English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "3 / 9" من تفسير سورة  طه (020) : الآيات 25 – 50  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث من سورة طه ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

        أولاً : هذا النبي الكريم .. سيدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أتم الصلاة والتسليم .. يجب أن يعلم هو قبْلَ غيره أنه نبي ، فحينما أمره الله عزَّ وجل أن يلقي العصا التي بيده فصارت حيَّةً تسعى ، فهذه معجزة ، قد يقول قائل : لِمَن ؟ هذه أولاً لسيدنا موسى ، ليعلم سيدنا موسى أنه نبيٌّ مُرْسَل ، وأن هذه معجزة أيَّده الله بها لتكون حُجَّةً له على الذين يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى .

       وقد يسأل سائل : لماذا كانت هذه المعجزة فيما بين موسى وبين ربِّه ، ولم تكن أمام الملأ ؟ هذه أولاً ليتعرَّف النبي بشكلٍ قطعي أنه نبيٌّ مُرْسَل ، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه جبريل في غار حِراء ، عرف النبي يقيناً أنه نبي وأنه مُرْسَل .

      وشيءٌ آخر : استنبط العلماء من هذا ، حينما سأل الله عزَّ وجل نبيَّه فقال :

      

فإذا كان الجواب على قدر السؤال ينبغي أن يقول : هي عصاً ، فلمَّا قال :

      

نسبها إلى نفسه .. فاستنبط بعض العلماء أنه يجوز أن يكون الجواب أكبر من السؤال ، أو أطول ، أو أوسع ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام سُئلَ عن البحر فقال عليه الصلاة والسلام : ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) .

 ( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " ) 

       فالنبي عليه الصلاة والسلام أجاب أكثر من السؤال ، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن هذا النبي الكريم أراد أن يطيل المُناجاة مع الله عزَّ وجل لما في هذه المناجاة من سعادةٍ لا توصف ، فقال :

      

وكيف أنه قد شعر لعلَّه أطال ، وأساء الأدب ، فقال :

      

فإذا كان الله يحبُّ أن يتابع نبيُّه الحديث والحوار والكلام يقول له : وما هذه المآرب الأخرى يا موسى ؟ على كلٍ كانت الحكمة من هذا السؤال أن يُلْفِتَ الله نظر سيدنا موسى إلى أن هذه التي بيده هي عصاه ، أنها بعد قليلٍ سوف تكون حَيَّةً تسعى ، لتكون المفارقة حادَّةً بين ماضي هذه الحيَّة ، وبين حاضرها .

       لذلك تَروي كتب الأدب أن الحجَّاج لقي أعرابيًّا فقال له : " من أين أقبلت يا أعرابي ؟ " ، قال : " من البادية " ، قال : " وما في يدك ؟ " وكان في يده عصا ، قال : عصايَ أركُزها لصلاتي ، وأجعلها سترةً لي ، وأعدُّها لِعُداتي ، وأسوق بها دابَّتي ، وأقوى بها على سفري ، وأعتمد عليها في مشيتي لتتسع خطوتي ، وأثِبُ بها النهر ، وتؤمنني من العثر ، وألقي عليها كسائي .. أي ردائي .. فيقيني الحر ، ويدفئني من القر .. القر هو البرد .. وتدني إليَّ ما بَعُدَ عني ، وهي مَحمل سفرتي .. طعامه .. وعلاَّقة إداوتي.. أي محفظة كتبه .. أعصي بها عند الضِراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتقي بها عَقور الكلاب ، وتنوب عن رمحي في الطعان ، وعن السيف في منازلة الأقران ، ورثتها عن أبي ، وأورثها بعدي ابني..

       

كثيرةٌ لا تُحصى ، فهذا هو التفصيل ، ما هي هذه المآرب ؟ مآرب كثيرة ، كان السلف الصالح يحمل بيده عصا يستعين بها في المشي ، ويقرع بها الباب ، ويقتل بها الحيوان العقور ، وهكذا ..

       

ليس القصد إخافتك يا موسى ، خذها ، تروي بعض الكتب أنه خاف منها ، فأمسكها بطرف عباءته ، فقال : خذها بيدك ، ولا تخف ..

      

والخوف من طبيعة البشر .. [إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22)] .

( سورة المعارج )

وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)] .

        ( سورة النساء )

وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا(11)] .

( سورة الإسراء )

       فأن يكون الإنسان عجولاً ، وأن يكون ضعيفاً ، وأن يكون هلوعاً، وأن يكون جزوعاً فهذه من طبيعة البشر ، إنها ضعفٌ في بنيتهم ، ولكن هذا الضعف لصالحهم ، ولأن الإنسان حينما خُلقَ ضعيفاً من أجل أن يستعين بالله عزَّ وجل ، وأن يلتجئ إليه ، وأن يتوكَّل عليه ، فلو أن الله عزَّ وجل خلقه قوياً لاستغنى بقوَّته ، وشقي باستغنائه ، ومن حكمة الله عزَّ وجل أن الإنسان خُلِقَ هلوعاً .

      

آيتان : الآيةُ الأولى العصا ، وكيف أنه إذا ألقاها تصبح حيَّةً تسعى ، والآية الثانية يده إذا أدخلها تحت إبطه ..

     

لا تؤْذَى أنت ، ولا تؤذِي بها ، لكنها تخرج متألِّقَةً منيرةً كالشمس ..

      

          وبيَّنت في الدرس الماضي كيف أن شرح الصدر مُقَدَّمٌ على التيسير في الأمر ، لأن الإنسان ينطلق أول ما ينطلق من حاجةٍ نفسيَّة ، فإذا كان هناك انشراحٌ لإبداء هذا الأمر أقدم عليه ، فإذا كان هناك انشراحٌ لإمضاء هذا الأمر ، ولم تكن وسائلهُ ميسَّرةً لم يحقَّق الهدف ، لذلك لابدَّ من شرح الصدر ، وتيسير الأمر ..

      

 وبعض الآيات تؤكِّد أن هذا النبي الكريم .. في هذه الآية طبعاً ، وفي آياتٍ أخرى أن في لسانه عقدةً ، أي لم يكن طليقاً في الكلام طلاقة أخيه هارون .

       وحول هذا الموضوع قصَّةٌ طريفة جرت بين واعظٍ وبين نحوي ، فقد جلس نحويّ .. أي عالمٌ بالنَّحوِ .. في مجلس واعظ ، فَلَحَنَ الواعظ .. أي أخطأ في حركة بعض الكلمات .. فقال النحوي : " أخطأت " ، هكذا قالها أمام تلاميذه ، فقال له الواعظ : " أيها المُعرض في أقواله ، اللاحن في أفعاله ، أكلُ هذا لأني رفعتُ ، ونصبت ، وخفضت ، وجزمت ؟ فهلاَّ رفعت إلى الله يديك بالدعاء ؟ ونصبت بين عينيك ذكر الممات ؟ وخَفَضْتَ نفسك عن الشهوات ، وجزمتها عن فعل المحرَّمات ، أفلا تعلم أنه لا يُقال للمسيء يوم القيامة لِمَ لَمْ تكن فصيحاً مُعْرِبَاً ؟ وإنما يقال له : لِمَ كنت عاصياً مذنباً ؟ ولو كان الأمر بالفصاحة لجعل الله الرسالة في هارون ، ولم يجعلها في موسى ، فقال تعالى إخباراً عنه : [وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا] .

 ( سورة القصص : من آية " 34 " )

        فجعل الله تعالى الرسالة ـ في موسى ـ لفصاحة جنانه لا لفصاحة لسانه ، فالأمر تابعٌ للجنان .. أي للقلب .. لا للسان " .

       فالفصاحة وحدها لا قيمة لها ، أما إذا أضيفت الفصاحة إلى قلبٍ مُفْعَمٍ بذكر الله عندئذٍ تؤتي ثمارها ..

       دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين ، فقام غلامٌ لا تزيد سنُّه عن إحدى عشرة سنة ، فقال الأمير : " اجلس أيها الغلام ، وليقُم من هو أكبر منك سنَّاً " ، فقال : " أصلح الله الأمير ؛ المرء بأصغريه ؛ قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبدَ لساناً لافظاً ، وقلباً حافظاً فقد استحقَّ الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس " ..

       فلذلك جعل ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة في أنبيائه مجتمعين أشياء كثيرة ، تكون هذه الأشياءُ دروسًا بليغة ، جعل في لسان نبيٍّ مُرسلٍ من أولي العزم عُقْدَةً ، وجعل لنبيٍّ آخر ابنًا ضالاًّ .. سيدنا نوح .. وجعل لنبيٍّ آخر زوجةً ليست مؤمنةً برسالته ، وجعل نبياًّ فقيراً ، وجعل نبياً ملكاً ، فحينما تدور الأمور كلُّها مع الأنبياء هذا من أجل أن يُفْصَل الإيمان عما يلابس بعض الناس من حالاتٍ متفاوتة ..

      

        طبعاً التسبيح والذكر المقصود به الكثرة ، لقوله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا(42)] .

( سورة الأحزاب )

       فلذلك المطلوب هو الكثرة ، ومن علامة المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((برئ من النفاق من أكثر ذكر الله عزَّ وجل)) .

      

       يا أيُّها الإخوة المؤمنون ... المؤمن حينما يدعو الله دعاءً يتعلَّق بصلاح آخرته ، أو صلاح نفسه ، أو تطهيرها ، أو تحليتها بالكمال ، فهذا الدعاء دُعاءٌ طيِّبٌ جداً ، والله سبحانه وتعالى يستجيب له ..

      

فإذا دعوت الله عزَّ وجل أن يهديك سواء السبيل ، وأن يجعلك هادياً مهتدياً ، وأن يحفظك من شرِّ ما خلق ، فلذلك  كما قال عليه الصلاة والسلام : ((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ)) .

( من سنن الترمذي : عن " أنس بن مالك " )

       و ..((الدعاء هو العبادة)) ، ((ومن لا يدعني أغضب عليه)) .. ((وإن الله يحبُّ الملحِّين في الدعاء)) ..  ((والدعاء يردُّ القضاء)) ، القضاء الذي نزل يُرَدُّ بالدعاء .

      

أي أنك هُنا سألتنا فأجبناك ، لكنَّنا في الماضي مَنَنَّا عليك مِن فضلنا من غير أن تسألنا ، فلأن نُجيبك هذه المرَّة فمن باب أولى ، وإذا كنت قد سألتنا فأجبناك ، لكنَّه في الماضي لم تسألنا فأعطيناك ..

      

        قال العلماء : " هذا وحي الإلهام " ، وهناك وحي الغريزة ..[وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ] .

 ( سورة النحل : من آية " 68 " )

       وهناك وحي الإلهام ، وحي الرسالة عن طريق سيدنا جبريل ، وأغلب العلماء على أن هذا الوحي وحي إلهام ..

      

أي في الصندوق ..

      

[فَلْيُلِقِهِ] ، هذه اللام لام الأمر ، والبحر مأمورٌ أن يُلقي هذا الصندوق على شاطئ قصر فرعون ، فإذا كانت أمواج البحر أو ذرَّاتُ مياه البحر مؤتمرةً بأمر الله عزَّ وجل فهل في الحياة شيءٌ أكبر من ذلك يستعصي على الله عزَّ وجل ؟ إذاً الأمر كلُّه بيدِ الله .. [وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ] .

 ( سورة هود : من آية " 123 " )

       وهذه الآية جزءٌ أساسيٌ من مغزى القصَّة ..

      

       من أوجه تفسيرات هذه الآية أن الله أحبَّه وحبَّبه إلى خلقه ، لذلك إذا أحبَّك الله ، فمن لوازم محبَّة الله عزَّ وجل أن الخلق كلَّهم يحبُّونك ، فإذا أحبَّك الخلق فهذه علامة محبَّة الله لك ..

      

        والحديث القدسي الذي أتلوه على مسامعكم كثيراً هو قول سيدنا داود: ((يا رب مَن أحبُّ الناس إليك حتى أحبَّه بحبِّك ؟ فقال : يا داود أحب الناس إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبَّني ، وأحبَّ من أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي)) .

       فدور العبد الصالح مع ربِّه أنه يحبُّ الله ، ويحبُّ أحبابه ، ويُحَبِّب الخلق إليه ، إذا أحبَّك الله عزَّ وجل حبَّب الناس إليك ، وإذا أحببته أنت يجب أن تحبَّه ، وأن تحبَّ من يحبَّه ، وأن تحبِّب الناس إليه .. فقال : ((أحبُّ الناس إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبَّني ، وأحبَّ من أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي ، فقال داود : يا رب إنك تعلم أني أحبُّك ، وأحبُّ من يحبُّك ، فكيف أحبِّبك إلى خلقك ؟ قال : ذكِّرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي)) .

       إذا ذكَّرت الخلق بآلاء الله ، وبنعمائه ، وببلائه فقد حببت الخلق إليه ، إن ذكَّرتهم بآلائه استعظموه ، وإذا استعظموه طبَّقوا أمره ، وإنك إن ذكَّرتهم بنعمائه أحبُّوه ، وإذا أحبُّوه طبَّقوا أمره ، وإنك إن ذكَّرتهم ببلائه خافوا منه ، وخوفهم منه يحملهم على تطبيق أمره ، فالهدف واحد ، وهو أن يطيعوه ، إما أن يطيعوه عن طريق التعظيم ، وإما أن يطيعوه عن طريق المحبَّة ، وإما أن يطيعوه عن طريق التخويف .. ((ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي)) .

       قال بعض المفسِّرين :

      

أيْ رَحِمْتُكَ فأحبَّك الناس ، فإذا تجلَّى الله على قلب الإنسان بالرحمات انصرفت قلوب الناس إليه ، لأن قلبه يصبح مهبطاً لتجلّي الله عزَّ وجل ، وعندئذٍ تهفو القلوب إلى هذا القلب المتصل ، فلو أن الإنسان أُتيح له أن يلتقي بنبيٍّ عظيم فلا توصف مقدار السعادة التي تتأتَّى من مجرَّد اللقاء ، ولو لم ينطق بكلمة ، إن هذه النفوس العظيمة التي أقبلت على الله عزَّ وجل ، واستنارت بنوره فكانت مهبطاً لتجليَّات الله عزَّ وجل ، فإذا كان هناك لقاءٌ ، أو اتصالٌ ، أو محبَّةٌ ، أو محاككةٌ بينك وبين قلب المتصل سَرَت هذه الصلة إلى قلبك ، لذلك :

      

من معانيها أنني أحببتك ، وجعلت الخلق كلَّهم يحبونك .

       المعنى الثاني : أنني تجلَّيت على قلبك فهفت القلوب إليك ، ولذلك يقال : إن النبي عليه الصلاة والسلام كان أصحابه لا يطيقون فراقه أبداً ، كان بعض أصحابه يخدمه ، فلمَّا حان وقت الانصراف بقي على عتبة داره لشدَّة أُنسه ، وسعادته بهذا القُرْب ..

      

أي أحببتك ، وجعلت الخلق يحبُّك ..

      

أي تجليت على قلبك فهفت القلوب إليك .

      

         شيءٌ آخر ـ أي معنى آخر ـ أحياناً يلقي الله عزَّ وجل على إنسان محبَّته فيحبُّه الناس ، وهكذا قال بعض المفسِّرين ، أي أنه ألقى عليه مسحةً من جمالٍ أخَّاذ ، فإذا كلُّ مَن النظر إليه هفا إليه ، وكان غلاماً صغيراً فألقى عليه مسحةً من جمال ، فلمَّا رأته امرأة فرعون أحبَّته ، وقالت : لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا ، فلمَّا رآه فرعون قَبِلَ أن ينجوَ هذا الغلام مِن القتلِ ، أي أنه ألقى عليه مسحةً من جمال .

        والمرأة التي تُخْطَبُ ، ويتزوَّجها زوجها ، ويكرمها ، ويجعلها في موضع تكريمه ورعايته ، ويسكنها في بيتٍ مريح ، ويأتيها بالطعام ، والشراب ، واللباس ، إيَّاها أن تظنَّ أن هذا ضروريٌّ لها ، لولا أن الله عزَّ وجل ألقى عليها مسحةً لما خطبها أحد ، فالفضل لله عزَّ وجل ، لو تَعْلَم المرأة أن الذي جعل الناس يُقْبِلون على خطبتها هو الله عزَّ وجل ، لأنه جعلها كاملةً مرضيَّةً في أعينهم ، ولو لم تكن كذلك لما أقدم أحدٌ على خطبتها ، إذاً هذه محبَّة الله أيضاً .

      آتى الله الإنسان عقلاً ، وآتاه حواس تامَّة فبجَّله الناس ، وعظَّموه ، واحترموه مثلاً ، فهذا فضل الله عزَّ وجل ، ولو أن في العقل خللاً لما أقبل أحدٌ عليك ، لو أن في الخَلْقِ عيباً خطيراً لما أقبل أحدٌ عليك ، ولنفر الناس منك ، إذاً إذا أقبل الناس عليك فهذا من فضل الله عزَّ وجل ، وعلامة المؤمن أنه يرى فضل الله عليه دائماً ..

      

         هذه كنايةٌ أن الله عزَّ وجل رعاه رعايةً تامَّة ، فحينما يكون الابن في قلب أمِّه تراها تنظر إليه دائماً حيثُما انتقل ، فالآية إشارةٌ إلى أن الله عزَّ وجل هو الذي ألقى عليه مسحةً من جمال ، وهو الذي ألقى عليه محبَّته ، وهو الذي أوحى إلى أمِّه أن اقذفيه في التابوت ، وهو الذي أمر الموج أن يسوق هذا الصندوق إلى شاطئ القصر ، وجعل الجواري يأخذن هذا الصندوق إلى امرأة فرعون ، وهو الذي ألقى في قلب امرأة فرعون محبَّة هذا الغلام ، وجعل فرعون يرضى أن ينجو هذا الغلام من الذبح ، هو الذي جعله يتربَّى في قصر فرعون ، كل هذه الحوادث إنها..

      

          إنّ الله سبحانه وتعالى هو الرب المُمِدّ ، الذي يَهَبَ الجميل ، ويثيب عليه ، والدليل أن هذا الأمر كلَّه بيدِ الله  ..

      

أي دخلت أختك إلى قصر فرعون ، وقد تروي بعض الأخبار أنها وضعت أخاها على ثديها فالتقمه ، بينما لم يرض أن يلتقم ثدي أي امرأةٍ أخرى ، وربنا عزَّ وجل قال : [وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ] .

 ( سورة القصص : من آية " 12 " )

       فقال العلماء : " هذا تحريمُ منعٍ لا تحريم شرعٍ " ، [وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ] .. إلى أن جاءت أخته ، ووضعته على ثديها فالتقم ثدي أخته ، لكنَّ أخته ليس في ثديها حليب ، قالت : أنا آتيكم بأمِّي ، أمي في ثديها حليب ، فجاءتهم بأمِّه فالتقم ثديها ..

      

إذاً :

      

         وقد جاء في صحيح مسلم أن هذا القتل هو قتل خطأٍ ، وليس قتل عمدٍ ، وتصوُّر ، إنه قتل خطأٍ ، وقد ظهر من هذا القتل حِرْصُ هذا النبي الكريم على أن يكون مع الحق ، وليكن الثمن ما يكن ..

      

من غمِّ القِصاص ، ومن غمِّ المُلاحقة ، ومن غمِّ السجن ..

      

جئت في الوقت المناسب ، أو جئت على القدر الذي قدَّرناه نحن لك..

      

الاصطناع من الصَنيع ، والصنيع هو المعروف ، فأولاً اخترتك ، ثم جعلتك محلَّ إكرامي ، وعطائي ، اخترتك ، وأعطيتك ، وكرَّمتك لتكون هادياً إليَّ ..

      

فأنت قد هُيِّئت ، وأُعطيت كل الوسائل التي تستطيع بها أن تكون هادياً إليّ ، وذلك لأن الله عزَّ وجل عَلِمَ منه الصدق ، وعلم منه الذوبان في محبَّة الله عزَّ وجل ..

      

إنها أعلى مرتبةٍ يبلغها إنسان على وجه الأرض ، أن يكون هادياً إلى الله عزَّ وجل ..

      

[لاَ تَنِيَا] أي لا تتباطآ في ذكري ..

      

تجاوز الحدَّ المعقول ، فخرج عن دائرة القبول ..

      

        قال عليه الصلاة والسلام : ((من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف)) ، وقال تعالى : [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] .

 ( سورة آل عمران : من آية " 159  " )

((من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف)) .

       رجل قال لأمير : " سأعظك بغِلْظَة " ، فكان هذا الأمير أفقه من الواعظ ، قال له : " لِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني ، أرسل موسى إلى فرعون ، فهل أنت كموسى ؟ لا ، وأنا كفرعون ؟ لا ، لمَ الغلظة يا أخي ؟ " .

      

حتى إن بعضهم قال : " يا رب إذا كانت هذه رحمتك بمن قال : [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] ، فكيف رحمتك بمن قال : سبحان ربي الأعلى ؟! وإذا كانت هذه رحمتك بمن قال : [مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي] ، فكيف رحمتك بمن قال : لا إله إلا الله ؟! المرسل إليه هو فرعون ..

      

وقال بعض العلماء : " القول الليِّن أن تناديه بلقبه ، أو بكنيته ، أو بالاسم الذي يُحِبُّه ، هذا من القول اللين ، فإذا كنتَ مع إنسان ، وترجو منه الخير ، فإذا ناديته باسمٍ يحبُّه ، أو لقبٍ علميٍّ يحبُّه ، أو رتبةٍ يحبُّها ، أو كُنِيَةٍ يحبُّها فهذا من القول الليِّن ، وإذا ناديته باسمٍ يحبُّه ، أو لقبٍ ، أو مرتبةٍ ، أو شيءٍ من هذا القبيل ، فهذا من القول الليِّن ، وسوف ترون معي بعد قليل كيف كان قول هذا النبي العظيم لفرعون ؟

      

إذاً الأمل واسعٌ وقائمٌ ، وفرص الهداية متوافرةٌ في فرعون ، وإلا لَمَا كان هناك من معنى أن يُرْسِل الله عزَّ وجل موسى إلى فرعون .

      

معنى [يَفْرُطَ عَلَيْنَا] أن يسارع بالعقوبة ، أن يسارع في قتلنا ، أو في تعذيبنا ، أو أن يزداد طغياناً ، حينما يعارض فرعون الحق يزداد طغياناً على طغيانه ..

      

ورد في بعض الكتب : " أن الخوف من الأعداء سُنَّة الله في أنبيائه وأوليائه ، مع معرفتهم به ، وثقتهم بنصره " ، الخوف من طبيعة البشر ، يا ترى هل يُعَدُّ خوف هذا النبي الكريم من مواجهة فرعون نقصاً في إيمانه ، أو نقصاً في توكُّله ، أو ثغرةً في ثقته بالله عزَّ وجل ؟ قال بعض العلماء : " لا " ..

        فقد روي أن رجلاً اسمه عامر بن عبد الله نزل مع أصحابه في طريق الشام على ماء ، فحال سبعٌ مفترسٌ بينهم وبين الماء .. أي هم يبتغون هذا الماء ، وبينهم وبين الماء سبعٌ مفترس .. فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته .. هذا عامر بن عبد الله توجَّه إلى الماء ، ولم يبال بالسبع ، وأخذ منه حاجته .. فقيل له : " لقد خاطرت بنفسك يا عامر ، وغامرت ، فقال : " لأنْ تختلف الأسنَّة في جوفي أحبُّ إليَّ مِن أن يعلم الله أني أخافُ شيئاً سواه " ، بعضكم أُعْجِب بهذا الموقف ، أما سيدنا الحسن البصري ردَّ عليه فقال : " لقد خاف يا عامر من هو خيرٌ منك" ، وجاء بالآيات التي ذكرت قول مؤمن آل فرعون لسيدنا موسى .. [قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ(20)فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ] .

( سورة القصص )

    نبيٌّ عظيم ، نبيٌّ مُرْسَل ، من أولي العزم .. [فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ].. آيةٌ ثانية : [فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ] .

 ( سورة القصص : من آية " 18 " )

       آيةٌ ثالثة : [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67)قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى] .

( سورة طه )

       فإذا كان النبي المُرْسَل الذي هو من أولي العزم يخاف فهذا الخوف من طبيعة البشر ، وليس قدحاً في إيمانه ، ولا في توكُّله ، ولا في ثقته بنصر الله عزَّ وجل ، ولكنَّ طبيعة البشر هكذا ، والخوف من طبيعة البشر ليكون الخوف دافعاً لهم إلى التوكُّل على الله ، والالتجاء إليه ، والثقة بنصره .

      

أفرط عليهم أي أسرع بعقوبتهم ..

      

الطغيان تجاوز الحد ..

      

أين أنا ؟ أنا معكما ..

      

من هنا قال بعضهم : " إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ " ..

إذا كنت في كل حالٍ معي    فعن حمل زادي أنا في غنى

*  *  *

[وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا] .

( سورة المائدة : من آية " 12 " )

        أي أن معيَّة الله ليست حكراً على أحد ، لكنَّها لكل الناس بهذا الشرط ، معيَّة الله لكل مؤمنٍ بشرط أن يكون مقيماً للصلاة ، مؤتياً للزكاة ، يرعى حقوق الله ، مُعَزِّراً لرسله وأنبيائه .

      

لقد طمأنهما ربنا عزَّ وجل ..

      

يبدو أن هؤلاء القوم كان قد عذَّبهم فرعون كثيراً ؛ ذبَّح أبناءهم ، واستحيا نساءهم ، وجعلهم يعملون عملاً بلا أُجرة ، أرهقهم في الأعمال ، وانتهب منهم الأموال ، وقتَّل أبناءهم ـ وهكذا ـ

      

لم يقولا : " السلام عليك " ، السلام على من اتبع الهدى ، الذي اتبع الهدى وحده يستحقُّ السلام ، والسلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل ، من منحه الله السلام لا يستطيع مخلوقٌ على وجه الأرض أن ينال منه.. [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا] .

 ( سورة فصلت : من آية " 30 " )

       مُنِحوا السلام .. [تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ] .

  ( سورة الأحزاب : من آية " 44 " )

     

هذا من التوجيه اللطيف ، وهذا من القول الليِّن ، لم يقل سيدنا موسى: أن يا فرعون سوف يعذِّبك الله عزَّ وجل ، لا ..

      

فأنت إذا أردت أن تنصح إنساناً غارقاً في المعاصي فلا تقل له : أمامك مصائب ، وأمامك عقوبات شديدة ، بل قل : الله عزَّ وجل يعاقب المنحرف ، ويعاقب العاصي ، ولا تتوجَّه إليه بالذات ، بل بيِّن له بعض القواعد ، بعض السُنَن ، والقوانين في كتاب الله من دون أن تجعله هدفاً لموعظتك ..

      

من ربكما ؟ ..

      

أي أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم أعطاه فكراً ، وقوَّةً إدراكيَّةً يعرف بها الخير من الشر ، والحقَّ من الباطل ، وما ينفعه ، وما يضرُّه ، هداه إلى طريق سعادته ، وخلقه خلقاً كاملاً ، وأعطاه قوَّةً إدراكيَّة يهتدي بها إلى طريق سعادته ، أعطاه وهداه ..

      

الحيوان خلقه في أبدع تكوين ، ثم هداه إلى طعامه وشرابه ، وهداه إلى بناء عشِّه ، وإلى رحلةٍ طويلةٍ ، لا يزال العلم حتى الآن حائراً في طريقة اهتداء الطيور إلى أهدافها البعيدة ، أعطى السمكة الخَلق الأكمل ، ثم هداها لرحلةٍ تقطع بها عشرات الألوف من الأميال ، كل مخلوقٍ هداه الله إلى سُبُلِ العيش ، كيف يعيش ، وكيف يأكل ، وكيف يأوي إلى عشِّه أو إلى جحره ، هذه هداية الله عزَّ وجل ، عبَّر عنها بعض علماء الغرب "بالغريزة " ، والغريزة كلمة لا معنى لها ، فالحيوان يقوم بأفعال ذكيَّة جداً من دون تعليم .

       فهذا الطفل الصغير الذي يولد لتوِّه يلتقم ثدي أمِّه ، التقام الثدي عمليَّةٌ معقَّدة ، فيها إحكام شفتيه على حلمة الثدي ، وفيها سحب الهواء كي يخرج له الحليب ، وفيها أشياء كثيرة ، العلماء قالوا : " هذا منعكس المص يولد مع الإنسان " ..

      

فلو أن هذا الطفل الصغير لا يعرف كيف يلتقم ثدي أمِّه لمات جوعاً، وليس في الإمكان أن تُعَلِّمه ، وهو دون أن يُعَلَّم ، فليس عنده إدراك ، ولا لغة ، ولا قدرة على الاستيعاب ، ولذلك لولا منعكس المصِّ الذي خلقه الله عزَّ وجل في الطفل الصغير لما عاش إنسان على وجه الأرض .

       وهذه الآية يمكن أن تؤلَّفَ حولها مجلَّدات ..

      

أعطى الإنسان خلقه الكامل ، ثم هداه إلى طريق الخير والشر ، وأعطى الحيوان خلقه الكامل ، ثم هداه إلى كسب رزقه وإلى عيشه ، أما قوله تعالى :

      

قال بعض العلماء : " أراد فرعون من هذا السؤال أن يصرف موسى عن هدفه من المناقشة ، وأن يحوِّله إلى موضوعٍ آخر ، أو أنه أراد أن يقول له : هؤلاء الأقوام الذين جاؤوا قبلنا لِمَ لمْ يهدهم الله عزَّ وجل كما تقول أنت ؟ أو أنه أراد بهذا أن يسأله عن غيب الماضي لتوَهُّمه أن هذا النبي الكريم يعلم الغيب " ..