English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "2 / 9" من تفسير سورة  طه (020) : الآيات 09 – 41  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثاني من سورة طه ..  وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

       وذكرنا أيضاً أن قصة موسى هذه أطول قصص سيدنا موسى في القرآن ، قصة سيدنا موسى في القرآن وردت سبع عشرة مرة ، هذه هي أطول روايةٍ لهذه القصة ، وعلماء التفسير قالوا : " إن الله سبحانه وتعالى أراد من خلال هذه القصة أن يبيِّن لنا أنه لا إله إلا الله ، فالتوحيد إما أن يلقى إلقاءً مباشراً ، وإما أن يعرض على شكل قصة ، فهذه القصة مِن أَلِفِها إلى يائها ، من خلال كل حوادثها ، تبين حقيقةً واحدة ألا وهي التوحيد" ، وبعض علماء التفسير قال : " إن هذه القصة تبيِّن سَعَةَ علم الله سبحانه وتعالى " ، وبعضهم قالوا : " إنها تبين توحيد الألوهية ، وعلم الله في وقتٍ واحد " .

       على كلٍ أيّ قصة لها مغزى ، فإذا لم نقف على المغزى فكأننا ما قرأنا القصة ، وليست القصة في أهدافها تبتغي أن تُمْتِع أسماعنا بحوادث ، وبمواقف ، وبعقده ، ليس هذا هو الهدف ، بل الهدف هو استنباط حقيقة من هذه القصة ، وإن هذه الحقيقة التي ينبغي أن تستنبط منها هو المغزى ، فالعلماء قالوا : " مغزى هذه القصة على طولها التوحيد " ، أي أن نعرف أنه لا إله إلا الله ، وبعضهم قال : " مغزاها أن نعلم أن الله يعلم"، وبعضهم قال : " التوحيد ، وعلم الله سبحانه وتعالى هما المغزى الأساسي لهذه القصة " .

      وفريقٌ ثالث من العلماء جَهَدوا إلى أن هذه القصة إنما كانت تسليةً ومواساةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا تَلا هذه القصة يرى أن هناك أنبياء آخرين سبقوه من أولي العزم ، أصابهم ما أصابهم ، إنهم تجشَّموا المشاق ، وركبوا الأهوال ، تركوا بلادهم ، ورحلوا إلى أماكن بعيدة ، ومشوا في القِفار ، أصابهم البرد والجوع والخوف ، ثم عادوا إلى مواجهة فرعون ، وكأن هذه القصة أراد الله منها أن يسلِّي النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن يواسيه ، وأن يخفف عنه ، وأن يشجِّعه ، وأن يجعل من هذا النبي سيدنا موسى الذي هو من أولي العزم مثلاً للصبر والدأب ونشر الحق .

       كلكم يعلم أن هذا النبي العظيم كان في قصر فرعون ، وفي مكانٍ آخر ، خرج من هذا القصر ذات مرة ، فرأى رجلين يختصمان ، يقتتلان ، هذا من شيعته وهذا من عدوه ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، فوكزه موسى فقضى عليه ، أي تسبب في قتله  ولم يقتله في نظر القانون إلا ، خطأ فهو يعاقب عقوبة القتل الخطأ ، لأنه التسبب في القتل ، ثم جاء من يبيِّن لهذا النبي الكريم أن هناك قوماً يأتمرون بك ليخرجوك ، فخرج من مصر باتجاه مَدْيَن ، وتروي كتب التاريخ أنه قد قطع ألفين وخمسمئة كيلو متر مشيا على قدميه ، من مصر إلى مدين ، قطع سيناء مُساحِلاً ، أي على خليج السويس وخليج العقبة ، ثم انتقل منهما إلى مدين في شمال الجزيرة العربية ، وكلكم يعلم في موطن آخر في القصص كيف أنه وجد امرأتين تذودان .. قال تعالى : [قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23)] .

( سورة القصص )

       وكيف تعرَّف إلى سيدنا شعيب ، وكيف تزوج ابنته ، ثم عاد إلى مصر بعد أن قضى الأجل ، أي رعى لسيدنا شعيب ثماني أو عشر سنوات ، ثم هو في طريقه مع أهله إلى مصر ، وكان الجو ماطراً وبارداً ، وكان مع أهله في وادٍ موحش ، شعر بحاجةٍ ماسةٍ إلى نارٍ يصطلي بها هو وأهله ، وهنا بدأت القصة .

      

أي يا أيها النبي هل أتتك هذه القصة ، هل سمعت بها ؟ فاستمع إليها .

      

وهو في الطريق مع أهله من بلاد مَدْيَن إلى أرض مصر ، والطريق طويل ، والبرد شديد ، والظلام دامس ، والخوف على أشده ..

      

القبس في اللغة جذوة النار ، وهو عودٌ مشتعل تأخذه من نارٍ مُضْرَمة.

       

والعلماء قالوا : " كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو " ، أيْ أن الإنسان ليس له أن يحتقر شيئاً ، ولا أن يستصغره ، ولا يهمله ، ولا أن يهمل طلباً ، ولا عرضاً ، ولا مناسبةً ، ولا فرصةً ، فهذا النبي الكريم رأى ناراً فتوجَّه إليها ليأخذ منها قبساً ، فكانت المُناجاة مع الله سبحانه وتعالى..

      

أي أتى النار ليأخذ منها قبساً يصطلي بها هو وأهله ..

      

ولذلك فسيدنا موسى هو كليم الله ، خاطبه الله سبحانه وتعالى ..

      

طبعاً هذه الآيات فسرها المفسرون بطرق عدة ..

      

ربنا سبحانه وتعالى استخدم في هذه الآية الضمير المُفْرَد ، لم يقل ضع على ما يجري في القرآن إننا ..[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)] .

( سورة الحجر  )

[إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(1)] .

( سورة الكوثر )

[إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا] .

(سورة غافر : من آية " 51 " )

       لا ، قال :

      

العلماء قالوا : " حيثما كان الحديث عن ذات الله استخدم الله ضمير المتكلم المفرد ، وحيثما كان الحديث عن أفعال الله استخدم الله ضمير الجمع ، لأن فعل الله فيه الرحمة ، وفيه القدرة ، وفيه الغنى ، وفيه اللطف ، وفيه الحكمة ، وفيه الحنان ، أسماء الله الحسنى كلها داخلةٌ في أفعاله " ، أما الحديث عن ذاته فغالباً ما يستخدم ضمير المتكلِّم المفرد.

      

أقرب الأسماء الحُسنى إلينا الرب ، لأنه مُرَبِّينا ، خلقنا ، وأمدنا بالطعام والشراب ، والهواء ، والأهل ، والأولاد ، وأعطانا كل ما في الأرض ، وسخَّر لنا كل ما في السماوات والأرض ، إنه ربنا ، أمدنا بأنواره ، وتجلياته ، وربَّانا في طريق الإيمان ، وخوَّفنا تارةً ، وطمأننا تارةً أخرى ، وأعطانا ومنعنا ، ورفعنا وخفضنا ، وأعزنا وأذلنا ، وهذه كلها تربية من الله عزَّ وجل ، فالإنسان مرةً يرفعه الله ، ويمتحنه بهذه الرِفعة ، فإذا أساء استخدامها خفضه ، يمتحنه بالمال ، فإذا أنفقه على شهواته حرمه ، ويمتحنه بالزوجة فإذا نسي معها ذكر الله عَقَّتْهُ ، ويمتحنه بالأولاد ، فربنا سبحانه وتعالى كل شيءٍ يعطيك إيَّاه محض امتحانٍ وابتلاء.

      

وما حنان الأم ، وما حَدَبُ الأب ، وما رعاية الأهل إلا طرفٌ يسيرٌ ، ونقطةٌ من بحر من رحمة الله سبحانه وتعالى ، ومن عنايته ، ومن تربيته ، ومن إمداده ، فأقرب أسماء الله الحسنى إلينا اسم الرب لأنه يربينا ، ويُعطي ويمنع ، ويرفع ويخفض ، ويعز ويذل ، ويغني ويفقر ، ويكرِّم ويهين ، [وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى(48)] .

( سورة النجم )

[وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى(43)] .

( سورة النجم )

       أحياناً يضحك الإنسان ، ومعنى أنه يضحك ، أي الله عزَّ وجل أنعم عليه براحة البال ، وأصلح له باله ، [سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ(5)] .

( سورة محمد )

       فلو أنه أسمعه خبراً مؤلماً ، أو أراه شبحَ مصيبة خطيراً لجعل ضحكه بكاءً ، فإذا ضحكت فبفضل الله ونعمته ، [وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى(43)] .

( سورة النجم )

[وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى(48)] .

( سورة النجم )

 

      

بعض المفسرين فسرَّ هذه الآية : أي دع حظ الدنيا من نفسك ، دع حظوظ الدنيا ، أي أعرض عن الدنيا بكل ما فيها ، وكأن الدنيا شيء تافه لا قيمة لها " ، " الدنيا جيفة ، وطلابها كلابها ، الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له " ، خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً " ، " ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر " ، والنبي عليه الصلاة والسلام مر في طريقه مع أصحابه على شاةٍ ميتة متفسخة ، جيفة ، قال : ((انظروا كم هي هينةٌ على أهلها ، للدنيا أهون عل الله من هذه الشاة على أهلها)) ، وقال عليه الصلاة والسلام :((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) .

( من سنن الترمذي : عن " سهل بن سعد " )

       لذلك :

      

هذا الوادي وادٍ مقدس لأنه تمَّت فيه المناجاة ، وهناك معنىً آخر ، أي إن هذا النبي العظيم في مسلكٍ مقدس ، أو في همٍ مقدَّس ، أو في طموحٍ مقدس ، وأهدافٍ مقدسة ، وغاياتٍ مقدسة ، ومشاغل مقدسة ، إذ هناك مشاغل تافهة ، وأهداف تافهة ، وأعمال تافهة ، وطموحات تافهة ، " إن الله يحب معالي الأمور ، ويكره سفسافها ودنيِّها " .

      

يشبه هذه الآية :[وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى(7)] .

( سورة النجم )

       النبي عليه الصلاة والسلام كان في آفاق مقدسةٍ غير هذه الآفاق .

      

وطُوى اسم هذا الوادي ، أي وادي المناجاة ، أي أن هؤلاء الأنبياء العظام لسمو مكانتهم عند الله عزَّ وجل ، ولمحبَّتهم ، ولإقبالهم ، ولفنائهم في حب الله ، استحقوا أن يناجيهم الله عزَّ وجل .

      

اخترتك ، أي اصطفيتك ، أو انتقيتك من بين عبادي جميعاً لتكون رسولاً لي .

      

وإذا اختار الله سبحانه وتعالى نبياً عظيماً فلابدَّ أن يكون هذا النبي قمةً في الكمال ، وأية قصةٍ أيها الإخوة تخدش من كمال الأنبياء فهي قصةٌ مرفوضة ، لأن الله اختارهم على عِلْم ، واصطفاهم على العالمين ، ولو أن في أخلاق الأنبياء خدشاً أو نقصاً كما تروي بعض الكتب المقدَّسة الأخرى ؛ أن هذا النبي شرب الخمر ، وأن هذا النبي فعل كذا وكذا بابنتيه ، وأن هذا وهذا ، ولو أن في أخلاق الأنبياء انحرافاً أو خدشاً لما كان اختيارهم حسناً ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي اصطفاهم ، وهو الذي اختارهم ، وأكرمهم ، ورفعهم ، إذاً من لوازم العقيدة الصحيحة أن تؤمن بعصمة الأنبياء .

        إنهم معصومون في التبليغ ، ومعصومون في أقوالهم ، وأعمالهم، ومعصومون عن أن يعصوا الله سبحانه وتعالى ، وكل شيءٍ رابك أمرُه فاسأل أهل الذكر ، هكذا قال الله عزَّ وجل :[فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43)] .

( سورة النحل )

      

والحقيقة الإنسان إذا طَمِحَ أن يكون خادماً للخلق ، حبيباً للحق ، وإذا طمح أن يكون مفتاحاً للخير ، ومغلاقاً للشر ، وأن يجعل الله هدى الناس على يديه ، وأن يكون مِشْعَلاً يضيء للناس طريقهم ، وإذا طمح أن يكون كذلك فهناك امتحاناتٌ قاسية وشروطٌ صعبة ، منها أن الله سبحانه وتعالى يقول : [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا] .

( سورة السجدة : من آية " 24 " )

       فيجب أن تصبر ، أن تصبر عن الشهوة ، وعلى الطاعة ، وعن المعصية ، وأن تكون مطيعاً لله عزَّ وجل فيما تعلم ، وفيما لا تعلم ، وفيما تعرف حكمته ، وفيما تجهلها ، وفي السرَّاء والضرَّاء ، وفي الرخاء والشدة ، وفي إقبال الدنيا وإدبارها .. [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا] .

( سورة البقرة : من آية " 124 " )

        من هذه الشروط قال :[قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)] .

( سورة يس )

       فيجب أن تعف عن أموال الناس ، قليلها وكثيرها ، جليلها وحقيرها ، ويجب أن تجعل من دعوتك عملاً خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، فلا تسأل وجاهةً ، ولا مكانةً ، ولا شيئاً معنوياً أو مادياً ، من هذه الشروط فيجب أن تكون جريئاً في إلقاء الموعظة وفي قول الحق ، لقوله تعالى :[الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ] .

( سورة الأحزاب : من آية " 39 " )

       إذ يجب أن تدعوَ الناس على بصيرة ، وأن تأتي بالدليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، إذا كنت ناقلاً فالصحة ، وإذا كنت مبتدعاً فالدليل :[قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي] .

( سورة يوسف : من آية " 108 " )

       وهكذا ينبغي أن تكون ، ويجب أن تظهر للناس كمال الله عزَّ وجل ، وعدالته ، ورحمته ، وحكمته .. [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ] .

( سورة آل عمران : من آية " 18 " )

       ويجب أن تكون متواضعاً للناس ، لمن تعلِّم ، [وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)] .

( سورة الشعراء )

       ولا ينبغي أن تطالب الناس أن يكونوا متواضعين لك ، بل ينبغي أن تكون أنت قدوةً لهم في تواضعك .. [وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)] .

( سورة الشعراء )

       وهذه الشروط التي إذا نَجَحْتَ فيها تستحق أن تكون بشكلٍ متواضعٍ جداً مشعلاً وضَّاءً ، نبراساً في طريق الهدى وطريق الإيمان ، لذلك ..

      

فلن يختار الله سبحانه وتعالى من يدعو إليه إلا إذا اجتاز امتحاناتٍ قاسية ، فعلِمَ اللهُ صدْقَه ، وعلِمَ زهده ، وعفَّته ، وشرفه ، واستقامته ، وإخلاصه ..

      

فإذا أردت أن تلخِّص الأديان السماوية كلها في كلمات ، وأن تلخص كل هذا القرآن في كلمة .. [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ] .

( سورة فصلت : من آية " 6 " )

       فهذا القرآن الكريم كله ، وهذا الدين الإسلامي كلُّه ، الديانات السماوية كلها إنما تتلخص في كلمةٍ واحدة ..

      

أي أن ليس في الكون إلا حقيقةٌ واحدة ، وهي الله سبحانه وتعالى ، فكل شيءٍ يؤدِّي إلى هذه الحقيقة ، استقامةً ، وتقرُّباً ، ومعرفةً فهو الحق ، وكل شيءٍ يبعد عن هذه الحقيقة إنكاراً ، أو معصيةً ، أو جحوداً فهو الباطل ، وكل شيءٍ يؤدي إلى مزيدٍ من الاتصال بالله سبحانه وتعالى فهو الحق .

      

لا نافع ، ولا ضار ، ولا رافع ، ولا خافض ، ولا معطي ، ولا مانع ، ولا معز ، ولا مذل ، ولا رازق ، ولا قابض ، ولا باسط ، ولا مكرم ، ولا مهين ، ولا محيي ، ولا مميت ، ولا مغني ، ولا مفقر إلا الله..

      

فإما أن تعرف هذه الحقيقة ، وإما أن تجهلها ، فإذا جهلتها كان الهلاك والدمار والشقاء .

       

هذه هي الحقيقة ، فما الموقف الذي يجب أن تقفه منها ؟

      

إذا كنت في أشدِّ الحاجة إلى الماء ، وعلى وشك الهلاك ، ورأيت النبع ، فماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تذهب إليه ، ولذلك أخطر شيءٍ في الدين أن يبقى على مستوى الفكر ، وأن يبقى الدين ثقافةً ، أو قناعات ، وتصوُّرات ، ومفاهيم ، وكتباً مجلَّدة تقرأها ، وتعجب بها ، وتتكلم بها ، وتتبجح ، لا ، الدين مواقف ، والدين عبادة يجب أن تعبده ، وأن تعرفه أولاً ، وأن تعبده ثانياً ، تعرفه بالكون ، وتعبده بالشريعة ، يجب أن تكون فقيهاً حتى تعرف كيف تعبده ، وهذه آية دقيقة جداً لخَّصت الأديان كلها ، ولخصت جوهر الدين ..

      

      وهنا سؤال : أليست الصلاة من العبادة ؟ نعم ، فلماذا خُصَّت بالذكر مع العبادة ؟ ألا تعني العبادة إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ؟ فقال علماء التفسير : " إنما خُصَّتِ الصلاة بذكرٍ منفصلٍ عن العبادة لأنها أبرزُ ما في العبادة ، ((الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين)) .

       إن أبرز ما في العبادة أداء الصلاة ، فالصلاة من أجل الصلاة ، والصيام من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والأوامر التفصيلية ؛ غض البصر من أجل الصلاة ، وعدم أكل الربا من أجل الصلاة ، وعدم الغَبْن في البيع من أجل الصلاة ، كل الأوامر والنواهي إنما يفعلها الإنسان من أجل أن يبقي الطريق بينه وبين الله سالكاً ، فأية معصيةٍ ، أو أية مخالفةٍ من شأنها أن تكون عقبةً كؤوداُ بين العبد وبين ربه .

      

والعلماء قالوا : " الذِكر هنا ، الصلاة فيها ذكرٌ لله عزَّ وجل ، وفيها قراءة الفاتحة ، والتسبيح ، والتعظيم ، والثناء ، والحمد  ، وتلاوة القرآن ، فالصلاة ذكرٌ لله عزَّ وجل ، ومعنى آخر للذكر هو أن يكون هذا الذكر خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، لا أن تذكر مع الله أحداً ، وأن تذكره بإخلاص ، ومعنى :

      

أن تذكره ، ولا تذكر شريكاً له ، ومعنى :

      

أن تذكره ، ولا تنساه ، قال موسى : " يا رب كيف أشكرك يا رب " ، فقال الله عزَّ وجل : " يا موسى إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا نسيتني كفرتني " ، تذكرني ولا تناسني ، من أجل أن تشكرني يجب أن تذكرني ، ولا تنساني ..

      

والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله عزَّ وجل إلا هذه الآية لكفت ، هذا الدين كله ..

     

وهنا سؤال دقيق : لماذا تعلَّقت إرادةُ ربنا سبحانه وتعالى أن يخفي الساعة عن الناس ؟ لِمَ لمْ تكن الساعة جليةً ظاهرة ؟ ولِمَ لمْ تكن ساطعة كالشمس ؟ ولِمَ أخفاها الله عن الناس ؟ ومعنى أخفاها أن الإنسان أحياناً ينسى الموت ، ويحس بقوةٍ في عضلاته ، وبأملٍ في حياته ، ويظن أنه لن يموت ، وينسى الموت ، ويظن أن هذه الحياة لا تنتهي ، فهي مديدة ، ولن يموت ، إذ هكذا يتوهَّم ، فلماذا جعل ربنا سبحانه وتعالى جعل هذه الساعة التي هي آتية ولابدَّ ، والتي لا ريب فيها ، ولماذا أراد الله عزَّ وجل أن تكون خافيةً بعض الشيء ؟ فالإنسان أحياناً يصادف جنازةً ، فلو فكر بهذه الجنازة ، من في هذا النعش ؟ فيها إنسان ، كان البارحة ملء السمع والبصر ، وكان البارحة يسهر، ويضحك ، ويتكلم ، ويقول : سأذهب إلى المكان الفلاني في هذا الصيف ، وكان قبل ساعة يجمع أمواله ، ويُتابع هذا المسلسل ، فإذا هو الآن جثةٌ في نعش ، يتبع الجنازة ، وإذا هذا الإنسان يوضع في حفرة ، ويطمر فوقه التراب ، شيءٌ مخيف ..

      

وأصعب ليلةٍ يمضيها الإنسان هي أول ليلةٍ في قبره ، يقول الله عزَّ وجل :(( عبدي رجعوا ، وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت))  .

      

لماذا يا رب تكاد تخفيها ؟ جاء الجواب :

      

فمثلاً لو أنك صاحب محلٍ تجاري ، وأنت جالسٌ وراء الطاولة ، ولم تغادر هذه الطاولة التي فيها المال لحظةً واحدة ، فهذا الصانع الذي أمامك يا ترى أهو أمينٌ أم خائن ؟ ما كان لك أن تعرفه ، ما دمت وراء الطاولة ، والمال تحت مراقبتك ،  وأنت مهيمنٌ عليه ، وكيف تقول : هذا الصانع أمين أم خائن ؟ لم يُتَح لك أن تكشف عن أمانته أو خيانته ، إنك إذا تغافلت عنه قليلاً ، وخرجت من المحل إلى محلٍ مقابل ، وكانت عينك ترعى محلك التجاري ، وراقبت هذا الصانع كيف يبيع ويشتري ، هل يضع هذا المال في الدرج أم يضعه في جيبه ؟ إنك إن تغافلت عنه تمتحن أمانته ، وتعرف أخلاقه ، فما كان لهذا الإنسان أن ينكشف على حقيقته لولا أنك تغافلت عنه ، ولذلك فالإنسان أحياناً يسيء حتى يظن أن الله غافلٌ عنه ، وكأن دابةً لها حبلٌ مُرْخى تظن أنها طليقة ، ولكنها ليست بطليقة ، إنه في اللحظة المناسبة يشد الحبل فإذا هي في قبضة صاحبها ، لذلك :

      

         وأحياناً يأتي الموت فجأةً ، وهذا الإنسان مخطط أن يمضي هذا الصيف في هذا المكان ، وهذا الشتاء في هذا المكان ، ومخطط لرحلات ممتعة ، ولسهرات عامرة ، وليالٍ حمر ، وموائد خضر ، فإذا بالموت على الأبواب ، ولذلك :

      

ولابدَّ أن تُكْشَف النفس على حقيقتها ، ولابدَّ أن تمتحن ، أن تُبْتَلى ، وأن يفتن الإنسان ، [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)] .

( سورة العنكبوت  )

       الدنيا دار ابتلاء ، والآخرة دار جزاء ، والدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، والدنيا دار عمل ، والآخرة دار إكرام ..

      

الحظوظ في الدنيا موزعةٌ توزيع ابتلاء ، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء ، [إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)] .

( سورة الواقعة )

      

متى ينجح الطالب في الامتحان نجاحاً باهراً ؟ إذا كانت صورة الامتحان في ذهنه طوال العام الدراسي ، وما دام يذكر هذه الساعة الحرجة ؛ ساعة الامتحان فأغلب الظن أنه سوف ينجح ، وما دام الإنسان في الدنيا يغفل عن ساعة الموت ، ولا يحسب لها حساباً ، ولا يعبأ لها ، ويُمَنِّي نفسه ببعض الأُمنيات ، ويقول : هذا الحديث ليس له لزوم الآن ، إذا هرب من هذه الحقيقة فكأنه كالنعامة يغمس رأسه في الرمل ..

      

 نصيحةٌ ربانية ، أيها المؤمن الكريم لا تستمع إلى إنسانٍ كافرٍ بهذا الدين ، كافرٍ بيوم القيامة ، والبعث ، والجنَّة ، والنار ، وبهذا الكتاب ، لا تُلْق إليه سمعك ، ولا تصغ إليه ، ولا تصدقه ، ولا تهتم بكلامه .

      

وأروع ما في هذه الآية أن هناك تلازماً دقيقاً بين الذي لا يؤمن باليوم الآخر ، وبين الذي يتَّبع الهوى ، فمن لم يؤمن باليوم الآخر لابدَّ أن يتبع الهوى ، ومن آمن باليوم الآخر يتبع الحق ، والحق أحق أن يُتَّبَع ، فإما أن تقود نفسك إلى الحق ، وإما أن تقودك إلى الهاوية ، وإما أن تكون سيِّداً لنفسك ، وإما أن تكون هي سيدةً لها ، فإما أن تقودك ، وإما أن تقودها ، إما أن تتحكم فيها ، وإما أن تتحكم فيك ، ولذلك فالعاقل يقود نفسه نحو الحق ، والغافل تقوده نفسه نحو الباطل ، والهوى ..

      

فتسقط ، فتهلك ، فتنتهي ، فتشقى .

      

سؤال ، رب العزة يناجي هذا النبي الكريم ، يسأله ، يا رب ؛ كيف تسأله وأنت الإله العظيم ، تعلم السر وأخفى ؟ تسأله عن هذه التي بيمينه ؟ هذا النبي الكريم حينما سأله رب العزة :

      

رآها مناسبةً ، مناسبة العمر أن يناجي الله عزَّ وجل ، فقال :

      

يبدو أنه ذاق حلاوة المُناجاة ..

      

هذا في البلاغة اسمه إطناب ..

      

ذاق من حلاوة المناجاة فأطال الخطاب ، عندها شعر بالخجل ؛ لعلني أطلت ،وأطنبت ، وتكلمت فوق الحد المسموح به ، فقال :

      

فإن كان الله سبحانه وتعالى يريد أن أتابع حديثي يقول له : يا موسى ما هذه المآرب الأخرى ، حدثني عنها ، قال :

      

فالله سبحانه وتعالى أراد من هذا السؤال أن يلفت نظره إلى أن هذه التي بيدك ما هي ؟ تأمل بها إنها عصا ، تأكَّد أنها عصا ، لأنها بعد قليلٍ سوف تكون هذا العصا آيةً كبرى للناس ، قال :

      

معنى أهش بها على غنمي قال بعضهم : " أي أضرب ورق الشجر ليسقط فتأكله الغنم " ، وبعضهم قال : " أضعها على ظهور غنمي كي أوجِّهها نحو الهدف المطلوب " ، ومن بلاغة القرآن ليس هناك كلمة أدق من هذه الكلمة ..

      

رب العزة يقول :

      

والله سبحانه وتعالى ما أراد أن يخيفه ، ولكن أن أراد أن يعرِّفه بهذه المعجزة ، فقال :

       

بمجرد أن تمسكها تعود عصًا ..

      

هذه حلاوة المناجاة ، ولذلك يروى أن مؤمناً وقع في غفلة ، أو وقع في مخالفة ، فظن أنه لابدَّ أن يعاقبه الله عزَّ وجل ، ولابدَّ أن يسوق له بعض المصائب تنبيهاً له لهذه الغفلة ، فانتظر أياماً عِدَّة ، والأمور تجري على شكلٍ طبيعي ، ففي الصلاة ناجى ربه فقال : " يا رب قد عصيتك فلم تعاقبني " ، فوقع في قلبه : " أن عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ ، ألم أحرمك لذة مناجاتي " ، ألم يكفك عقوبةً أنك وقعت في هذه الجفوة .

       فهذا النبي الكريم حينما ناجى ربنا سبحانه وتعالى بماذا شعر ، إنك إن خاطبت إنساناً يبدو لك عظيماً تبقى أشهراً تستمتع بهذا الخطاب ، وهذا اللقاء ، ولهذا الحديث ، تقول : أدرت معه حديثاً ممتعاً ، فكيف إن كان الحديث مع الله سبحانه وتعالى ؟ .

     

         لقد جاء إلى هذا المكان ليأخذ قَبَسَاً من النار ، لذلك : كن لِما لا ترجو أرجى منك لما ترجو ، فإذا دعاك إنسان إلى عمل صالح ، قد يكون الهدى في هذا العمل الصالح ، وإذا دعاك إنسان إلى بيته ، فلبِّ هذه الدعوة ، لعلك بهذه الدعوة تنقذ إنسانًا من الضلال ، وأنت لا تعرف .

      

ضع يدك تحت إبطك ..

      

منيرة ، مضيئة من دون بطارية .

      

منيرةً ، مضيئةً ، وهَّاجةً ، من غير سوءٍ ، وألمٍ ، وغيرِ أذى .

 

     

العصا آية ، وأن تخرج هذه اليد للناس وضَّاءةً ، منيرةً ، متألقةً ..

      

تجاوز الحَد ، تجاوز حد العبودية ، فادعى الربوبية ، وتجاوز الحد المعقول ، وخرج عن دائرة القبول ، تجاوز الحد البشري ، تجاوز الحدود التي يجب أن يقف عندها الإنسان ، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده، قال : [قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي] .