالمئة ثمانون ، وهذا خَطِر ، يبدأ يصلي ، ويغض بصره خلال أسبوع ، ويتصدق ، ويأمر امرأته بالصلاة ، فإذا زال الخطر ! عاد إلى ما كان عليه من معصية !!

      هذه أخلاق التجار ، أخلاق الانتهازيين ، أخلاق الذين يتعاملون مع الله عز وجل بالمنفعة فقط .

        الإنسان يراقب نفسه ، هل يختلف دعاؤه في أيام الشدة عن الرخاء ؟ إذا كان لك حال مع الله عز وجل في الشدة ، حال الالتجاء والإقبال والاستقامة ، وحال آخر خارج الشدة ، من الاسترخاء ، وعدم الالتفات ، والاستغناء ، والتفلت والانحراف ، إذا كان هذا الحال موجوداً فصاحبه يحتاج إلى جهد كبير .

       الإنسان الذي لم يتعرف إلى الله عز وجل ، طبيعة الكفر ناتجة من إدباره ، من إعراضه ، من حجابه ، من غفلته ، الغفلة والإعراض والمعصية هذا كله يسبب كفراً في الإنسان  .

      

يعني : وكان الإنسان المنقطع عن الله عز وجل كفوراً ، ربنا عز وجل يذكرنا  :

      هذا الذي يجلس في بيته ، ما الذي يمنع أن يصيب البيت زلزالٌ ، فإذا هو أنقاض بعد ساعة ؟ هذه المدن الضخمة التي أصابها زلزالٌ في ثوانٍ معدودة أصبحت ركاماً ، أصبحت أثراً بعد عين ، أصبحت خبراً .

     أحدث زلزال وقع في كولومبيا ، مدينة سكانها خمسة وثلاثون ألفاً ، ثار بركانٌ فأذاب الثلوج ، وبعدها ذاقت هذه المدينة الحمم البركانية مع السيول التي أغرقتها ، فكان الضحايا جميع سكان المدينة ، فهؤلاء في مدينة ، في بناء فخم ، في بناء قوي محكم ، جدران سميكة ، ومع ذلك انهار البناء ، الإنسان تحت رحمة الله عز وجل في كل لحظةٍ ، وفي كل بقعة ، انتبهوا ، واحفظوا هاتين الكلمتين : الإنسان في كل لحظة وفي كل بقعة تحت رحمة الله عز وجل .

      مهندس عرسه بعد أيام ، صعد إلى بناء ليشرف عليه ، مدّ رأسه من النافذة ، عاملٌ على السطح تفلتت من يده قطعة كبيرة من الإسمنت فوقعت فوق رأسه فدقته دقاً ، وهذا ضمن المدينة ، ضمن عمله ، المعنى : أن احتمال الموت المفاجئ سهل جداً .

      أحياناً الإنسان تصدمه دراجة ، فإذا هو ملقىً جثة هامدة ، أحياناً لسبب تافه جداً ، مثل رجل أراد أن يحرك جهازاً ثُبت على الحائط بشكل مرتفع ، استعان بكرسي وهو في أوج نشاطه ، وأوج قوته ، وأوج غناه ، صعد على هذا الكرسي ، انزلق الكرسي ، ووقع فوقه ، جُرِحَ في مقعدته ، أخذ إلى المستشفى ، بعد خمسة عشر يوماً صار تحت أطباق الثرى ، توفي ! لسبب تافه جداً .

      سمعت عن قصة إنسان ، بعوضةٌ لدغته فانتفخ جبينه ، ما هي إلا ساعات معدودات ، قيل : صار في دمه فساد واختلاط ، ما هي إلا ساعات معدودات حتى صار من أهل القبور .

      فالإنسان ليس شرطاً أن يكون خوفه من البحر أو من الجو ، لكن الخوف يجب أن تخاف الله عز وجل في كل مكان ، وفي كل زمان ، في كل لحظة ، وفي كل بقعة  .

        أحدهم يركب سيارته ، يتنزه مع زوجته في جبل قاسيون ، بعض البغال الشاردة اضطرب ، فقفز إلى عرض الطريق فجاءت قدماه داخل السيارة ، فقتلت السائق وزوجته ، المعنى أنه من الممكن لسببٍ تافهٍ أن ينتهي أجلك .

       اقرؤوا بعض الحوادث ، هناك حوادث سير ، هناك حوادث سيارات ، هناك أسباب طفيفة جداً تنهي الإنسان ! فالإنسان المطمئن أبله ! كل إنسان مطمئن وهو يعصي الله أبله ! كل إنسان لا يبالي ، يثق بقدراته الذاتية ، يثق بماله ، بصحته ، بمكانته وعمره المديد ، كأن يقول : أين أنا من الستين ؟ أنا مازلت صغيراً .

    فكأن الستين حتمية ، لكن الله عز وجل يقول :

( سورة الحجر )

      الموت هو اليقين ، اليقين لن تأتيه ، ولكن هو سيأتيك ، ولا تدري متى سيأتيك اليقين ، قد يأتي في سن الشباب ، وقد يأتي في سن الكهولة ، وقد يأتي من طريق غير متوقع .

       وأنتم في البر ، وأنتم على اليابسة ، وأنتم في بيوتكم المُشَيَّدَة ، وأنتم في الأماكن الأشد تمكناً ، وأنتم في مكان تطمئنون فيه  .

وكما قال الشاعر  :

لا تأمن الموت في طرفٍ و لا نفسِ         وإن تمنّعت بالحجاب والحرسِ

فما تزال سهام الموت نــــافذة          في جنب مُدَّرعٍ منها و مُتَّرِسِ

أراك لست بوقّافٍ و لا حذرٍ كالحا           طب الخابط الأعواد في الغلس

ترجو النجاة و لم تسـلك مسالكها           إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ

***

         الحاصب : رياحٌ عاتيةٌ محملةٌ بالحصى ، هذا أشد من الغرق ، ربنا عز وجل قال :

( سورة الأنعام  : 65)

هذه البراكين .

هذه الزلازل .

فأن يذوق الإنسان بأس أخيه قد يكون عليه أشد من الزلزال ، وأشد من البركان .

       الإنسان أحياناً يوكل إنساناً ليتابع قضية ، يوكل محامياً ليدافع عنه ، يوكل طبيباً يعالجه ، يوكل إنساناً يدير له أعماله ، في ساعات الشدة ،

(سورة الرعد : 11)      

ثم قال تعالى :

يتوكل في الدفاع عنكم أو في حفظكم ، أو في إزاحة الخطر عن كاهلكم  .

      حسناً ، الآن لدينا حال آخر :

     ركبت البحر ، ورأيت الأهوال ، وهبَّت عاصفة هوجاء كالجبال ، وشهْدَت أنه لا إله إلا الله ، وعاهدت الله ألاّ تركب البحر في حياتك كلها ، الله عز وجل قادر أن يغريك بركوب البحر مرة ثانية ! يغريك بطريقة أو بأخرى ، يقال لك : رحلة في الصيف إلى قبرص جميلة جداً ، الأسعار مغرية ، النفقات محدودة ، الأماكن جميلة مثلاً ، أنت تستجيب لهذا الإغراء ، وتركب البحر مرة ثانية ، الله عز وجل قادر أن يرغِّبَك بركوب البحر مرة ثانية .

        لا أدري من أتيح له أن يرى البحر ، وهو في هيجانه ؟ أشد الناقلات ، أشد السفن جبروتاً ، الناقلات التي تحمل مليون طن ، يوجد الآن ناقلات بترول وسفن تجارية حمولتها مليون طن ، هذه السفن إذا هبت الرياح في البحر ، وأصبح الموج كالجبال لا تزيد على أن تكون ريشةً في مهب الرياح ، تنقلب هذه السفينة العملاقة إلى قارب نجاة صغير يتأرجح فوق الأمواج ، بل تتلاعب به الأمواج  .

       قبل أسابيع قرأت مقالة عن أعمال تجري لاستخراج سفن كانت قد غرقت في العصور السالفة ! فمثلاً سفينة غرقت عام ألف وثمانمئة محملة بخمسة أطنان من الذهب مثلاً ! الآن هناك شركات تجول المحيطات لتبحث عن السفن التي غرقت في العهود السابقة ، وهي محملة بالثروات المعدنية ! فقلت : سبحان الله ! سفينة وركابها وثرواتها هي في قاع المحيط الآن ! هذه ( التيتانيك ) أشهر باخرة غرقت عام ألف وتسعمئة واثني عشر ! قيل في نشرة صُنعها : إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة ! صنعت في عصر العلم ، وفي عصر الجبروت ، والغطرسة والعنجهية والاعتزاز بالعلم ، والاستخفاف بقيم الدين ! قيل : إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة ، لذلك لم يصنع لها قوارب نجاة ! انسجاماً مع هذه المقولة ، هذه السفينة صنع لها جداران ، بحيث لو أصيب الجدار الخارجي بعطب أغلقت أبواب عرضية فحصرت هذا العطب ! هناك جدار آخر سميك جداً ، فُرِشت بأفخر الأثاث ، صنع لها ثريات من أرقى الأنواع ، في أول رحلة لها من بريطانيا إلى بوسطن ! تروي الكتب أن نخبة ممتازة من أثرياء أوروبة مع زوجاتهم قد ركبوا في هذه السفينة ، قُدّر أن ثمن الحلي الذي تلبسه النساء يقدر بألوف الملايين ، وفي السفينة كل ما تشتهيه النفس ، مدينة عارمة ، فيها المسابح ، فيها المطاعم ، فيها المقاصف ، فيها المتنزهات ، فيها النوادي الليلية ، كل شيء فيها ! كما قالوا : والقدر لا يستطيع إغراقها ، ارتطمت بجبل ثلجي ، فأرسلت إشارات استغاثة بكل ما تملك السفن التي حولها ، ظنت هذه إشارات احتفالات فلم تنجدها ! وكان على ظهرها ما يزيد على ثلاثة آلاف راكب ! عندئذٍ قال أحد القساوسة : إن غرق هذه السفينة ( التيتانيك ) هي درس من السماء إلى الأرض ! وقبل أشهر فيما علمت استخرجوها ، ووصلوا إليها ! هذه قصة رائعة ، كيف أن الله عز وجل لقّن هؤلاء المتغطرسين درساً لا ينسونه !

        في شمال بريطانيا بنوا قاعدة استخراج نفط عائمة ، مربع كبير كمدينة فيها كل شيء ! عائمة على سطح الماء ، وقد قيل عنها وعن جبروتها وعظمتها وعن أنها من إنجاز البشر ، قبل سنتين جاءت عاصفة فحطمتها ! في بحر الشمال ، قاعدة لاستخراج النفط ، هذا الذي يتحدى القدر يتحدى الإله ، يقول : إن القدر لن يغرقها ، عاصفة واحدة جعلتها أثراً بعد عين !

إذاً هنا الإغراق بما كفرتم ، وكأن الإغراق جزاء موافق لهذا الكفر.

       التبيع : المسؤولية ، إذا سبب إنسان لإنسان ضرراً يدَّعي عليه بأنه مسؤول ، يمكن لأيّ ضرر يحصل لإنسان من آخر أن يدَّعي عليه ، فإذا غرقت سفينة بفعل عاصفة هوجاء من هو المسؤول ؟ من الذي سوف نحمّله هذه المسؤولية ؟ من أين نأخذ تعويضات هذا الغرق ؟ قال تعالى :

         يقول لك : قضاء وقدر ، يُطوى الملف إنسان ويختم بقولهم : والحادث وقع قضاءً وقدراً ! لا يوجد أي مسؤولية ، لا أحد مسؤول ، فربنا عز وجل قال :

( سورة الرعد )

        الإنسان مكرّم ، هذه الآية لا تكفيها المجلدات ، كرّمه بالعقل ، كرّمه بأن وضع فيه استعدادات لعمارة الأرض ! سكن البيوت ، ارتدى أفخر الثياب ، ركب الطائرات ، ركب السفن ، غاص في أعماق البحار ، وصل إلى القمر ، اخترع الأجهزة والآلات ، نقل الصوت ، نقل الصورة ، أعطاه فكراً هو أفضل ما في الكون ، فالتكريم أودع فيه استعدادات عجيبة ! الحيوانات كلها هي على ما كانت عليه ، هل رأيتم أن صنفاً من الحيوان تطوّر ؟ سكن بيوتاً ، عمل نظاماً خاصاً وحده ، اخترع آلة ما ؟ الحيوان هوَ هو ، أما الإنسان فمكرَّم ، أعطاه الله فكراً ، فالتكريم بهذا العقل ، والتكريم بهذا الكون .

( سورة الجاثية : 13)

         التكريم بالتسخير ، والتكريم بالعقل ، والتكريم بهذا الشكل ، لم يجعلنا نمشي على أربع ، ونأكل بفمنا مباشرة ، لم يجعلنا ننام في الطريق ، بل أعطانا القدرة على أن ننشئ بيوتاً ! نظام الزوجية هو تكريم ، الأولاد تكريم ، أنواع النباتات تكريم ، هذه الأزهار كم تقدَّرون عدد نباتات الزينة فقط ؟ لا تعد ولا تحصى ، فهي بالآلاف ! هناك كتاب في ثمانية عشر مجلداً ، كل صفحة نوع من الزهر ! كل زهرة طباعها ، وعاداتها ، وكيف يعتنى بها ، فيا ترى هذه الأزهار للأكل ؟ لا ، للنظر ! أليس هذا تكريماً ؟ إذا دعيت إلى وليمة ، ووضع على الماء باقة ورد ، هل تظن أن هذه للأكل ؟ هذه للتكريم فقط ، من أجل أن تستمتع بمنظرها ، إذاً صاحب الدعوة كرّمك بهذه الباقة من الورد ، إنها ليست طعاماً ، فهي مجرد التكريم ، فربنا عز وجل كرّم الإنسان كرّمه بالعقل ، كرمه بحرية الاختيار ، كرّمه بالإرادة ، وبهذا الكون ، كرّمه بأسرته ، وجعل له من أنفسه زوجة يسكن إليها .

        حملناهم في البر ، فالإنسان صنع سفينة ، صنع طائرة ، ركب مركبة ، ركب فرساً مثلاً ، خلقت له خصِّيصى  .

        جعلك تأكل الفاكهة ، وتلقي قشرها إلى الحيوان ! تأكل البطيخ ، والقشر للحيوان ، كل فاكهة لبّها لك يا صاحب اللّب ، وقشرها للحيوان ، أليس في هذا تكريماً ؟

 أنت مكرّم ، ما قولك : إن كل شيء في الكون يسبح بحمده ! وهذا الذي كرّمه الله على بقية المخلوقات غافل عن ذكر الله ؟ !

الحياة ، قال تعالى  :

( سورة الليل )

      هذا الذي دعا الناس إلى أكل الربا ، الناس الذين أكلوا الربا يدعون ، والذي دعاهم إلى الربا! 

       آكلو الربا يُدْعَوُنَ زمرة ! والسارقون ، وشاربو الخمر ، والذين اعتقدوا أن الآخرة باطل ، والذين أنكروا وجود الله عز وجل ، والذين انغمسوا في الملذات الرخيصة ، والذين عرفوا الله عز وجل ، والذين عمروا المساجد ، والذين أقاموا الصلاة ، والذين حفظوا القرآن  ، كل فئة ، كل فرقة ، كل شيعة ، كل اتجاه ، كل نمط ، كل أصحاب معصية ، كل السباقين في طاعة ، كلٌ يأتون زمرة زمرةً .

 

 

(سورة الزمر : 71)

 

(سورة الزمر : 73 )

 

            هؤلاء زمر ، وهؤلاء زمر   ،

       هذا الذي أمّوا له ، أو أمّهم ، أو كان قدوة لهم ، أو دفعهم ، أو أغراهم ، أو زيّن لهم ، أو حثّهم ، أو حضّهم .

أي كتاب أعماله بيمينه .

         عندما يأخذ الطالب جلاءه ، وكله امتياز يقرؤه آلاف المرات ! كل ربع ساعة يتأمل ممتاز ، جيد جداً جيد ، نجح إلى الصف الثامن ، هادئ ، نظيف مثلاً ، صدوق ، أخلاقه رفيعة ... هذه الكلمات الطيّبة ، وهذه المآثر، وهذه الامتيازات ، وهذا الثناء ، وهذه الاستحسان ... هذه كلها سوف تُسَجَل في صحيفته ، فها هو ذا يقرؤها بفرح وسرور .

من كان في الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى أيضاً ، ربنا عز وجل قال :

(سورة طه )

فالعمى عمى القلب الذي يصيب الإنسان في الدنيا يستمر معه إلى الآخرة !

    شيء خطير أن هذا المرض العضال ملازم لصاحبه إلى الأبد ،



 

        الكفار أحياناً يساومون أهل الإيمان ، يطلبون منهم التخلي عن بعض مبادئهم ، أن يعدّلوا مبادئهم تعديلاً خفيفاً ، لو أن أهل الإيمان قبلوا هذه المساومة ، وقبلوا أن يعدِّلوا بعض مبادئهم ، أو أن يتساهلوا قليلاً لانتهوا ! هذا الدين ليس فيه حل وسط ، إما أن تأخذه كله ، وإما أن تدعه كله .

       أقرب مثل لذلك : لو أن بالوناً منفوخاً نفخاً شديداً فقلت : أنا سأثقبه ثقباً طفيفاً كي أخفف حجمه قليلاً ، ما الذي يحصل ؟ سوف يتلاشى كلياً !

      هذه الصخرة المكينة في قمة الجبل قد تقول : أنا سأزحزحها لأجعلها في منتصف المنحدر ، إذا زحزحتها عن مكانها ، واندفعت في المنحدر فلا بد من أن تصل إلى أعمق القاع ! بحكم طبيعة الحياة ، بحكم أن كل خطوة تقود إلى أخرى ، وكل تساهل يقود إلى تساهل أكبر ، وكل تفريط يقود إلى تفريط أشد ، وكل خطأ يقود إلى خطأ أكبر ، وكل انحراف يقود إلى انحراف أكبر ، الزاوية حينما نحرفها درجة واحدة هنا المسافة ميليمتر ، لو مددنا خطّين هذا الميليمتر يصبح كيلو متر ، كلما مددت الخطّين اتسع الانحراف ، لذلك في موضوع الدين لا يوجد حل وسط ، تتساهل بمعصية تحجب عن الله عز وجل ، لو أنك سايرت صديقاً لك من أهل الدنيا ، وعصيت الله في واحدة ، هذه الواحدة لا بد من أن تقود إلى ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، ثم ينتهي بك المطاف إلى أنك ترى أن الدين شيء لا يتناسب مع هذا العصر ! تترك الصلاة ، دعاك إلى سهرة مختلطة انتهى بك الأمر إلى إنكار الدين كله ! لذلك :

(سورة القلم  )

        لو أن رجلاً له صديق أو قريب لا يقبل المساومة ، أخي ، اذهب معنا إلى السهرة ، ونحن إن شاء الله يوم الجمعة نأتي معك إلى المسجد ! لا ، لا تأتوا معي ، ولا آتي معكم ! هكذا يقولون : أنت سايرنا بواحدة ، سهرة بريئة ، ليس فيها شيء ، الإنسان يطّلع ، حديث: تعلم السحر ولا تعمل به ! من قال لك هذا الكلام ؟ يُغْرُونك أن تتزحزح عن مواقعك قيد أنملة ، فإذا تزحزحت فلا بد من أن تصل إلى الهاوية ، فربنا هكذا قال :

يعني يغرونك أن تنحرف قليلاً ، أن تسكت عن بعض الأفكار ، أن تكف عن أن تعيب آلهتهم .

         طبعاً عندما يقبل الإنسان أن يتزحزح عن مكانته وعن بادئه ، وعن عقيدته ، وعن قيمه ، يتخذونه خليلاً ، شيء طبيعي ، لكن من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى .

          عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) .

(أحمد في مسنده )

       هذه هي العصمة ، كِدْتَ تركن ، أي لن تركن ، فِعْلُ (كاد) من أعذب الأفعال ، إذا ذكرته مثبتاً فمعناه النفي ، وإذا نفيته فمعناه الإثبات ! مثلاً : كدت أقع ، هل وقعت ؟ إذا قلت : كدت أقع ، فيعني لن أقع ، وإذا قلت : ما كدت أقع حتى قمت ، معنى ذلك أني وقعت ، فإذا نفي هذا الفعل فهو مثبت ، وإذا أثبت فهو منفي .

         إذاً يا لطيف هذا القدوة إذا اخطأ له حساب مضاعف ، سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته وقال :" إني قد أمرت الناس بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير ، إن رأيتكم وقعتم وقعوا ، وايم الله لا أوتين بواحد فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني " .

         أي : عذاباً مضاعفاً في الدنيا ، وضعف الممات أي : عذاباً مضاعفاً في الآخرة ، هذا القدوة ، الأب إذا أخطأ له عذاب مضاعف ! المعلم الذي يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، الذي يتصدر توجيه الناس إذا أخطأ فله عذاب ضعف في الدنيا ، وعذاب ضعف في الآخرة ، كيف لا ؟ والنبي الكريم e لو فعل ذلك لا ستحق هذا العذاب ! إذاً لأذقناك يا محمد ضعف الحياة ، وضعف الممات ، عذاب مضاعف ، هذا عذاب القدوة مضاعف ، وثواب القدوة مضاعف !

         لو أن الله عز وجل زوّد النبي الكريم e بمعجزات رآها قومه ، وكفروا بها استحقوا الهلاك ، كما قلنا هذا في درس سابق ، لذلك إذا كان الإنسان قدوة فليتقِ الله ، لأن أكثر خطأ يأتي للناس أنهم يرون إنساناً له زي ديني ، ويعصي الله ! يقتدون به ، هل أنت أفهم من فلان ؟ أشد ورعاً منه ؟ هو يفعل هذا ! هذا الجاهل ، أما الذكي فيقول : كله خلط ،له موقفان ، موقف معلن ، موقف حقيقي ، يتخذ الدين تجارة ، يتخذه مطية لمآربه ، فهذا الذي يعصي الله أو يتساهل ، أو يتزحزح عن مواقعه المتينة من أجل الدنيا هذا له عذاب ضعف في الدنيا ، وضعف في الآخرة .

 والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi