English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "4 / 6" من تفسير سورة  مريم (019) : الآيات 38 – 59  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة مريم ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

قال العلماء : الخَلْفُ شيء ، والخلَف شيءٌ آخر ، فالخلْف - بتسكين اللام - الذرية السيِّئة ، والخَلَفُ - بفتح اللام - الذرية الصالحة ، فإذا قلت لرجلٍ فقد أباه تقول له : خير خلَفٍ لخير سلف . أما الخلْف فهي الذرية السيئة ، فربنا سبحانه وتعالى بعد أن ذكر عن هؤلاء الأنبياء العظام ، وعن صفاتهم الراقية ، وعن شكرهم ، وعن عرفانهم ، وعن طاعتهم ، وعن محبتهم ، وعن أعمالهم الطيبة ، وعن نفسياتهم السامية ، بعد أن ذكر كلّ ما ذكر عن كل هؤلاء قال تعالى :

      

من بعد هؤلاء الأنبياء ..

      

هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ، من أضاع الصلاة اتَّبع الشهوات ، من أقام الصلاة ابتعد عن الشهوات ، والمقصود بالشهوات الشهوات الدَنِيَّة ، لأنك إذا تزوَّجت فبهذه الشهوة ترقى إلى الله عزَّ وجل ، وإذا كسبت المال الحلال وأنفقته في وجوهه المشروعة ، فبهذا الكسب ، وبهذا الإنفاق ترقى إلى الله عزَّ وجل ، ولكن الشهوات التي وردت في هذه الآية إنما تعني الشهوات المُنْحَطَّة التي ما شرعها الله عزَّ وجل ، ولا سمح بها ، فمثلاً أن تعتدي على أعراض الآخرين هذه شهوةٌ منحطة ، طبعاً هذا الاعتداء مبعثُه الشهوة ، ولكن هذه الشهوة إنما أودعت فيك لترقى بها إلى الله عزَّ وجل ، عن طريق الزواج إيجاباً ، ولترقى بها إلى الله عزَّ وجل سلباً عن طريق الابتعاد عن المحرَّمات ، فكل الشهوات التي أَودعها الله في الإنسان من أجل أن يرقى بها رُقِيّاً في حالتين ؛ في حالة الإيجاب ، وفي حالة السَلب ، فإذا ابتعد عن المحرمات من الشهوات يرقى إلى الله عزَّ وجل ، فإذا أخذ منها ما سمح الله به حصراً يرقى إلى الله عزَّ وجل ، لكن اتباع الشهوات هنا المقصود به ، اتباع الشهوات التي حرَّمها الله عزَّ وجل ، والتي ما أنزل الله بها من سلطان ، والتي نهى عنها النبي العدنان ، اتباع الشهوات هنا ، الشهوات الخسيسة ، المنحطة ، التي تجعل من الإنسان حيواناً بهيمياً .

       فكأن هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة وبين اتباع الشهوات ، ما إضاعةُ الصلاة ؟ مِن المُجْمَع عليه أنه : ليس معنى إضاعة الصلاة تركها ، ولكن تأخيرها عن وقتها ، أو عدم الاستقامة قبلها ، إن لم تستقم قبل الصلاة فلا تنعقد الصلة بينك وبين الله عزَّ وجل ، والصلاة ليست أقوالاً ، وأفعالاً تفتتح بالتكبير ، وتختتم بالتسليم فحسب ، بل هي صلةٌ بالله عزَّ وجل ، وإقبالٌ عليه ، واتصالٌ به ، واقتباسٌ من كماله ، [إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ] .

( سورة العنكبوت : من آية " 45 " )

       أعيد هذه العبارة مرةً ثانية .. ليست الصلاةُ في حقيقتها أقوالاً وأفعالاً تفتتح بالتكبير ، وتختتم بالتسليم فحسب ، بل هي إقبالٌ على الله عزَّ وجل ، واتصالٌ به ، واستمدادٌ من كماله ، لأنك إذا اتصلت بالله عزَّ وجل مصدرِ الحقِ ، والخيرِ ، والجمالِ فلابدَّ أن تنعكس هذه الصفات على قلبك ، لابدَّ أن يفيض قلبُك بالخير ، لابدَّ  أن تحب الحق ، وأن تكون ناصراً له ، لابدَّ أن تبتعد عن كل دَنِيَّة ، لأن الصلاة كما أرادها الله عزَّ وجل تنهى عن الفحشاء والمُنكر .

       لا تجد مؤمناً يصلي صلاةً صحيحة يؤذي الناس ، أو يأخذ ما ليس له ، أو يعتدي على حقوقهم ، أو على أعراضهم ، أو على أشخاصهم ، لا تجد مؤمناً حقاً يُصلي صلاةً صحيحة ، وهو مسيءٌ إلى الناس ، فمن لوازم المصلي أنه محسن ، فمن لوازم المصلي أنه مُنْصِف ، من لوازم المصلي أنه يخجل من الله عزَّ وجل ، يشيع فيه الحياء ، والحلم ، والعفو ، فمكارمُ الأخلاق يمكن أن تشتق بعضها من خلال الصلاة ، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فإذا ضُيِّعَت الصلاة فالأمرُ عسير ، فتضييع الصلاة ألاّ تكون مستقيماً قبل الصلاة ، فإن لم تكن مستقيماً قبل الصلاة وقفت لتصلي ، وأنت في حجابٍ عن الله عزَّ وجل ، لأن المعاصي ، والمخالفات والاعتداءات ، والتقصير هذه كلها حُجُبٌ بينك وبين الله عزَّ وجل ، كلما ازداد حجم المعصية ازداد الحجاب ثخانةً ، وكلما خفَّت المعصية رَقَّ الحجاب ، فإذا استقمت على أمر الله عزَّ وجل ارتفع الحجاب بينك وبين الله ، عندئذٍ أقبلت عليه ، ورأيت الطريق مُيَسَّرةً إليه ، ورأيت أن أجمل ما في الحياة أن تكون مع رب الأرباب ، أن تكون مصلياً ، " يا موسى أتحب أن أكون معك ؟ " فصعق هذا النبي الكريم وقال : " يا رب كيف ذلك ؟ " قال : " أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيث ما التمسني عبدي وجدني ؟ " .

      

من بعد هؤلاء الأنبياء العظام خَلَفَ خَلْفٌ سيِّئون ، من علامة سوئهم أنهم أضاعوا الصلاة .

      

هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة وبين اتباع الشهوات ، إضاعة الصلاة يكون بعدم الاستقامة قبل الصلاة ، هذا الذي يبيع ويشتري ويملأ عينيه من الحرام ، لا يستطيع أن يعقد الصلة بينه وبين الله عند أذان الظُهر ، يستطيع أن يذهب إلى المسجد ، ويتوضَّأ كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن يصلي السنة ، وأن يصلي الفريضة ، وأن يتم حركات الصلاة ، ولكن لا يستطيع أن يتصل بالله عزَّ وجل ، لأن المخالفات التي ارتكبها في دكَّانه في أثناء البيع والشراء حالت بينه وبين انعقاد الصلة مع الله عزَّ وجل ، فمن أطلق بصره في الحرام ، أو من غَشَّ في بيعه وشرائه ، أو من حلف يميناً كاذبةً ، أو مَن فعل من المعاصي ما شاء ، هذا يضيِّع عليه الاتصال بالله عزَّ وجل ، هذا يضيِّع الصلاة ، تضييع الصلاة ألاّ تكون مستقيماً فيما بين الصلاتين ، إن لم تكن مستقيماً فيما بين الصلاتين أضعت الصلاة ، بمعنى أن صلاتك أصبحت جوفاء لا معنى لها ، أصبحت أقوالاً وأفعالاً تفتتح بالتكبير ، وتختتم بالتسليم ، وانتهى الأمر ، لأن الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين ، وقال بعض العلماء : " من أضاع الصلاة التي هي عماد الدين فهو للعبادات الأخرى أشد إضاعةً ، فهي عماد الدين .

      

والغَيُّ هو الشر ، ومن علامات قيام الساعة كما جاء في بعض الأحاديث الشريفة هلاك العرب ، لماذا هلاكهم ؟ لأنهم ضيَّعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ، أما إذا عادوا إلى دينهم ، واتصلوا بربهم ، فزكت نفوسهم ، وطابت أعمالهم ، واستقامت سريرتهم ، وأَْتلَفُوا فيما بينهم ، وكانوا صفاً واحداً على من عاداهم ، عندئذٍ يعودُ لهذه الأمة مَجْدُها ، ويصدق عليها قول الله عزَّ وجل : [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا] .

( سورة النور : من آية " 55 " )

       فلا يكون التبديل إلى الأمن بعد الخوف ، ولا يكون التمكين بعد الضَعف ، ولا يكون الاستخلاف حاصلاً إلا بشرطٍ واحد : [يَعْبُدُونَنِي] .

( سورة النور : من آية " 55 " )

       هذه الآية تصحُّ على مستوى الأمة وتصح على مستوى الفرد ، أنت وحدك إذا أقمت الصلاة وجَهِدْتَ أن تتصل بالله عزَّ وجل فلَنْ تتصل به إلا إذا كنت مستقيماً على أمره ، إذا اتصلت بالله سَمتْ نفسك ، فكنت أبعد الناس عن الشهوات المُنحطة ، وعن الانغماس في المحَرَّمات ، وعن اتباع الشهوات التي لا ترضي الله عزَّ وجل ، كأن إقامة الصلاة واتباع الشهوات شيئان متناقضان ، وجود أحدهما ينقض وجود الآخر ، أكرر للاعتبار : كأن إقامة الصلاة واتباع الشهوات شيئان متناقضان ، بمعنى أن أحدهما ينقض الآخر ، وجود أحدهما ينقض الآخر .

      

ضيَّعوها بعدم الاستقامة ، ضيعوها بالتفلُّت من قواعد الدين ، ضيعوها بمخالفة أوامر الشرع ، ضيعوها بالاستخفاف بمجالس العلم ، ضيعوها بالانغماس في الشهوات .

      

مِن لوازم تضييع الصلاة اتباع الشهوات ، ومِن نتائج اتباع الشهوات تضييع الصلاة ، إذاً هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة وبين اتباع الشهوات ، مَن ضبط شهوته اتصلت نفسه بالله عزَّ وجل ، من أسباب الاتصال بالله عزَّ وجل ترك الشهوات الخسيسة ، [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى] .

( سورة النازعات : 40-41)

       شيءٌ رائع ، هذه الآية دقيقةٌ جداً ، كأن الدين كله هو الصلاة ، الصلاة عماد الدين ، الصيام من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، إذاً اتباع الشهوات سببٌ لإضاعة الصلاة ، إضاعة الصلاة من لوازمها اتباع الشهوات ، لا يجتمع في الإنسان إقامةٌ للصلاة واتباعٌ للشهوات ، شيئان متناقضان أحدهما ينقض الآخر ، معنى إضاعة الصلاة عدم الاستقامة فيما بين الصلوات ، ومعنى إضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها ، ومعنى إضاعة الصلاة تركها ، ضيَّعها فتركها ، ضيعها فأخَّرها ، ضيعها بأن لم يستقم قبلها فوقف أمام ربه كأنه خُشُبٌ مُسَنَّدة ، لم يفقه منها شيئاً ، وفي بعض الأحاديث تقول الصلاة لصاحبها ؛ لمن لم يستقم قبلها فوقف وقفةً جوفاء لا معنى لها ، تقول له الصلاة ضيَّعك الله كما ضيّعتَني ، ما هذه الصلاة ؟

        وهذا الإنسان الذي يرى زيداً من الناس يصلي ، وقد أصابه بالأذى ، رأى عمرواً يصلي ، وقد أكل مال زيد ، رأى فلاناً يصلي ، وقد اعتدى على عُبَيد ، رأى فلاناً يصلي ، وقد تجاوز حدوده ، ظلم الآخرين عندئذٍ يسهم هذا الذي يصلي ، ولم يستقم بإضعافِ قيمة الدين في نظر هؤلاء ، إنه أداةٌ للتنفير من الدين ، لذلك الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال ؛ عالمٌ مستعملٌ علمه ، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم ، وغنيٌ لا يبخل بماله ، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلَّم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره " ، الصلاة عصام الدين ، وركن اليقين والصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين .

      

وقد لقي مضيِّعو الصلاة ومتبعو الشهوات هذا الغَي ، [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] .

( سورة النحل : 112)

       وقد لَقِيَتْ القُرى التي أضاعت الصلاة واتبعت الشهوات لقيت ذلك الغي ، [قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ] .

( سورة الأنعام : من آية " 65 " )

       لقد ذاقت القُرى التي أضاعَتْ الصلاة ، واتبعت الشهوات ذاقت ذلك الغَي ، لقد أذاقها الله ذلك الغي ..

      

اعملوا ما شئتم ، جميع البشر مجزيّون بما عملوا ، إن لكل حسنةٍ ثواباً ، ولكل سيئةٍ عقاباً ، لكن رحمة الله واسعة ، باب التوبة مفتوح ، لو أن مجتمعاً بأكمله ضيَّع الصلاة ، واتبع الشهوات فاستحق الهلاك ، استحق الغَي أيْ الشر : نقصٌ في الأموال والأولاد ، شحٌ في السماء ، ضيقٌ في الأرزاق ، قهرٌ للضُعفاء ، خصوماتٌ لا تنتهي ، تمزقٌ للحياة الاجتماعية ، تسيُّبٌ في الأعمال ، هذا هو الغَي .

      

إذا كان المجتمع كله قد ضيَّع الصلاة واتبع الشهوات فلابدَّ من أن يلقى ذلك الغَي ، وقد لقي ذلك الغَي ، والشواهد على هذا كثيرة ، لكن الله عزَّ وجل جلَّت حكمته ، ووسعت رحمته كل شيء ، لكن الله عزَّ وجل فتح باب التوبة لآحاد المسلمين ، فيا أيها المسلم لو أن المجتمع كله فسد ، وضيع الصلاة ، واتبع الشهوات واستحق الهلاك ، فَإِنّك إذا استقمت وحدك ، وإذا رجعت إلى الله ، واستقمت على أمره ، وعقدت الصلة بينك وبينه ، وحسَّنت عملك ، وتقرَّبت إليه ، وأحسنت للخلق ، فأنت وحدك تنجو من هذا الغَي الذي وعد الله به تاركي الصلاة ، ومتبعي الشهوات ، جاءت الآية الأولى في صيغة الجَمع ، وجاء باب التوبة في صيغة المُفرد ، أي أن آحاد المسلمين إذا عادوا إلى ربهم ، واتبعوا أمر دينهم ، وأحكموا صلتهم لن تنطبق عليهم هذه الآية ، أبداً ، ولو كنت في مجتمعٍ فاسد ، ولو كنت في مجتمعٍ قد ضيَّع الصلاة ، ولو كنت في مجتمعٍ قد اتبع الشهوات ، ولو كنت في مجتمعٍ يستحق الغَي من الله عزَّ وجل ..

       

معنى تاب : الإمام الغزالي رضي الله عنه ، في كتاب إحياء علوم الدين ، وفي باب التوبة يُعَرِّف التوبة بأنها عِلمٌ ، وندمٌ ، وإقلاعٌ ، وعزيمة، فالذي يفعل السوء ولا يدري أنه سوء ، هذا كيف يتوب ؟ لابدَّ أن تحضر مجالس العلم حتى تعرف ما هو حقٌ ، وما هو باطل ، ما هو حلالٌ ، وما هو حرام ، ما يجوز ، وما لا يجوز ، ما يُرضي الله ، وما لا يرضيه ، يجب أن تعلم ، فإذا علمت أن هذا العمل لا يرضي الله ، وأنّ هذه الطريقة في البيع والشراء لا ترضي الله ، وأنّ إخفاء العَيب لا يرضي الله ، وأنْ تبيعَ بسعرين من دون سببٍ مشروعٍ لا يرضي الله ، أن تزيد في الثمن بزيادة الأجل لا ترضي الله ، أن تبيع بضاعةً محرّمةً لا يرضي الله ، أن تطلِق لبناتك العنان يفعلْن ما يشأْنَ بدافع التربية الحديثة ، وما تدَّعيه من الحرية ، لا يرضي الله .

       إن لم تجلس في مجالس العلم ، وتعرف من خلال هذا المجلس حدود الله وشرعه ، وما يجوز ، وما لا يجوز ، كيف تتوب ؟ فقوام التوبة العلم ، العلم بالحلال والحرام ، كذلك ومن لوازم التوبة الندم على ما مضى ، وأن يكره التائب أن يعود في الكفر كما يكره الرجل أن يُلقى في النار ، من لوازم التوبة الندم على ما مضى ، من لوازم التوبة الإقلاع الفوري عن المعصية ، لا يوجد تسويف ، غداً أتوب ، وبعد غدٍ أتوب ، وسوف أتوب ، وفي أول العام القادم أتوب ، وبعد الفحص أتوب ، وبعد الزواج أتوب ، من لوازم التوبة الإقلاع الفوري عن المعصية ، ومن لوازم التوبة العَزْمُ الأكيد في المستقبل على ألاّ يعصي الله ، إذاً هي علمٌ ، وندمٌ ، وعزمٌ ، وإقلاعٌ ، فإذا كانت المعاصي قد تعلَّقت بها حقوق العباد فلابدَّ من إصلاح ، فلان له بذمتك مبلغٌ من المال ، وطالبك به كثيراً حتى يئس منك ، وأنت عدت إلى الله لابدَّ أن تؤدي هذا المبلغ إليه ، كل حقوقٍ ماديةٍ ، أو أدبيةٍ ، أو معنويةٍ ، أو ماليةٍ يجب أن تؤدَّى مع التوبة .

      

العمل الصالح في هذه الآية كلمةٌ عامة تشمل العبادة كلها .

      

أطاع الله في العبادات ، وفي المعاملات ، وفي مكارم الأخلاق ، في الإسلام : عقائدَ ، وعبادات ، ومعاملات ، ومكارم أخلاق ..

      العقائد : أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين .

      والعبادات : أن تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأن تؤدي الصلاة ، وتصوم رمضان ، وأن تزكي ، وأن تحج البيت إذا كنت مستطيعاً ، هذه العبادات .

      المعاملات : يجب أن تعرف أحكام البيوع ، وأحكام الزواج ، وأحكام الطلاق ، وأحكام الإرث من أجل أن تعبد الله وفق شرعه .

      وأما مكارم الأخلاق : فإذا اتصلت بمنبع الأخلاق ، إذا اتصلت بمصدرها ، اشتقَّتْ نفسُك من كمال الله كمالاً ، فإذا أنت رقيقُ الحاشية ، رحيم القلب ، لطيف ، حليم ، شفوق ، عَفُوٌ ، كريم ، سَخِيّ ، هذه المكارم الأخلاقية التي يذوب لها الإنسان ، إنما هي أثرٌ من آثار الصلاة .

      

بالجمع ..

      

أَيْ أنَّهُ إذا فسد المجتمع ، واتجه نحو الدنيا ، وصار مادياً ، وغَدَتْ قيمة المرء فيه بقدر ما يملك ، وتغلَّب القويُ على الضعيف ، وضاع الحق مع الباطل ، وصار الإنسان بين مجتمعٍ من الذئاب ، إذا كنت في مثل هذا المجتمع فَلُذْ بالتوبة ، والإيمان ، والعمل الصالح ، عندئذٍ يقبل الله عملَ أولئك ، ويجزيهم على هذا العمل الطيِّب بإدخالهم الجنة ..

      

فمن القواعد الثابتة في القرآن الكريم أنه :[لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] .

( سورة الأنعام : من آية " 164 " )

[كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ] .

( سورة المدثر : 38)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا)) .

[متفق عليه]

       هذا هو الشرع .. " يا سعد بن أبي وقاص لا يغرنَّك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلْق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له " ، الطاعة هي القرابة .. ((أنا جَدَّ كل تقي ولو كان عبداً حبشياً)) .

[كشف الخفاء (615)]

 

[تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] .

( سورة المسد :1)

       عم رسول الله .. [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2)

( سورة المسد )

((أنا جَدُّ كل تقي ولو كان عبداً حبشياً))

[كشف الخفاء (615)]

 و ((سلمان منا آل البيت)) .

[الحاكم في المستدرك(6539)]

و((نعم العبد صهيب)) .

[كشف الخفاء (2831)]

       هكذا الإسلام ، فَسيدنا عمر رضي الله عنه خرج من المدينة ، وكان أميراً للمؤمنين ، خرج إلى ظاهر المدينة ليستقبل سيدنا بلالاً ، وسيدنا الصديق كان إذا ذُكِر عند عمر قال عنه : " هو سيدنا وأعتق سيدنا " ، أي بلالاً ، هكذا الإسلام ، كل الناس سواسية كأسنان المشط .

      

لك أن تقول : شيّا وشيئا ، شيّا على التخفيف ، وشيئاً على التحقيق ، كأن تقول : تاريخ وتأريخ ، كفُواً وكفُؤاً .

      

جنات عدنٍ ، فالإنسان إذا مات كتب على نعيه : "وسيشع إلى مثواه الأخير " ، إذا كان القبر هو المثوى الأخير ، فالبيت في الدنيا هو المثوى المؤقت ، فاعتَنِ به ما شئت ، بالغ في تزيينه ، إنه مثوى موقت ، أمّا :

      

ففي الجنة لا يوجد قلق ، والإنسان في الدنيا ولو حَصَّل منها كُلَّ ما يريد فقلقٌ خفيٌ كثير يعتلج في نفسه ، كم أعيش ؟ هل أصل إلى الستين ، أم أموت في الخمسين ، أم في الأربعين ؟ هذا القلق مِن مُفارقة الدنيا ، قلقٌ مزعج ، هل أبقى في هذا البيت ؟ هل يسمح لي دخلي ، أم أبقى فيه أن أضطر إلى بيعه ، وشراء بيتٍ أصغر منه ؟ هل تبقى لي هذه المركبة ؟ هل يبقى لي هذا المحل الجيِّد ، هل تبقى زوجتي صحيحة البدن ، أم يصيبها المرض ؟ الحياة كلها مُقلقات ، لكن الجنة هي جنة عدنٍ ، جنة الإقامة ، جنة الاستقرار ، جنة الخلود ، لا قلق ، ولا هم ، ولا حزن ، هل تبقى المواد متوافرة أم يصيبها اختناق ؟ في الجنة لا يوجد اختناق مواد ، المواد متوافرة ، الفاكهة لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة ، أحياناً هناك فاكهة مقطوعة لها مواسم ، وقد تكون متوافرة حولَنا ولكن ممنوعة عندنا ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ، هكذا الجنَّة ..

      

الإنسان العاقل المفكِّر لا يعيش وقته فحسب ، ولكنّ الإنسان إذا ضاق فكره ، وكان محدوداً عاش لحظته ، وغاب عما سيكون ، فالإنسان الذي يعيش لحظته ، ولا يفكر في مستقبله إنسان محدود ، سمكاتٌ ثلاث كانت في غدير ، مرَّ صيَّادان ، فتواعدا أن يرجعا ليصيدا ما فيه من السمك ، فسمَعت السمكات قولهما ، أمَّا أكيسُهنَّ ، أيْ أعقلهَّن فإنها ارتابت وتخوَّفت ، وقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، ولم تُعَرَّجْ على شيءٍ حتى خرجت من الغدير ، وأما الأقل كياسةً وعقلاً ذكاءً فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان ، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد أُغلق ؛ فقالت : فرَّطتُ ، وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء ، فأخذها الصيادان ووضعاها على الأرض بين النهر والغدير ، فوثبت في النهر فنجت ، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدَتْ .

       فالإنسان بين أن يكون كيّساً ، بمعنى أنه عاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، فلتذكرْ إذاً أنّ الموت حق ، وما منا واحدٌ إلا وسيموت ..

الليل مهما طال فـلا      بدَّ من طلوع الفجر

والعمر مهما طال فلا      بدَّ من نزول القبر

*  *  *

       إذا أيقنا أنه لابدَّ من الموت فماذا أعددنا له ؟ ماذا أعددت للقبر ؟ ما العمل الصالح الذي أعددته للقبر ؟ هل تصلي وأنت تودِّع العمر ؟ هكذا قال النبي الكريم :((... فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ)).

( من سنن ابن ماجة : عن " أبي أيوب " )

       فالعاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، والأقل عقلاً يحتاط لها بعد وقوعها ، والغبي لا قبل وقوعها ، ولا بعد وقوعها ، إذاً :

      

خالق الكون وعدنا بالجنة ، ألا نقبل هذا الوعد ؟ ألا نصدقه ، تصدق إنساناً مثلك ضعيفاً لا يقوى على أن يحيا ساعةً باختياره ، تصدقه ، ولا تصدق خالق الكون !!

[قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا] .

( سورة يس : من آية " 52 " )

فيأتي الصوت العظيم : [هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ] .

( سورة يس : من آية " 52 " )

       البطولة أن يكون الإنسان في هذه الساعة الخطيرة قد أعدَّ لها ما يناسبها ، أما أن يعيش الناس هكذا مع شهواتهم ، مع انحرافاتهم ، مع حظوظهم ، مع مُتعهم ، مع خصوماتهم ، مع انحرافاتهم ، وينسون هذه الساعة فهذا من الحُمق ، قال عليه الصلاة والسلام : ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)) .

( من سنن الترمذي : عن " شداد بن أوس " )

      

يعني آتياً ، الشيء بعد أن تلتقي به ، إما أنَّك أتيته ، وإما أنه أتى إليك ، إذا ركبت المصعد فإما أنك بهذا المصعد أتيت إلى الطابق الرابع ، وإما أن هذا الطابق الرابع أتى إليك ، تحصيل حاصل ..

      

بمعنى : آتياً ..

      

لا يوجد لغو ، اللغو مُزعج ، أن تستمع إلى كلامٍ باطل ، أن تستمع إلى كلامٍ كاذب ، كلامٍ فيه دَجَل ، كلامٍ ليس واقعياً ، هذا لغو ، كل كلامٍ ليس حقيقياً ليس واقعياً ليس حقاً إنما هو لغوٌ ، [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ] .

( سورة المؤمنون : 1-3)

       الجنةُ ليس فيها لغو ، أما في الدنيا فقد تضطر أن تجلس مع أُناس يتحدثون كلاماً باطلاً ، كلاماً منحطاً ، كلاماً سخيفاً ، كلاماً لا جدوى منه ، قد ينهشون أعراض بعضهم بعضاً ، قد يتفاخرون بشيءٍ سخيف تافهٍ ، هذا كله لغو ، لكنك في الجنة لم يجمعك الله في الجنة إلا مع الكُمَّل ، مع المؤمنين الصالحين ، مع الأنبياء ، والصادقين ، والشهداء ، والصالحين ، هؤلاء لا يتكلمون اللغو ، كلام لا فائدة منه ، كلام باطل ، كلام مُزخرف ، كلام فيه دجل ، كلام فيه تزوير ، كلام فيه مبالغة ، كلام فيه كذب ، كلام فيه تجاوز، كلام سخيف ، موضوعات تافهة ، لا ، لا ، هذا كله في الجنة غير موجود ، اطمئنوا .

[سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ] .

( سورة يس : 58)

       رب العزة يسَلِّم عليهم ، [ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ] .

( سورة الحجر : 46)

       والملائكة يسلمون عليهم .

      

يعني تسليماً ، ويعني طمأنينةً ما بعدها قلق ، سلام ، قد أقول لإنسان : سلامٌ عليك ، أي لن ترى مني إلا الخير ، لن ترى مني إلا الأمن ، لن ترى مني إلا الخدمة ، سلامٌ عليك ، وهذا معنى السلام : السلام عليكم ، أي اطمئن أنا إنسان طيب خيِّر لن أصيبك بالأذى ، لن ينالك مني ضرر ..

      

هذا معنى السلام ، إذاً :

      

وليس في الجنة قلقٌ على الرزق ..

      

أحياناً الإنسان يكون ضَيْفاً على أُناس كرماء ، ففي الساعة السابعة تفضل على الأكل ، كله جاهز ، أَكَلَ وزَحَلَ ، غَسّل ، فجلس ، وكذلك عند الظهر تفضل على الأكل ، لا يهتم لشراء الطعام ، ولتأمين المال لشراء الطعام ، واختيار المواد الجيدة ، وكيف يُطبخ ، وكيف يقدَّم ، هذا كله سهل ميسور ، وتلك الهموم التي في الدنيا لن تكون في الجنة ، لن يكون قلق أبداً..

      

تنتفي هناك الوراثة ، فلا تسمع أنا ابن فلان ، أو هذه ورقة الطابو ، اسمح لي بالجنة ..

      

الوراثة هنا بحسب العمل لا بحسب النسب .

      

والتقوى مباحة لكل الناس ، مفتحةٌ أبوابها لكل الناس ، رحمة الله مبذولة ، رحمة الله واسعة ، موجبات الرحمة متوافرة ، هناك تكافؤٌ في الفُرَص ، أي عبدٍ قال : يا رب ، يقول الله : لبَّيك يا عبدي ، أي عبدٍ قال : يا رب قد تبت إليك ، يقول الله : وأنا قد قبلت ، يا رب أنا قد أذنبت ، يقول : وأنا قد عفوت .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ((يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)) .

[الترمذي]

[قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] .

( سورة الزمر : 53)

((للهُ أشد فرحاً لتوبة عبده مِن الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد)) .

[الديلمي في الفردوس (607) عن أبي هريرة]

      

جعلنا الله من أهلها ، هذه الدنيا قصيرة ، كم سنة ؟ كلها متاعب .. إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء قد جعلها الله دار بلوى .. الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف .. وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .

      

نعطيها لا بحسب النسب ، لا .. بل ..

      

لذلك ليس مَن يقطع طُرُقاً بطلاً      إنما من يتَّق الله البطـــل

 هذه هي البطولة .

      

هذه الآية كما قال معظم المفسرين : جاءت معترضةً بين سياق هذه الآيات كي تُطَمْئِنَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن انقطاع الوحي عنك ليس عن نسيانٍ من ربك ، إنما هو لحكمةٍ بالغة .. [فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا] .

( سورة الطور : من آية " 48 " )

      اطمئنْ يا محمد ، حتى إن بعض علماء تفسير القرآن الكريم يقولون : إن مِن حكمةِ نزول القرآن مُنَجَّماً أن النبي عليه الصلاة والسلام سيواجه متاعب الدعوة ، وسيواجه إعراض المُعرضين ، وتكذيب المكذبين ، وافتراء المفترين ، وإبطال المبطلين ، سيواجه الكفار والمشركين ، سيحاربونه ، سيأتمرون على قتله ، سيخرجونه ، سيضطهدون أصحابه ، لو أن القرآن نزل على النبي دُفعةً واحدة في أول الرسالة ، وانقطع لاستوحش النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن الله عزَّ وجل من أجل أن يؤنسه ، ومن أجل أن يثبِّته ، ومن أجل أن يكون معه دائماً ، جعل هذا القرآن الكريم يُنَزَّلُ على قلبه مُنَجَّمَاً ، فكلما ضاقت به الحيَل ، وكلما اشتدت مؤامرات الكفار عليه جاء الوحي برداً وسلاماً على قلبه الشريف ، فالله سبحانه وتعالى هنا يُطمئن النبي عليه الصلاة والسلام على لسان الملائكة أَنْ أيها النبي نحن الملائكة ..

      

التنزُّل فيه معنى التراخي ، فيه معنى الطواعية ، نتنزَّل مرةً بعد مرة ، شيئاً فشيئاً ، من حينٍ لآخر ، هذا التنزُّل ، المُتراخي ، المنجَّم ، هذا من تخطيط الله عزَّ وجل .

      

بعض العلماء قالوا : هذه (ما) تعني المكانية ..

      

أي هذا الذي أمامنا نراه أمرُه لله ، وهذا الذي خلفنا ، ولا نراه أمرُه لله ، وهذا الذي حولنا ، ولا نراه أمره لله ، أي ما أمامنا ، وما هو خلفنا ، وما هو عن جوانبنا كله لله ، هذا المعنى المكاني .

      المعنى الزماني : الماضي ، والمستقبل ، والحاضر لله عزَّ وجل ، فالكون مكاناً وزماناً أمرُه لله ، فنحن مأمورون .

       

إنّ الله لا ينسى ، يَرْوونَ قصة رمزية ، امرأةٌ متقدمةٌ في السن كانت على عهد سيدنا نوحٍ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وقد عَلِمَتْ منه أن هناك طوفاناً سيعُمُّ الأرض ، وسيهلك الكفار جميعاً ، وأخبرها هذا النبي العظيم أن هناك سفينةً سوف يركب فيها المؤمنون ، وينجون من هذا الهول العظيم ، وهي تقبَعُ في كوخٍ لها فقالت له : يا نوحٍ لا تنسني ، إذا جاء الطوفان لا تنسني ، يا نوح لا تنسني ، جاء الطوفان ، وصار المَوْجُ كالجبال ، ونسيها هذا النبي العظيم ، وجَلَّ الذي لا ينسى ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((إنني بشر أنسى كما ينسى البشر)) .

       فلما كان هذا النبي الكريم على ظهر السفينة ، وهي كريشةٍ في مهب الريح ، والأمواج من كل جانبٍ كالجبال تذَّكَر هذِهِ المرأة .. لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذه التي رجتنا أن نذكرها ، وأن نأتي بها إلى هذه السفينة نسيناها ، فلما استوت السفينة على الجودي ، وقيل : يا أرض ابلعي ماءَك ، ويا سماء أقلعي ، وغيض الماء ، وقضي الأمر ، واستوت على الجودي ، وجلس نوحٌ مع أصحابه جاءت هذه المرأة فقالت : يا نوح متى الطوفان ؟

       إن الله لا ينسى ، إذا عملتَ عملاً طيباً فالله لا ينسى ، إذا آثرت رضاء الله عزَّ وجل فالله لا ينسى ، إذا خدمتَ عباد الله فالله لا ينسى ، إذا آثرت رضاء الله على شهوتك فالله لا ينسى ، بل يثيب على القليلِ الجزيلَ الجزيلَ .

فمن هو بعد ذلك ؟

      

أي رب كل شيء ، هذه بلاغة ، مثلاً : [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا] .

( سورة آل عمران : من آية " 191 " )

       واقفون .. [وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ] .

( سورة آل عمران : من آية " 191 " )

       فقط ، فالإنسان كم حالة له ؟ إما أنه واقف ، وإما أنه قاعد ، وإما أنه مضطجعٌ ، فإذا كان يذكر الله واقفاً ، وقاعداً ، ومضطجعاً يعني أنه يذكر الله دائماً ، فإذا كان الله سبحانه وتعالى :

      

إذاً رب كل شيء ، هو المُمِدُّ لكل شيء ..


      

فاعبده أي أطعه في كل ما أمرك به ، والعبادة كما تعرفون طاعةٌ طوعية ، لو أنها طاعةٌ قسرية لما كانت عبادةً ، طاعة طوعية ، فالإنسان مخيَّر لا إكراه في الدين ، طاعةٌ طوعية تسبقها معرفةٌ يقينية ، لا يمكن أن تطيع الله عزَّ وجل في كل ما أمر به إلا إذا أيقنت أن هذا الأمر لمصلحتك ، وأنه ربٌ ، وأنك عبدٌ ، وإنه عليك أن تطيعه ، ولا خيار لك في ذلك .. تسبقها معرفةٌ يقينية ، وتفضي إلى سعادةٍ أبدية ، لكن جلَّت حكمة الله عزَّ وجل من العبادات ما هو متوافقٌ مع طبيعة النفس ، كالأمر بالزواج مثلاً ، الزواج أمرٌ ، النبي الكريم يقول : ((وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) .