English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "7 / 9" من تفسير سورة  طه (020) : الآيات 99 – 114  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السابع من سورة طه ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

الذِكْرُ هو القرآن الكريم ، فيه ذكر الحقيقة ، وفيه ذكر الأمر الإلهي ، والنَهي ، وذكر مصير الإنسان ، وفيه ذكر الجنة ، والنار ، والطريق المستقيم ، فيه خبر من كان قبلنا ، وفيه نبأُ من سيأتي بعدنا ، إنه القرآن الكريم ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، والله سبحانه وتعالى يقول :

      

لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتنا .

      

        هذا الذكر الحَكيم ، هذا القرآن الكريم الذي فيه طريق سعادتنا ، والذي فيه تعريفنا بأنفسنا ، وتعريفنا بخالقنا ، وما ينبغي لنا أن نفعل ، وما لا ينبغي لنا أن نفعل ، وما هو الحق ؟ وما هو الباطل ؟ وما هو الخير ؟ وما هو الشر ؟ وإلى أين المصير ؟ وأين كنا ؟

      

أي من اتخذه وراءه ظهريَّا ، ومن لم يعبأ به ، ومن استخف به ، ومن قال : إن هذا القرآن لا يصلح لهذا الزمن ، ومن رأى أن أوامر الله عزَّ وجل في كتابه الكريم ثقيلة ، ومن رأى أن قوله تعالى :[قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] .

( سورة النور : من آية " 30 " )

       من يقول : أيـن أذهب بعيوني ، وكأنه رأى هذا الأمر تكليفاً ثقيلاً ، فأعرض عنه ، وحينما قرأ قوله تعالى :[يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا] .

( سورة البقرة : من آية " 271 " )

       فقال : هذا هو الربا الاستغلالي ، نحن نبيح الربا الاستثماري ، فالربا ربا ، والله سبحانه وتعالى قال :[يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] .

( سورة البقرة : من آية " 271 " )

       معنى :

      

من لم يعبأ بهذه الأوامر ، ومن استخف بها ، ومن رأى أن الإجراءات الوضعية التي يضعها الإنسان فيها تلبيةٌ لحاجاته اليومية ، وتتمشى مع تطورات العصر ، ومن انطلق في اعتقاده من هذا الاعتقاد ، فهذا أيضاً يشمله قوله تعالى :

      

فأحياناً ترى على آلةٍ ضخمةٍ مِفتاحاً كتب فوقه التشغيل ، يا ترى ما مصداقية هذه الكلمة ؟ هل هي صحيحة ، أم مبالغ بها ؟ إذا ضغطت هذا المفتاح فتحركت هذه الآلة الضخمة ، أليس تحرك هذه الآلة الضخمة مؤكداً إلى مصداقية هذه الكلمة ، ولو أن الإنسان تتبع ما يجري في الكون أو ما يجري للناس في تحركاتهم اليومية لوجد أن كل من طبَّق كلام الله عزَّ وجل سعد في الدنيا والآخرة ، وكل من حاد عنه شقي في الدنيا والآخرة ، فإلى أن يمتلك الإنسان هذا اليقين القطعي أن كل الذي أمرنا به في هذا الكتاب خيرٌ مطلقٌ محضٌ ، وأن كل الذي نهينا عنه في هذا الكتاب شرٌ مطلقٌ محضٌ ، إذا تكوَّنت عندنا هذه القاعدة وهذه العقيدة ، عندئذٍ نقرأ كلام الله فنستسلم لأمره ، وننتهي عما عنه نهى ، فالقضية قضية موقف ، وكل المسلمين في هذا الزمان يقرؤون هذا الكتاب ، ويتبرَّكون به ، ويضعونه في أجمل أمكنةٍ في بيوتهم ، ويتباركون به ، ويضعونه في مكتباتهم ، وفي محلاتهم ، وفي غرفهم ، وفي أماكِنهم ، ويزيِّنون جدران بيوتهم بآياته ، وهذا السلوك لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، فالقضية أن القرآن إذا أمرك بأمر هل أنت مع هذا الأمر ؟ إذا قال الله لك :[وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ] .

( سورة البقرة : من آية " 221 " )

       فهل تْؤثر في تزويج ابنتك المؤمن الفقير على المنحرف الغني ، إذا قرأت القرآن وقلت : صدق الله العظيم ، ولم تكن في هذا المستوى ، بحثت عن زوجٍ لابنتك غنيٍ ، وتساهَلت بدينه ، ورفضت زوجاً فقيراً على الرغم من تمسكه بدينه ، وإذا فعلت ذلك فأنت لم تقل : صدق الله العظيم.

       وإذا أمرك الله عزَّ وجل أن تغض بصرك عن محارم الله ، ورأيت في إطلاق البصر متعةً لا تصور فأنت لم تقل : صدق الله العظيم ، بل أنت قد أعرضت عن هذا الكتاب ، فالقضية ليست قضية تبرك ، وقضية أن تضعه في جيبك ، وأن تضعه في مركبتك ، بل القضية أعمق من هذا ، فهل أنت مع أمره ونهيه ؟ وهل أنت موقنٌ يقيناً قطعياً أن في أوامره الخير الجزيل ، وأن في الحيد عن خطه المستقيم شقاءً لا يعدله شقاء ، فهذه الآية تؤكد ذلك :

       

فمثلاً في زواج الإنسان لو لم يتبع هدي القرآن الكريم لم يسعد بهذا الزواج ، وكذا في تجارته ، ومن لم يتبع هدي هذا القرآن الكريم لا يحقق أهدافه من عمله ، في كل حركاته ، وسكناته ، وفي صحته ، وفي علاقته بنفسه ، وبجسده ، وبربه ، وبزوجته ، بأولاده ، بجيرانه ، بزبائنه ، بمن حوله ..

      

كلمة يحمل ، و وزر ، الوزر الحمل الثقيل ، فقد تجد إنساناً عَلَتْهُ الكآبة ، فتسأله : مالك ؟ يقول لك : حملي ثقيل ، له قضيةٌ تستوجب مصالحةً بمبلغٍ كبير ، فتراه لا ينام الليل ، ويخشى من شبح مصيبةٍ تُنْهِكُ قواه ، وتبدد أمواله ، يقول لك : حملي ثقيل ، فالإنسان إذا خالف أمر الله عزَّ وجل يحمل حملاً ثقيلاً ، ولو أنه انساق مع شهوته ، وسبب شقاء فتاةٍ كان من الممكن أن تكون زوجةً صالحة ، إنها تُلاحقه في كل أوقاته ، تلاحقه بخيالها ، لقد جعلتها امرأةً ساقطة بعد أن كان من الممكن أن تكون امرأةً شريفة ، لقد حمل من الوِزر ما لا يطيق ، فالإنسان حينما يبني غِناه على فقر الناس ، أو حينما يبني سعادته على شقاء مهم ، يحمِّل نفسه ما لا يطيق ، فلذلك :

      

أي أنه ما من سعادة أعظم من أن تكون خالي الساحة من كل تبعةٍ أو مسؤولية ، فهذا الذي يطيبُ لونه دليل أن عمله طيِّب ، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى رَفَعَ راحة البال وصلاح البال إلى مستوى الهدى ، فقال : [سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ(5)] .

( سورة محمد )

       أن تنام قريرَ العين ، وأن تنام مطمئن النفس ، فلو أن حياتك خشنة، ولو أن فيها متاعب مادية ، أو لو أن عملك يقتضي جهداً عضلياً كبيراً ، أو أنك واصلت الليل بالنهار من أجل قوت أولادك ، وتنام ساعاتٍ عديدة فتستعيد نشاطك ، ولكن هذا الذي بنى مجده على أنقاض الناس ، وبنى غناه على فقرهم ، وسعادته على شقائهم ، إنه يحمل حملاً ثقيلاً قد نقول في أنفسنا كيف يحمله ؟

       وكيف تستطيع أن تنام الليل ، وقد آذيت حيواناً ؟ وهذا الذي يتسلَّى ، ويدهس كلباً في أثناء سيره كيف ينام الليل ؟ ويوم القيامة كما حدثنا النبي عليه الصلاة والسلام يأتي عصفورٌ وله دويٌ كدوي النحل يقول : يا ربي، لمن اصطاده لغير مأكلةٍ ، يقول : ((يا ربّ سَلْهُ لِمَ قتلني؟)) ، فهذا الحمل الثقيل لا يعرفه إلا من ذاقه .

       ومن وقع في مخالفةٍ لأمرٍ بشري ، وهذه المخالفة تقتضي غرامةً كبيرة ، أو تقتضي عقاباً أليماً ، قبل أن يضبط بهذه المخالفة تراه كأنه يحمل حملاً ثقيلاً ، يكادُ يسحقه ، فالحمل الثقيل لا يعرفه إلا من ذاقه ، وقد يكون الحمل الثقيل معنوياً ، أو إساءةً لإنسان ، أو هذا الذي يُطَلِّق امرأته بلا سبب ، في ساعة غضبٍ شرَّدها وجعلها خارج البيت ، وله منها أولاد ، ولم تسئْ إليه ، إلا أنه أراد أن يشفي رغبة أمه أحياناً ، فهذه الزوجة المظلومة ، قد تخاطبه ليلاً نهاراً : ماذا فعلت له حتى عاملني هذه المعاملة ؟ هذا حملٌ ثقيل .

       والمعاصي والذنوب والآثام ، حملها ثقيل ، والنفس لا تقوى على حملها ، وإن تعذيب الإنسان لذاته شيءٌ لا يعرفه إلا من ذاقه ، فالإنسان كلَّما كان مستقيماً ، وكلما كان مُحسناً ، ومنضبطاً ، وأشد خوفاً لله عزَّ وجل ، شعر براحةٍ لا تعدلُها راحة ، والمظاهر المادية لا قيمة لها ، فإنها لا تَهَبُنا السعادة ، وإن المال الوفير ، والفراش الوثير ، والبيت الكبير ، والمركبة الوطيئة ، والسمعة المتألِّقة هذه كلها أقنعةٌ كاذبة لا تهبنا السعادة، إن السعادة تتأتَّى من أن تكون عضواً نافعاً في المجتمع ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .

       السؤال الخطير : ماذا أديت لبني البشر من خدمات ؟ هل دللتهم على الله عزَّ وجل ؟ وهل ساهمت في تخفيف الآلام عنهم ؟ أكنت عضواً نافعاً ، أعملك يتعلق بخدمتهم أم بسلبهم حرِّياتهم ؟ وكيف تعيش ؟ ومن أي جهةٍ تُرزق ؟ أترزق من نفعٍ الناس أم بالإضرار بهم ؟

       يا أيها الإخوة الأكارم ... كلما حَسُنَ عمل الإنسان سعد في الدنيا والآخرة ، وإن الحمل الثقيل حِمْلُ المعاصي والآثام ، وحمل البغي والعدوان ، والخروج عن أوامر الشرع ، والإساءة إلى الناس ، وإن هذا الحمل الثقيل يسحق الإنسان ، وربنا سبحانه وتعالى في آخر سورة البقرة قال :[رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ] .

( سورة البقرة : من آية " 286" )

       دخل رجلٌ إلى بيته ، وهو مخمور ، فقتل امرأته وخمسة أطفالٍ له ، فلما صحا ماذا فعلت يداه ؟ لو أن أحداً لم يحاسبه ، أو لم يلق القبض عليه ، ألم يحمل حملاً لا يحتمله ؟ طبعاً هذه حالةٌ حادةٌ ، مثلٌ حاد ، ولكن إذا غششت امرأً مسلماً في البيع قال لك : بالله عليك انصحني ، وأنت لم تنصحه ، ودللته على البضاعة الكاسدة ، وزينتها له حتى صرفتها عنك ، فإذا كان لك ضميرٌ يقظ ، فهذا المسلم سوف يكون حِمْلاً ثقيلاً عليك ، وهذا الذي يغش الناس ، والذي يعتدي على أعراضهم ، والذي يكذب عليهم ، والذي يحتال ، ويبني ثروته على فقرهم ، كيف يواجه الله سبحانه وتعالى ؟ فلذلك : [فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)].

( سورة الزخرف )

       فحينما يأتي ملك الموت ، وحينما ينكشف العمل ، ويرى الإنسان مقامه ، ومكانه ، أفي الجنة أم في النار ، عندئذٍ أهل النار يصعقون .. [فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)] .

      

عن هذا الكتاب ، لا يوجد حالة ثالثة ، إما أن تأخذ به ، وإما ألاّ تأخذ به ، إن أخذت به هداك للتي هي أقوم ، [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] .

( سورة الإسراء : من آية " 9 " )

       في كل شيء ، والمُطْلَقُ في القرآن على إطلاقه ..[يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] .

       ففي حياتك الزوجية ، وفي حياتك المِهَنية ، والروحـية ، والجسـمية، والعقلية ، والاجتماعية ،  والعاطفية .. [يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] .

      

فهذه الهاء في فيه تعود على من ؟

      

الإنسان ..

     

أي في هذا الوِزر ، وبعض المفسرين قال : في جزاء هذا الوزر ، فما قولك أن يرتكب الإنسان معصيةً لساعةٍ أو لساعات ، أو لشهرٍ أو لسنوات، ويتحمَّل شقاءها إلى الأبد ، فلو أن هذه المعصية دام نعيمها ، أو دامت لذَّتها طوال حياته ، وانقضت الحياة ، وجاء الحساب ، وأصبح خالداً في النار نظير هذه المعصية ، فهل كان هذا الإنسان عاقلاً ؟ " ابن آدم أطع ربك تسمَّ عاقلاً " ، ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)) .

( سنن الترمذي : عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ )

       لذلك هذه كلمة :

      

أي في الوزر ، وفي جزاء الوزر ، وهذا مثل منتزع من حياتنا اليومية ، فلو أن إنساناً في ساعة غضبٍ قتل إنساناً ، وسيق للمحاكمة ، وحُكم عليه بأن يمضي في السجن ثلاثين عاماً مع الأشغال الشاقة ، يا ترى نشوة الظَفَرِ بقتل هذا الإنسان هل تساوي أن يمضي في السجن ثلاثين عاماً مع الأشغال الشاقة ؟ الثلاثون عاماً تمضي ، والأربعون تمضي ، والخمسون تمضي ، ولكن الأبد لا يمضي ، الأبد أبد ، أي إلى الأبد ، فهذا الإنسان الذي لا يعرف معنى الأبد ، ومعنى الخلود رجلٌ أحمق ، وإذا عصى ربه الواحد المتعالي .

      

في هذا الوزر ، في تبعة هذا الوزر ، وفي شقائه ، وعِقابه ، أي في النار التي استوجبت هذا الوزر .

      

حملٌ ثقيل ، بين أن يأتي الإنسان إلى رب العالمين بوجهٍ نضر ، وبوجهٍ أبيض ، وبيدٍ محملةٍ بالأعمال الصالحة ، فشتان بين أن يأتي سيدنا الصديق رضي الله عنه ، وقد كان خادماً كما روى عن نفسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان معه في السرَّاء والضرَّاء ، وساهم معه في نشر هذا الدين الحنيف ، وبين أن يأتي أبو جهلٍ ليقف إلى جانبه ليلقى جزاء عمله ، شتان بين من يأتي يوم القيامة ، وقد تزوَّج امرأةً صالحة فسعد بها ، وأسعدها ، وأنجب منها ذريةً طيبة رباها تـربيةً صحيحة ، وكان خيِّراً معطاءً ، وبين من يأتي وقد زنى بفلانةٍ وعلاَّنة ، وتسبب في شقائهما ، شتان بين من يقرض الله قرضاً حسـناً وبين المُرابي ، شتان بين من ينصح في البيع والشراء وبين من يغش ، شتان بين من يصدق وبين من يكذب .

      

النفخُ في الصور هذا ورد في أكثر من موضعٍ في كتاب الله ، لا نعرف كُنْهَ الصور ، ولكن نعرف أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا أنه في وقتٍ معين ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات والأرض ، ثم ينفخ فيه أُخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون ، فالنفخ في الصور إشارة إلى بعث الناس من قبورهم ، فالأشياء التي غابت عنا بذواتها وآثارها ، مسلك اليقين بها هو مسلك اليقين الإخباري ، الإخبار اليقيني ، أو اليقين الإخباري ، والله سبحانه وتعالى أخبرنا وهو الصادق المَصدوق في كتابه الكريم أن هناك نفخاً في الصور يستدعي قيام الناس من قبورهم ليلقوا نتائج عملهم .

      

فكلمة زرقاً ما يشبه قوله تعالى :[وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)] .

( سورة آل عمران )

[فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ] .

( سورة آل عمران : من آية " 106 " )

       الزرق اللون الأزرق قريبٌ من اللون الأسود فهو كنايةٌ عن سواد الوجه الذي هو سبب الخزي والعار الذي سببته المعصية والانحراف ، وفي معنى آخر لكلمة زرق : شخوص البصر دليل الخوف الذي ملأ القلب، يحشرون خائفين ، أو يحشرون بوجوه مسودَّة ، فالمجرم دائماً وجهه أسود تعلوه كآبة ، وتعلوه مسحةٌ من سواد .

      

التخافُت الكلام السرِّي ، أي بصوتٍ مهموس ، وبصوتٍ غير مسموع..

      

أي أن هذه الدنيا التي سرحتم بها ، ومرحتم ، واستعليتم على خلق الله ، وفعلتم ما فعلتم ، وعصيتم ما عصيتم ، وانتهكتم ما انتهكتم ، هذه الدنيا التي ظننتم أنها طويلةٌ جداً ، وأنها حياةٌ أمضيتموها في المتع الرخيصة هي الآن في نظر المجرمين إن هي إلا عشرة أيام ..

     

فالإنسان إذا واجه الألم ، فأيام السرور تمضي عليه سِراعاً ، أيام اللذة تمضي وكأنها دقائق ، لذلك قالوا : ساعة اللَّذة دقيقة ، ودقيقة الألم ساعة ، والأيام التي سُرَّ بها الإنسان ، وانقضى أجله وجاء يوم القيامة ليلقى جزاء عمله يراها ساعات ، وأياماً ..

      

يقول الله سبحانه وتعالى :

      

بل إن بعض هؤلاء المجرمين ليقولون قولاً مغايراً لم يلبثوا إلا يوماً واحداً ، ما قولكم ؟ فهل من العقل ومن الذكاء ومن رجاحة التفكير أن يمضي الإنسان عمراً قصيراً مشحوناً بالمتاعب والآلام والهموم بمعصيةٍ يلقى بعدها عذاباً أبدياً سرمدياً ؟!

      

يومًا ، لذلك سئلت السيدة رابعة العدوية رحمها الله تعالى عن الإنسان فقالت : " هو بضعة أيام ، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه "، بضعة أيام ، وكلٌ منا له عُمُر ، ليسألْ نفسه هذا السؤال : كيف مضى هذا العمر ؟ يقول : والله بين عشيةٍ أو ضحاها صرت في هذا العمر ، فإذا كانت الأربعون عاماً مضت هكذا ، ألا يمكن أن تمضي العشرون الأُخَر بلمح البصر ؟ تمضي سراعاً ، نحن نستقبل الصيف ونودِّعه ، ونستقبل الشتاء ونودعه ، ونستقبل عام سبعة وثمانين ، وبعده عام ثمانية وثمانين ، وبعده بسنتين عام تسعين ، وهكذا ، الأيام تمضي سريعاً ، من هنا قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " كل متوقعٍ آت وكل آتٍ قريب " .

       وعلى كلٍ فهناك بشارة من الله عزَّ وجل أن الذي يخشى ذنبه ، ويسعى لتكفيره ، وأن الذي يُقلقه مصيره ، ويسعى لصلاح نفسه ، وأن الذي يخشى غضب الله عزَّ وجل ويسعى لبلوغ رضاه ، وأن الذي لا يرتاح لحالته النفسية ، ويسعى لتسليتها ، هذا الإنسان الذي يستغفر ، ويجهد في إرضاء الله عزَّ وجل هذا في بحبوحةٍ لن يعذبه الله عزَّ وجل لقوله تعالى :[وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)] .

( سورة الأنفال )

       أي أن : [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ] .

       هذه الآية أول معنى من معانيها إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم لن يعذَّبوا لأن الدعوة قائمة ، وإذا انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى وبقيت سُنَّتُه ، وشريعته فيهم ، مطبقةً في بيوتهم ، وفي أعمالهم ، وفي تحركاتهم ، وفي سكناتهم ، إذا بقيت محبته فيهم لن يعذبهم الله عزَّ وجل ، فإذا كان الإنسان قد أقلقه مصيره ، وخاف على نفسه ألا يكون الله راضياً عنه ، ورأى في حياته خللاً ، وسعى لإصلاحه فهو في بحبوحة ، ليطمئن ، ما دام السعي حثيثاً لبلوغ الهدف النبيل ، فالله سبحانه وتعالى يعطي هذا العبد فرصةً كي يصلح من شأنه .

     

و يبدو أن الجبال عند أهل مكة شيءٌ صارخٌ في حياتهم ، فحيثُما التفت المَكِّيُ رأى جبالاً شاهقةً موزعةً في كل الأنحاء ، ومن يحج البيت الحرام يعرف مصداق هذه الآية ، ويبدو أن كفار قريش سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن مصير هذه الجبال ؟ فقال الله عزَّ وجل :

      

لا يبقى منها شيء ..

      

أي يذر مكانها أرضاً منبسطةً ملساء ، قاعاً أي أرضاً ممهدةً ملساء..

      

العوج هو المنخفض ، والأمت هو المرتفع ، لا مرتفع ولا منخفض، أو أن هذه الجبال تصبح كالرمال تذروها الرياح ..[وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ(5)] .

( سورة القارعة )

       هذه قدرة الله عزَّ وجل ، فجبل هملايا ارتفاعه اثنا عشر ألف وثمانمئة متر .. أي اثنا عشر كيلو متر تقريباً .. وأعلى نقطة فيه قمة إفرست ، هذا الجبل داخل في هذه الآية :

      

جبال الألب بأوروبا ، وجبال أورال ، وجبال الأطلسي ، وهناك جبال كثيرة ، فهذا جبل قاسيون تلَّة صغيرة ..

      

ولذلك :[إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)] .

( سورة التكوير )

       هذه كلها من مشاهد يوم القيامة ، ويومئذٍ هؤلاء المجرمون ، وهؤلاء الذين عصوا ربَّهم في الدنيا ، وعتوا عن أمره ، وتمرَّدوا ، واستعلَوا ، ورأوا أنهم كل شيء ..

      

أي لا يتلكَّأون ، ولا يتباطأون ، ولا يمتنعون عن تلبية الداعي ، نحن في الدنيا ، إذا جاء بعض الناس الداعي ليأخذه إلى مكانٍ معيَّن ، ليس في إمكانه أن يقول : لا أذهب ، فكيف إذا جاء الداعي من قِبَلِ الله سبحانه وتعالى ، إذا جاء الداعي من قبل إنسانٍ لا تستطيع ألا تلبِّي دعوته ، فكيف إذا جاء الداعي من قبل الواحد الديَّان ؟ فلذلك ارتكب أحدهم عملاً فظيعاً ، وذهب إلى الحج ليستغفر الله عزَّ وجل فكان يقول : " رب اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل " ، فقال له أعرابيٌ : " يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟! " ، فقال : " ذنبي عظيم " ، فذكر له قصةً مروِّعة ، يبدو أنه كان في بيت ، وقد قتل الزوجَ والولد فأعطته الزوجة ، طبعاً هو يهدف أن يأخذ ما في هذا البيت ، فأعطته الزوجة درعاً مُذْهَبَةً كتب عليها بيتان من الشعر فوقع مغمياً عليه :

إذا جار الأمير وحاجـــباه           وقاضي الأرض أسرف في القضاء

فـويلٌ ثم ويلٌ ثم ويــــلٌ           لقاضي الأرض من قاضي السـماء

*  *  *

       فإذا جاء يومئذٍ الداعي ..

     

لا عوج ، ولا تلكُّؤ ، ولا تريُّث ، ولا رفض ، ولا تمرُّد أبداً ..

      

فنحن في الدنيا إذا جاء داعي الموت ، مَنْ مِنَ الناس يستطيع أن يرفض هذه الدعوة ؟ ولو كنتم في بروجٍ مشَيَّدة .. لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس .. هكذا قال أحد الشعراء في العصر العباسي :

لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس     وإن تمنعت بالـحجاب والـحـرس

فما تزال سهام المــوت نـافـذةً     فـي جـنب مـدَّرعٍ منها ومُـتَّرس

أراك لست بـوقـافٍ و لا حـذرٍ      كالحاطب الخابط الأعواد في الغَلَـسِ

ترجو النجاة ولم تسلك مســالكها     إن الســفينة لا تجـري على اليَبَسِ

*  *  *

       ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها .. فقد تجد الناس يقولون : " الله يرحمنا ، والله يغفر لنا ، ونحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان ، فالله يتولانا بعفوه ، ولا تسعنا إلا مغفرته " ، هذا كلام لا يسمن ولا يغني من جوع ، إذ لابدَّ من العمل ، فطلب الجنة من دون عمل ذنبٌ من الذنوب ، هذا الذي يطلب الجنة بلا عمل كالمستهزئ بربه ..

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا      فـإنا منـحنا بالرضا من أحبنا

و لُذ بحمانا و احتمِ بـجنابنـا      لنحميك مما فيه أشــرار خلقنا

و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغلٌ      وأخلص لنا تلق المسرَّة و الـهنا

*  *  *

       وبعدئذٍ يقول ناظم هذه القصيدة :

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي     رأوه لما ولَّيت عـنا لغـيـرنا

ولو سـمعت أذناك حسـن خطابنا    خلعت ثياب العجب عنك وجئتنا

ولو ذقت من طـعـم المـحبة ذرةً   عـذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا

ولو نسمت من قربنا لك نســمةٌ     لـمـت غريباً و اشتياقاً لقـربنا

*  *  *

        فما حبنا سهلٌ .. هنا بيت القصيد :

فما حبنا ســهلٌ ، وكل من ادعى       سهولته قـلـنا لـه : قد جهلـتـنا

فأيسـر ما في الحب للصبِّ قتـله       وأصعب من قتل الفتى يوم هجـرنا

*  *  *

       فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول :

      

وفي الدنيا ينفجر الإنسان أحياناً بالصوت ، ويعلو صوته على صوت الآخرين بدافع من استعلائه أو تمرُّده ، ولكن هذا المجرم يوم القيامة لا تسمع له صوتاً ..

      

خشوع الصوت أي سكونه ..

      

لشدة هول الموقف ،

ليس من يقطع  طُرقاً بطلاً          إنما من يتقي الله البطل

***

البطولة أن تعد لهذا الموقف عُدَّته ، والبطولة أن تعد لهذا الموقف الاستقامة التامة ، والعمل الصالح ، وفهم كتاب الله ، والعمل به ، وأن تحضر مجالس العلم ، وأن تعرف الأمر والنهي ، والحلال والحرام ، والخير والشر ، فهذه هي البطولة .

      

       والله سبحانه وتعالى ينفي نفع الشفاعة إحقاقاً للحق وتنفيذاً لوعده ووعيده ، وعد الله بالجنة ، ووعيده بالنار ، فإذا نفعت الشفاعة بمعناها الضيِّق ، تعطَّل الوعد والوعيد ، وتعطَّل الثواب والعقاب ، ولم يحق الحق، وكان ذلك مخالفاً لما ذكره الله سبحانه وتعالى في آياتٍ أخرى ، لكن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حقٌ ولها تفصيلٌ ذكرناه في دروس العقيدة ، شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا ينالُها إلا من مات غير مشركٍ بالله عزَّ وجل ، هذا ورد في صحيح الأحاديث .. " لا تنال النفس شفاعة النبي إلا إذا كانت موحدةً في الدنيا " .. ولها شروطٌ ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " يا فاطمة .. مشيراً إلى المعنى الساذج للشفاعة الذي يتعلق به عامة الناس ، يظنون أنهم إذا آمنوا بشفاعة النبي فلهم أن يفعلوا ما يفعلون من المنكرات والآثام والمعاصي والنبي صلى الله عليه وسلم يدخلهم الجنة ، وانتهى الأمر ، إذن تعطل الدين كله ، فالشفاعة لها معنىً آخر لا مجال الآن لذكرها بالتفصيل ، ولكنها حقٌ ويجب أن نعتقد بها ، وهي من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة ، لكن بمفهومها الساذج أن يفعل الإنسان ما يفعل من شرورٍ ، وآثامٍ ، ومعاصٍ ، وأن يمتنع عن أداء الحقوق والواجبات ويقول : سَـيُشْفَعُ لي ، فأنا من أمة محمد ، هذا الكلام ليس مقبولاً في نص هذه الآية ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام :((يا فاطمة بنت محمد أنا لا أغني عنك من الله شيئاً ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم)) .

       وفي قولٍ آخر إن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يرى بعضاً من أمته يسحبون إلى النار فيقول : ((أمتى أمتي فيقال له : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ، فيقول : سحقاً سحقاً)) .

     

 فالشفاعة كما قلت قبل قليل حقٌ ، ولكن لمن أذن له الرحمن ، والنبي عليه الصلاة والسلام صاحب الشفاعةٍ العُظمى ، ولكن شفاعته مقيدةٌ بأن يموت المرء غير مشركٍ بالله عزَّ وجل ، فمن لم يشرك بالله عزَّ وجل ، واتبع سُنَّته في الدنيا ، شفع له النبي عليه الصلاة والسلام في الآخرة ، فكانت كرامة الله عزَّ وجل لهذا النبي بأن يسوق الخير للمؤمنين على يديه ، أما في القسم الأخير من هذه الآية :

      

فحتى الشفاعة نفسها لا تجدي إلا في حالةٍ واحدة :

      

وهذا مِصْداق قوله تعالى :[وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى] .

( سورة الأنبياء : من آية " 28 " )

      

أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم أعمال كل الخلق ..

      

أمَّا هم ..

      

فلذلك من السذاجة أن تظن أنك تعلم كل شيء ..[وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا(85)] .

( سورة الإسراء )

[وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ] .

( سورة البقرة : من آية " 255 " )

      

فالإنسـان أحياناً كما قال بعض العلماء : العَجز عن الإدراك إدراك ، فحينما ترى أن الله سبحانه وتعالى لا نهائيّ في كل شيء ، وأن علمه لا يُحَد بحد ، وأن قدرته لا تحد ، وأن عظمته لا تحد ، عندئذٍ تستسلم لهذه الذات الكاملة ، ولا يسعك إلا  أن تعبد الله سبحانه وتعالى ، وأن تشكره على عطائه ، وهذا مصداق قوله تعالى :[بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66)] .

( سورة الزمر )

      

أي خضعت .

       

أي من حمل ظلماً يأتي يوم القيامة وهو من أشد الناس خسارةً ، خاب ، ولم يحقق الهدف ، فلذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :((الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

( صحيح البخاري : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ )

      وأشد أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه ، ومعنى ظلم النفس أن يحرمها معرفة الله عزَّ وجل ، وهذا أشد أنواع الظلم ، [وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)] .

( سورة البقرة )

       وحينما تحرم نفسك لذَّة معرفة الله وسعادة القرب منه ، فهذا من أشد أنواع الظلم .

      

        والله الذي لا إله إلا هو لَزوالُ السماوات والأرض أهون على الله من أن تستقيم على أمره ، وأن تعمل صالحاً ، وأن يَخِيبَ مسعاك ، وأن تُهْضَمَ حقوقك ، ولذلك هذه الآية تبثُّ التفاؤل في النفس ، وتبثُّ البشر .

      

عرف الله وخدم الخلق ، وكان مستقيما في علاقته بالناس ، وقدَّم  للناس خدماتٍ صحيحة مخلصة ابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل ، وانطلق من قول النبي عليه لصلاة والسلام : ((الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)).

       فمن كان عمله صالحاً ، ومن خدم بني البشر ابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل ، ومن صَدَقَهُم ، ومن أخلص لهم ، ومن أعانهم على مصـائبهم ، ومن خفف عنهم تبعات الحياة .

      

ولكن العمل الصالح مقيدٌ بالإيمان ، ومن دون إيمان ربما كان هذا العمل الصالح ذكاءً ، وكياسةً ، وسياسةً ، وحِذْقاً في تصريف الأمور ، وربما تكون محسناً ليقول الناس عنك كذلك ، وليرتفع اسمك لدى من تعاشره ، ولكن البطولة أن تعمل صالحاً وأنت مؤمن ، فالعمل الصالح إذا بني على الإيمان كان ابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل .

      


 

لا أن يُظْلَم ، ولا أن تُهْضَمَ حقوقه .

      

معنى عربياً أي واسع البيان ..