English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "5 / 9" من تفسير سورة  طه (020) : الآيات 65 – 79  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس من سورة طه ، وصلنا في قصَّة سيدنا موسى مع فرعون إلى قوله تعالى :

      

       لقد خَيَّرَ سحرةُ فرعون سيدَنا موسى ، فإما أن يبدأ هو بإلقاء عصاه التي هي من آيات ربِّه ، وإما أن يبدؤوا هم ، فاختار هذا النبي الكريم أن يبدؤوا هم ، ويعلِّلُ بعض العلماء سبب اختياره أنه واثقٌ من أنه على حق ، والحق دائماً لا يخشى البحث ، والحق دائماً لا يعتمد على الكذب ، والحق دائماً واضحٌ جلي ، كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((تركتكم على بيضاء نقيَّة ليلها كنهارها)) .

( من الجامع الصغير : عن : العرباض)

       إذا كنت مع الحق فلا تخشَ في الله لومة لائم ، البطولة أن تكون مع الحق لأن الحق أبديٌ أزليٌ سرمدي ، الحق هو الله سبحانه وتعالى ، وليس في الكون حقيقةٌ إلا الله ، فإذا كنت مع الحق فلا تخشَ أحداً ، وإذا كان الإنسان مع الباطل فالباطل سريع الزوال .

       لذلك في القرآن الكريم آياتٌ دقيقةٌ تعرِّف الحق :[وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ] .

( سورة الحجر : من آية " 85 " )

       خَلْقُ السماوات والأرض بالحق ، وفي آية ثانية : [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا] .

( سورة ص : من آية " 27 " )

       في آيةٍ ثالثة :[وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ(38)] .

( سورة الدخان )

       إذاً الحقُّ ضد اللَّعِب ، والحق ضد الباطل ، الباطل هو الشيء الزائل، واللعب هو الشيء العابث ، فالحقُّ إذاً هو الشيء الثابت ، والحق هو الشيء الهادف ، ثباتٌ وهدفٌ كبير ، هذا التعريف المستنبط من هذه الآيات الثلاث ، ولذلك قال سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ..

      

هو يعلم أنه نبيٌّ مُرْسَل ، ومعه آيةٌ كُبرى ، وأن هناك فرقاً بين آيته وبين صُنْعِ السحرة ، صنع السحرة نوعٌ من أنواع الكيد ، عمل أرضي ، وآيته سماويَّة ، نوعٌ فيه بطلٌ ، ولكن آيته فيها حقٌّ ..

      

أكبر بطولة أن تكون مع الحق ، ليس للإنسان حالةٌ ثالثة ، إما أن يكون مع الحق يدور معه حيث دار ، وإما أن يكون مع الباطل ، من صفات الحق أنه أزليٌ أبديٌ سَرْمَدِيّ ، من صفات الحقِّ الثبوت ، الديمومة ، القوَّة ، الاستقرار ، الاستمرار ؛ أما الباطل فمن صفاته الزوال ، الانهيار ، التلاشي ، إذا بني الجدار بالباطل فلابدَّ أن يَنْقض ، لابدَّ أن يقع ، وإذا بني بالحق وَفْقَ الأصول الثابتة فسيبقى ، فالإنسان حينما يكون مع الباطل فقد قامر وغامر بمستقبله ، لأن الباطل له جولة ثم يضمَحل ، فإذا كنت مع الباطل كنت زاهقاً معه .

       هناك استنباطٌ لطيفٌ جداً هو أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال :

      

الحقُّ لا يَخشى البحت ، والحق لا يحتاج إلى الكذب ، والحق لا يُلقى فيما بين الناس خِفيةٌ ، الحقُّ يُلقى أمام الناس جميعاً ، الحق معه الدليل العقلي ، والنقلي ، والواقعي ، الحق لا تستطيع جهةٌ على وجه الأرض أن تقف في وجهه ، هذا هو الحق ، أما الباطل فيقوى ، ويَضْعُف ، ولكنَّ مصيره إلى الاضمحلال وإلى الزوال ..

      

في القرآن الكريم إيجازٌ رائع ..

      

كان من الممكن أن يقول الله عزَّ وجل : بل ألقوا فلمَّا ألقوا إذا حبالهم ، هذا الكلام الذي يُفْهَمُ من السياق لا يذكره القرآن الكريم ، وهذه هي البلاغة ، والبلاغة في الإيجاز ، وفي القرآن الكريم ولاسيما في قصصه الرائعة قفزاتٌ فنيَّة ، أي :

      

ثم ألقى السحرة حبالهم وعصيَّهم ، فإذا حبالهم وعصيِّهم ، كلامٌ فيه حشوٌ ، لذلك يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن البلاغة في الإيجاز ، وأن كل كلامٍ يُفْهَمُ من دون أن يُذْكر ينبغي أن يُحْذف ..

        

إذا فجائيَّة ، يبدو أنهم صنعوا شيئاً عظيماً ، يقول الله عزَّ وجل في آياتٍ أخرى تتعلَّق بهذه القصَّة :[وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(116)] .

( سورة الأعراف )

        أي لم يكن هؤلاء السحرة من الغافلين أو من الأغبياء ، ولكنهم سخَّروا كل طاقاتهم ، كل إمكاناتهم ، كل تجاربهم ، كل خبراتهم وضعوها ، لأن فرعون وعدَهم أن يجزل لهم العطاء ، وأن يقرَّبهم منه ، لمعت أمامهم زخارف الدُنيا ، سال لعابهم على مكانةٍ عليَّةٍ عند فرعون ، ولذلك سخَّروا كل طاقاتهم ليردوا آية العصا التي جاء بها سيِّدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ..

      

هنا الفرق بين الحقيقة والسحر ، الحقيقة تُرى رأي العين ، لكن السحر يُخَيَّل إليه ، يعبِّرون عن حالة الضعف النفسي التي تؤثِّر فيها أعمال السَحَرَة بالتنويم المغناطيسي ، ولا يستطيع الساحر أو صاحب الحِيَل أن يؤثِّر في الإنسان إلا إذا كان ضعيف الشخصية ، ولذلك يفعل الساحر أحياناً أشياء ليس لها حقيقة ، ولكن يُخَيَّلُ إلى الناس من سحرهم أنها تسعى ، فلم يتأثَّر سيدنا موسى بها ، ولكنه رأى براعتهم في هذا الكيد فخاف على الناس أن يلتبس عليهم الأمر ، هنا المشكلة ، هو يعلم أنه نبيٌ مُرْسَل ، وأن آيته هي الحق المبين ، وأن أعمال هؤلاء السحرة إنْ هي إلا كيدٌ بشري ، ولكن ما دامت على درجةٍ عاليةٍ من الإتقان خاف أن لا يفرِّق الناس بين آيته الدالَّة على عظمة الله عزَّ وجل وبين أعمال السحرة ، من هنا :

      

جاء في بعض الكتب أنهم وضعوا داخل بعض الحبال وبعض العصي الزئبق ، وأُحْسِنَ تزينُها ، ورسمها ، ووضِعَت على مكانٍ حار ، فلمَّا تمدَّد الزئبق تحرَّك حركةً زئبقيَّة فتوهَّم الناس أن هذه الحبال وهذه العصي تسعى ، تتحرَّك ..

      

الواجس هو الذي يسبق الهاجس ، هناك واجسٌ وهاجس ، تأتي الإنسان أحياناً فكرة لا يظهر أثرها على وجهه ، ولكنْ هناك أفكار لها آثارٌ على السطح الخارجي ، قد تُلقي على إنسان خبراً فيصفر لونه ، أو ترتعد فرائصه ، أو يذهب اللُّعاب من فمه ، أو يشتد خفقان قلبه ، الأشياء التي تأتي على الإنسان ، وتغيِّر من طبيعته الخارجيَّة ، هذه ليست واجساً ، إنما هي هاجس ، هذا النبي الكريم أوجس ، أي خالطه بعض الخوف من ألاّ يفرِّق الناس ـ كما قلت قبل قليل ـ بين آيته وبين فعل السحرة ، أو أنه خاف أن يُعْجَبَ الناس بأعمال السحرة ، ثم ينصرفوا دون أن ينتظروا آية الله عزَّ وجل ، إنه بشكلٍ أو بآخر قَلِقٌ على إيمان الناس ، إنه يخشى ألاّ يستفيد الناس من هذه الآية ، إنه يخاف أن يذهب هذا العمل العظيم سُدًى .

       النقطة الدقيقة في هذه الآية :

      

[خِيفَةً] جاءت نكرة ، والتنكير أحياناً يفيد التحقير ، أو يفيد التقليل ، أو يفيد التصغير ، وهي على عظمها لا شيء إذاً ، مثلاً يقول ربنا سبحانه وتعالى :[وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ] .

( سورة الكهف : من آية " 58 " )

      الرحمة كلُّها عنده ، ما أوتي النبي الكـريم من رحمةٍ ـ على عِظَمها ـ لا شيء إذا قيست برحمة الله عزَّ وجل علماً ، أن الشيء الثابت أن في قلب النبي رحمةً لا تعدلها رحمة ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق ..[لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)] .

( سورة التوبة )

       إن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي أكبر مقدارٍ من الرحمة ، ومع ذلك إذا قيست هذه الرحمة برحمة الله عزَّ وجل فهي لا شيء ، من هنا قال الله تعالى :[فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] .

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

       أما رحمة الله عزَّ وجل فجاءت مُعَرَّفة .. [وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ] .

( سورة الكهف : من آية " 58 " )

       قد يأتي التنكير للتصغير ، أو للتقليل ، أو للتحقير ، وقد يأتي التعريف للتعظيم ، فهذا النبي الكريم لم يُداخله خوفٌ كبير ، ولا خوفٌ أدَّى به إلى الجزع أو إلى الفزع ..

       

والواجس قبل الهاجس ، واجسٌ دون الهاجس ..

      

ربنا سبحانه وتعالى طمأنه سريعاً ..

      

أي يا موسى ..

       

أنت مع الحق ..[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21)] .

( سورة يوسف )

       بعض الآيات لو تدبَّرها الإنسان حقَّ التدبُّر لقلبت حياته رأساً على عَقِبٍ ، إن الذي يدمِّر سعادة الناس الخوف والقلق ، إذا علم الإنسان علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو كل شيء ، وبيده أمر كل شيء ، وإليه مصير كل شيء ، وما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها ، وإن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً ، إذا أيقن الإنسان هذا اليقين عرف أن أمره بيد الله . ولذلك ..

      

قال تعالى :[وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا(141)] .

( سورة النساء )

       لن هذه لنفي المستقبل ، أي هكذا سُنَّةُ الله سبحانه وتعالى ، وهذه قوانينه ..[وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا(141)] .

       آيةٌ ثانية : [وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)] .

( سورة الأعراف )

       الأمور تدور ، وتدور ، وتدور ، ثم تستقر على أن تكون العاقبة للمتقين..[وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ(60)] .

( سورة القصص )

       انظر حينما وقف أبو جهلٍ وأبو لهبٍ في وجه الدعوة الإسلاميَّة هل أطفآ الدعوة الإسلاميَّة أم كانت العاقبة عليهما ؟ التاريخ البشري كلُّه يؤكِّد أن الحق لا يستطيع أن يقف في وجهه شيء أبداً ..

      


 

في آيات أخرى .. [وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)] .

( سورة آل عمران )

[إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا] .

( سورة الحج : من آية " 38 " )

[فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا] .

( سورة الطور : من آية " 48 " )

       وقد قيل : " إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ [وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)] .

      إذا كنت مع الله في كل علاقاتك الاجتماعيَّة ، في كل علاقاتك الإنسانيَّة فأنت الأعلى ، وإذا كنت مع غير الله فأنت الأدنى ، لكن هناك امتحاناتٍ قاسية ، قد يبدو لك أنك إذا كنت مع الله ستكون الأدنى ، وإذا كنت مع زيدٍ أو عُبيد ستكون الأعلى ، قد يبدو لك الأمرُ هكذا ، الله عزَّ وجل يمتحنك بهذا ، فإما أن تؤثر رضوان الله عزَّ وجل ، وإما أن تؤثر الدنيا ، وسوف نأتي على هذا الموضوع بالتفصيل بعد قليل .

      

لِمَ لمْ يقل الله عزَّ وجل : وألق عصاك ؟ ألق الحيَّة ..

      

قال علماء التوحيد : " إن هذه إشارةٌ رائعة إلى أن الشيء لا يكون على حقيقته إلا إذا أراد الله " ، هذه التي بيدِ سيدنا موسى ما هي ؟ إذا قلنا : هي عصا ؟ لا ليست عصا ، هل هي ثعبان ؟ لا ، إذاً اتصاف الشيء بصفاته لا يكون إلا بإرادة الله عزَّ وجل ، يجب أن نؤمن أن الحديد صُلْبٌ ، لأن الله أراد له ذلك ، وفي أية لحظة يصبح الحديد ليِّنا ، إن اتصاف الأشياء بخصائصها ، واتصاف الأشياء بصفاتها ، إن هذه الطِباع التي أودعها الله في الحيوان إنها بإرادته ، وليست بذواتها ، فكل شيءٍ مخيفٍ لك يجب أن تعلم علم اليقين أنه بيَدِ الله ، اتصافه بهذه الصفة عائدٌ لأمر الله ولإرادته ، فألطف عبارةٍ يُعبَّر بها عن هذه العصـا .

      

أن تكون هذه التي بيمينك عصا فهو بإرادة الله ، أو أن تكون هذه التي في يمينك أفعى فهو بإرادة الله ..

       

[تَلْقَفْ] ، إنهم جاؤوا بحبالٍ وعصي وجوَّفوها ، ووضعوا في داخلها زئبقاً ، ولوَّنوها تلويناً بارعاً ، وجعلوها فوق مكانٍ حار ، وهذا كلَّه كذب ، هذا كله تزوير ، هذا كله حِيَل ، أما هذه التي ألقاها سيدنا موسى فهي أفعى بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، لم يكتفِ ربنا سبحانه وتعالى أن جعلها ثعباناً ، أو أفعى ، أو حيَّةً كما تأتي بعض الآيات ، وهنالك تفسير لهذا التباين في الأوصاف ، لم يجعلها كذلك فقط ، بل جعلها تأكل حبالهم وعصيَّهم ، هذا أبلغ ، هل تستطيع أفعى أن تأكل عصا أو حبلاً ؟

      

هل يقوى الباطل على أن يقف في وجه الحق ؟ هل يقوى صُنع نفرٍ من الناس بكيدٍ واضحٍ على أن يُسْكِتَ الحق ؟ ..

      

فإذا تخليت عن الحق افعل ما شئت لن تفلح ، لن تحقِّق الهدف ..[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ] .

( سورة الأنفال : من آية " 36 " )

       هناك ما وراء السطور ، وما بين السطور ، الآيات واضحة ، لكن يمكن أن تقاس على كل آيةٍ أشياء كثيرة ..

      

أي إنك لن تفلح إذا أردت أن تُلفت نظر الناس إلى شيءٍ لا ينتمي إلى الحق ، لن تُفلح إطلاقاً إذا أردت أن تستعيض عن شرع الله بشرعٍ وضعي ، لا يمكن أي تشريعٍ وضعيٍ من صنع البشر أن ينجح ، ولا يمكن أن يحقِّق أهدافه ، ولا يمكن أن يُفْلِحَ أصحابه لأنهم بشر ، الإنسان مقيدٌ بمصالحه ، مقيدٌ بنزواته ، مقيدٌ بمحدوديَّته ..

      

حينما رأى السحرة ـ وهم على علمٍ بالسحر وفنونه ـ حينما رأى السـحرة العصا أصبحت أفعى وحيَّةً بكل ما في هذه الكلمة من معنى ..

      

قد يسأل سائل : لِمَ لمْ يقل ربنا عزَّ وجل : فسجد السحرة ؟ قال :

      

وكأن قوَّةً كبيرة ، خطيرةً ، عظيمةً أرغمتهم على السجود ، أُلقي فعل مبني للمجهول ، شيءٌ أرغمهم على أن يسجدوا ، وهو الحق ، هذا الذي فعلوه سحر ، أما هذه فهي آيةٌ عُظمى دالَّةٌ على عظمة الله عزَّ وجل ..

      

وكأن شيئاً قد أرغمهم على أن يسجدوا ، إنه الحق ، لذلك الإنسان الذي لا يخفق قلبه للحق إنسانٌ ميِّتٌ ، الإنسان الذي لا يقشعّر جلده لآيةٍ دالَّةٍ على عظمة الله إنسانٌ ميِّت ..

ليس من مات فاستراح بميِّتٍ       إنمــا الـميِّت مـيِّتُ الأحياءِ

*  *  *

        يقول بعض العلماء الذين اكتشفوا أحدث نظريَّة في الفيزياء ، وهي النظرية النسبيَّة ، هذه النظريَّة معقَّدةٌ غاية التعقيد ، إنها تعطي الأشياء بعداً رابعاً ، ألا وهو الزمن ، إنها تؤكد أن الشيء إذا سار بسرعة الضوء أصبح ضوءً ، وأن الشيء إذا تجاوز هذه السرعة عاد الزمن نحو الوراء ، موضوعٌ دقيقٌ لا مجال للحديث عنه ، لكن هذا العالِم يقول : " كل إنسانٍ لا يرى في هذا الكون قوَّةً هي أقوى ما تكون ، حكيمةً هي أحكم ما تكون ، رحيمةً هي أرحم ما تكون هو إنسانٌ حي ، ولكنَّه ميِّت".

       أي أن هؤلاء السحرة سجدوا للـه عزَّ وجل بعد أن رأوا هذه الآية..[وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)] .

( سورة يوسف )

       أليس ابنك الذي ولد من قريبٍ آية دالَّة على عظمة الله ؟ هذا الطفل الصغير الذي يأكل ويشرب مزوَّدٌ بكل الأجهزة الدقيقة ؛ دماغٌ ، وعظامٌ ، وعضلاتٌ ، وأوردةٌ وشرايين ، وقلبٌ ورئتان ، وكليتان ، وعضلات ، هذا الطفل صنع من ؟ من خلقه ؟ من كوَّنه ؟ من صوَّره بهذا الشكل ؟ أليس الطفل المولود حديثاً آيةٌ من آيات الله عزَّ وجل ؟ أليس في خلقكم وفي خلق ما حولنا من حيوان ومن نبات آياتٌ دالَّةٌ على عظمة الله ؟

        نحن المعنيون بهذه السورة أو هذه القصَّة ، هؤلاء السحرة حينما رأوا هذه الآية سجدوا لله عزَّ وجل ، ألـم يقل النبي عليه الصلاة والسلام : ((حسبكم الكون معجزة)) .

        هذه البقرة التي تأكل الحشيش ، تعطي الحليب ، هل في الأرض كلِّها جهةٌ تستطيع تحويل هذا الطعام الذي تلتهمه إلى هذا الشراب السائغ الذي يخرج ..[مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)] .

( سورة النحل )

       أليس في هذا آية ؟ هذه الدجاجة تأكل كل شيء وتعطيك هذه البيضة، تحوي كذا فيتامين ، كذا معدن ، كذا شبه معدن ، هي غذاءٌ كامل ، الآيات التي حولنا لا تُعدُّ ولا تُحصى ، خلق الإنسان ، خلق الحيوان ، طباع الحيوان ، خلق النبات ، طباع النبات ، خلق الأرض ، اختلاف الليل والنهار ، الشمس والقمر ، المجرَّات ، الكواكب ، الهواء ، الماء ، آياتٌ لا تعدُّ ولا تحصى ، كأن الله عزَّ وجل يدعونا أن نسـجد له ..

      

أي هم آمنوا بالله وبرسله ، حينما قالوا :

      

أضافوا إلى إيمانهم بالله إيمانهم برسالة سيدنا موسى وسيدنا هارون ، هنا تدخَّل فرعون :

      

غاب عنه أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، وأن له آياتٍ دالَّةً على عظمته ، غاب عنه أن هؤلاء السحرة رأوا شيئاً جعلهم يوقِنون أن هذا الإنسان الذي ألقى العصا إنما هو رسول الله عزَّ وجل ، غاب عنه ذلك ، فكأنه ظنَّ أنهم آمنوا ليفتنوا الناس عنه ..

      

لا يزال مُصِرًّا على أن هذا النبي العظيم هو ساحرٌ كبير ، وأنه إنما يهدِفُ من هذا العمل أن يصرف الناس عن فرعون ، وأن يحلَّ محلَّه في المُلك ..

      

لا يملك فرعون من سلطان من سلطانٍ على هؤلاء الناس إلا أن يقتلهم ، أو أن يعذِّبهم قبل أن يقتلهم ، فله أن يقطِّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف ، يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، وله أن يصلِّبهم ، لا أن يَصْلِبَهُم ، أي يُكْثِرُ من صلبهم كقولك : قطَّعته و قَطَعْتُهُ ، له أن يبالغ في صلبهم على جذوع النخل ، يضعهم على جذع النخل ، ويخرق فيهم المسامير ، وله أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف ، ثم يؤكِّد فرعون :

      

أنا أم ربُّ موسى ، عجيبٌ أمر هؤلاء السحرة ، قبل قليل ، قبل ساعة كانوا يقولون : [بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ(44)] .

( سورة الشعراء )

        قالوا لفرعون : [بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ(44)] ، ماذا حصل ليؤمنوا بربِّ هارون وموسى ؟ جاء بهم فرعون ليقفوا في وجه هذا النبي الكريم ، فإذا هم معه ، هذه مشكلة ، أجابوه إجابةً دقيقةً جداً ، وجعل بعض العلماء من المفسِّرين من كل فقرةٍ من إجاباتهم رداً على كلام فرعون ..

      

أي أننا عرفنا أن هناك إلهاً عظيماً أعظم منك ، وما عنده من خيراتٍ لا تملكها أنت ، وما عنده من عذاب لا تقوى على فعـله أنت لذلك :

       

هذه العصا التي أصبحت ثعباناً مبيناً دلَّتنا على أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، وهذا الإله العظيم عطاؤه عظيم ، وعذابه عظيم ، فإذا وازنا بين ما وعدتنا من أن نكون مقرَّبين إليك ، وأن تعطينا بعض الأموال ، أو إذا وازنا ما عند الله من عذابٍ عظيم ، وما تُوعدنا به من عذابٍ دنيوي ..

      

أي افعل ما بدا لك ، إنك تملك شيئاً واحداً ، إنك تملك أن تقتلنا ، أو أن تقطع أيدينا وأرجلنا من خِلاف كما تقول ، أو أن تصلِّبنا في جذوع النخل ، أنك تملك هذا كلُّه ، ولكنَّك لا تملك نفوسنا ، لا تملك قلوبنا إذا آمنت بالله عزَّ وجل ، ولا تملك مـا بعد الموت ، تملك الحياة الدنيا فقـط ..

     

ماذا شاهدوا من هذه المعجزة حتى حملتهم مشاهدتهم على أن يقولوا لفرعون ـ وفرعون له في ذلك العصر رهبةٌ شديدة ـ أن يقولوا له :

      

أي أن كل ما تملكه أن تنهي حياتنا ، وهذه حياةٌ دنيا ليست عُظمى، ليست عُليا .. [يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)]  .

( سورة الفجر )

       قال عليه الصلاة والسلام : ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر)) .

       اغمس إبرةٌ في مياه البحر ، ثم اسحبها فانظرْ بِمَ ترجع ؟ هذا الذي أخذته الدنيا من الآخرة ، فلذلك :

      

ردُّوا عليه ، ألمْ يقل فرعون قبل قليل :

      

قالوا :

      

أي ما عند الله من خير ليس بعده خير ، وما عند الله من خلود ليس بعده خلود ، لذلك وازنَّا فوجدنا أن الله خيرٌ وأبقى .

       وهذه الآية أيُّها الإخوة ، والله الذي لا إله إلا هو لو تمثَّلناها جميعاً لاتجهنا إلى الله بكليَّتنا ..

      

من الدنيا وما فيها ، من زيدٍ أو عبيد ، كل مكاسب الدنيا تنتهي عند الموت ، وكل ما وعد الله به المؤمنين يبدأ بعد الموت ..

      

الدنيا زائلة ، الدنيا محدودة لكن الآخرة باقية وأبديَّة ، ماذا قال فرعون ؟ قال :

      

ردُّوا عليه ..

      

أنت إذا قتلتنا فسوف تنتهي هذه المصيبة بثوان وتبقى الجنَّة لنا ، أما الذي يأتي ربَّه مجرماً ..

      

لا يموت فيستريح ، ولا يحيا حياةً فيخفف عن العذاب ، حالةٌ لا توصف ، لا موت ولا حياة ..

      

وأنت حينما قلت لنا بعد أن سألناك : [إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ(114) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(114)]  .

( سورة الأعراف )

       ردُّوا عليه :

      

أي أن مكانتنا عند الله إذا آمنا به وأطعناه أفضل بكثير من مكانتنا عندك لو تابعناك على باطلك ، أنت أوعدتنا بالقتل والتعذيب ، لكن ..

      

ووعدتنا بالزُلفى منك ، وأن تمدُّنا بما نشتهي ، لكن ..

      

شتَّان بين وعدك ووعد الله عزَّ وجل ، وبين وعيدك ووعيد الله عزَّ وجل ، من هنا قالوا :


      

من زكَّى نفسه ، ألم يقل الله عزَّ وجل :[قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)]  .

 ( سورة الشمس )

[قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)]  .

 ( سورة المؤمنون )

        هذا جزاء من تزكَّى ، من زكَّى نفسه أيْ طهَّرها من الأدران ، طهرها من الشرك ، طهرها من الكِبر ، طهرها من العُجب ، طهرها من الأنانية ، طهرها من القسوة ، جعلها تصطبغ بالكمال الإلهي ، فالذي تزكَّى هذا جزاؤه عند الله عزَّ وجل .

      

الأرض اليابسة بالتعريف الدقيق أرضٌ جَفَّ منها الماء .. 

      

لا على وجه الحقيقة ، أي أشر بعصاك إلى البحر ينفلق طريقٌ كالطود العظيم ، كما جاء وصفه في سورةٍ أخرى ..

      

يبدو أن سيدنا موسى مع أصحابه كانوا قلَّة .. [إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ(54)وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ(55)]  .

( سورة الشعراء )

[فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ(60)]  .

( سورة الشعراء )

       لا يوجد تكافؤ ، هم قلَّةٌ قليلة مضطهدة ، مستضعفة ، خائفة لا سلاح بيديها تجاه فرعون وجنوده ، لذلك طمأن الله عزَّ وجل هذا النبي العظيم :

      

لن يُدركك فرعون ، لن يلحق بك ، لن يطولك ، حينما رأى أصحاب موسى أن البحر من أمامهم ، وأن فرعون من ورائهم خافوا ..[قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)]  .

( سورة الشعراء )

       هذا إيمان الأنبياء ، سيدنا الصديق رضي الله عنه قال وهو في الغار : " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا " ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما)) ، تروي بعض الروايات أنه وقعت عين بعض المشركين على عين أبي بكر ، وقعت العينُ على العين ففزع الصِدِّيق وقال : " يا رسول الله لقد رأوني " ، قال : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :  [وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ(198) ]  .

( سورة الأعراف )

  &