English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "3 / 6" من تفسير سورة  مريم (019) : الآيات 38 – 59  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث من سورة مريم ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

هذه هي الحقيقة ، هذا هو واقع الأمر ، وكلُّ الذي يُدَّعى ، ويُقال عن هذا النبي العظيم عدا ما تضمنته هذه الآيات فلا أصل له ..

      

هذا يستحيل في حقِّ الله أن يكون له ولد ، لأنه غنيٌّ عن الولد ، الولد يُتَّخَذُ عادةً لتخليد الذكر ، والولد يُتَّخذ عادةً ليعين أباه في سنِّ الضعف ، والله سبحانه وتعالى قويٌ ، غنيٌ ، أبديٌّ ، سرمديٌ ، واحدٌ أحدٌ ، فردٌ صمدٌ ..

      

أمرُ الله بين الكاف والنون ..

      

فحينما تكلمَ هذا النبي الكريم يوم كان صغيراً :


      

اليهود اتهموا هذه السيدة الصِدِّيقة البتول بالزنا ، والنصارى قالوا : هذا ابن الله ..

      

كيف كذبوا على الله ، وكيف قالوا على الله من دون علمٍ ، ولا هدىً ، ولا كتابٍ مبين .

      

هنا وصلنا بالضبط :

      

في اللغة العربية صيغتان قياسيَّتان من صيغ التعجُّب ، تقول : ما أعدل القاضي ، وأعدِل به ، ما أفعله ، وأفعِل به ، فصيغة أَفْعِلْ به صيغةٌ من صيغ التعجُّب ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

      

متى ؟

      

أيْ ما أشدَّ سمعهم ، وما أشدَّ بصرهم يوم القيامة ، ولكن بعد فوات الأوان ، أما في الدنيا يوم فكان ينفعهم سمعهم وأبصارهم ، فقد كانوا صُماً بكماً عُمياً عن كل حقيقة ، أما يوم القيامة ، يوم لا ينفعهم سمعهم وأبصارهم فحينئذٍ ..

      

هذا هو الشقي ، إنّهُ يعرف الحقيقة بعد فوات الأوان ، الطالب الكسول يفتح الكتاب ليقرأ الإجابة عن السؤال بعد الامتحان ، بعد أن نال الصفر ، ما قيمة فهمك لهذا الكتاب الآن ؟ ما قيمة هذا الفهم وهذه القراءة ؟ فالله سبحانه وتعالى يقول :

      

أي ما أشدَّ سمعهم ، وما أشدَّ بَصَرَهُم ، وهذا يؤيِّده قوله تعالى : [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ] .

( سورة ق : 22)

       رؤيةٌ ثاقبة ، رؤيةٌ صحيحة ، إدراكٌ عميق ، فهمٌ دقيق ، كشفٌ للحقائق ، ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان ..

      

ليتَهم أبصروا هذه الحقيقة ، وهم في الدنيا ، ليتهم عرفوا ربهم ، وهم في أَوْجِ قوَّتهم ، يوم كان من الممكن أن يُصَحَّح كل شيء ، وأن يُفتَحَ مع الله صفحةً جديدة  ، ليتهم سمعوا ، وأبصروا يوم كانوا أحياء بيدهم الدرهم والدينار ، به يستطيعون التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، به يستطيعون تلافي أغلاطهم ، به يستطيعون تكفير سيّئاتهم ، ليتهم سمعوا ، وأبصروا يوم كانوا في الدنيا ، حينما كانوا مخيَّرين ، لهم حريَّة الاختيار ، أما وقد سُلِبَت منهم هذه الحريَّة ، فما قيمة سمعهم وأبصارهم ؟ .

       فهذه النقطة مهمة جداً ، الإنسان في الدنيا باب التوبة مفتوح لَهُ ، الأبواب كلُّها مفتَّحةٌ توصل إلى الله عزَّ وجل ، الأبواب كلُّها مفتَّحةٌ على مصاريعها في الدنيا ، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :((اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحَّتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك)).

[الحاكم في المستدرك(7846) عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة في المصنف(34319) عن عمرو بن ميمون]

ما مضى فات ، والمؤمَّل غيب     ولك الساعة التي أنت فيها

لا تملك إلا هذه الساعة ، الساعة التي ستأتي لا تعرف ما هي ، وأين أنت منها ، هل نحن فوق الأرض ، أم تحتها ؟ في الساعة التي تَلي لا نعرف هل نحن أحياء نُرْزَق ، أم أموات ؟ والساعة التي مضت الحديثُ عنها مضيعةٌ للوقت لأنها مضت وانقضت ، وليس لنا إلا هذه الساعة التي نحن فيها ، يومٌ مفقود ، ويومٌ مشهود ، ويومٌ مورود ، ويومٌ موعود ، ويومٌ ممدود ، فاليوم المورود ، والموعود ، والممدود هذه الأيَّام الثلاثة متوقفةٌ على اليوم المشهود ، إذاً :

      

ما أشدَّ سمعهم ، وما أشدَّ بصرهم ، لقد كُشِفَ الغطاء ، وعرفوا الحقيقة ، وتبيَّن كل شيء ، وتبين أن الله عزَّ وجل هو الحقُّ المبين ، وأنه لا إله غيره ، وأن الجنَّة حق ، وأن النار حق ، وأن الأنبياء حق ، وكل هذا قد عُرِفَ ، ولكن بعد فوات الأوان ..

      

ليتكم سمعتم ، وأنتم في الدنيا ، ليتكم أبصرتم الحقائق ، وأنتم أحياء ، فالأبواب كلها مفتّحة ؛ بابُ التوبة مفتوح ، بابُ الاستقامة مفتوح ، بابُ العمل الصالح مفتوح ، بابُ العلم مفتوح ، بابُ التقرُّب إلى الله مفتوح ..

      

لكنَّ بعض المفسِّرين يقول : " لا يجوز التعجُّب على الله عزَّ وجل" ، ما هو العجب ؟ نحن قلنا : هذه صيغةٌ مِن صيغ التعجُّب ، هكذا العرب يقولون : ما أعدل القاضي ، وأعدِل به ، ما أجمل السماء ، وأجْمِل بها ، ما أفعله ، وأفعِل به ، هذا يجوز علينا نحن البشر ، لأن الشيء العجيب هو الشيء الذي يلفت النظر ، ولا تعرف أسبابه ، فإذا ظهر السبب بَطَلَ العجب ، أما على الله عزَّ وجل فليس هذا بعجيب ، لذلك هذا العجب ينتابنا نحن ، أيْ أن ربنا عزَّ وجل يصف عجبنا يوم القيامة كيف يشتدُّ سمعنا وبصرنا ، ولا حيلة لنا ، ويوم كنَّا في الدنيا لا سمع ، ولا بصر ، والحِيَل كلُّها بين أيدينا..

      

فما من حالةٍ قبيحةٍ بالإنسان ، وحالةٍ بشعةٍ بالإنسان ، وحالةٍ مُزريةٍ بالإنسان ، وحالةٍ مجحفةٍ بالإنسان كأن يكون جاهلاً إلا ناتجة عن الجهل ، والجهل عدو الإنسان ، والعلم فرض عينٍ على كل مسلم ، طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ، فرض عينٍ ، فقد يقول قائل : أنا مهندس ، أنا طبيب ، أنا تاجر ، أنا مُزارع ، أنا مهندس زراعي لا شأن لي بالعلم الديني ، أنا اختصاصي غير هذا ، لا ، هذا كلامٌ مردود ، طلب العلم الديني فرض عينٍ على كل مسلم ، يجب أن تعلم الحقائق التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة ، وإلا فقد قصَّرت في حق نفسك وظلمتها ، وأوردتها المهالك ، لأنه ما مِن مأساةٍ إلا وراءها معصية ، وما من معصيةٍ إلا وراءها جهل ، والجهلُ يؤدي إلى المعصية ، والمعصية تؤدي إلى المأساة ، فلذلك إذا أردت أن تسلم في الدنيا فاطلب العلم ، وطبِّق العلم حتى تسعد في الدنيا والآخرة ..

يا محمَّد ، أنذر قومك ، بل أنذر الناس جميعاً ..

      

يوم الحسرة من أسماء يوم القيامة .. يوم الحسرة .. لأن الإنسان تأكل قلبَه الحسرة ، فهو في الدنيا كان قد سعى ، وجمع الدرهم والدينار ، وفجأةً أصبح من أهل القبور ، فأيقن أن الذي جمعه لم ينفعه شيئاً ، كان يظنُّ أن المال كلُّ شيء فأفنى عمره في تحصيله وجمعه ، فلمَّا جاءت المَنِيَّة عرف أن المال شيء ، ولكنَّه ليس كل شيء ، وأن كل شيء هو الإيمان ، ومعرفة الواحد الديَّان ، مِن هذا يأتي الندم ، فلا يعرف الشوق إلا مَن يكابده ، ولا الصبابة إلا من يعانيها ، الحسرة لا يعرفها الإنسان إلا إذا ضيَّع شيئاً ثميناً في الدنيا بتصرُّفٍ ساذجٍ جاهل ، يقول : الحسرة تأكل قلبي ، كيف ضيّعت هذه الزوجة ؟ كيف فرَّطت فيها ؟ كيف ضيَّعت هذا البيت ؟ كيف أحجمت عن شراء هذه البضاعة ؟ إذا كان شيءٌ ماديٌّ يُحصَّل في الدنيا مرَّةً ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، وضاع منك تتحسَّر عليه ، فكيف إذا عرف الإنسان أن الآخرة كلَّها قد ضاعت ، الأبد كلُّه ضاع ؟ .. ((فو الذي نفس محمدٍ بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار)) .

      

فهؤلاء الذين انغمسوا في الدنيا سيتحسَّرون على أنهم ضيَّعوا عمرهم سدى ..

[يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ] .

( سورة الزمر : 56)

[وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ] .

 ( سورة الفرقان : من آية " 37 " )

       العضُّ على اليدين ، والحسرة في القلب والندم ، و .. [رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ] .

( سورة الحجر :2)

       هذه الآيات كلُّها تؤكِّد أن الذي لم يعرف ربه في الدنيا ، ولم يستقم على أمره ، ولم يتقرَّب إليه ، ولم يتعلَّم العلم الذي ينجيه من أهوال يوم القيامة سوف يواجه يوم القيامة حالةً نفسيَّةً لا توصف ، عبَّر الله عنها بكلمةٍ واحدة هي .. يوم الحسرة ..

      

وما من شعورٍ مسعدٍ مثل أن يكون الإنسان على استعداد لغدِهِ كأن يأتي الموت ، وقد استعدَّ الإنسان له أتم استعداد ، وقد عرف ما له وما عليه ، وقد أدَّى ما عليه لله عزَّ وجل ، عَبَدَهُ ، وأطاعَه ، وأفنى عمره في طاعته ، وفي التقرُّب منه ، فجاء الموت فكان من السُعداء ، لذلك متى يخشى الإنسانُ الموتَ ؟ إذا عَمَّر دنياه ، وخَرَّب آخرته ، متى يخشى الموت ؟ إذا كان يقْدُمُ على حياةٍ لا يعرف عنها شيئاً ، متى يخشى الموت ؟ إذا حمل من الأوزار ما لا يطيق ، لذلك أقْلِل من الذنوب يسهل عليك الموت ، أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر ، أرسل مالك أمامك يسعدك اللحاق به .

      

إذا ارتكب مجرمٌ جريمةً ، واستحقَّ الإعدام ، وصُدِّق الحكم ، وسيق للتنفيذ ، وهو يصعد درجات المشنقة ، فبكاؤه كضحكه ، كرجائه ، كدعائه ، كتوسله ، كلُّها سيَّان ..

      

الحكم مبرم ، ومصدَّق ، والتنفيذ بعد دقائق ، فهذه المشكلة أن الإنسان في الدنيا أمورُه تُصحَّح ، والأخطاء تُغْتَفَر ، والذنوب تغتفر ، والمعاصي تُسْتَر ، الحقوق تؤدَّى ، والمظالم تُسَوَّى ، كل شيءٍ في الدنيا له حل ، أما إذا جاء الموت ، وخُتِمَ العمل فليس هناك من حلٍ أبداً ..

      

انتهى الأمر ، هذه ساعة الحكم المبرم .. [أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ].

( سورة الزخرف : 79)

       هم اتخذوا قراراً بأن الدين لا يُجدي في هذه الحياة ، هكذا أبرموا أمراً ، إذاً حينما يأتون يوم القيامة ..

      

كانوا في غفلةٍ عن هذا ، كانوا في غفلةٍ عن يوم القيامة ، عن هذا اليوم الرهيب ، عن الطامَّة ، عن الواقعة ، عن يوم الحسرة ، عن يوم الدين ، عن يوم الجزاء ، عن الصَّاخَّة ، هذه كلُّها أسماء ليوم القيامة ..

      

لم يؤمنوا بالله عزَّ وجل ، ولم يؤمنوا باليوم الآخر ، فغفلوا عنه ، فانغمسوا في شهواتهم ، فجاءهم الموت فجأةً فأصابتهم الحسرة .. [فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ] .

( سورة المدثر : 9 -10)

       يومٌ عسير حينما يُساق الإنسان ليلقى جزاء عمله ، هذا في الدنيا عسير فكيف في الآخرة ؟ في الدنيا المحامون موجودون ، والخروج بكفالة، والوسائط متوفرة ، والقاضي قد يكون منحازاً إلينا ، هناك أسباب كثيرة تخفِّف من وطأة هذه الساعة ، أما يوم القيامة فالله سبحانه وتعالى هو الحكم الفصل بين العباد ، لا محاباة ، ولا مداراة ..

      

فعلاقة هذه الآية بأختها واضحة ، فرحهم ، وغفلتهم أَرْدَتْهم ..

      

لماذا هم لم يؤمنوا ، وكانوا في غفلة، وانغمسوا في الشهوات ؟ لأن الدنيا كانت بين أيديهم ، إنهم فرحوا بها ، افتخروا بها ، تاهوا بها على عباد الله .. [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ] .

( سورة الأنعام : 44)

       فرحوا بما أوتوا ، قارون قال : [إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي] .

 ( سورة القصص : من آية " 78 " )

[قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ]

( سورة القصص :76)

      ((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ..)) ، من صفات الكفَّار أنهم يفرحون بالدنيا ، يفرحون بها ، تمتلئ قلوبهم فرحةً بنيلها ، فلذلك هذه الدنيا التي فرحوا بها ، واطمأنوا إليها ، وركنوا إليها ، وسكنوا إليها ، وافتخروا بها ، واعتزوا بها هذه لن تدوم لهم ، والدليل :

    

هذا البيت الذي أمضيت سنواتٍ طويلة في تزينه ليس لك ، وهذه الدُكَّان التي تعلَّق القلب بها ليست لك ، وهذه المركبة الأنيقة التي تتيه بها على الناس ليست لك سيرثها الله منك ، لابدَّ من أن تتركها ، كل شيءٍ في الدنيا يُتْرَك ، ولا يدخل معك في القبر إلا عملك ، فلذلك هنا لماذا هم في غفلةٍ ؟ لماذا هم لا يؤمنون ؟ لماذا سيتحسَّرون ؟ لأنهم منغمسون في الدنيا ، والدنيا العريضة التي بين أيديهم ليست لهم ، ليست على الدوام لهم ، إنها لهم لوقتٍ محدود .. لمن هذا القطيع من الإبل ؟ قال : " لله في يدي " .. الآن في يدي ، ادخلْ أحد أسواق دمشق ، فهذه الحوانيت أصحابها الحاليون جاؤوا بعد أصحابٍ لها سابقين ، وأصحابها السابقون جاؤوا بعد أصحابٍ لها سابقين ذلك ، وهكذا دواليك ..

      

وفي النهاية هذه الأراضي الغالية الثمن ، وهذه البيوت الفَخمة ، وهذه المركبات الأنيقة ، وهذه البساتين الغَنَّاء ، وهذه الأموال الوفيرة إنها ليست لأصحابها ، إنها لله عزَّ وجل .. ((إنَّ لله ما أعطى وله ما أخذ .. )) .

      

يُرجَعون لنحاسبهم على أعمالهم ، وهذه الآيات جاءت بين قصَّتين ، بين قصَّة مريم الصِدِّيقة ، وبين قصَّة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .. لنقرع نواقيس خطر العودة " وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ".

      

يا محمَّد ..

      

إنَّ العرب جاؤوا من نسله ، وهم يعتزون به ، وهم ينتمون إليه ، وإبراهيم هذا لم يكن مشركاً ، بل كان مؤمناً موحِّداً مسلماً ..

      

الصِدِّيق صيغة مبالغة للصادق ، والصادق هو الذي يفعل ما يقول ، ويقول ما يفعل ، ليس هناك ازدواجيةٌ في حياته ، ليس هناك مسافةٌ بين أقواله وأفعاله ، يفعل ما يقول ، ويقول ما يفعل ، أي أنه إذا تكلَّم ينطق بالحق ، وإذا فعل يأتي فعله مصداقاً لقوله ، هذا هو الصديق ، وهذه الصفات العالية التي اتصف بها الأنبياء والمرسلون ، ومن ثم فالمؤمنون مكلَّفون أن يتَّصفوا بها لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ((وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)) .

[مسلم عن أبي هريرة]

       فيجب أن نكون صادقين ، إذا تكلَّمنا فكلامنا ينبغي أن ينبع من حقيقة لا من دجل ، لا من تزوير ، لا من إخفاء ، لا من تحوير ، لا من تبديل ، وإذا فعلنا يجب أن يكون فعلنا مصداقاً لعقيدتنا ، حيثما كان القول مصدِّقاً للعمل ، وحيثما كان العمل مصدِّقاً للقول فهذه هي الصِدِّيقية ..

      

قال عليه الصلاة والسلام : ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ)).

( مسند أحمد : عن " أبي أمامة " )   

      إذا وقع الإنسان في الكذب فكأنما خرج من إيمانه ..

      

وكلمة النبي لها معنيان ، إنه تَنَبَّأ بالغيب لما يوحى إليه ، تنبأ بالحق الذي أُوحي إليه ، والنبي من الشيء المرتَفَع ، أيْ مرتبةٌ نفسيةٌ رفيعة ، ومرتبةٌ علميَّةٌ رفيعة ..

      

القول الأوَّل ، والثاني ، والثالث ، والرابع ، أربع موضوعات ، أولاً :

      

أساسها يا أبي ، هذه التاء جاءت نيابةً عن ياء المُتَكَلِّم ..

      

فيها تحبُّب ، فيها تلطُّف ، فيها مودَّة ، فيها تواضع ، وإذا أردْتَ أيها الأخُ المؤمن أن تنصح أباك فكن غايةً في التلطُّف ، والأدب ، والمودّة ، والاحترام ، لأن الأب أبٌ ، والابن أبنٌ ، أمَّا أن يكون الابن متعالياً ، أو قاسياً ، أو مُقَرِّعاً لأبيه ، فهذا يستحيل أن يؤدِّي هذا الموقف إلى الهداية ..

      

نبيٌّ عظيم أبو الأنبياء ، ومع ذلك وقف من أبيه المُشرك وقفةً فيها أدبٌ رفيع ..

      

يا أبتِ موقفُكَ موقفٌ غير معقول ، موقفٌ غير مقبول ، موقفٌ غير منطقي ، موقفٌ غير واقعي أن تأتي إلى صنمٍ من حجر فتعبده من دون الله ، أهو يسمعك إذا ناديته ؟ لا والله ، أهو يراك إن فعلت شيئاً يرضيه ؟ لا والله ، أهو يستجيب لك إن استغثتَ به ؟ لا والله ، أهو يقدِّم لك الحواس ؟ أيقدِّم لك الماء من السماء ؟ أينبت لك الزرع والزيتون ؟ أيَخْلُقُ في بطن زوجتك هذا الغلام اللطيف ؟ لا والله .. [أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ] .

( سورة الواقعة :59)

       ماذا فعل هذا الصنم ؟ ..

      

إذا تعلَّقت بإنسان له سمعٌ ، وله بصر ، وله فكرٌ ، وله إرادة ، وهو أقوى منك ، إذا تعلَّقت به فهذا إشراك ، لأن هذا الإنسان مُضَّطَرٌ إلى مقومات وجوده كاضطرارك أنت ، ولو أن الله عزَّ وجل قطع عنه الإمداد ثانيةً لأصبح جثَّةً هامدة ، إذا كنت منهياً عن أن تعبد إنساناً أرفع منك شأناً ، وأقوى منك ، يسمع ويبصر ، ولكنَّه في النهاية عبدٌ مفتقرٌ في وجوده إلى الله عزَّ وجل ، فإنك لا تُسَمَّى منطقياً ، ولا عاقلاً ، ولا واقعياً ، إذا أطعت إنساناً يبدو لك أنه عظيم ، يبدو لك أنه قوي ، يبدو لك أنه يسمع ويُبْصر ، لأن هذا الإنسان مفتقرٌ في وجوده إلى الله عزَّ وجل كافتقارك أنت ، فكيف تعبد صنماً لا حسَّ له ، ولا سمع له ، ولا بصر له ، ولا إدراك له ، ولا حركة له ، ولا نفع منه ، ولا ضرر من إغضابه ؟ شيءٌ سخيفٌ جداً ..

      

استفهام إنكاري ..

      

فكِّر في هذه الأصنام ..

      

منتهى الأدب ، لم يقل له : يا أبتِ إني عالمٌ ، وأنت جاهل ، إنني أعلم كل شيء وأنت لا تعلم شيئاً ، لا ، قال :

      

جاءني بعض العلم الذي لم يأتك .. يُروى أنَّ عالماً شهيراً رأى رجلاً وحوله تلاميذه ، فهاله تجمُّع الناس حوله ، وأراد أن يصغِّره في عيون تلاميذه ، فجلس في مجلسه ، وبعد انتهاء الدرس قال له : " يا هذا ، إن هذا القول الذي تقوله ما سمعنا به ، فمِن أين جئت به ؟ " ، قال : " يا سيدي أو حصَّلت العلم كلَّه ؟ إذا قال : نعم ، فقد خالف نصَّ الآية الكريمة : [وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً] .

( سورة الإسراء : 85)

       قال : " لا : ، قال : " فهذا من الشطر الذي لم تُحَصِّله " ، وأسكته عن طريق العقل والأدب .. وسيدنا إبراهيم كان في منتهى الأدب مع أبيه..

      

العلماء استنبطوا من هذه الآية أن العالِم يجب أن يُتَّبَع في كل شيء، ليس في الدين فقط ، بَلْ في أية مصلحة ، فإنّ العالِمَ هو الذي يُتَّبَع ، والأقلُّ علماً هو الذي يجب أن يتبع الأكثر علماً ، في الهندسة ، في الطب ، في أي مجال ، الكلمة الأولى للأعلم ، وفي الدين كذلك ..

     

أنا أشعر أن هذه الكلمة في منتهى الأدب ، في منتهى التلطُّف ، وهذا درسٌ لنا ، قد تُضطر أن تناقش إنساناً أكبر منك ، قد يكون عمَّك ، أو أباك ، أو من هو أعلى منك في العلم ، أكبر منك سنَّاً ، وأعلى قدراً ، وهو واقعٌ في غَلَطٍ شديد ، واقعٌ في انحرافٍ خطير ، يتكلَّم كلاماً باطلاً ، أنت إن أردت نُصْحَهُ فإيَّاك أن تأتيه مِن فوق ، لأنه لن يستجيب لك ، إيَّاك أن تقسو عليه بالكلمات ، تلطَّف معه ، كأنني سمعت كذا وكذا ، وكأنني أريد أن أستفهم منك ، اجعلْ نُصحك له ، ووعظك إيَّاه على شكل سؤالٍ وجواب .

       فهذا النبي العظيم الموحى إليه ، أبو الأنبياء ، يتلطَّف مع أبيه المشرك ، ويقول له :

      

وشيءٌ آخر ، ليس هناك اتّباعٌ إلا للعالِم ، أيْ أن طاعة الأب طاعةً مطلقةً عمياء سلوك غير إسلامي .. ((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ)) .

[الترمذي]

      

إن اتبعتني سعدتَ في الدنيا والآخرة ، سرتَ على صراطٍ مستقيم ، عرفتَ ما لك وما عليك ، عرفتَ الذي خلقك ، عرفتَ الذي كَوَّنَك ..

     

هو يعبد هذه الأصنام ، فلِمَ قال له سيدنا إبراهيم :

      

لأن الشيطان هو الذي يسوِّل للإنسان أن يعبد الأصنام ، الشيطان إذا سوَّل لهم أن يعبدوا الأصنام فإنه يبعدهم عن الواحد الديَّان .. إحدى القبائلِ العربيَّة كانت تعبد صنماً من تمر ، فلمَّا جاعت أكلته ، فكان يقال عنها : أكلت ودٌ ربَّها ، ومرَّة رأى شاعر صنماً وثعلبٌ يبول على رأسه ، فقال :

أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ‍‍‍؟‍!!     لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالب

*  *  *

       مستحيل ، كيف يُعبد هذا الصنم من دون الله ؟ ..

      

أيْ أن سبب كل شقاء يلحق الإنسان ناتج عن الإنسان أنه عصى الرحمن ، وحينما تعصي إنساناً منحرفاً فربما كانت معصيتك له هي الصواب ، ولكن الشيطان عصى الرحمن ، وربنا عزَّ وجل ذكر هذا الاسم ( الرحمن ) لأنه جامعٌ للأسماء الحسنى ، و كأنَّ اسم الله الأعظم ، " الله الرحمن " .. [قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى] .

 ( سورة الإسراء : من آية " 110 " )

       وبعض العلماء يقول إن هذا الاسم ( الرحمن ) هو : " اسم الله الأعظم ، لأن قدرته فيها رحمةٌ ، وحكمته فيها رحمةٌ ، والرحمة تَجمع بين أسمائه كلِّها " ..

      

إذاً أوّلاً : كيف تعبدُ هذه الأصنام التي لا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تغني عنك من الله شيئاً ؟!

       ثانياً : يجب أن تتبعني لأنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك .

       وثالثاً :

      

فإذا عبدت الشيطان الذي عصى الرحمن فعبادته معصيةٌ للرحمن ، وأن تطيع العاصي فهي معصية ، ومن المعاصي أن تطيع العاصي ، فالشيطان عاصٍ للرحمن ، فإذا أطعته فقد عصيت الله عزَّ وجل ..

      

الآن خوَّفه ..

      

فالمَسُّ ؛ أن يمسَّك عذابٌ من الرحمن ، لِمَ لمْ يقل ربنا عزَّ وجل : إني أخاف أن يمسَّك عذابٌ من الله ؟ هذه إشارة إلى أن كل المصائب على وجه الأرض ، كل العذاب ، كل أنواع العذاب على وجه الأرض إنما في الأساس مبعثها الرحمة ، لقوله تعالى : [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] .

   ( سورة الأنعام :147 )

       تقتضي رحمته ألاّ يردُّ بأسه عن القوم المجرمين ..

      

فكيف أن المريض الذي التهبت عنده الزائدة ، كيف يُفْتَحُ بطنه ؟ وتُقطَّع شرايينه ؟ وتسيل الدماء على جسده ؟ وكيف يُعطى الأدوية المسكِّنة لوجود الآلام المُبَرِّحة ، كل هذا بدافع الرحمة ، هذا شيءٌ ظاهر يعرفه القاصي والداني ، كذلك فكُلّ شيءٍ وقع على وجه الأرض محضُ رحمةٍ من الله تعالى ، ومحضُ حكمةٍ ، ومحضُ عدالةٍ ، ومحضُ علمٍ ، في كل شيءٍ وقع على وجه الأرض علمٌ ، ورحمةٌ ، وعدالةٌ ، وحكمةٌ من الله عز وجل ، وهكذا :

      

حينما يستمع الأب مثلاً إلى كلمةٍ نابيةٍ من ابنه لا يسعه إلا أن يؤدِّبه ، وقد يوقع به ضرباً مؤلماً لئلا يعود لمثل هذه الكلمة ، فهل نقول : الأب انطلق في هذا الضرب من قسوةٍ في قلبه ؟ لا ، بل من رحمةٍ على هذا الابن من أن يكبر على عاداتٍ ، وأخلاقٍ رَدِيَّةٍ سيِّئة ، فغالباً عند الإنسان الذي يتسم بقلبِ كبير ، وتبدو أعماله للآخرين قاسيةً فإنما مبعثها الرحمة ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه يقول :[قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] .

( سورة آل عمران : 26)

[فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ] .

( سورة الأنعام : من آية " 147 " )

[وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] .

( سورة الأعراف : من آية " 156 " )

 

      

الإنسان إذا أصابه العذاب من الرحمن ، إما أن يستجيب فيتوب ، وإما أن يُصِرَّ على معصيته فيوالي الشيطان ، فلا أحد يعرف كيف يكون ردُّ الفعل على هذه المصيبة ، ربما ساقت هذه المصيبة الإنسان إلى مزيدٍ من الكفران ، وربما أدَّت به إلى التوبة والإحسان ، على كلٍ قد يَمَسُّ ربنا عزَّ وجل عبداً بالعذاب فيكون للشيطان ولياً ، يواليه ..

        الآن تكلَّم والد سيدنا إبراهيم :

      

كل هذا الكلام المنطقي الواضح اللطيف لم يؤثِّر فيه ..